[٣٥٣] (كَانَ النَّاسُ مَجْهُودِينَ) الْجَهْدُ بِالْفَتْحِ الْمَشَقَّةُ وَالْعُسْرَةُ يُقَالُ جَهَدَ الرَّجُلُ فَهُوَ مَجْهُودٌ إِذَا وَجَدَ مَشَقَّةً وَجَهَدَ النَّاسُ فَهُمْ مَجْهُودُونَ إِذَا أَجْدَبُوا وَمُجْهِدُونَ مُعْسِرُونَ
كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْمَشَقَّةِ وَالْعُسْرَةِ لِشِدَّةِ فَقْرِهِمْ (مُقَارِبَ السَّقْفِ) لِقِلَّةِ ارْتِفَاعِ الْجِدَارِ (إِنَّمَا هُوَ) أَيْ سَقْفُ الْمَسْجِدِ (عَرِيشٌ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ هُوَ كُلُّ مَا يُسْتَظَلُّ بِهِ
وَالْمُرَادُ أَنَّ سَقْفَ الْمَسْجِدِ كَانَ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ كَمَا فِي رِوَايَةِ المؤلف عن بن عُمَرَ أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ وَسَقْفُهُ بِجَرِيدٍ وَعُمُدُهُ الْخَشَبُ (حَتَّى ثَارَتْ مِنْهُمْ رِيَاحٌ) أَيْ طَارَتْ وَانْتَشَرَتْ (آذَى بِذَلِكَ) الرِّيحِ (بَعْضُهُمْ) فَاعِلُ آذَى (بَعْضًا) مَفْعُولُ آذَى (وَكُفُوا الْعَمَلَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنْ كَفَى يَكْفِي وَلَفْظَةُ كَفَى تَجِيءُ لِمَعَانٍ مِنْهَا أَجْزَأَ وَأَغْنَى وَمِنْهَا وَقَى
وَالْأُولَى مُتَعَدِّيَةٌ لِوَاحِدٍ كَقَوْلِهِ قَلِيلٌ منك يكفيني ولكن قليل لَا يُقَالُ لَهُ قَلِيلُ
وَالثَّانِيَةُ مُتَعَدِّيَةٌ لِاثْنَيْنِ كقوله تعالى كفى الله المؤمنين القتال وههنا بِمَعْنَى وَقَى أَيْ وَقَاهُمْ خُدَّامُهُمْ وَغِلْمَانُهُمْ عَنِ الْعَمَلِ وَالتَّعَبِ وَالشِّدَّةِ (وَذَهَبَ بَعْضُ الَّذِي كَانَ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنَ الْعَرَقِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْجَسَدِ وَقْتَ الْحَرَارَةِ
وَقَوْلُهُ مِنَ الْعَرَقِ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ بَعْضُ الَّذِي وَالْمَعْنَى أَنَّ الْعَرَقَ الَّذِي كَانَ يُؤْذِي بِهِ بَعْضُهُمْ ذَهَبَ وَزَالَ بِسَبَبِ لُبْسِهِمْ غَيْرَ الصُّوفِ
[٣٥٤] (مَنْ تَوَضَّأَ فَبِهَا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَالَ الأصمعي أي فبالسنة أخذ
انتهى
وقال بن الأثير والباء في قوله فيها مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أَيْ فَبِهَذِهِ الْخَصْلَةِ أَوِ الْفَعْلَةِ يَعْنِي الْوُضُوءَ يَنَالُ الْفَضْلَ انْتَهَى (وَنِعْمَتْ) بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَرُوِيَ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ
وَفَتْحِ الْمِيمِ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ
قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ نِعْمَتِ الْخَصْلَةُ أَوْ نِعْمَتِ الْفَعْلَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ
وَإِنَّمَا أُظْهِرَتِ التَّاءُ الَّتِي هِيَ عَلَامَةُ التَّأْنِيثِ لِإِضْمَارِ السُّنَّةِ أَوِ الْخَصْلَةِ أَوِ الْفَعْلَةِ
انْتَهَى
(وَمَنِ اغْتَسَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَفِيهِ الْبَيَانُ الْوَاضِحُ أَنَّ الْوُضُوءَ كَافٍ لِلْجُمْعَةِ وَأَنَّ الْغُسْلَ لَهَا فَضِيلَةٌ لَا فَرِيضَةٌ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ غُسْلَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِيهِ فَضْلٌ مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ
انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ فَأَمَّا الْحَدِيثُ فَعَوَّلَ عَلَى الْمُعَارَضَةِ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ قَوْلُهُ فَالْغُسْلِ أَفْضَلُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي اشْتَرَاكُ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فِي أَصْلِ الْفَضْلِ فَيَسْتَلْزِمُ إِجْزَاءُ الْوُضُوءِ وَلِهَذَا الْحَدِيثِ طُرُقٌ أَشْهَرُهَا وَأَقْوَاهَا رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ سمرة أخرجها أصحاب السنن الثلاثة وبن خزيمة وبن حِبَّانَ وَلَهُ عِلَّتَانِ إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ مِنْ عَنْعَنَةِ الْحَسَنِ وَالْأُخْرَى أَنَّهُ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ وَأَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أبي سعيد وبن عَدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثُ سَمُرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ
وَقَالَ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ كِتَابٌ وَلَمْ يَسْمَعِ الْحَسَنُ مِنْ سَمُرَةَ إِلَّا حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ سَمُرَةَ شَيْئًا وَلَا لَقِيَهُ وَقِيلَ إِنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ وَمِنْهُمْ مَنْ عَيَّنَ سَمَاعَهُ لِحَدِيثِ الْعَقِيقَةِ كَمَا ذَكَرَهُ النَّسَائِيُّ
وَقَوْلُهُ فَبِهَا وَنِعْمَتْ أي فالبرخصة أَخَذَ وَنِعْمَتِ السُّنَّةُ تَرَكَ
وَقِيلَ فَبِالسُّنَّةِ (أَخَذَ وَنِعْمَتِ الْخَصْلَةُ الْوُضُوءُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ الَّذِي تُرِكَ هُوَ السُّنَّةُ وَهُوَ الْغُسْلُ
انْتَهَى)
٣
([٣٥٥] بَابُ الرجل يسلم)
مِنَ الْإِسْلَامِ وَهُوَ الْإِقْرَاُرُ بِكَلِمَةِ الشَّهَادَتَيْنِ (فَيُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ) (فَأَمَرَنِي أَنْ أَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) فِيهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ يُؤْمَرُ بِالْغُسْلِ لِأَنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا الْغُسْلُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لَا عَلَى الْإِيجَابِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَغْتَسِلَ فَإِنْ لَمْ يفعل ولم
يَكُنْ جُنُبًا أَجْزَأَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّي
وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو ثَوْرٍ يُوجِبَانِ الِاغْتِسَالَ عَلَى الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ قَوْلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَقَالُوا لَا يَخْلُو الْمُشْرِكُ فِي أَيَّامِ كُفْرِهِ مِنْ جِمَاعٍ أَوِ احْتِلَامٍ وَهُوَ لَا يَغْتَسِلُ وَلَوِ اغْتَسَلَ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ لِأَنَّ الِاغْتِسَالَ مِنَ الْجَنَابَةِ فَرْضٌ مِنْ فُرُوضِ الدِّينِ وَهُوَ لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا بَعْدَ الْإِيمَانِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا
وَكَانَ مَالِكٌ يَرَى أَنْ يَغْتَسِلَ الْكَافِرُ إِذَا أَسْلَمَ
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُشْرِكِ يَتَوَضَّأُ فِي حَالِ شِرْكِهِ ثُمَّ يُسْلِمُ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْوُضُوءِ الْمُتَقَدِّمِ فِي حَالِ شِرْكِهِ لَكِنَّهُ لَوْ تَيَمَّمَ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ التَّيَمُّمَ فِي الْإِسْلَامِ إِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِدًا لِلْمَاءِ وَالْفَرْقُ مِنَ الْأَمْرَيْنِ عِنْدَهُمْ أَنَّ التَّيَمُّمَ مُفْتَقِرٌ إِلَى النِّيَّةِ وَنِيَّةُ الْعِبَادَةِ لاتصح من مشرك والطهارة بالماء غير مفتقر إِلَى النِّيَّةِ فَإِذَا وُجِدَتْ مِنَ الْمُشْرِكِ صَحَّتْ فِي الْحُكْمِ كَمَا تُوجَدُ مِنَ الْمُسْلِمِ سَوَاءً