٣
[٣٣٢٦]
٢٢ - كِتَابِ الْبُيُوعِ
الْبَيْعُ لُغَةً مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ وَكَذَا فِي الشَّرْعِ لَكِنْ زِيدَ فِيهِ قَيَّدُ التَّرَاضِي وَإِنَّمَا جَمَعَهُ دَلَالَةً عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ
وَالْحِكْمَةُ فِي شَرْعِيَّةِ الْبَيْعِ أَنَّ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ تَتَعَلَّقُ بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ غَالِبًا وَصَاحِبُهُ قَدْ لَا يَبْذُلُهُ فَفِي شَرْعِيَّةِ الْبَيْعِ وَسِيلَةٌ إلى بلوغ الغرض من غير حرج
(باب في التجارة)
إلخ (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ) بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ وَزَايٍ مَفْتُوحَتَيْنِ غِفَارِيٌّ صَحَابِيٌّ نَزَلَ الْكُوفَةَ (نُسَمَّى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (السَّمَاسِرَةَ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ وَهُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْأُولَى وَكَسْرِ الثَّانِيَةِ جَمْعُ سِمْسَارٍ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ السِّمْسَارُ الْقَيِّمُ بِالْأَمْرِ الْحَافِظُ لَهُ وَهُوَ اسْمُ الَّذِي يَدْخُلُ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي مُتَوَسِّطًا لِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ وَالسَّمْسَرَةُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ انْتَهَى
(فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ) أَيْ مِنِ اسْمِنَا الْأَوَّلِ
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ السِّمْسَارُ أَعْجَمِيٌّ وَكَانَ كَثِيرٌ مِمَّنْ يُعَالِجُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ فِيهِمْ عَجَمًا فَتَلَقَّوْا هَذَا الِاسْمَ عَنْهُمْ فَغَيَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى التِّجَارَةِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ انْتَهَى
(إِنَّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ) أَيْ غَالِبًا وَهُوَ مِنَ الْكَلَامِ مَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَقِيلَ هُوَ الَّذِي يُورَدُ لَا عَنْ رَوِيَّةٍ وَفِكْرٍ فَيَجْرِي مَجْرَى اللَّغْوِ وهو صوت العصافير
ذكره الطيبي
قال القارىء وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مَا لَا يَعْنِيهِ وَمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ انْتَهَى
(وَالْحَلِفُ) أَيْ إِكْثَارُهُ أَوِ الْكَاذِبُ مِنْهُ (فَشُوبُوهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيِ اخْلِطُوا مَا ذُكِرَ مِنَ اللَّغْوِ وَالْحَلِفِ قَالَهُ القارىء
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ
الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ إِلَى الْبَيْعِ (بِالصَّدَقَةِ) فَإِنَّهَا تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ مِمَّنْ لَا يَرَى الزَّكَاةَ فِي أَمْوَالِ التِّجَارَةِ وَقَالَ إِنَّهُ لَوْ كَانَ يَجِبُ فِيهَا صَدَقَةً كَمَا يَجِبُ فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ لَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِهَا وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى قَوْلِهِ فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ أَوْ شَيْءٍ مِنَ الصَّدَقَةِ
وَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرُوهُ دَلِيلٌ عَلَى مَا ادَّعَوْهُ لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّدَقَةِ غَيْرِ مَعْلُومِ الْمِقْدَارِ فِي تَضَاعِيفِ الْأَيَّامِ مِنَ الْأَوْقَاتِ لِيَكُونَ كَفَّارَةً عَنِ اللَّغْوِ وَالْحَلِفِ فَأَمَّا الصَّدَقَةُ الَّتِي هِيَ رُبُعُ الْعُشْرِ الْوَاجِبُ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ فَقَدْ وَقَعَ الْبَيَانُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْجِهَةِ وَقَدْ رَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ أن رسول الله ﷺ كَانَ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يُخْرِجُوا الصَّدَقَةَ عَنِ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَعُدُّونَهَا لِلْبَيْعِ وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ ثُمَّ هُوَ عَمَلُ الْأُمَّةِ وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَالَ وَلَا نَعْرِفُ لِقَيْسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ هَذَا
وَأَخْرَجَ لَهُ أَبُو الْقَاسِمِ البغوي هذا الحديث وقال لا أعلم بن أَبِي غَرْزَةَ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَهُ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَقَدْ رَوَى عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ التُّجَّارَ هُمُ الْفُجَّارُ إلا من بر وصدق فمنهم من يجعلهما حَدِيثَيْنِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
([٣٣٢٨] بَاب فِي اسْتِخْرَاجِ الْمَعَادِنِ)
جَمْعُ مَعْدِنٍ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ كَمَجْلِسٍ مَنْبَتُ الْجَوَاهِرِ مِنْ ذَهَبٍ وَنَحْوِهِ انْتَهَى
(أَوْ تَأْتِيَنِي بِحَمِيلٍ) أَيْ ضَامِنٍ (فَتَحَمَّلَ) أَيْ تَكَفَّلَ (فَأَتَاهُ) الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ لِلْغَرِيمِ وَالْمَنْصُوبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ (قَالَ لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا لَيْسَ فِيهَا خَيْرٌ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَمَّا رَدُّهُ الذَّهَبَ الَّذِي اسْتَخْرَجَهُ مِنَ الْمَعْدِنِ وَقَوْلُهُ لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَخْ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِسَبَبٍ عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ خَاصَّةً لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الذَّهَبَ الْمُسْتَخْرَجَ لَا يُبَاحُ تَمَوُّلُهُ وَتَمَلُّكُهُ فَإِنَّ عَامَّةَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مُسْتَخْرَجَةٌ مِنَ الْمَعَادِنِ وَقَدْ أَقْطَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةَ وَكَانُوا يُؤَدُّونَ عَنْهَا الْحَقَّ وَهُوَ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِ أَمْرُ النَّاسِ إِلَى الْيَوْمِ وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَصْحَابَ الْمَعَادِنِ يَبِيعُونَ تُرَابَهَا مِمَّنْ يُعَالِجُهُ فَيَحْصُلُ مَا فِيهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَهُوَ غَرَرٌ لَا يُدْرَى هَلْ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُمَا أَوْ لَا وَقَدْ كَرِهَ بَيْعَ تُرَابِ الْمَعَادِنِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ عَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرٌ وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ لَيْسَ فِيهَا خَيْرٌ أَيْ لَيْسَ فِيهَا رَوَاجٌ وَلَا لِحَاجَتِنَا فِيهَا نَجَاحٌ وَذَلِكَ أَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي كَانَ تَحَمَّلَهُ عَنْهُ دَنَانِيرَ مَضْرُوبَةٌ وَالَّذِي جَاءَ بِهِ تِبْرٌ غَيْرُ مَضْرُوبٍ وَلَيْسَ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَضْرِبُهُ دَنَانِيرَ وَإِنَّمَا كَانَ تُحْمَلُ إِلَيْهِمُ الدَّنَانِيرُ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ فَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَ السِّكَّةَ فِي الْإِسْلَامِ وَضَرَبَ الدَّنَانِيرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ فَهِيَ تُدْعَى الْمَرْوَانِيَّةَ إِلَى هَذَا الزَّمَانِ
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا كَرِهَهُ لِمَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الشُّبْهَةِ وَيَدْخُلُهُ مِنَ الْغَرَرِ عِنْدَ اسْتِخْرَاجِهِمْ إِيَّاهُ مِنَ الْمَعْدِنِ وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اسْتَخْرَجُوا بِالْعُشْرِ أَوِ الْخُمُسِ أَوِ الثُّلُثِ فَمَا يُصِيبُونَهُ وَهُوَ غَرَرٌ لَا يُدْرَى هَلْ يُصِيبُ الْعَامِلُ فِيهِ شَيْئًا أَمْ لَا فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْعَقْدِ عَلَى رَدِّ الْعَبْدِ الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ لِأَنَّهُ لَا يُدْرَى هَلْ يَظْفَرُ بِهِمَا أَمْ لَا
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ الْحَمَالَةِ وَالضَّمَانِ وَفِيهِ إِثْبَاتُ مُلَازَمَةِ الْغَرِيمِ وَمَنْعُهُ مِنَ التَّصَرُّفِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي عليه انتهى
قال المنذري وأخرجه بن ماجه