٢١ - (بَاب فِي السَّلَفِ)
[٣٤٦٣] بِفَتْحِ السِّينِ وَاللَّامِ عَلَى وَزْنِ السَّلَمِ وَمَعْنَاهُ
وَحُكِيَ فِي الْفَتْحِ أَنَّ السَّلَفَ لُغَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالسَّلَمُ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ
وَهُوَ فِي الشَّرْعِ بَيْعُ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ وَزِيدَ فِي الْحَدِّ بِبَدَلٍ يُعْطَى عَاجِلًا وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلًا فِي حَقِيقَتِهِ
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ إِلَّا مَا حُكِيَ عن بن الْمُسَيِّبِ وَاخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ شُرُوطِهِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لَهُ مَا يُشْتَرَطُ لِلْبَيْعِ وَعَلَى تَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ عَقْدُ غَرَرٍ جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ أَمْ لَا
كَذَا فِي الْفَتْحِ
(وَهُمْ يُسْلِفُونَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ السِّينِ مِنَ الْإِسْلَافِ أَيْ يُعْطُونَ الثَّمَنَ فِي الْحَالِ وَيَأْخُذُونَ السِّلْعَةَ فِي الْمَالِ (فِي التَّمْرِ) بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْمُثَلَّثَةِ (السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ) مَنْصُوبَاتٌ إِمَّا عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ يَشْتَرُونَ إِلَى السَّنَةِ وَإِمَّا عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ إِسْلَافُ السَّنَةِ (مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ) بِالْمُثَنَّاةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْمُثَلَّثَةِ
قَالَ فِي السُّبُلِ رُوِيَ بِالْمُثَنَّاةِ وَالْمُثَلَّثَةِ فَهُوَ بِهَا أَعَمُّ (فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ) أَيْ إِذَا كَانَ مِمَّا يُكَالُ (وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ) أَيْ إِذَا كَانَ مِمَّا يُوزَنُ (إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَجَلِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَقَالُوا لَا يَجُوزُ السَّلَمُ حَالًّا
وَقَالَتِ الشَّافِعِيَّةُ يَجُوزُ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ جَوَازُ السَّلَمِ وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ قَدْرُهُ مَعْلُومًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا يُضْبَطُ بِهِ فَإِنْ كَانَ مَذْرُوعًا كَالثَّوْبِ اشْتُرِطَ ذِكْرُ ذَرِعَاتٍ مَعْلُومَةٍ وَإِنْ كَانَ مَعْدُودًا كَالْحَيَوَانِ اشْتُرِطَ ذِكْرُ عَدَدٍ مَعْلُومٍ
وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ إِنْ أَسْلَمَ فِي مَكِيلٍ فَلْيَكُنْ كَيْلُهُ مَعْلُومًا وَإِنْ كَانَ فِي مَوْزُونٍ فَلْيَكُنْ وَزْنًا مَعْلُومًا وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا فَلْيَكُنْ أَجَلُهُ مَعْلُومًا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا اشْتِرَاطُ كَوْنِ السَّلَمِ مُؤَجَّلًا بَلْ يَجُوزُ حَالًّا لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ مُؤَجَّلًا مَعَ الْغَرَرِ فَجَوَازُ الْحَالِّ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنَ الْغَرَرِ
وَلَيْسَ ذِكْرُ الْأَجَلِ فِي الْحَدِيثِ لِاشْتِرَاطِ الْأَجَلِ بَلْ مَعْنَاهُ إِنْ كَانَ أَجَلٌ فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ السَّلَمِ الْحَالِّ مَعَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِ الْمُؤَجَّلِ فَجَوَّزَ
الْحَالَّ الشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ وَأَجْمَعُوا عَلَى اشْتِرَاطِ وَصْفِهِ بِمَا يُضْبَطُ بِهِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[٣٤٦٤] (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدٌ أَوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُجَالِدٍ) بِالشَّكِّ (وَأَبُو بُرْدَةَ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ (فِي السَّلَفِ) أَيْ فِي السَّلَمِ هَلْ يَجُوزُ السَّلَمُ إِلَى مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ الْمُسْلَمُ فِيهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَمْ لَا (إِنْ كُنَّا) إِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الْمُثَقَّلَةِ (إِلَى قَوْمٍ مَا هُوَ عِنْدَهُمْ) أَيْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَنِ غَيْرَ التِّرْمِذِيِّ كُنَّا نُسَلِّفُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّيْتِ وَالتَّمْرِ وَمَا نَرَاهُ عِنْدَهُمْ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ السَّلَمِ فِيمَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي وَقْتِ السَّلَمِ إِذَا أَمْكَنَ وُجُودُهُ فِي وَقْتِ حُلُولِ الْأَجَلِ فَذَهَبَ إِلَى جَوَازِهِ الْجُمْهُورُ قَالُوا وَلَا يَضُرُّ انْقِطَاعُهُ قَبْلَ الْحُلُولِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ فِيمَا يَنْقَطِعُ قَبْلَهُ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا مِنَ الْعَقْدِ إِلَى الْمَحِلِّ وَوَافَقَهُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ فَلَوْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَانْقَطَعَ فِي مَحِلِّهِ لَمْ يَنْفَسِخْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَفِي وَجْهٍ لِلشَّافِعِيَّةِ يَنْفَسِخُ وَاسْتَدَلَّ أَبُو حنيفة ومن معه بحديث بن عُمَرَ الْآتِي فِي بَابِ السَّلَمِ فِي ثَمَرَةٍ بعينهاويأتي مَا أَجَابَ بِهِ الْجُمْهُورُ عَنْهُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وبن ماجه
[٣٤٦٥] (وقال عبد الرحمن) هو بن مَهْدِيٍّ (وَشُعْبَةُ أَخْطَأَ فِيهِ) أَيْ بِذِكْرِ لَفْظِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُجَالِدٍ وَإِنَّمَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْمُجَالِدِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْمُجَالِدِ بِالْجِيمِ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَيُقَالُ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ ثِقَةٌ انْتَهَى
وَمُرَادُ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ الْمَحْفُوظَ فِي الْإِسْنَادِ لَفْظُ بن أَبِي الْمُجَالِدِ أَوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْمُجَالِدِ دُونَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُجَالِدٍ وَاللَّهُ أعلم
٢ - (بَاب فِي السَّلَمِ فِي ثَمَرَةٍ بِعَيْنِهَا)
[٣٤٦٧] السَّلَمُ بِوَزْنِ السَّلَفِ وَمَعْنَاهُ
(رَجُلٌ نَجْرَانِيٌّ) بِالْفَتْحِ وَالسُّكُونِ وَرَاءٍ إِلَى نَجْرَانَ نَاحِيَةٌ بَيْنَ الْيَمَنِ وَهَجَرَ قَالَهُ السُّيُوطِيُّ (فَلَمْ تَخْرُجْ) مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ وَالضَّمِيرُ لِلنَّخْلِ (شَيْئًا) أَيْ مِنَ الثَّمَرِ (ثُمَّ قَالَ) النَّبِيُّ ﷺ (لَا تُسَلِّفُوا) أَيْ لَا تُسَلِّمُوا
وَقِيلَ أَيْ لَا تَبِيعُوا وَهَذَا الْمَعْنَى ضَعِيفٌ
وَاسْتَدَلَّ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيمَا يَنْقَطِعُ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا مِنَ الْعَقْدِ إِلَى الْمَحَلِّ
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ وَلَوْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ لَكَانَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ أَوْلَى لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِخِلَافِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى يَعْنِي الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ السَّابِقِ فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا مَظِنَّةُ التَّقْرِيرِ مِنْهُ ﷺ مَعَ مُلَاحَظَةِ تَنْزِيلِ تَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ وَلَكِنَّ حديث بن عُمَرَ هَذَا فِي إِسْنَادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ وَمِثْلُ هَذَا لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ
قَالَ الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ وَلَوْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ لَحُمِلَ عَلَى بَيْعِ الْأَعْيَانِ أَوْ عَلَى السَّلَمِ الْحَالِّ عِنْدَ من
يَقُولُ بِهِ أَوْ عَلَى مَا قَرُبَ أَجَلُهُ
قَالُوا وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَلِّفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الثِّمَارَ لَا تَبْقَى هَذِهِ الْمُدَّةَ وَلَوِ اشْتُرِطَ الْوُجُودُ لَمْ يَصِحَّ السَّلَمُ فِي الرُّطَبِ إِلَى هَذِهِ الْمُدَّةِ وَهَذَا أَوْلَى مَا يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي الْجَوَازِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ
(فَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ) جَمْعُ نَبِيطٍ وَهُمْ قَوْمٌ مَعْرُوفُونَ كَانُوا يَنْزِلُونَ بِالْبَطَائِحِ بَيْنَ الْعِرَاقَيْنِ
قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَأَصْلُهُمْ قَوْمٌ مِنَ الْعَرَبِ دَخَلُوا فِي الْعَجَمِ وَاخْتَلَطَتْ أَنْسَابُهُمْ وَفَسَدَتْ أَلْسِنَتُهُمْ وَيُقَالُ لَهُمْ النبط بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ وَزِيَادَةِ تَحْتَانِيَّةٍ وَإِنَّمَا سُمُّوا بِذَلِكَ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِإِنْبَاطِ الْمَاءِ أَيِ اسْتِخْرَاجِهِ لِكَثْرَةِ مُعَالَجَتِهِمُ الْفِلَاحَةَ وَقِيلَ هُمْ نَصَارَى الشَّامِ وَهُمْ عَرَبٌ دَخَلُوا فِي الرُّومِ وَنَزَلُوا بِوَادِي الشَّامِ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ كَذَا فِي النَّيْلِ (فَقِيلَ لَهُ مِمَّنْ لَهُ ذَلِكَ) أَيْ مِمَّنْ يَمْلِكُ الْبُرَّ وَالزَّيْتَ
وَلَفْظُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَا كُنَّا نُصِيبُ الْمَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّامِ فَنُسَلِّفُهُمْ فِي الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّيْتِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًى قِيلَ أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ قَالَا مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَنَحْوُهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ وَذَلِكَ مُسْتَفَادٌ مِنْ تَقْرِيرِهِ ﷺ لهم مع ترك الاستفصال قال بن رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ وَأَمَّا الْمَعْدُومُ عِنْدَ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ وَهُوَ مَوْجُودٌ عِنْدَ غَيْرِهِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ المنذري