HadithLab
RU
سنن أبي داود

رقم الحديث ١٨١٢

حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، «أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ». قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِي تَلْبِيَتِهِ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ «.
  • محمد محيي الدين عبد الحميد:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن أبي داود ج1 ص509
  • زبير علي زئي:صحيح البخاري (١٥٤٩) صحيح مسلم (١١٨٤)
  • شعيب الأرنؤوط:إسناده صحيحسنن أبي داود تخريج شعيب الأرنؤوط ج3 ص219
ج ٢ ص ١٦٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
تهذيب سنن أبي داود · ابن قيم الجوزية · ج١ ص٣٣٣
١١٣/ ١٧٣٨ - عن عبد الله بن عمر: «أنَّ تلبيةَ رسول الله - ﷺ -: لبَّيْكَ اللهم لبيك، لبَّيك لا شريكَ لكَ لبيك، إنَّ الحمدَ، والنعمةَ لكَ والملكَ، لا شريكَ لك، قال: وكان عبد الله بن عمر يزيد في تلبيته: لبيك لبيك، لبيك وسَعْديك، والخير بيديك، والرَّغْبَاءُ إليك والعمل». وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه . قال ابن القيم - ﵀ -: في معنى التلبية ثمانية أقوال: أحدها: إجابةً لك بعد إجابة، ولهذا المعنى كُرِّرت التلبية إيذانًا بتكرير الإجابة. الثاني: أنه انقياد لكَ بعد انقياد، من قولهم: لبَّبْتُ الرجلَ، إذا قبضتُ على تلابيبه، ومنه: «فلبّبْتُه بردائه». والمعنى: انقدْتُ لكَ، وسَعَت نفسي لك خاضعةً ذليلة، كما يُفْعَل بمن لُبِّبَ بردائه، وقُبِضَ على تلابيبه. الثالث: أنه مِن «لَبّ بالمكان»، إذا أقام به ولزمه. والمعنى: أنا مقيم على طاعتك ملازم لها. اختاره صاحب «الصَّحاح» . الرابع: أنه مِن قولهم: «داري تلُبُّ دارَك»، أي تواجهها وتقابلها، أي: أنا مواجِهُك بما تحبُ متوجِّه إليك. حكاه في «الصَّحاح» عن الخليل. الخامس: معناه: حُبًّا لكَ بعد حُبّ، مِن قولهم: امرأةٌ لَبَّة، إذا كانت مُحِبّة لولدها. السادس: أنه مأخوذ مِن لُبّ الشيء، وهو خالصه، ومنه: لُبّ الطعام، ولُبّ الرجل: عقلُه وقلبُه. ومعناه: أخلصت لُبّي وقَلْبي لك، وجعلتُ لك لُبِّي وخالصتي. السابع: أنه مِن قولهم: فلانٌ رَخيُّ اللَّبَبِ، وفي لَبَبٍ رَخِيٍّ، أي: في حالٍ واسعةٍ منشرح الصدر. ومعناه: أني منشرحُ الصدر متسعُ القلب لقبول دعوتك وإجابتها، متوجه إليك بلَبَبٍ رَخِيّ توجّه المحبّ إلى محبوبه، لا بِكُره ولا تكلُّف. الثامن: أنه من الإلباب، وهو الاقتراب: أي اقترابًا إليك بعد اقتراب، كما يتقرَّب المحبّ من محبوبه. و«سعديك»: من المساعدة، وهي المُطاوَعة. ومعناه: مساعدةً في طاعتك وما تحبّ بعد مساعدة. قال الجَرْمي : ولم يُسْمَع «سعديك» مفردًا. و«الرَّغْباء إليك» يقال: بفتح الراء مع المدّ، وبضمها مع القَصْر. ومعناها الطلب والمسألة والرغبة. واختلف النُّحاة في الياء في «لبيك». فقال سيبويه : هي ياء التثنية. وهو من المُلْتَزم نصبُه على المصدر، كقولهم: حمدًا وشكرًا وكرامةً ومسرَّةً. والتزموا تثنيتَه إيذانًا بتكرير معناه واستدامته. والتزموا إضافتَه إلى ضمير المخاطَب لما خصوه بإجابة الداعي. وقد جاء إضافته إلى ضمير الغائب نادرًا، كقول الشاعر : دعوتُ لِمَا نابني مسورًا ... فلبَّى فلبَّيْ يَدَي مسور والتثنية فيه كالتثنية في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك:٤] وليس المراد ما يشفع الواحد فقط. وكذلك «سعديك ودواليك». وقال يونس: هو مفرد، والياء فيه مثل الياء في «عليك وإليك ولديك». ومِن حُجَّة سيبويه على يونس: أن «على» و«إلى» يختلفان بحسب الإضافة، فإن جَرَّا مُضمرًا كانا بالياء، وإن جَرَّا ظاهرًا كانا بالألف، فلو كان «لبيك» كذلك لما كان بالياء في جميع أحواله، سواء أضيف إلى ظاهر أو مضمر، كما قال: «فلبّي يَدَي مِسْور». وقالت طائفة من النحاة: أصلُ الكلمة لبًّا لبًّا، أي إجابة بعد إجابة، فثقل عليهم تكرار الكلمة، فجمعوا بين اللفظين ليكون أخفَّ عليهم، فجاءت التثنيةُ وحُذِف التنوين لأجل الإضافة. وقد اشتملت كلمات التلبية على قواعد عظيمة وفوائد جليلة: إحداها: أن قولك «لبيك» يتضمن إجابة داعٍ دعاك ومنادٍ ناداك، ولا يصح في لغةٍ ولا عقل إجابةُ مَن لا يتكلَّم ولا يدعو . الثانية: أنها تتضمن المحبة كما تقدم، ولا يقال «لبيك» إلا لمن تحبُّه وتعظِّمُه، ولهذا قيل في معناها: أنا مواجِهٌ لك بما تحبّ، وأنها من قولهم: امرأة لَبَّة، أي مُحِبّة لولدها. الثالثة: أنها تتضمّن التزام دوام العبودية، ولهذا قيل: هي من الإقامة، أي: أنا مقيم على طاعتك. الرابعة: أنها تتضمن الخضوعَ والذُّلَّ، [ق ٦٥] أي خضوعًا لك بعد خضوع، من قولهم. أنا مُلِبّ بين يديك، أي خاضع ذليل. الخامسة: أنها تتضمّن الإخلاص، ولهذا قيل: إنها من اللُّبّ، وهو الخالص. السادسة: أنها تتضمّن الإقرار بسمع الرب تعالى، إذ يستحيل أن يقول الرجل «لبيك» لمن لا يسمع دعاءه. السابعة : أنها تتضمّن التقرُّب من الله، ولهذا قيل: من الإلباب، وهو التقرُّب. الثامنة: أنها جُعِلَت في الإحرام شعار الانتقال من حال إلى حال، ومن مَنْسك إلى مَنْسك، كما جُعل التكبير في الصلاة شعار الانتقال من ركن إلى ركن، ولهذا السنةُ أن يُلَبِّي حتى يَشْرَع في الطواف، فيقطع التلبية، ثم إذا سار لبَّى حتى يقف بعرفة فيقطعها، ثم يلبِّي حتى يقف بمزدلفة فيقطعها، ثم يلبِّي حتى يرمي جمرة العقبة فيقطعها، فالتلبية شعار الحجِّ والتنقُّل في أعمال المناسك، فالحاجُّ كلما انتقل من ركن إلى ركن قال: «لبيك اللهم لبيك» كما أن المصلي يقول في انتقاله من ركن إلى ركن: «الله أكبر»، فإذا حلّ من نُسُكه قطعها، كما يكون سلام المصلي قاطعًا لتكبيره. التاسعة: أنها شعار التوحيد وملّة إبراهيم، الذي هو روح الحجِّ ومقصده، بل روح العبادات كلها والمقصود منها. ولهذا كانت التلبية مفتاح هذه العبادة التي يُدْخَل فيها بها. العاشرة: أنها متضمنة لمفتاح الجنة وباب الإسلام الذي يُدخَل منه إليه، وهو كلمة الإخلاص والشهادة لله بأنه لا شريك له. الحادية عشر: أنها مشتملة على الحمد لله الذي هو مِن أحبِّ ما يَتَقرَّب به العبدُ إلى الله، وأول من يُدعَى إلى الجنة أهلُه، وهو فاتحة الصلاة وخاتمتها. الثانية عشر: أنها مشتملة على الاعتراف لله بالنعمة كلِّها، ولهذا عرَّفها باللام المفيدة للاستغراق، أي النعم كلها لك ومنك ، وأنتَ موليها والمُنْعِم بها. الثالثة عشر: أنها مشتملة على الاعتراف بأن المُلْك كلَّه لله وحده، فلا مُلك على الحقيقة لغيره. الرابعة عشر: أن هذا المعنى مؤكَّد الثبوت بـ «إنَّ» المقتضية تحقيق الخبر وتثبيته، وأنه مما لا يدخله ريبٌ ولا شكّ. الخامسة عشر: في «أنّ» وجهان: فتحها وكسرها، فمن فتحها تضمَّنت معنى التعليل، أي لبيك لأنّ الحمدَ والنعمةَ لك. ومَن كسرها كانت جملةً مستقلّةً مستأنَفَةً، تتضمن ابتداءَ الثناء على الله، والثناءُ إذا كَثُرت جُمَلُه وتعدَّدَت كان أحسن من قِلّتها، وأما إذا فُتِحت فإنها تُقدَّر بلام التعليل المحذوفة معها قياسًا، والمعنى: لبيك لأن الحمد لك، والفرق بين أن تكون جُمَل الثناء علةً لغيرها وبين أن تكون مستقلةً مرادة لنفسها، ولهذا قال ثعلب : من قال «إن» بالكسر فقد عمّ، ومَن قال: «أن» بالفتح فقد خصّ. ونظير هذين الوجهين والتعليلين والترجيح سواء قوله تعالى حكاية عن المؤمنين: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] بكسر «إن» وفتحها. فمَن فتَحَ كان المعنى: «ندعوه لأنه هو البَرُّ الرحيم»، ومَن كَسَر كان الكلام جملتين، إحداهما قولهم: «ندعوه»، ثم استأنف فقال: «إنه هو البر الرحيم»، قال أبو عبيد : والكسر أحسن، ورجَّحَه بما ذكرناه. السادسة عشر: أنها متضمِّنة للإخبار عن اجتماع المُلْك والنعمة والحمد لله ﷿، وهذا نوعٌ آخر مِن الثناء عليه، غير الثناء بمفردات تلك الأوصاف العَليَّة، فله سبحانه من أوصافه العُلى نوعا ثناءٍ: نوعٌ متعلِّق بكلّ صِفَةٍ صِفَةٍ على انفرادها، ونوعٌ متعلِّق باجتماعها، وهو كمالٌ مع كمال، وهو غاية الكمال، والله سبحانه يَقْرِن في صفاته بين المُلك والحمد، ويُنَوِّع هذا المعنى إذ اقتران أحدهما بالآخر من أعظم الكمال؛ فالملك وحدَه كمال، والحمد كمال، واقتران أحدهما بالآخر كمال، فإذا اجتمع المُلك المتضمِّن للقدرة مع النعمة المتضمِّنة لغاية النفع والإحسان والرحمة، مع الحَمْد المتضمِّن لغاية الجلال والإكرام الداعي إلى محبَّته= كان في ذلك من العَظَمة والكمال والجلال ما هو أولى به وهو أهله، وكان في ذِكْر الحَمْد له ومعرفته به من انجذاب قلبه إلى الله وإقباله عليه، والتوجُّه بدواعي المحبَّة كلها إليه= ما هو مقصود العبودية ولُبّها. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ونظير هذا: اقتران الغِنَى بالكرم، كقوله: ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠] فله كمالٌ مِن غناه وكرمه، ومنِ اقتران أحدهما بالآخر. ونظيره اقتران العِزّة بالرحمة: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء:٩]. ونظيره اقتران العفو بالقدرة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء:١٤٩]. ونظيره اقتران العِلْم بالحلم: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء:١٢]. ونظيره اقتران الرحمة بالقدرة: ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة:٧]. وهذا يُطْلِع ذا اللبِّ على رياضٍ من العلم أنيقات، ويفتح له بابَ محبَّةِ الله ومعرفته، والله المستعان وعليه التكلان. السابعة عشر: أن النبي - ﷺ - قال: «أفضل ما قُلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» وقد اشتملت التلبيةُ على هذه الكلمات بعينها، وتضمَّنت معانيها، وقوله: «وهو على كل شيء قدير»، لك أن تُدخلها تحت قولك في التلبية: «لا شريك لك»، ولك أن تُدخلها تحت قولك: «إن الحمد لك». ولك أن تُدخلها تحت إثبات الملك له تعالى، [ق ٦٦] إذ لو كان بعض الموجودات خارجًا عن قُدْرته ومُلكه، واقعًا بخلق غيره، لم يكن نفي الشريك عامًّا، ولم يكن إثبات الملك والحمد له عامًّا، وهذا من أعظم المحال، والمُلك كلُّه له، والحمد كلُّه له، وليس له شريك بوجه من الوجوه. الثامنة عشر: أن كلمات التلبية متضمِّنة للردِّ على كلِّ مُبطِل في صفات الله وتوحيده؛ فإنها مُبْطِلة لقول المشركين على اختلاف طوائفهم ومقالاتهم، ولقول الفلاسفة وإخوانهم من الجهمية المعطِّلين لصفات الكمال التي هي مُتعَلَّق الحمدِ، فهو سبحانه محمودٌ لذاته ولصفاته ولأفعاله، فمَن جَحَد صفاته وأفعاله فقد جَحَد حَمْدَه. ومُبْطِلةٌ لقول مجوس الأمة من القدَرِيَّة الذين أخرجوا عن ملكِ الرب وقدرتِه أفعالَ عبادِه من الملائكة والجن والإنس، فلم يُثبِتوا له عليها قدرةً، ولا جعلوه خالقًا لها. فعلى قولهم لا تكون داخلةً تحت مُلكه، إذ مَنْ لا قدرةَ له على الشيء كيف يكون داخلًا تحت ملكه؟ فلم يجعلوا الملكَ كلَّه لله، ولم يجعلوه على كلِّ شيء قدير. وأما الفلاسفة فعندهم لا قدرة له على شيءٍ البتة. فمن علم معنى هذه الكلمات وشهدها وأيقن بها بايَنَ جميعَ الطوائف المبطلة . التاسعة عشر: في عطف المُلك على الحمد والنعمة بعد كمال الخَبَر، وهو قوله: «إنّ الحمدَ والنعمةَ لك والملك» ولم يقل: إن الحمد والنعمة والملك لك= لطيفة بديعة، وهي: أن الكلام يصير بذلك جملتين مستقلّتين، فإنه لو قال: «إن الحمد والنعمة والملك لك» كان عطفُ الملكِ على ما قبله عطفَ مفردٍ على مفردٍ، فلما تمَّت الجملةُ الأولى بقوله «لك» ثم عَطَف الملكَ، كان تقديره: والملك لك. فيكون مساويًا لقوله: «له الملك وله الحمد»، ولم يقل: له الملك والحمد، وفائدته تكرار الجُمَل في الثناء. العشرون: لمَّا عَطَف النعمةَ على الحمد ولم يفصل بينهما بالخبر، كان فيه إشعار باقترانهما وتلازمهما، وعدم مفارقة أحدهما للآخر، فالإنعام والحمد قرينان. الحادية والعشرون: في إعادة الشهادة له بأنه لا شريك له لطيفة، وهو : أنه أخبر أنه لا شريك له عقب إجابته بقوله «لبيك»، ثم أعادها عقب قوله: «إنّ الحمدَ والنعمةَ لك والملك لا شريكَ لك». وذلك يتضمَّن أنه لا شريك له في الحمد والنعمة والملك، والأول يتضمَّن أنه لا شريك لك في إجابة هذه الدعوة، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] فأخبر بأنه «لا إله إلا هو» في أول الآية، وذلك داخل تحت شهادته وشهادة ملائكته وأولي العلم، وهذا هو المشهود به، ثم أخبر عن قيامه بالقسط وهو العدل، فأعاد الشهادةَ بأنه لا إله إلا هو مع قيامه بالقسط. ٩ - باب ما يلبسُ المُحْرِم
مصادر المؤلف (٣١)

١. ط. المعارف: «كيفية» خطأ.

٢. أخرجه أبو داود (١٨١٢)، والبخاري (١٥٤٩)، ومسلم (١١٨٤/ ١٩)، والترمذي (٨٤٩)، والنسائي (٢٧٥٠)، وابن ماجه (٢٩١٨).

٣. (١/ ٢١٦).

٤. (١/ ٢١٦).

٥. الأصل و(ش): «متوجًا» والوجه ما أثبت.

٦. ط. الفقي: «يوجد».

٧. تصحف في ط. الفقي إلى «الحربي». والجَرْمي هو: صالح بن إسحاق أبو عمرو الجرمي (ت ٢٢٥) له تصانيف كثيرة في النحو واللغة. ينظر «إنباه الرواة»: (٢/ ٨٠)، و«وفيات الأعيان»: (٢/ ٢٨٥).

٨. في «الكتاب»: (١/ ٣٥٠ - ٣٥٤).

٩. البيت من شواهد سيبويه. وانظر «الخزانة»: (١/ ٢٦٨).

١٠. بعده في الأصل: «من أجابه» ثم ضبّب على الكلمتين ووضع فوق الضبة ميمًا صغيرة «ضـ م» والظاهر أنه إشارة إلى حذفها لأن المعنى تام بدونها، وكذلك لم يكتبها في ش. ولم يُتنبه لهذه الإشارة في الطبعتين فأثبتوها.

١١. سقطت من ط. الفقي.

١٢. الأصل و(ش، هـ): «السابع» سهو.

١٣. في الطبعتين: «شعارًا لانتقال» والمثبت من الأصل أصح.

١٤. ط. المعارف: «شعارًا لانتقال» مخالف للأصل، وتحرفت في ط. الفقي إلى: «سبعًا، للانتقال»!

١٥. زاد في ط. الفقي: «كانت» والعبارة مستقيمة بدونها.

١٦. سقطت من ط. الفقي.

١٧. ط. المعارف: «مولاها»!

١٨. كذا في الأصول، ولعلها: «وفرقٌ».

١٩. ذكر قولَه الخطابي في «غريب الحديث»: (٣/ ٢٤٦)، وعياض في «المشارق»: (١/ ٤٣).

٢٠. ينظر «إعراب القرآن» (ص ٨٨٧ - ٨٨٨) للنحاس، و«البحر المحيط»: (٨/ ١٥٠) لأبي حيان. وقرأ بفتح «أنّه» نافع والكسائي، والباقون بالكسر. ينظر «المبسوط» (ص ٣٥١) لابن مهران.

٢١. الأصل و(ش): «فإنه» ولعلها ما أثبت.

٢٢. صحّح عليهما في الأصل مرتين.

٢٣. ط. الفقي: «وسوغ ... أن» خطأ وتصرف في النص.

٢٤. وقع في الأصل و(ش، هـ): «وكان الله عفوًّا ...» وهم.

٢٥. أخرجه الترمذي (٣٥٨٥) من طريق حماد بن أبي حميد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده به. قال الترمذي: «هذا حديث غريب من هذا الوجه، وحماد بن أبي حميد ... ليس بالقوي عند أهل الحديث». وأخرجه مالك (٥٧٢، ١٢٧٠)، ومن طريقه البيهقي: (٤/ ٢٨٤، ٥/ ١١٧) من حديث طلحة بن عبيد الله بن كريز، عن النبي - ﷺ -، قال البيهقي: هذا مرسل، وقد روي عن مالك بإسناد آخر موصّلًا ووصله ضعيف.

٢٦. ط. الفقي زاد: «والنعمة» وليست في الأصل.

٢٧. سقطت من ط. الفقي.

٢٨. ط. الفقي: «يكون هذا الشيء» وهو إقحام لا موجب له!

٢٩. هكذا استظهرتها في الأصل و(ش)، وفي الطبعتين: «المعطلة».

٣٠. ط. الفقي: «الحمد».

٣١. ط. الفقي: «وهي».

عون المعبود · العظيم آبادي · ج٥ ص١٧٥
٢٧ - (بَاب كَيْفَ التَّلْبِيَةُ) [١٨١٢] هِيَ مَصْدَرُ لَبَّى كَزَكَّى تَزْكِيَةً أَيْ كَيْفَ قَالَ لَبَّيْكَ وَهُوَ عِنْدَ بن سِيبَوَيْهِ وَالْأَكْثَرِينَ مُثَنَّى لِقَلْبِ أَلِفِهِ يَاءً مَعَ الْمُظْهَرِ وَلَيْسَتْ ثَنِيَّتُهُ حَقِيقَةً بَلْ مِنَ الْمُثَنَّاةِ لَفْظًا وَمَعْنَاهَا التَّكْثِيرُ وَالْمُبَالَغَةِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ بِعَامِلٍ مُضْمَرٍ أَيْ أَجَبْتُ إِجَابَةً بَعْدَ إجابة إلى مالا نهاية له قال بن عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعْنَى التَّلْبِيَةِ إِجَابَةُ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أَذَّنَ في الناس بالحج (اللهم لبيك) أي ياالله أَجَبْنَاكَ فِيمَا دَعَوْتَنَا وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ في مسنده وبن أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظبيان عن أبيه عن بن عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ قِيلَ لَهُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ قَالَ رَبِّ وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي قَالَ أَذِّنْ وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ قَالَ فَنَادَى إِبْرَاهِيمُ ياأيها النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ فَسَمِعَهُ مَنْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَفَلَا تَرَوْنَ أَنَّ النَّاسَ يَجِيئُونَ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ يُلَبُّونَ ومن طريق بن جريج عن عطاء عن بن عَبَّاسٍ وَفِيهِ فَأَجَابُوهُ بِالتَّلْبِيَةِ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ وَأَوَّلُ مَنْ أَجَابَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ فَلَيْسَ حَاجٌّ يَحُجُّ مِنْ يَوْمِئِذٍ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ إِلَّا مَنْ كَانَ أَجَابَ إِبْرَاهِيمُ يَوْمَئِذٍ (إِنَّ الْحَمْدَ) رُوِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافٍ كَأَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَبَّيْكَ اسْتَأْنَفَ كَلَامًا آخَرَ فَقَالَ إِنَّ الْحَمْدَ وَبِالْفَتْحِ عَلَى التَّعْلِيلِ كَأَنَّهُ قَالَ أَجَبْتُكَ لِأَنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْكَسْرُ أَجْوَدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَحَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيُ عَنْ أبي حنيفة وبن قدامة عن أحمد بن حنبل وبن عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ اخْتِيَارِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْإِجَابَةُ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُعَلَّلَةٍ فَإِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ والفتح بدل عَلَى التَّعْلِيلِ لَكِنْ قَالَ فِي اللَّامِعِ وَالْعُدَّةِ إِنَّهُ إِذَا كُسِرَ صَارَ لِلتَّعْلِيلِ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ اسْتِئْنَافٌ جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ عَنِ الْعِلَّةِ (وَالنِّعْمَةَ لَكَ) بِكَسْرِ النُّونِ الْإِحْسَانُ وَالْمِنَّةُ مُطْلَقًا وَهِيَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْأَشْهَرِ عَطْفًا عَلَى الْحَمْدِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ خَبَرِ إِنَّ تَقْدِيرُهُ إِنَّ الْحَمْدَ لَكَ والنعمة مستقرة لك وجوز بن الْأَنْبَارِيِّ أَنْ يَكُونَ الْمَوْجُودُ خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ وَخَبَرُ إن هو ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ فِي مَعْنَى التَّلْبِيَة ثَمَانِيهِ أَقْوَال أَحَدهمَا إِجَابَة لَك بَعْد إِجَابَة وَلِهَذَا الْمَعْنَى كُرِّرَتْ التَّلْبِيَة إِيذَانًا بِتَكْرِيرِ الْإِجَابَة الْمَحْذُوفُ (وَالْمُلْكَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى اسْمِ إِنَّ وَبِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ وَالْمُلْكُ كَذَلِكَ (وَسَعْدَيْكَ) هُوَ مِنْ بَابِ لَبَّيْكَ فَيَأْتِي فِيهِ مَا سَبَقَ وَمَعْنَاهُ أَسْعِدْنِي إِسْعَادًا بَعْدَ إِسْعَادٍ فَالْمَصْدَرُ فِيهِ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ فِي مَعْنَاهُ أُسْعِدكَ بِالْإِجَابَةِ إِسْعَادًا بَعْدَ إِسْعَادٍ عَلَى أَنَّ الْمَصْدَرَ فِيهِ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ وَقِيلَ الْمَعْنَى مُسَاعَدَةٌ عَلَى طَاعَتِكَ بَعْدَ مُسَاعَدَةٍ فَيَكُونُ مِنَ الْمُضَافِ الْمَنْصُوبِ (وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمَدِّ وَبِضَمِّهَا مَعَ الْقَصْرِ كَالْعَلَاءِ وَالْعُلَا وَبِالْفَتْحِ مَعَ الْقَصْرِ وَمَعْنَاهُ الطَّلَبُ والمسألة يعني أنه تعالى هو المطلوب المسؤول مِنْهُ فَبِيَدِهِ جَمِيعُ الْأُمُورُ (وَالْعَمَلُ) لَهُ سُبْحَانَهُ لأنه المستحق للعبادة وحده وفي حَذْفٌ يُحْتَمَلُ أَنَّ تَقْدِيرَهُ وَالْعَمَلُ إِلَيْكَ أَيْ إِلَيْكَ الْقَصْدُ بِهِ وَالِانْتِهَاءُ بِهِ إِلَيْكَ لِتُجَازِيَ عَلَيْهِ وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بن عقبة عن نافع وغيره عن بن عُمَرَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ فَقَالَ لَبَّيْكَ الْحَدِيثَ وَلِلْبُخَارِيِّ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] الثاني أنه انقياد من قولهم لببت الرَّجُل إِذَا قَبَضْت عَلَى تَلَابِيبه وَمِنْهُ لَبَّبْته بِرِدَائِهِ وَالْمَعْنَى اِنْقَدْت لَك وَسَعَتْ نَفْسِي لَك خَاضِعَة ذَلِيلَة كَمَا يُفْعَل بِمَنْ لُبِّبَ بِرِدَائِهِ وَقُبِضَ عَلَى تَلَابِيبه الثَّالِث أَنَّهُ مِنْ لَبَّ بِالْمَكَانِ إِذَا قَامَ بِهِ وَلَزِمَهُ وَالْمَعْنَى أَنَا مُقِيم عَلَى طَاعَتك مُلَازِم لَهَا اِخْتَارَهُ صَاحِب الصِّحَاح الرَّابِع أَنَّهُ مِنْ قَوْلهمْ دَارِي تَلِبّ دَارك أَيْ تُوَاجِههَا وَتُقَابِلهَا أَيْ مُوَاجِهَتك بِمَا تُحِبّ مُتَوَجِّه إِلَيْك حَكَاهُ فِي الصِّحَاح عَنْ الْخَلِيل الْخَامِس مَعْنَاهُ حُبًّا لَك بَعْد حُبّ مِنْ قَوْلهمْ اِمْرَأَة لَبَّة إِذَا كَانَتْ مُحِبَّة لِوَلَدِهَا السَّادِس أَنَّهُ مَأْخُوذ مِنْ لَبَّ الشَّيْء وَهُوَ خَالِصه وَمِنْهُ لَبَّ الطَّعَام وَلَبَّ الرَّجُل عَقْله وَقَلْبه وَمَعْنَاهُ أَخْلَصْت لُبِّي وَقَلْبِي لَك وَجَعَلْت لَك لُبِّي وَخَالِصَتِي السَّابِع أَنَّهُ مِنْ قولهم فلان رخي اللبب وفي لب رَخِيّ أَيْ فِي حَال وَاسِعَة مُنْشَرِح الصَّدْر وَمَعْنَاهُ إِنِّي مُنْشَرِح الصَّدْر مُتَّسِع الْقَلْب لِقَبُولِ دَعْوَتك وَإِجَابَتهَا مُتَوَجِّه إِلَيْك بِلَبَبٍ رَخِيّ يُوجِد الْمُحِبّ إِلَى مَحْبُوبه لَا بِكُرْهٍ وَلَا تَكَلُّف الثَّامِن أَنَّهُ مِنْ الْإِلْبَاب وَهُوَ الِاقْتِرَاب أَيْ اِقْتِرَابًا إِلَيْك بَعْد اِقْتِرَاب كَمَا يَتَقَرَّب الْمُحِبّ من محبوبه الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُهِلُّ مُلَبِّدًا يَقُولُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ لَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ زَادَ مسلم من هذا الوجه قال بن عُمَرَ كَانَ عُمَرُ يُهِلُّ بِهَذَا وَيَزِيدُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ وَهَذَا الْقَدْرُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ أَيْضًا عِنْدَهُ عن نافع عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِيهَا فَذَكَرَ نَحْوَهُ فعرف أن بن عُمَرَ اقْتَدَى فِي ذَلِكَ بِأَبِيهِ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ قَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ بن عمر وبن مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا عَلَى هَذِهِ التَّلْبِيَةِ غَيْرَ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ مِنَ الذِّكْرِ لِلَّهِ مَا أَحَبَّ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يعني الذي أخرجه النسائي وبن ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وسعديك مِنْ الْمُسَاعِدَة وَهِيَ الْمُطَاوَعَة وَمَعْنَاهُ مُسَاعَدَة فِي طَاعَتك وَمَا تُحِبّ بَعْد مُسَاعِدَة قَالَ الْحَرْبِيّ ولم يسمع سعديك مفردا والرغباء إِلَيْك يُقَال بِفَتْحِ الرَّاء مَعَ الْمَدّ وَبِضَمِّهَا مَعَ الْقَصْر وَمَعْنَاهَا الطَّلَب وَالْمَسْأَلَة وَالرَّغْبَة وَاخْتَلَفَ النُّحَاة فِي الْيَاء فِي لَبَّيْكَ فَقَالَ سِيبَوَيْهِ هِيَ يَاء التَّثْنِيَة وَهُوَ مِنْ الْمُلْتَزَم نَصْبه عَلَى الْمَصْدَر كَقَوْلِهِمْ حَمْدًا وَشُكْرًا وَكَرَامَة وَمَسَرَّة وَالْتَزَمُوا تَثْنِيَته إِيذَانًا بِتَكْرِيرِ مَعْنَاهُ وَاسْتِدَامَته وَالْتَزَمُوا إِضَافَته إِلَى ضَمِير الْمُخَاطَب لَمَّا خَصُّوهُ بِإِجَابَةِ الداعي وقد جاء إضافته إلى ضمير للغائب نَادِرًا كَقَوْلِ الشَّاعِر دَعَوْت لَمَّا نَابَنِي مُسَوَّرًا فَلَبَّى فَلَبَّى يَدَيَّ مُسَوَر وَالتَّثْنِيَة فِيهِ كَالتَّثْنِيَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ اِرْجِعْ الْبَصَر كَرَّتَيْنِ﴾ وَلَيْسَ الْمُرَاد مِمَّا يَشْفَع الْوَاحِد فَقَطّ وَكَذَلِكَ سَعْدِيّك وَدَوَالِيك وَقَالَ يُونُس هُوَ مُفْرَد وَالْبَاء فِيهِ مِثْل عَلَيْك وَإِلَيْك وَلَدَيْك وَمِنْ حَجَّة سيبويه على يونس أن على وإلى يَخْتَلِفَانِ بِحَسْب الْإِضَافَة فَإِنَّ جَرًّا مُضْمِرًا كَانَا بِالْيَاءِ وَإِنَّ جَرًّا ظَاهِرًا كَانَا بِالْأَلْفِ فَلَوْ كَانَ لَبَّيْكَ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ بِالْيَاءِ فِي جَمِيع أَحْوَاله سَوَاء أُضَيِّف إِلَى ظَاهِر أَوْ مُضْمِر كَمَا قَالَ فَلُبِّي يَدِيّ مُسَوَّر وَقَالَتْ طَائِفَة مِنْ النُّحَاة أُصَلِّ الْكَلِمَة لُبًّا لُبًّا أَيّ إِجَابَة بَعْد إِجَابَة فَثَقُلَ عَلَيْهِمْ تَكْرَار الْكَلِمَة فَجَمَعُوا بَيْن اللَّفْظَيْنِ لِيَكُونَ أَخَفْ عَلَيْهِمْ فَجَاءَتْ التَّثْنِيَة وَحَذَفَ التَّنْوِين لِأَجَلِ الْإِضَافَة وَقَدْ اِشْتَمَلَتْ كَلِمَات التَّلْبِيَة عَلَى قَوَاعِد عَظِيمَة وَفَوَائِد جليلة ماجه وصححه بن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ قَالَ مِنْ تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ لبيك وبزيادة بن عُمَرَ الْمَذْكُورَةِ وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ فَقَالُوا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ عَلَى مَا عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ كَمَا فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ ثُمَّ فَعَلَهُ هُوَ وَلَمْ يَقُلْ لَبُّوا بِمَا شِئْتُمْ مِمَّا مِنْ جِنْسِ هَذَا بَلْ عَلَّمَهُمْ كَمَا عَلَّمَهُمُ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ فَكَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَعَدَّى فِي ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا عَلَّمَهُ ثُمَّ أَخْرَجَ حَدِيثَ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] إِحْدَاهَا أَنَّ قَوْلك لَبَّيْكَ يَتَضَمَّن إِجَابَة دَاعٍ دَعَاك وَمُنَادٍ نَادَاك وَلَا يَصِحّ فِي لُغَة وَلَا عَقْل إِجَابَة مِنْ لَا يَتَكَلَّم وَلَا يَدْعُو مِنْ أَجَابَهُ الثَّانِيَة أَنَّهَا تَتَضَمَّن الْمَحَبَّة كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا يُقَال لَبَّيْكَ إِلَّا لِمِنْ تُحِبّهُ وَتُعَظِّمهُ وَلِهَذَا قِيلَ فِي مَعْنَاهَا أَنَا مُوَاجِه لَك بِمَا تُحِبّ وَأَنَّهَا مِنْ قَوْلهمْ اِمْرَأَة لَبَّة أَيّ مَحَبَّة لِوَلَدِهَا الثَّالِثَة أَنَّهَا تَتَضَمَّن اِلْتِزَام دَوَام الْعُبُودِيَّة وَلِهَذَا قِيلَ هِيَ مِنْ الْإِقَامَة أَيّ أَنَا مُقِيم عَلَى طَاعَتك الرَّابِعَة أَنَّهَا تَتَضَمَّن الْخُضُوع وَالذُّلّ أَيّ خُضُوعًا بَعْد خُضُوع مِنْ قَوْلهمْ أَنَا مُلَبٍّ بَيْن يَدَيْك أَيّ خَاضِع ذَلِيل الْخَامِسَة أَنَّهَا تَتَضَمَّن الْإِخْلَاص وَلِهَذَا قِيلَ إِنَّهَا مِنْ اللُّبّ وَهُوَ الْخَالِص السَّادِسَة أَنَّهَا تَتَضَمَّن الْإِقْرَار بِسَمْعِ الرَّبّ تَعَالَى إِذْ يَسْتَحِيل أَنَّ يَقُول الرَّجُل لَبَّيْكَ لِمِنْ لَا يَسْمَع دُعَاءَهُ السَّابِعَة أَنَّهَا تَتَضَمَّن التَّقَرُّب مِنْ اللَّه وَلِهَذَا قِيلَ إِنَّهَا مِنْ الْإِلْبَاب وَهُوَ التَّقَرُّب الثَّامِنَة أَنَّهَا جَعَلَتْ فِي الْإِحْرَام شِعَارًا لِانْتِقَالِ مِنْ حَال إِلَى حَال وَمِنْ مَنْسَك إِلَى مَنْسَك كَمَا جَعَلَ التَّكْبِير فِي الصَّلَاة سَبْعًا لِلِانْتِقَالِ مِنْ رُكْن إِلَى رُكْن وَلِهَذَا كَانَتْ السُّنَّة أَنْ يُلَبِّي حَتَّى يَشْرَع فِي الطَّوَاف فَيَقْطَع التَّلْبِيَة ثُمَّ إِذَا سَارَ لَبَّى حَتَّى يَقِف بِعَرَفَة فَيَقْطَعهَا ثُمَّ يُلَبِّي حَتَّى يَقِف بِمُزْدِلَفَةَ فَيَقْطَعهَا ثُمَّ يُلَبِّي حتى يرمي جمرة العقبة فيقطعها فَالتَّلْبِيَة شِعَار الْحَجّ وَالتَّنَقُّل فِي أَعْمَال الْمَنَاسِك فَالْحَاجّ كُلَّمَا اِنْتَقَلَ مِنْ رُكْن إِلَى رُكْن قَالَ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ كَمَا أَنَّ الْمُصَلِّي يَقُول فِي اِنْتِقَاله مِنْ رُكْن إِلَى رُكْن اللَّه أَكْبَر فَإِذَا حَلَّ مِنْ نُسُكه قَطَعَهَا كَمَا يَكُون سَلَام الْمُصَلِّي قَاطِعًا لِتَكْبِيرِهِ التَّاسِعَة أَنَّهَا شِعَار لِتَوْحِيدِ مِلَّة إِبْرَاهِيم الَّذِي هُوَ رُوح الْحَجّ وَمَقْصِده بَلْ رُوح الْعِبَادَات كُلّهَا وَالْمَقْصُود مِنْهَا وَلِهَذَا كَانَتْ التَّلْبِيَة مِفْتَاح هَذِهِ الْعِبَادَة الَّتِي يَدْخُل فِيهَا بِهَا الْعَاشِرَة أَنَّهَا مُتَضَمِّنَة لِمِفْتَاحِ الْجَنَّة وَبَاب الْإِسْلَام الَّذِي يَدْخُل مِنْهُ إِلَيْهِ وَهُوَ كَلِمَة الْإِخْلَاص وَالشَّهَادَة لِلَّهِ بِأَنَّهُ لَا شَرِيك لَهُ فَقَالَ إِنَّهُ لَذُو الْمَعَارِجِ وَمَا هَكَذَا كُنَّا نُلَبِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهَى وَسَيَأْتِي بَعْضُ الْكَلَامِ فِيهِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ فِي حُكْمِ التَّلْبِيَةِ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ الْأَوَّلُ أَنَّهَا سُنَّةٌ مِنَ السُّنَنِ لَا يَجِبُ بِتَرْكِهَا شَيْءٌ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالثَّانِي وَاجِبَةٌ وَيَجِبُ بِتَرْكِهَا دَمٌ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عن بعض الشافعية وحكاه بن قُدَامَةَ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْخَطَّابِيُّ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّالِثُ وَاجِبَةٌ لَكِنْ يَقُومُ مَقَامَهَا فعل يتعلق بالحج قال بن الْمُنْذِرِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِنْ كَبَّرَ أَوْ هَلَّلَ أَوْ سَبَّحَ يَنْوِي بِذَلِكَ الْإِحْرَامَ فَهُوَ مُحْرِمٌ الرَّابِعُ أَنَّهَا رُكْنٌ فِي الْإِحْرَامِ لَا ينعقد ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] الْحَادِيَة عَشَرَة أَنَّهَا مُشْتَمِلَة عَلَى الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَحَبّ مَا يَتَقَرَّب بِهِ الْعَبْد إِلَى اللَّه وَأَوَّل مَنْ يُدْعَى إِلَى الْجَنَّة أَهْله وَهُوَ فَاتِحَة الصَّلَاة وَخَاتِمَتهَا الثَّانِيَة عَشْرَة أَنَّهَا مُشْتَمِلَة عَلَى الِاعْتِرَاف لِلَّهِ بِالنِّعْمَةِ كُلّهَا وَلِهَذَا عَرَّفَهَا بِاللَّامِ الْمُفِيدَة لِلِاسْتِغْرَاقِ أَيْ النِّعَم كُلّهَا لَك وَأَنْتَ مُولِيهَا وَالْمُنْعِم بِهَا الثَّالِثَة عَشْرَة أَنَّهَا مُشْتَمِلَة عَلَى الِاعْتِرَاف بِأَنَّ الْمِلْك كُلّه لِلَّهِ وَحْده فَلَا مِلْك عَلَى الْحَقِيقَة لِغَيْرِهِ الرَّابِعَة عَشْرَة أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مُؤَكَّد الثُّبُوت بِإِنَّ الْمُقْتَضِيَة تَحْقِيق الْخَبَر وَتَثْبِيته وَأَنَّهُ مِمَّا لَا يَدْخُلهُ رَيْب وَلَا شَكّ الْخَامِسَة عَشْرَة فِي إِنَّ وَجْهَانِ فَتْحهَا وَكَسْرهَا فَمَنْ فَتَحَهَا تَضَمَّنَتْ مَعْنَى التَّعْلِيل أَيْ لَبَّيْكَ الْحَمْد وَالنِّعْمَة لَك وَمَنْ كَسَرَهَا كَانَتْ جُمْلَة مُسْتَقِلَّة مُسْتَأْنَفَة تَتَضَمَّن اِبْتِدَاء الثَّنَاء عَلَى اللَّه وَالثَّنَاء إِذَا كَثُرَتْ جُمَله وَتَعَدَّدَتْ كَانَ أَحْسَن من قلتها وأما إذا فتحت فإنها تقدر بِلَامِ التَّعْلِيل الْمَحْذُوفَة مَعَهَا قِيَاسًا وَالْمَعْنَى لَبَّيْكَ لِأَنَّ الْحَمْد لَك وَالْفَرْق بَيْن أَنْ تَكُون جُمَل الثَّنَاء عِلَّة لِغَيْرِهَا وَبَيْن أَنْ تَكُون مُسْتَقِلَّة مُرَادَة لِنَفْسِهَا وَلِهَذَا قَالَ ثَعْلَب مَنْ قَالَ إِنَّ بِالْكَسْرِ فَقَدْ عَمَّ وَمَنْ قَالَ أَنَّ بِالْفَتْحِ فَقَدْ خَصَّ وَنَظِير هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَالتَّعْلِيلَيْنِ وَالتَّرْجِيح سَوَاء قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَنْ الْمُؤْمِنِينَ ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْل نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرّ الرَّحِيم﴾ كَسْر إِنَّ وَفَتْحهَا فَمَنْ فَتَحَ كَانَ الْمَعْنَى نَدْعُوهُ لِأَنَّهُ هُوَ الْبَرّ الرَّحِيم وَمَنْ كَسَرَ كَانَ الْكَلَام جُمْلَتَيْنِ إِحَدهمَا قَوْله نَدْعُوهُ ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ فَقَالَ إِنَّهُ هُوَ الْبَرّ الرَّحِيم قَالَ أَبُو عُبَيْد وَالْكَسْر أَحْسَن وَرَجَّحَهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ السَّادِسَة عَشْرَة أَنَّهَا مُتَضَمِّنَة لِلْإِخْبَارِ عَنْ اِجْتِمَاع الْمُلْك وَالنِّعْمَة وَالْحَمْد لِلَّهِ عزوجل وَهَذَا نَوْع آخَر مِنْ الثَّنَاء عَلَيْهِ غَيْر الثَّنَاء بِمُفْرَدَاتِ تِلْكَ الْأَوْصَاف الْعَلِيَّة فَلَهُ سُبْحَانه مِنْ أَوْصَافه الْعُلَى نَوْعَا ثَنَاء نَوْع مُتَعَلِّق بِكُلِّ صِفَة عَلَى اِنْفِرَادهَا وَنَوْع مُتَعَلِّق بِاجْتِمَاعِهَا وَهُوَ كَمَال مَعَ كَمَال وَهُوَ عَامَّة الْكَمَال والله سبحانه بدونها حكاه بن عبد البر عن الثوري وأبي حنيفة وبن حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ قَالُوا هِيَ نَظِيرُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِلصَّلَاةِ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] يُفَرَّق فِي صِفَاته بَيْن الْمُلْك وَالْحَمْد وَسَوَّغَ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ اِقْتِرَان أَحَدهمَا بِالْآخَرِ مِنْ أَعْظَم الْكَمَال وَالْمُلْك وَحْده كَمَال وَالْحَمْد كَمَال وَاقْتِرَان أَحَدهمَا بِالْآخَرِ كَمَال فَإِذَا اِجْتَمَعَ الْمُلْك الْمُتَضَمِّن لِلْقُدْرَةِ مَعَ النِّعْمَة الْمُتَضَمِّنَة لِغَايَةِ النَّفْع وَالْإِحْسَان وَالرَّحْمَة مَعَ الْحَمْد الْمُتَضَمِّن لِعَامَّةِ الْجَلَال وَالْإِكْرَام الدَّاعِي إِلَى مَحَبَّته كَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْعَظَمَة وَالْكَمَال وَالْجَلَال مَا هُوَ أَوْلَى بِهِ وَهُوَ أَهْله وَكَانَ فِي ذِكْر الْحَمْد لَهُ وَمَعْرِفَته بِهِ مِنْ اِنْجِذَاب قَلْبه إِلَى اللَّه وَإِقْبَاله عَلَيْهِ وَالتَّوَجُّه بِدَوَاعِي الْمَحَبَّة كُلّهَا إِلَيْهِ مَا هُوَ مَقْصُود الْعُبُودِيَّة وَلُبّهَا وَذَلِكَ فَضْل اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء وَنَظِير هَذَا اِقْتِرَان الْغِنَى بِالْكَرَمِ كَقَوْلِهِ ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّ كَرِيم﴾ فَلَهُ كَمَال مِنْ غِنَاهُ وَكَرَمه وَمِنْ اِقْتِرَان أَحَدهمَا بِالْآخَرِ وَنَظِيره اِقْتِرَان الْعِزَّة بِالرَّحْمَةِ ﴿وَإِنَّ رَبّك لَهُوَ الْعَزِيز الرَّحِيم﴾ وَنَظِيره اِقْتِرَان العفو بالقدرة ﴿وكان الله عفوا غفورا﴾ وَنَظِيره اِقْتِرَان الْعِلْم بِالْحِلْمِ ﴿وَاَللَّه عَلِيم حَلِيم﴾ وَنَظِيره اِقْتِرَان الرَّحْمَة بِالْقُدْرَةِ ﴿وَاَللَّه قَدِير وَاَللَّه غَفُور رَحِيم﴾ وَهَذَا يُطْلِع ذَا اللُّبّ عَلَى رِيَاض مِنْ الْعِلْم أَنِيقَات وَيَفْتَح لَهُ بَاب مَحَبَّة اللَّه وَمَعْرِفَته وَاَللَّه الْمُسْتَعَان وَعَلَيْهِ التُّكْلَان السابعة عشرة أن النبي قَالَ أَفْضَل مَا قُلْت أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ لَهُ الْمُلْك وَلَهُ الْحَمْد وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير وَقَدْ اِشْتَمَلَتْ بِالتَّلْبِيَةِ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَات بِعَيْنِهَا وَتَضَمَّنَتْ مَعَانِيهَا وَقَوْله وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير لَك أَنْ تُدْخِلهَا تَحْت قَوْلك فِي التَّلْبِيَة لَا شَرِيك لَك وَلَك أَنْ تُدْخِلهَا تَحْت قَوْلك إِنَّ الْحَمْد وَالنِّعْمَة لَك وَلَك أَنْ تُدْخِلهَا تَحْت إِثْبَات الْمُلْك لَهُ تَعَالَى إِذْ لَوْ كَانَ بَعْض الْمَوْجُودَات خَارِجًا عَنْ قُدْرَته وَمُلْكه وَاقِعًا بِخَلْقِ غَيْره لَمْ يَكُنْ نَفْي الشَّرِيك عَامًّا وَلَمْ يَكُنْ إِثْبَات الْمُلْك وَالْحَمْد لَهُ عَامًّا وَهَذَا مِنْ أَعْظَم الْمُحَال وَالْمُلْك كُلّه لَهُ وَالْحَمْد كُلّه لَهُ وَلَيْسَ لَهُ شَرِيك بِوَجْهٍ من الوجوه الثامنة عشر أَنَّ كَلِمَات التَّلْبِيَة مُتَضَمِّنَة لِلرَّدِّ عَلَى كُلّ مُبْطِل فِي صِفَات اللَّه وَتَوْحِيده فَإِنَّهَا مُبْطِلَة لِقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى اِخْتِلَاف طَوَائِفهمْ وَمَقَالَاتهمْ وَلِقَوْلِ الْفَلَاسِفَة وَإِخْوَانهمْ مِنْ الْجَهْمِيَّةِ الْمُعَطِّلِينَ لِصِفَاتِ الْكَمَال الَّتِي هِيَ مُتَعَلَّق الْحَمْد فَهُوَ سُبْحَانه مَحْمُود لِذَاتِهِ وَلِصِفَاتِهِ وَلِأَفْعَالِهِ فَمَنْ