بِسُكُونِ اللَّامِ وَتُفْتَحُ أَيْ أَخَذَ إِبْهَامُهُ بِأُصْبُعِهِ الْوُسْطَى الْحَلْقَةَ (وَرَأَيْتُهُ يَقُولُ هَكَذَا) هَذِهِ مَقُولَةُ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِي رَأَيْتُهُ يَرْجِعُ إِلَى شَيْخِهِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ أَيْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ هَكَذَا
فَفِيهِ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ (وَأَشَارَ) بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ وَهَذِهِ مَقُولَةُ مُسَدَّدٍ
[٧٢٧] (وَالرُّسْغُ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونُ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ هُوَ الْمَفْصِلُ بَيْنَ السَّاعِدِ وَالْكَفِّ (وَالسَّاعِدِ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى الرُّسْغِ وَالرُّسْغُ مَجْرُورٌ لِعَطْفِهِ عَلَى قَوْلِهِ كَفِّهِ الْيُسْرَى
وَالْمُرَادُ أَنَّهُ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى كَفِّ يَدِهِ الْيُسْرَى وَرُسْغِهَا وَسَاعِدِهَا
وَلَفْظُ الطَّبَرَانِيِّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ قَرِيبًا مِنَ الرُّسْغِ (تَحَرَّكُ أَيْدِيهِمْ تَحْتَ الثِّيَابِ) مِنْ رَفْعِ الْيَدَيْنِ وَتَحَرَّكُ صِيغَةُ الْمُضَارِعُ مِنَ التَّفَعُّلِ بِحَذْفِ إِحْدَى التَّائَيْنِ
[٧٢٨] (وَعَلَيْهِمْ بَرَانِسُ وَأَكْسِيَةٌ) بَرَانِسُ جَمْعُ بُرْنُسٍ هُوَ كُلُّ ثَوْبٍ رَأْسُهُ مِنْهُ مُلْتَزِقٌ بِهِ مِنْ ذراعه
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ فِيهِ وَضْع الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي الْقِيَام
وَفِي الْبَاب حَدِيث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ كَانَ النَّاس يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَع الرَّجُل الْيَد الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعه الْيُسْرَى فِي الصَّلَاة قَالَ أَبُو حَازِمٍ لَا أَعْلَمهُ إِلَّا يُنْمِي ذَلِكَ
رَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْهُ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ فَقَالَ وَضْع الْيَدَيْنِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فِي الصَّلَاة
وَقَالَ فِي الْبَاب عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ أَنَّهُ قَالَ مِنْ كَلَام النُّبُوَّة إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَافْعَلْ مَا شِئْت وَوَضْع الْيَدَيْنِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فِي الصَّلَاة تَضَع الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَتَعْجِيل الْفِطْر وَالْاِسْتِينَاء يَعْنِي التَّأَنِّي بِالسُّحُورِ قَالَ أَبُو عُمَرَ تَضَع الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى مِنْ كَلَام مَالِكٍ
وَهَذِهِ التَّرْجَمَة وَالدَّلِيل وَالتَّفْسِير صَرِيح فِي أَنَّ مَذْهَبه
وَضْع الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى
وَقَدْ رَوَى أَبُو حَاتِم بْن حِبَّان فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث بن وَهْبٍ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّهُ سَمِعَ عطاء بن أبي رباح يحدث عن بن عباس أن رسول الله ﷺ قَالَ إِنَّا مَعْشَر الْأَنْبِيَاء أُمِرْنَا أَنْ نُؤَخِّر سُحُورنَا وَنُعَجِّل فِطْرنَا وَأَنْ نُمْسِك بِأَيْمَانِنَا على شمائلنا في صلاتنا
أَوْ جُبَّةٍ أَوْ غَيْرِهِ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ هُوَ قَلَنْسُوَةٌ طَوِيلَةٌ كَانَ النُّسَّاكُ يَلْبَسُونَهَا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْبِرْسِ بِكَسْرِ بَاءٍ الْقُطْنِ وَأَكْسِيَةٌ جمع كساء
([٧٣٠] بَابُ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ)
(فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رسول الله) أَيْ فِي مَحْضَرِ عَشَرَةٍ يَعْنِي بَيْنَ عَشَرَةِ أَنْفُسٍ وَحَضْرَتِهِمْ (أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ) فِيهِ مَدْحُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ لِمَنْ يَأْخُذُ عَنْهُ لِيَكُونَ كَلَامُهُ أَوْقَعَ وَأَثْبَتَ عِنْدَ السَّامِعِ كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ مَدْحُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ وَافْتِخَارُهُ فِي الْجِهَادِ لِيُوقِعَ الرَّهْبَةَ فِي قُلُوبِ الْكُفَّارِ (مَا كُنْتَ بِأَكْثَرِنَا لَهُ تَبَعَةً) أَيِ اقْتِدَاءً لِآثَارِهِ وسننه (قَالُوا فَاعْرِضْ) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ أَيْ إِذَا كُنْتَ أَعْلَمُ فَاعْرِضْ
فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ عَرَضْتُ عَلَيْهِ أَمْرَ كَذَا أَوْ عَرَضْتُ لَهُ الشَّيْءَ أَظْهَرْتُهُ وَأَبْرَزْتُهُ إِلَيْهِ اعْرِضْ بِالْكَسْرِ لَا غَيْرَ أَيْ بَيِّنْ عِلْمَكَ بِصَلَاتِهِ ﵇ إِنْ كُنْتَ صادقا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ حَدِيث أَبِي حُمَيْدٍ هَذَا حَدِيث صَحِيح مُتَلَقًّى بِالْقَبُولِ لَا عِلَّة لَهُ
وَقَدْ أَعَلَّهُ قَوْم بِمَا بَرَّأَهُ اللَّه وَأَئِمَّة الْحَدِيث مِنْهُ
وَنَحْنُ نَذْكُر مَا عَلَّلُوهُ بِهِ ثُمَّ نُبَيِّن فساد تعليلهم وبطلانه بعون الله
فِيمَا تَدَّعِيهِ لِنُوَافِقُكَ إِنْ حَفِظْنَاهُ وَإِلَّا اسْتَفَدْنَاهُ (حَتَّى يَقَرَّ) أَيْ يَسْتَقِرَّ (وَيَضَعَ رَاحَتَيْهِ) أَيْ كَفَّيْهِ (ثُمَّ يَعْتَدِلَ) أَيْ فِي الرُّكُوعِ بِأَنْ يُسَوِّيَ رَأْسَهُ وَظَهْرَهُ حَتَّى يَصِيرَا كَالصَّفْحَةِ وَتَفْسِيرُهُ قَوْلَهُ (فَلَا يَصُبُّ رَأْسَهُ) مِنَ الصَّبِّ أَيْ لَا يُمِيلُهُ إِلَى أَسْفَلَ وَفِي نُسْخَةِ الْخَطَّابِيُّ لَا يَنْصِبُ حَيْثُ قَالَ قَوْلَهُ لَا يَنْصِبُ رَأْسَهُ هَكَذَا جَاءَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَنَصْبُ الرأس معروف ورواه بن الْمُبَارَكِ عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ سَمِعَهُ مِنْ عَبَّاسٍ هُوَ بن سَهْلٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ قَالَ فِيهِ لَا يُصَبِّي رَأْسَهُ وَلَا يُقْنِعُهُ يُقَالُ صَبَّى الرَّجُلُ رَأْسَهُ يُصَبِّيهُ إِذَا خَفَضَهُ جِدًّا وَقَدْ فَسَّرْتُهُ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ انْتَهَى
وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ
وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُصَبِّي رَأْسَهُ فِي الرُّكُوعِ وَلَا يُقْنِعُهُ أَيْ لَا يَخْفِضُهُ كَثِيرًا وَلَا يُمِيلُهُ إِلَى الْأَرْضِ مِنْ صَبَا إِلَيْهِ يَصْبُو إِذَا مَالَ وَصَبَّى رَأْسَهُ تَصْبِيَةً شُدِّدَ لِلتَّكْثِيرِ وَقِيلَ هُوَ مَهْمُوزٌ مِنْ صَبَأَ إِذَا خَرَجَ مِنْ دِينٍ وَيُرْوَى لَا يَصْبُ انْتَهَى
وَقَالَ فِي الْمِرْقَاةِ وَفِي النِّهَايَةِ وَشَدَّدَهُ لِلتَّكْثِيرِ
قُلْتُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لِلتَّعْدِيَةِ
وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ الصَّوَابُ يُصَوِّبُ
قُلْتُ إِذَا صَحَّ صَبَّى لُغَةٌ وَرِوَايَةٌ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ وَالصَّوَابُ
انْتَهَى (وَلَا يُقْنِعُ) مِنْ أَقْنَعَ رَأْسَهُ إِذَا رَفَعَ أَيْ لَا يَرْفَعُهُ حَتَّى يَكُونَ أَعْلَى مِنْ ظَهْرِهِ (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ) أَيْ إِلَى الْقَامَةِ بِالِاعْتِدَالِ (مُعْتَدِلًا) حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَرْفَعُ (ثُمَّ يَهْوِي إِلَى الْأَرْضِ) أَيْ يَنْزِلُ وَالْهُوِيُّ السُّقُوطُ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى أَسْفَلَ (فَيُجَافِي يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ) أَيْ يُبَاعِدُ (ويثني) بفتح الياء الأول أي يعطف (ويفتح أصابع رجليه) بالخاء المعجمة وأصل الفتح اللين
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال بن الْقَطَّانِ فِي كِتَابه الْوَهْم وَالْإِيهَام هَذَا الْحَدِيث مِنْ رِوَايَة عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ صَدُوق وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ
وَأَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ
وَضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فِي رِوَايَة عَنْهُ
وَكَانَ الثَّوْرِيُّ يَجِد عليه من أجل القدر
فيجب التَّثَبُّت فِيمَا رَوَى مِنْ قَوْله فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ فَإِنَّ أَبَا قَتَادَةُ تُوُفِّيَ فِي زَمَن عَلِيٍّ وَصَلَّى عَلَيْهِ عَلِيٌّ
وَهُوَ مِمَّنْ قَاتَلَ مَعَهُ وَسِنّ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو مُقَصِّرَة عَنْ إِدْرَاك ذَلِكَ
قَالَ وَقِيلَ فِي وَفَاة أَبِي قَتَادَةَ غَيْر ذَلِكَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَة أَرْبَع وَخَمْسِينَ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ الصَّحِيح مَا ذَكَرْنَاهُ
وَقِيلَ فِي سَنَة أَرْبَعِينَ ذَكَرَ هَذَا التَّعْلِيل أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ
قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَالَّذِي زَادَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو غَيْر مَعْرُوف وَلَا مُتَّصِل لِأَنَّ فِي حَدِيثه أَنَّهُ حَضَرَ أَبَا حُمَيْدٍ وَأَبَا قَتَادَةَ وَوَفَاة أَبِي قَتَادَةَ قَبْل ذَلِكَ بِدَهْرٍ طَوِيل لِأَنَّهُ قُتِلَ مَعَ عَلِيٍّ وَصَلَّى عَلَيْهِ عَلِيٌّ
فَأَيْنَ سِنّ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ هَذَا قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جعفر ضعيف
قال بن الْقَطَّانِ وَيَزِيد هَذَا الْمَعْنَى تَأْكِيدًا أَنَّ
أَيْ يَثْنِيهَا وَيُلِينُهَا فَيُوَجِّهُهَا إِلَى الْقِبْلَةِ
وَفِي النِّهَايَةِ أَيْ يُلِينُهَا فَيَنْصِبُهَا وَيُغْمِضُ مَوْضِعَ الْمَفَاصِلِ وَيَثْنِيهَا إِلَى بَاطِنِ الرِّجْلِ (ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ إِلَى مَوْضِعِهِ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لَا تَشَهُّدَ فِيهَا وَيَجِيءُ بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ مَبْسُوطًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وفيه أيضا أنه قعد قعدة بعد ما رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ الْقِيَامِ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ لَا يَقْعُدْهَا وَرَوَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْهَضُونَ عَلَى صُدُورِ أَقْدَامِهِمْ (أَخَّرَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى) أَيْ أَخْرَجَ مِنْ تَحْتِ مَقْعَدَتِهِ إِلَى الْأَيْمَنِ (وَقَعَدَ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقّهِ الْأَيْسَرِ) أَيْ مُفْضِيًا بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إِلَى الْأَرْضِ غَيْرَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
عَطَّافَ بْنَ خَالِدٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ حَدَّثَنَا رَجُل أَنَّهُ وَجَدَ عَشَرَة مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ جُلُوسًا فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث أَبِي عَاصِمٍ وَعَطَّافِ بْنِ خَالِدٍ مَدَنِيّ لَيْسَ بِدُونِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَإِنْ كَانَ الْبُخَارِيُّ حَكَى أَنَّ مَالِكًا لَمْ يَحْمَدهُ قَالَ وَذَلِكَ لَا يَضُرّهُ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْر مُفَسَّر مِنْ مَالِكٍ بِأَمْرٍ يَجِبُ لِأَجْلِهِ تَرْك رِوَايَته
قَالَ وَقَدْ اِعْتَرَضَ الطَّبَرَانِيُّ عَلَى مَالِكٍ فِي ذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَم تَفْسِير الْجَرْح بِأَمْرٍ آخَر لَا يَرَاهُ صَوَابًا وَهُوَ أَنْ قَالَ وَحَتَّى لَوْ كَانَ مَالِكٌ قَدْ فَسَّرَ لَمْ يَجِب أَنْ يَتْرُك بِتَجْرِيحِهِ رِوَايَة عَطَّافٍ حَتَّى يَكُون مَعَهُ مُجَرِّح آخَر قَالَ بن الْقَطَّانِ وَإِنَّمَا لَمْ يَرَهُ صَوَابًا لِوَجْهَيْنِ
أَحَدهمَا أَنَّ هَذَا الْمَذْهَب لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ إِذَا جُرِحَ وَاحِد بِمَا هُوَ جَرْحه قَبْل
فَإِنَّهُ نَقْل مِنْهُ لِحَالٍ سَيِّئَة تَسْقُط بِهَا الْعَدَالَة وَلَا يُحْتَاج فِي النَّقْل إِلَى تَعَدُّد الرُّوَاة
والوجه الثاني أن بن مَهْدِيٍّ أَيْضًا لَمْ يَرْضَ عَطَّافًا لَكِنْ لَمْ يُفَسِّر بِمَاذَا لَمْ يَرْضَهُ فَلَوْ قَبِلْنَا قَوْله فِيهِ قَلَّدْنَاهُ فِي رَأْي لَا فِي رِوَايَة
وغير مالك وبن مَهْدِيٍّ يُوَثِّقهُ
قَالَ أَبُو طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ
هُوَ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة ثِقَة صَحِيح الْحَدِيث
روى نحو مائة حديث
وقال بن مَعِينٍ صَالِح الْحَدِيث لَيْسَ بِهِ بَأْس
وَقَدْ قال بن مَعِينٍ مَنْ قُلْت لَيْسَ بِهِ بَأْس فَهُوَ عِنْدِي ثِقَة
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ لَيْسَ بِهِ بَأْس
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ لَيْسَ بِذَاكَ
قَالَ بن الْقَطَّانِ وَلَعَلَّهُ أَحْسَن حَالًا مِنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَهُوَ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ بَيْن محمد بن عمرو وَبَيْن أُولَئِكَ الصَّحَابَة رَجُلًا
قَالَ وَلَوْ كَانَ هَذَا عِنْدنَا مُحْتَاجًا إِلَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيث للقضاء بانقطاعه لكتبته في المدرك الَّذِي قَدْ فَرَغْت مِنْهُ وَلَكِنَّهُ غَيْر مُحْتَاج إِلَيْهِ لِلْمُقَرَّرِ مِنْ تَارِيخ وَفَاة أَبِي قَتَادَةَ وَتَقَاصُر سِنّ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ إِدْرَاك حَيَاته رَجُلًا
فَإِنَّمَا جَاءَتْ رِوَايَة عَطَّافٍ عَاضِدَة لِمَا قَدْ صَحَّ
قَاعِدٍ عَلَى رِجْلَيْهِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَفِيهِ مِنَ السُّنَّةِ أَنَّ الْمُصَلِّي أَرْبَعًا يَقْعُدُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ عَلَى بَطْنِ قَدَمِهُ الْيُسْرَى وَيَقْعُدُ فِي الرَّابِعَةِ مُتَوَرِّكًا وَهُوَ أَنْ يَقْعُدَ عَلَى وَرِكِهِ وَيُفْضِي بِهِ إِلَى الْأَرْضِ وَلَا يَقْعُدُ عَلَى رِجْلِهِ كَمَا يَقْعُدُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ
وَكَانَ مَالِكٌ يَذْهَبُ إِلَى الْقُعُودِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ سَوَاءٌ بِحَيْثُ أَنْ يَكُونَ وَرِكُهُ عَلَى وَرِكِهِ وَلَا يَقْعُدُ عَلَى بَطْنِ قَدَمِهِ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى وَكَذَلِكَ يَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ
وَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَرَى الْقُعُودَ عَلَى قَدَمِهِ فِي الْقَعْدَتَيْنِ جَمِيعًا وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ (قَالُوا) أَيِ الْعَشَرَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ البخاري والترمذي والنسائي وبن ماجه مختصرا ومطولا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَفَرَغَ مِنْهُ
قَالَ وَقَدْ رَوَاهُ عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ فِيهِ عَنْ عَيَّاشٍ أَبُو عَبَّاسِ بن سهل الساعدي
أنه كان في مجلس فِيهِ أَبُو قَتَادَةَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو أَسِيدٍ وَأَبُو حُمَيْدٍ وَلَمْ يَذْكُر فِيهِ مِنْ الْفَرْق بَيْن الْجُلُوسَيْنِ مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ
ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحه
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ سَمِعَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ وَيَزِيدَ بْنَ مُحَمَّدٍ سَمِعَا مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أنه كان جالسا في نفر من أصحاب النَّبِيّ ﷺ فَذَكَرَ فِي صَلَاة النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ أَنَا كُنْت أَحْفَظكُمْ لِصَلَاةِ رَسُول اللَّه ﷺ
رَأَيْته إِذَا كَبَّرَ فَذَكَرَ الْحَدِيث
وَهَذَا لَا ذِكْر فِيهِ لِأَبِي قَتَادَةَ وَلَكِنْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْر لِسَمَاعِهِ مِنْ أَبِي حُمَيْدٍ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ ظَاهِره
هَذَا آخِر كَلَامه
وَهُوَ مَعَ طُوله مَدَاره عَلَى ثَلَاثه فُصُول
(أَحَدهَا) تَضْعِيف عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَالثَّانِي) تَضْعِيف مُحَمَّدِ بن عمرو بن عطاء والثالث) اِنْقِطَاع الْحَدِيث بَيْن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو وَبَيْن الصَّحَابَة الَّذِينَ رَوَاهُ عَنْهُمْ
وَالْجَوَاب عَنْ هَذِهِ الْفُصُول
(أَمَّا الْأَوَّل) فَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ قَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فِي جَمِيع الرِّوَايَات عَنْهُ
وَوَثَّقَهُ الْإِمَام أَحْمَدُ أَيْضًا وَاحْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحه وَلَمْ يُحْفَظ عَنْ أَحَد مِنْ أَئِمَّة الْجَرْح وَالتَّعْدِيل تَضْعِيفه بِمَا يُوجِب سُقُوط رِوَايَته
فَتَضْعِيفه بِذَلِكَ مَرْدُود عَلَى قَائِله وَحَتَّى لَوْ ثَبَتَ عَنْ أَحَد مِنْهُمْ إِطْلَاق الضَّعْف عَلَيْهِ لَمْ يَقْدَح ذَلِكَ فِي رِوَايَته مَا لَمْ يُبَيِّن سَبَب ضَعْفه وَحِينَئِذٍ يُنْظَر فِيهِ هَلْ هُوَ قَادِح أَمْ لَا وَهَذَا إِنَّمَا يُحْتَاج إِلَيْهِ عِنْد الِاخْتِلَاف فِي تَوْثِيق الرَّجُل وَتَضْعِيفه وَأَمَّا إِذَا اِتَّفَقَ أَئِمَّة الْحَدِيث عَلَى تَضْعِيف رَجُل لَمْ يُحْتَجْ إِلَى ذِكْر سَبَب ضَعْفه هَذَا أَوْلَى مَا يُقَال فِي مَسْأَلَة التَّضْعِيف الْمُطْلَق وَأَمَّا الْفَصْل الثَّانِي وَهُوَ تَضْعِيف مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ فَفِي غَايَة الْفَسَاد فَإِنَّهُ مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ الْمَشْهُورِينَ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَة وَالثِّقَة وَقَدْ وَثَّقَهُ أَئِمَّة الْحَدِيث كَأَحْمَدَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَغَيْرهمْ وَاتَّفَقَ صَاحِبَا الصَّحِيح عَلَى الِاحْتِجَاج بِهِ وَتَضْعِيف يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ لَهُ إِنْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
صَحَّ عَنْهُ فَهُوَ رِوَايَة الْمَشْهُور عَنْهُ خِلَافهَا وَحَتَّى لَوْ ثَبَتَ عَلَى تَضْعِيفه فَأَقَامَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُبَيِّن سَبَبه لَمْ يُلْتَفَت إِلَيْهِ مَعَ تَوْثِيق غَيْره مِنْ الْأَئِمَّة لَهُ وَلَوْ كَانَ رَجُل ضَعَّفَهُ رَجُل سَقَطَ حَدِيثه لَذَهَبَ عَامَّة الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة مِنْ أَيْدِينَا فَقَلَّ رَجُل مِنْ الثِّقَات إِلَّا وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ آخَر وَأَمَّا قَوْله كَانَ سُفْيَانُ يَحْمِل عَلَيْهِ فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ جِهَة رَأْيه لَا مِنْ جِهَة رِوَايَته وَقَدْ رُمِيَ جَمَاعَة مِنْ الْأَئِمَّة الْمُحْتَجِّ بروايتهم بالقدر كابن أبي عروبة وبن أَبِي ذِئْبٍ وَغَيْرهمَا وَبِالْإِرْجَاءِ كَطَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ وَغَيْره وَهَذَا أَشْهَر مِنْ أَنْ يُذْكَر نَظَائِره وَأَئِمَّة الْحَدِيث لَا يَرُدُّونَ حَدِيث الثِّقَة بِمِثْلِ ذَلِكَ وَأَمَّا الْفَصْل الثَّالِث وَهُوَ اِنْقِطَاع الْحَدِيث فَغَيْر صَحِيح وَهُوَ مَبْنِيّ عَلَى ثَلَاث مُقَدِّمَات إِحْدَاهَا أَنَّ وَفَاة أَبِي قَتَادَةَ كَانَتْ فِي خِلَافَة عَلِيٍّ وَالثَّانِيَة أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو لَمْ يُدْرِك خِلَافَة عَلِيٍّ وَالثَّالِثَة أَنَّهُ لَمْ يَثْبُت سَمَاعه مِنْ أَبِي حُمَيْدٍ بَلْ بَيْنهمَا رَجُل فَأَمَّا الْمَقَام الْأَوَّل وَهُوَ وَفَاة أَبِي قَتَادَةَ فَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ أَجْمَعَ أَهْل التَّوَارِيخ عَلَى أن أبا قتادة الحارث بن رِبْعِيٌّ بَقِيَ إِلَى سَنَة أَرْبَع وَخَمْسِينَ وَقِيلَ بَعْدهَا ثُمَّ رَوَى مِنْ طَرِيق يَعْقُوبِ بْنَ سفيان قال قال بن بُكَيْرٍ قَالَ اللَّيْثُ مَاتَ أَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيُّ سَنَة أَرْبَع وَخَمْسِينَ قَالَ وَكَذَلِكَ قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ فِيمَا أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ عَنْ أَبِي حَامِدٍ المقرئ عَنْهُ وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ الْحَافِظُ فِي كِتَابه مَعْرِفَة الصَّحَابَة وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ مَاتَ بالمدينة سنة خمس وخمسين وهو بن سَبْعِينَ سَنَة قَالَ وَالَّذِي يَدُلّ عَلَى هَذَا أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي قَتَادَةَ وَعَمْرَو بْنَ سُلَيْمٍ الزُّرْقِيَّ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبَاحٍ الْأَنْصَارِيَّ رَوَوْا عَنْ أَبِي قَتَادَةَ وَإِنَّمَا حَمَلُوا الْعِلْم بَعْد أَيَّام عَلِيٍّ فَلَمْ يَثْبُت لَهُمْ عَنْ أَحَد مِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي أَيَّام عَلِيٍّ سَمَاع وَرَوَيْنَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقَيْلٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَة تَلَقَّتْهُ الْأَنْصَار وَتَخَلَّفَ أَبُو قَتَادَةَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْد وَجَرَى بَيْنهمَا مَا جَرَى وَمَعْلُوم أَنَّ مُعَاوِيَةَ إِنَّمَا قَدِمَهَا حَاجًّا قَدْمَته الْأُولَى فِي خِلَافَته سَنَة أَرْبَع وَأَرْبَعِينَ وَفِي تَارِيخ الْبُخَارِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ أَرْسَلَ إِلَى أَبِي قَتَادَةَ وَهُوَ عَلَى الْمَدِينَة أَنْ اُغْدُ مَعِي حَتَّى تُرِينِي مَوَاقِف النَّبِيّ ﷺ وَأَصْحَابه فَانْطَلَقَ مَعَ مَرْوَانَ حَتَّى قَضَى حَاجَته وَمَرْوَانُ إِنَّمَا وَلِيَ الْمَدِينَة فِي أَيَّام مُعَاوِيَةَ ثُمَّ نُزِعَ عَنْهَا سَنَة ثَمَان وَأَرْبَعِينَ وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ ثُمَّ نُزِعَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ سَنَة أَرْبَع وَخَمْسِينَ وَأُمِّرَ عَلَيْهَا مَرْوَانُ قَالَ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنه حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حدثنا عبد الرزاق أخبرنا بن جريج قال سمعت نافعا يزعم أن بن عُمَرَ صَلَّى عَلَى سَبْع جَنَائِز جَمِيعًا فَجَعَلَ الرِّجَال يَلُونَ الْإِمَام وَالنِّسَاء يَلِينَ الْقِبْلَة فَصَفّهنَّ صَفًّا وَاحِدًا وَوُضِعَتْ جِنَازَة أُمِّ كُلْثُومَ اِبْنَةِ علي امرأة عمر بن الخطاب وبن لَهَا يُقَال لَهُ زَيْدٌ وُضِعَا جَمِيعًا وَالْإِمَام يومئذ سعيد بن العاص وفي الناس بن عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ وَأَبُو قَتَادَةَ فوضع الْغُلَام مِمَّا يَلِي الْإِمَام فَقَالَ رَجُل
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
فأنكرت ذلك فنظرت إلى بن عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي قَتَادَةَ فَقُلْت مَا هَذَا قَالُوا هِيَ السُّنَّة فَتَأَمَّلْ سَنَد هَذَا الْحَدِيث وَصِحَّته وَشَهَادَة نَافِعٍ بِشُهُودِ أَبِي قَتَادَةَ هَذِهِ الْجِنَازَة وَالْأَمِير يَوْمئِذٍ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ
وَإِنَّمَا كَانَتْ إِمْرَته فِي خِلَافَة مُعَاوِيَةَ سَنَة ثَمَان وَأَرْبَعِينَ إِلَى سَنَة أَرْبَع وَخَمْسِينَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ
وَهَذَا مِمَّا لَا يَشُكّ فِيهِ عَوَامّ أَهْل النَّقْل وَخَاصَّتهمْ
فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَصْنَعُونَ بِمَا رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ عَلِيًّا صَلَّى عَلَى أَبِي قَتَادَةَ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ سَبْعًا وَكَانَ بَدْرِيًّا وَبِمَا رَوَاهُ الشَّعْبِيُّ قَالَ صَلَّى عَلَى أَبِي قَتَادَةَ وَكَبَّرَ عَلَيْهِ سِتًّا قُلْنَا لَا تَجُوز مُعَارَضَة الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الْمَعْلُومَة الصِّحَّة بِرِوَايَاتِ التَّارِيخ الْمُنْقَطِعَة الْمَغْلُوطَة وَقَدْ خَطَّأَ الْأَئِمَّةُ رِوَايَة مُوسَى هَذِهِ وَمَنْ تَابَعَهُ وَقَالُوا هِيَ غَلَط
قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْره
وَيَدُلّ عَلَى أَنَّهَا غَلَط وُجُوه أَحَدهَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الْمُصَرِّحَة بِتَأْخِيرِ وَفَاته وَبَقَاء مُدَّته بَعْد مَوْت عَلِيٍّ
الثَّانِي أَنَّهُ قَالَ كَانَ بَدْرِيًّا وَأَبُو قَتَادَةَ لَا يُعْرَف أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا
وَقَدْ ذَكَرَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالزُّهْرِيُّ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرهمْ أَسَامِي مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الصَّحَابَة وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْهَا ذِكْر أَبِي قَتَادَةَ فَكَيْف يَجُوز رَدّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَة الَّتِي لَا مَطْعَن فِيهَا بِمِثْلِ هَذِهِ الرِّوَايَة الشَّاذَّة الَّتِي قَدْ عُلِمَ خَطَؤُهَا يَقِينًا إِمَّا فِي قَوْله وَصَلَّى عَلَيْهِ عَلِيٌّ وَإِمَّا فِي قَوْله وَكَانَ بَدْرِيًّا
وَأَمَّا رِوَايَة الشَّعْبِيِّ فَمُنْقَطِعَة أَيْضًا غَيْر ثَابِتَة وَلَعَلَّ بَعْض الرُّوَاة غَلَط مِنْ تَسْمِيَة قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ أَوْ غَيْره إِلَى أَبِي قَتَادَةَ فَإِنَّ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ بَدْرِيٌّ وَهُوَ قَدِيم الْمَوْت
وَأَمَّا الْمَقَام الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو لَمْ يُدْرِك خِلَافَة عَلِيٍّ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ تَأَخَّرَ عَنْ خِلَافَة عَلِيٍّ
وَأَمَّا الْمَقَام الثَّالِث وَهُوَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو لَمْ يَثْبُت سَمَاعه مِنْ أَبِي حُمَيْدٍ بَلْ بَيْنهمَا رَجُل فَبَاطِل أَيْضًا
قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعه حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ وَسَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ وَغَيْر وَاحِد قَالُوا حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ قَالَ سَمِعْت أَبَا حُمَيْدٍ السَّاعِدِيَّ فِي عَشَرَة مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ مِنْهُمْ أَبُو قَتَادَةَ بْنُ رِبْعِيٍّ فَذَكَرَهُ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنه حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ الْقُرَشِيِّ قَالَ رَأَيْت أبا حميد الساعدي مع عشرة وهط مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ أَلَّا أُحَدِّثكُمْ فَذَكَرَهُ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخ الْكَبِير مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ عَلْقَمَةَ الْعَامِرِيُّ الْقُرَشِيُّ الْمَدَنِيُّ سمع أبا حميد الساعدي وأبا قتادة وبن عَبَّاسٍ رَوَى عَنْهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ وَالزُّهْرِيُّ وَأَبُو حُمَيْدٍ تُوُفِّيَ قَبْل السِّتِّينَ فِي خِلَافَة مُعَاوِيَةَ وَأَبُو قَتَادَةَ تُوُفِّيَ بَعْد الخمسين كما ذكرنا فكيف نكر لِقَاء مُحَمَّدٍ لَهُمَا وَسَمَاعه مِنْهُمَا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ثُمَّ وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ تُوُفِّيَ فِي خِلَافَة عَلِيٍّ فَمِنْ أَيْنَ يَمْتَنِع أَنْ يَكُون مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو فِي ذَلِكَ الْوَقْت رَجُلًا وَلَوْ اِمْتَنَعَ أَنْ يَكُون رَجُلًا لِتَقَاصُرِ سِنّه عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِع أَنْ يَكُون صَبِيًّا مُمَيِّزًا وَقَدْ شَاهَدَ هَذِهِ الْقِصَّة فِي صِغَره ثُمَّ أَدَّاهَا بَعْد بُلُوغه وَذَلِكَ لَا يَقْدَح فِي رِوَايَته وَتَحَمُّله اِتِّفَاقًا وَهُوَ أُسْوَة أَمْثَاله فِي ذَلِكَ
فَرَدَّ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة بِمِثْلِ هَذِهِ الْخَيَالَات الْفَاسِدَة مِمَّا يُرَغِّب عَنْ مِثْله أَئِمَّة الْعِلْم وَاللَّهُ الْمُوَفِّق
وَأَمَّا إِدْخَال مَنْ أَدْخَلَ بَيْن مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ وَبَيْن أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رَجُلًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرّ الْحَدِيث شَيْئًا فَإِنَّ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ رَجُلَانِ عَطَّافُ بْنُ خَالِدٍ وَعِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَأَمَّا عَطَّافٌ فَلَمْ يَرْضَ أَصْحَاب الصَّحِيح إِخْرَاج حَدِيثه وَلَا هُوَ مِمَّنْ يُعَارَض بِهِ الثِّقَات الْأَثْبَات قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ هُوَ مِنْ جَمَال الْمَحَامِل وَقَدْ تَابَعَ عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ جَعْفَرٍ عَلَى رِوَايَته مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ كِلَاهُمَا قَالَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ وَلَا يُقَاوَم عَطَّاف بْنُ خَالِدٍ بِهَذَيْنِ حَتَّى تُقَدِّم روايته عَلَى رِوَايَتهمَا
وَقَوْله لَمْ يُصَرِّح مُحَمَّدُ بْنُ عمرو بن حلحلة في حديثه بسماع بن عَطَاءٍ مِنْ أَبِي حُمَيْدٍ فَكَلَام بَارِد فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ سَمِعَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عطاء أنه كان جالسا في نفر من أَصْحَاب النَّبِيّ ﷺ فَذَكَرُوا صَلَاة النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ وَقَدْ قَالَ رَأَيْت أَبَا حُمَيْدٍ ومرة سمعت أبا حميد فما هذا التكلف الْبَارِد وَالتَّعَنُّت الْبَاطِل فِي اِنْقِطَاع مَا وَصَلَهُ اللَّه وَأَمَّا حَدِيث عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ اُخْتُلِفَ فِي اِسْمه فَقِيلَ عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَقِيلَ عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى ثُمَّ اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَرَوَى عَنْ الْحَسَنِ بْنِ الْحُرِّ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّه عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ عَيَّاشٍ أَوْ عياس بْنُ سَهْلٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ وَرَوَى عَنْ عتبة بن أبي حكيم عن عبد الله بْنِ عِيسَى عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ لَيْسَ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَطَاءٍ
وَرُوِّينَا حَدِيث أَبِي حُمَيْدٍ عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبَّاسَ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ وَبَيَّنَ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ فُلَيْحٍ سَمَاع عِيسَى مِنْ عَبَّاسٍ مَعَ سَمَاع فُلَيْحٍ مِنْ عَبَّاسٍ فَذِكْر مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو بَيْنهمَا وَهْم
آخِر كَلَامه
وَهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَم مِنْ تَخْلِيط عِيسَى أَوْ مَنْ دُونه فَإِنَّ حَدِيث عَبَّاسٍ هَذَا لَا ذِكْر فِيهِ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو وَلَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْهُ
وَنَحْنُ نَذْكُر حَدِيثه
قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ اِجْتَمَعَ أَبُو حُمَيْدٍ وَأَبُو أَسِيدٍ وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَذَكَرُوا صَلَاة النَّبِيّ ﷺ أن رسول الله ﷺ رَكَعَ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ كَأَنَّهُ قَابِض عَلَيْهِمَا وَوَتَرَ يَدَيْهِ فَنَحَّاهُمَا عَنْ جَنْبَيْهِ وَقَالَ حَسَن صَحِيح وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو أَخْبَرَنَا فُلَيْحٌ حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ اِجْتَمَعَ أَبُو حُمَيْدٍ وَأَبُو أَسِيدٍ فَذَكَرَهُ أَطْوَل مِنْ حَدِيث التِّرْمِذِيِّ
قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ عتبة بن أبي حكيم عن عبد الله بْنِ عِيسَى عَنْ الْعَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ قَالَ ورواه
وبن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
بن الْمُبَارَكِ أَخْبَرَنَا فُلَيْحٌ قَالَ سَمِعْت عَبَّاسَ بْنَ سَهْلٍ يُحَدِّث فَلَمْ أَحْفَظهُ فَحَدَّثَنِيهِ عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ قَالَ حَضَرْت أَبَا حُمَيْدٍ
فَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظ مِنْ رِوَايَة عَبَّاسٍ لَا ذِكْر فِيهِ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو بِوَجْهٍ
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيث أَبِي خَيْثَمَةَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْحُرِّ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَحَدُ بَنِيِّ مَالِكٍ عَنْ عَبَّاسٍ أَوْ عَيَّاشِ بن سهل الساعدي أنه كان في مجلس فِيهِ أَبُوهُ وَفِي الْمَجْلِس أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو حميد وأبو أسيد بِهَذَا الْخَبَر يَزِيد وَيَنْقُص
فَهَذَا الَّذِي غَرَّ مَنْ قَالَ إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو لَمْ يَسْمَعهُ مِنْ أَبِي حُمَيْدٍ وَهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَم مِنْ تَخْلِيط عِيسَى أَوْ مَنْ دُونه لِأَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ أَبَا حُمَيْدٍ حَدَّثَهُ بِهِ وَسَمِعَهُ مِنْهُ وَرَوَاهُ حِين حَدَّثَهُ بِهِ فَكَيْف يَدْخُل بَيْنه وَبَيْنه عَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ وَإِنَّمَا وَقَعَ هَذَا لَمَّا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ وَرَوَاهُ الْعَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ خَلَطَ بَعْض الرُّوَاة وَقَالَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ الْعَبَّاسِ
وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُول وَعَنْ الْعَبَّاسِ بِالْوَاوِ
وَيَدُلّ عَلَى هَذَا أَنَّ عِيسَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ سَمِعَهُ مِنْ عَبَّاسٍ كَمَا فِي رواية بن الْمُبَارَكِ
فَكَيْف يُشَافِههُ بِهِ عَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ ثُمَّ يَرْوِيه عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْهُ فَهَذَا كُلّه بَيَّنَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو وَعَبَّاسَ بْنَ سَهْلٍ اِشْتَرَكَا فِي رِوَايَته عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ
فَصَحَّ الْحَدِيث بِحَمْدِ اللَّه وَظَهَرَ أَنَّ هَذِهِ الْعِلَّة الَّتِي رُمِيَ بِهَا مِمَّا تَدُلّ عَلَى قُوَّته وَحِفْظه
وَأَنَّ رِوَايَة عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ شَاهِدَة وَمُصَدِّقَة لِرِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو وَهَكَذَا الْحَقّ يُصَدِّق بَعْضه بَعْضًا وَقَدْ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ حَدِيث إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الصَّحَابَة
وَرَوَاهُ فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ وَهَذَا لَا ذِكْر فِيهِ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ إِسْنَاد مُتَّصِل تَقُوم بِهِ الْحُجَّة فَلَا يَنْبَغِي الْإِعْرَاض عَنْ هَذَا وَالِاشْتِغَال بِحَدِيثِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَالتَّعَلُّق عَلَيْهِ بِالْبَاطِلِ
ثُمَّ لَوْ نَزَلْنَا عَنْ هَذَا كُلّه وَضَرَبْنَا عَنْهُ صَفْحًا إِلَى التَّسْلِيم أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو لَمْ يُدْرِك أَبَا قَتَادَةَ فَغَايَته أَنْ يَكُون الْوَهْم قَدْ وَقَعَ فِي تَسْمِيَة أَبِي قَتَادَةَ وَحْده دُون غَيْره مِمَّنْ مَعَهُ وَهَذَا لَا يَجُوز بِمُجَرَّدِهِ تَرْكه حَدِيثه وَالْقَدَح فِيهِ عِنْد أَحَد مِنْ الْأَئِمَّة وَلَوْ كَانَ كُلّ مَنْ غَلِطَ وَنَسِيَ وَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ اِسْم رَجُل بِآخَر يَسْقُط حَدِيثه لَذَهَبَتْ الْأَحَادِيث وَرُوَاتهَا مِنْ أَيْدِي النَّاس
فَهَبْهُ غَلِطَ فِي تَسْمِيَته أَبَا قَتَادَةَ أَفَيَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُون ذَكَرَ بَاقِي الصَّحَابَة غَلَطًا وَيَقْدَح فِي قَوْله سَمِعْت أَبَا حُمَيْدٍ وَرَأَيْت أَبَا حُمَيْدٍ أَوْ أَنَّ أَبَا حُمَيْدٍ قَالَ وَأَيْضًا فَإِنَّ هَذِهِ اللَّفْظَة لَمْ يَتَّفِق عَلَيْهَا الرُّوَاة وَهِيَ قَوْله فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ وَلَمْ يَذْكُر فِيهِمْ أَبَا قَتَادَةَ وَمِنْ طَرِيقه رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلَمْ يَذْكُرهَا وَأَمَّا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ فَرَوَاهُ عَنْهُ هِشَامٌ وَلَمْ يَذْكُرهَا وَرَوَاهُ عَنْهُ أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فَذَكَرَاهَا عَنْهُ وَأَظُنّ عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ جَعْفَرٍ تَفَرَّدَ بِهَا
وَمِمَّا يُبَيِّن أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَهْمٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ قَدْ كَانَ فِي أُولَئِكَ الرَّهْط وَوَفَاته سَنَة ثَلَاث وَأَرْبَعِينَ فَإِذَا لَمْ تَتَقَاصَر سِنّ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ لِقَائِهِ فَكَيْف تَتَقَاصَر عَنْ لِقَاء أَبِي قَتَادَةَ وَوَفَاته إِمَّا بَعْد الْخَمْسِينَ عِنْد الْأَكْثَرِينَ أَوْ قُبَيْلَ الْأَرْبَعِينَ عِنْد بَعْضهمْ والله الموفق للصواب