HadithLab
RU
سنن أبي داود

رقم الحديث ٣٥٠٤

حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، حَتَّى ذَكَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ»
  • محمد محيي الدين عبد الحميد:حسن صحيح
  • الألباني:حسن صحيحصحيح سنن أبي داود ج2 ص374
  • زبير علي زئي:صحيح
  • شعيب الأرنؤوط:حسن صحيح
  • شعيب الأرنؤوط:إسناده حسنسنن أبي داود تخريج شعيب الأرنؤوط ج5 ص364
ج ٣ ص ٢٨٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
تهذيب سنن أبي داود · ابن قيم الجوزية · ج٢ ص٤٥٦
٣٩٧/ ٣٣١٧ - عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا تَبايعتم بالعِينة، وأخذتم أذنابَ البقر، ورَضِيتم بالزرع، وتركتم الجهادَ، سَلَّطَ الله عليكم ذُلًّا لا يَنزِعُه حتى ترجعوا إلى دينكم» . قال ابن القيم - ﵀ -: وفي الباب حديث أبي إسحاق السَّبِيعي عن امرأته: أنها دخلت على عائشة فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم، فقالت: يا أم المؤمنين، إني بعتُ غلامًا من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئةً، وإني ابتعتُه منه بستمائة نقدًا، فقالت لها عائشة: «بئسما اشتريتِ، وبئسما شريتِ، أخبري زيدًا أن جهاده مع رسول الله - ﷺ - قد بطل إلا أن يتوب». هذا الحديث رواه البيهقي والدارقطني . وذكره الشافعي وأعله بالجهالة بحال امرأة أبي إسحاق، وقال: لو ثبت فإنما عابت عليها بيعًا إلى العطاء، لأنه أجل غير معلوم. ثم قال: ولا يثبت مثل هذا عن عائشة، وزيد بن أرقم لا يبيع إلا ما يراه حلالًا. قال البيهقي: ورواه يونس بن أبي إسحاق عن أمه العالية بنت أَيْفَعَ: أنها دخلت على عائشة مع أم مُحِبَّة . وقال غيره: هذا الحديث حسن ويُحتج بمثله، لأنه قد رواه عن العالية ثقتان ثَبْتان: أبو إسحاق زوجها، ويونس ابنها؛ ولم يُعلَم فيها جرح، والجهالة ترتفع عن الراوي بمثل ذلك. ثم إن هذا مما ضبَطَت فيه القصة ومن دخل معها على عائشة، وقد صدَّقها زوجُها وابنُها وهما مَن هما، فالحديث محفوظ. وقوله في الحديث المتقدم : «من باع بيعتين في بيعة فله أوكَسُهما أو الربا» هو مُنزَّل على العِينة بعينها، قاله شيخنا ؛ لأنه بيعان في مبيع واحد، فأوكسهما: الثمن الحالّ، وإن أخذ بالأكثر ــ وهو المؤجل ــ أخذ بالربا. فالمعنَيان لا تنفك من أحد الأمرين: إما الأخذ بأوكس الثمنَين، أو الربا، وهذا لا يتنزَّل إلا على العِينة. فصل قال المُحرِّمون للعينة: الدليل على تحريمها من وجوه: أحدها: أن الله تعالى حرَّم الربا، والعِينةُ وسيلة إلى الربا، بل هي من أقرب وسائله، والوسيلة إلى الحرام حرام. فهنا مقامان: أحدهما: بيان كونها وسيلة. والثاني: أن الوسيلة إلى الحرام حرام. فأما الأول: فيشهد به النقل والعرف والنية والقصد، وحال المتعاقدَين. فأما النقل: فما ثبت عن ابن عباس أنه سئل عن رجل باع من رجل حريرةً بمائة، ثم اشتراها بخمسين؟ فقال: «دراهم بدراهم متفاضلة، دخلت بينهما حريرة» . وفي كتاب محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بِمُطَيَّن ، عن ابن عباس: أنه قال: «اتقوا هذه العينة، لا تبيعوا دراهم بدراهم بينهما حريرة». وفي كتاب أبي محمد النَخْشَبي الحافظ عن ابن [ق ١٨١] عباس أنه وأبو محمد النَخْشَبي هو الحافظ الكبير: عبد العزيز بن محمد بن محمد النخشبي، ونخشب هي نَسَف. صاحَبَ الحافظ جعفر بن محمد المستغفري وأكثر عنه، وسمع جماعةً كثيرة بدمشق وبغداد وخراسان. توفي كهلًا سنة ٤٥٦ أو ٤٥٧، ولم يروِ إلا اليسير. انظر: «السير» (١٨/ ٢٦٧)، و«تاريخ الإسلام» (١٠/ ٧٢). سئل عن العينة يعني بيع الحريرة؟ فقال: «إن الله لا يُخدَع، هذا مما حرم الله ورسوله». وفي كتاب الحافظ مُطيَّن عن أنس أنه سئل عن العينة ــ يعني بيع الحريرة ــ، فقال: «إن الله لا يُخدَع، هذا مما حرم الله ورسوله». وقول الصحابي: «حرم رسول الله كذا، وأمر بكذا، وقضى بكذا، وأوجب كذا» في حكم المرفوع اتفاقًا من أهل العلم، إلا خلافًا شاذًّا لا يُعتد به، ولا يؤبه له. وشبهة المخالف: أنه لعله رواه بالمعنى، فظن ما ليس بأمرٍ ولا تحريمٍ، كذلك. وهذا فاسد جدًّا، فإن الصحابة أعلم بمعاني النصوص، وقد تلقَّوها مِن فِيْ رسولِ الله - ﷺ - فلا يُظَنّ بأحدٍ منهم أن يُقدِم على قوله: «أمر رسول الله - ﷺ -، أو حرّم، أو فرض» إلا بعد جَزمه بذلك ، ودلالةِ اللفظ عليه. واحتمالُ خلاف هذا كاحتمال الغلط والسهو في الرواية، بل دونه. فإنْ رُدَّ قوله «أمر» ونحوه بهذا الاحتمال وجب رَدُّ روايته لاحتمال السهو والغلط، وإن قُبلت روايته وجب قبول الآخر. وأما شهادة العرف بذلك: فأظهر من أن تحتاج إلى تقرير، بل قد علم الله وعبادُه مِن ذلك، مِن قصدهما أنهما لم يعقدا على السلعة عقدًا يُقصَد به تملُّكها، ولا غرضَ لهما فيها بحال. وإنما الغرض والمقصود بالقصد الأول: مائة بمائة وعشرين، وإدخالُ تلك السلعة في الوسط تلبيس وعبث، وهي بمنزلة الحرف الذي لا معنى له في نفسه، بل جِيء به لمعنًى في غيره، حتى لو كانت تلك السلعة تساوي أضعاف ذلك الثمنِ أو أقلَّ جزء من أجزائه لم يبالوا بجعلها مورِدًا للعقد، لأنهم لا غرض لهم فيها، وأهلُ العرف لا يكابرون أنفسهم في هذا. وأما النية والقصد، فالأجنبي المشاهد لهما يقطع بأنه لا غرض لهما في السلعة وأن القصد الأول: مائةٌ بمائةٍ وثلاثين ، فضلًا عن علم المتعاقدَين ونيتهما، ولهذا يتواطأ كثير منهم على ذلك قبل العقد، ثم يُحضران تلك السلعة محلِّلًا لما حرم الله ورسوله. وأما المقام الثاني ــ وهو أن الوسيلة إلى الحرام حرام ــ فثابت بالكتاب والسنة والفطرة والمعقول، فإن الله سبحانه مسخ اليهود قردةً وخنازير لمّا توسلوا إلى الصيد الحرام بالوسيلة التي ظنوها مباحةً. وسمى أصحاب رسول الله - ﷺ - والتابعون مثل ذلك مخادعة، كما تقدم. وقال أيوب السختياني: «يخادعون الله كأنما يخادعون الصبيان، لو أتوا الأمرَ على وجهه كان أسهل» . والرجوع إلى الصحابة في معاني الألفاظ متعين، سواء كانت لغويةً أو شرعية، والخداع حرام. وأيضًا: فإن هذا العقد يتضمن إظهار صورة مباحة، وإضمارَ ما هو من أكبر الكبائر، فلا تنقلب الكبيرة مباحةً بإخراجها في صورة البيع الذي لم يُقصَد نقل الملك فيه أصلًا، وإنما قُصِد حقيقة الربا. وأيضًا: فإن الطريق متى أفضت إلى الحرام، فإن الشريعة لا تأتي بإباحتها أصلًا، لأن إباحتها وتحريمَ الغاية جمعٌ بين النقيضين، فلا يتصور أن تُباح ويُحرَّم ما تُفضِي إليه، بل لا بد من تحريمهما أو إباحتهما، والثاني باطل قطعًا فيتعيّن الأول. وأيضًا: فإن الشارع إنما حرَّم الربا، وجعله من الكبائر، وتوعَّد آكِلَه بمحاربة الله ورسوله، لما فيه من أعظم الفساد والضرر، فكيف يُتصوَّر مع هذا أن يبيح هذا الفساد العظيم بأيسر شيءٍ يكون من الحِيَل؟! فيالله العجب! أتُرى هذه الحيلة أزالت تلك المفسدة العظيمة، وقلبتها مصلحةً بعد أن كانت مفسدة؟ وأيضًا: فإن الله سبحانه عاقب أهل الجنة الذين أقسموا ليَصرِمُنَّها مُصبِحين ، وكان مقصودهم منع حق الفقراء من المتساقط وقت الجِذاذ، فلما قصدوا منع حقهم منعهم الله الثمرة جملة. ولا يقال: فالعقوبة إنما كانت على ترك الاستثناء وحده ، لوجهين: أحدهما: أن العقوبة من جنس العمل، وتركُ الاستثناء عقوبته أن يُعوَّق ويُنَسَّى، لا إهلاكُ ماله، بخلاف عقوبة ذنب الحِرمان فإنها حرمان كالذنب. الثاني: أن الله تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾، ورتّب العقوبة على ذلك، فلو لم يكن لهذا الوصف مدخل في العقوبة لم يكن لذكره فائدة، فإن لم يكن هو العلةَ التّامة كان جزءًا من العلة. وعلى التقديرين يحصل المقصود. وأيضًا فإن النبي - ﷺ - قال: «الأعمال بالنيات»، والمتوسِّل بالوسيلة التي صورتها مباحة إلى المحرَّم إنما نيته المحرَّم، ونيته أولى به من ظاهر عمله. وأيضًا: فقد روى ابن بطة وغيره بإسناد حسن عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلُّوا محارمَ الله بِأَدنى الحيل» وإسناده مما يصححه الترمذي. وأيضًا: فإن النبي - ﷺ - قال: «لعن الله اليهود حُرِّمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها» . و«جملوها»: يعني أذابوها [ق ١٨٢] وخلطوها، وإنما فعلوا ذلك ليزول عنها اسم الشحم، ويَحدُث لها اسم آخر وهو الوَدَك، وذلك لا يفيد الحِلَّ، فإن التحريم تابع للحقيقة وهي لم تتبدَّل بتبدُّل الاسم. وهذا الربا تحريمه تابع لمعناه وحقيقته، فلا يزول بتبدل الاسم بصورة البيع كما لم يَزُل تحريم الشحم بتبدل الاسم بصورة الجَمْل والإذابة، وهذا واضح بحمد الله. وأيضًا: فإن القوم لم ينتفعوا بعَين الشحم، إنما انتفعوا بثمنه، فيلزم مَن وقف مع صُوَر العقود والألفاظ دون مقاصدها وحقائقها أن لا يحرِّم ذلك، لأن الله تعالى لم ينصَّ على تحريم الثمن، وإنما حرَّم عليهم نفس الشحم. ولمّا لعنهم على استحلالهم الثمن، وإن لم ينص على تحريمه، دل على أن الواجبَ النظرُ إلى المقصود وإن اختلفت الوسائل إليه، وأن ذلك يوجب أن لا يُقصد الانتفاعُ بالعَين ولا ببدلها. ونظير هذا أن يُقال: «لا تقرب مال اليتيم»، فتبيعه وتأكل عِوَضه؛ وأن يقال: «لا تشرب الخمرَ»، فتغير اسمه وتشربه؛ وأن يقال: «لا تَزْنِ بهذه المرأة»، فتعقدَ عليها عقدَ إجارةٍ وتقول: إنما أستوفي منافعها! وأمثال ذلك. قالوا: ولهذا الأصل ــ وهو تحريم الحِيَل المتضمنة إباحةَ ما حرم الله، أو إسقاطَ ما أوجبه الله عليه ــ أكثر من مائة دليل. وقد ثبت أن النبي - ﷺ - لعن المحلِّل والمحلَّل له ، مع أنه أتى بصورة وروي أيضًا من حديث علي، وأبي هريرة، وعقبة بن عامر، وابن عباس - ﵃ -، وفي أسانيدها ضعف. انظر: «بيان الدليل» (ص ٣١٨ - ٣٢٢)، و«تفسير ابن كثير» (البقرة: ٢٣٠)، و«التلخيص الحبير» (٣/ ١٧٠ - ١٧١). عقد النكاح الصحيح، لمّا كان مقصوده التحليل، لا حقيقة النكاح. وقد ثبت عن الصحابة أنهم سَمَّوه زانيًا ، ولم ينظروا إلى صورة العقد. الدليل الثاني على تحريم العينة ما رواه أحمد في «مسنده» : حدثنا أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعِينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله= أنزل الله بهم بلاءً، فلا يرفعه عنهم حتى يُراجِعوا دينهم». ورواه أبو داود بإسناد صحيح إلى حَيْوَةَ بن شُرَيحٍ المصري، عن إسحاق أبي عبد الرحمن الخراساني، أن عطاءً الخراساني حدثه: أن نافعًا حدثه عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (فذكره). وهذان إسنادان حسنان يشُدُّ أحدهما الآخر. فأما رجال الأول فأئمة مشاهير، وإنما يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء، أو أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر . فالإسناد الثاني يبين أن للحديث أصلًا محفوظًا عن ابن عمر، فإن عطاء الخراساني ثقة مشهور وحَيْوة كذلك، وأما إسحاق أبو عبد الرحمن فشيخ روى عنه أئمة المصريين مثلُ: حَيْوة، واللَّيث، ويحيى بن أيوب، وغيرهم. وله طريق ثالث: رواه السَّرِي بن سهل : حدثنا عبد الله بن رُشَيد، وقد أخرجه أيضًا ابن أبي الدنيا في «العقوبات» (٣١٧)، والرُّوياني في «مسنده» (١٤٢٢)، وأبو يعلى (٥٦٥٩)، والطبراني في «الكبير» (١٢/ ٤٣٣)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٣١٣ - ٣١٤)، والبيهقي في «الشعب» (١٠٣٧٣)؛ من طرق عن الليث بن أبي سليم به، إلا أن في رواية أبي يعلى والطبراني والبيهقي زيادة «عبد الملك بن أبي سليمان» في الإسناد بين الليث وعطاء. ويُشبه أن يكون هذا الاختلاف من الليث نفسه، فإنه مضطرب الحديث لسوء حفظه واختلاطه، وقد ذكر البيهقي عقب الحديث لونَين آخَرَين في الإسناد عنه. هذا، وللحديث طريق رابع: أخرجه أحمد (٥٠٠٧) من طريق أبي جناب الكلبي، عن شهر بن حوشب، عن ابن عمر. وهو ضعيف لعنعنة أبي جناب، فإنه كثير التدليس عن الضعفاء. وطريق خامس: أخرجه ابن أبي الدنيا في «العقوبات» (٢٤) بإسناد حسن إلى راشد أبي محمد الحِمَّاني أنه قال: قال ابن عمر ... بنحوه. إلا أنه مُرسَل فإن راشدًا هذا من صغار التابعين لم يُدرك ابن عمر. حدثنا عبد الرحمن بن محمد، عن ليث، عن عطاء، عن ابن عمر قال: لقد أتى علينا زمان وما منا رجل يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، ولقد سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتركوا الجهاد، واتبعوا أذناب البقر= أدخل الله عليهم ذُلًّا لا ينزعه حتى يتوبوا ويرجعوا إلى دينهم». وهذا يبين أن للحديث أصلًا وأنه محفوظ. الثالث: ما تقدم من حديث أنس أنه سئل عن العينة، فقال: «إن الله لا يُخدَع، هذا مما حرم الله ورسوله». وتقدم أن هذا اللفظ في حكم المرفوع. الرابع: ما تقدم من حديث ابن عباس وقوله: «هذا مما حرم الله ورسوله». الخامس: ما رواه الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن العالية؛ ورواه حرب من حديث إسرائيل حدثني أبو إسحاق عن جدّته العالية ــ يعني جدة إسرائيل، فإنها امرأة أبي إسحاق ــ قالت: دخلت على عائشة في نسوة فقالت [ما] حاجتكن؟ فكان أول من سألها أم مُحبّة، فقالت: يا أم المؤمنين هل تعرفين زيد بن أرقم؟ قالت نعم. قالت: فإني بعته جاريةً لي بثمانمائة درهم إلى العطاء، وإنه أراد أن يبيعها فابتعتُها بستمائة درهم نقدًا. فأقبلتْ عليها وهي غضبى، فقالت: بئسما شَرَيتِ وبئسما اشتريتِ، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - ﷺ - إلا أن يتوب. وأُفحِمتْ صاحبتنا فلم تتكلم طويلًا، ثم إنه سهل عنها فقالت: يا أم المؤمنين أرأيتِ إن لم آخذ إلا رأس مالي؟ فتلَتْ عليها: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. فلولا أن عند أم المؤمنين علمًا لا تستريب فيه أن هذا محرَّم لم تستجز أن تقول مثل هذا بالاجتهاد، ولا سيما إن كانت قد قصدت أن العمل يَحبَط بالردة، وأن استحلال الربا كفرٌ، وهذا منه، ولكن زيدٌ معذور لأنه لم يعلم أن هذا مُحرَّم، ولهذا قالت: «أبلغيه». ويحتمل أن تكون قصدت أن هذا من الكبائر التي يقاوم إثمُها ثوابَ الجهاد فيصير بمنزلة من عمل حسنةً وسيئةً بقدرها، فكأنه لم يعمل شيئًا. وعلى التقديرين فجزمُ أم المؤمنين بهذا دليل على أنه لا يسوغ فيه الاجتهاد، ولو كانت هذه من مسائل الاجتهاد [ق ١٨٣] والنزاعِ بين الصحابة لم تُطلِق عائشة على زيد ذلك، فإن الحسناتِ لا تَبطُل بمسائل الاجتهاد. ولا يقال: فزيد من الصحابة وقد خالفها؛ لأن زيدًا لم يقل: هذا حلال، بل فعله، وفِعل المجتهد لا يدل على قوله على الصحيح، لاحتمال سهوٍ أو غفلة أو تأويل أو رجوع ونحوه، وكثيرًا ما يفعل الرجل الشيء ولا يعلم مفسدته، فإذا نُبِّه لها انتبه. ولا سيما أم ولده، فإنها دخلت على عائشة تستفتيها، وطلبت الرجوع إلى رأس مالها، وهذا يدل على الرجوع عن ذلك العقد، ولم يُنقَل عن زيد أنه أصرَّ على ذلك. فإن قيل: لا نسلم ثبوت الحديث، فإن أم ولد زيد مجهولة. قلنا: أم ولده لم تروِ الحديث، وإنما كانت هي صاحبة القصة، وأما العالية فهي امرأة أبي إسحاق السبيعي، وهي من التابعيات، وقد دخلت على عائشة ، وروى عنها أبو إسحاق، وهو أعلم بها. وفي الحديث قصة وسياق يدل على أنه محفوظ، وأن العالية لم تختلق هذه القصة وتضعها، بل يغلب على الظن غلبةً قوية صِدقُها فيها وحفظها لها، ولهذا رواها عنها زوجها ولم يتَّهِمها، ولا سيما عند من يقول رواية العدل عن غيره تعديل له، والكذب لم يكن فاشيًا في التابعين فُشُوَّه فيمن بعدهم، وكثير منهم كان يروي عن أمه وامرأته ما يخبرهن به أزواج رسول الله - ﷺ - ويَحتج به. فهذه أربعة أحاديث تبين أن رسول الله - ﷺ - حرم العينة: حديث ابن عمر الذي فيه تغليظ العينة، وحديث أنس وابن عباس أنها مما حرم الله ورسوله، وحديث عائشة هذا. والمرسل منها له ما يوافقه، وقد عمل به الصحابة والسلف، وهذا حجة باتفاق الفقهاء. السادس: ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: «من باع بيعتين في بيعةٍ فله أوكسهما أو الربا». وللعلماء في تفسيره قولان: أحدهما: أن يقول: بعتك بعشرة نقدًا، أو عشرين نسيئة. وهذا هو الذي رواه أحمد عن سماك، ففسره في حديث ابن مسعود قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن صفقتين في صفقة. قال سماك: الرجل يبيع البيع، فيقول: هو على نَساءٍ بكذا، وبنقد بكذا. وهذا التفسير ضعيف، فإنه لا يدخل الربا في هذه الصورة، ولا صفقتين هنا، وإنما هي صفقة واحدة بأحد الثمنين. والتفسير الثاني: أن يقول أبيعكها بمائة إلى سنة على أن أشتريها منك بثمانين حالَّةً. وهذا معنى الحديث الذي لا معنى له غيره، وهو مطابق لقوله: «فله أوكسهما أو الربا»، فإنه إما أن يأخذ الثمن الزائد فيُرْبي، أو الثمن الأول فيكون هو أوكسهما، وهو مطابق لصفقتين في صفقة. فإنه قد جمع صفقتي النقد والنسيئة في صفقة واحدة ومبيع واحد، وهو قد قصد بيع دراهم عاجلة بدراهمَ مؤجّلةٍ أكثر منها، ولا يستحق إلا رأس ماله وهو أوكس الصفقتين، فإن أبى إلا الأكثر كان قد أخذ الربا. فتدبَّرْ مطابقة هذا التفسير لألفاظه - ﷺ - وانطباقَه عليها. ومما يشهد لهذا التفسير: ما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر عن النبي - ﷺ -: أنه نهى عن بيعتين في بيعة، وعن سلف وبيع. فجمعه بين هذين العقدين في النهي لأن كلًّا منهما يؤول إلى الربا، لأنهما في الظاهر بيع وفي الحقيقة ربا. ومما يدل على تحريم العِينة: حديث ابن مسعود يرفعه: «لعن الله آكل الربا وموكله وشاهِدَيه وكاتبه والمُحِلَّ والمحلَّل له» . والحديث إسناده حسن، فإنه من رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. أخرجه أبو داود (٣٥٠٤)، والترمذي (١٢٣٤)، والحاكم (٢/ ١٧) بلفظ: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع». ورويت هذه الأمور مجتمعة في حديث حارث الأعور عن علي. أخرجه أحمد (٦٧١، ٩٨٠، ١٣٦٤)، والبزار (٢٨١)، وأبو يعلى (٤٠٢) وغيرهم. ومعلوم أن الشاهدين والكاتب إنما يكتب ويشهد على عقدٍ صورته جائزةُ الكتابة والشهادِة، لا يشهد بمجرد الربا، ولا يكتبه. ولهذا قرنه بالمُحِل والمحلل له، حيث أظهرا صورة النكاح، ولا نكاح؛ كما أظهر الكاتب والشاهدان صورة البيع، ولا بيع. وتأمل كيف لعن في الحديث الشاهدين والكاتب والآكل والموكل؛ فلَعَن المعقود له، والمعينَ له على ذلك العقد، ولعن المُحِلَّ والمحلل له؛ فالمحلل له هو الذي يُعقَد التحليل لأجله، والمُحِلّ هو المعين له بإظهار صورة العقد، كما أن المرابي هو المعان على أكل الربا بإظهار صورة العقد المكتوب المشهود به؛ فصلوات الله وسلامه على من أوتي جوامع الكلم. السابع: ما صحَّ عن ابن عباس أنه قال: «إذا استقمت بنقدٍ فبِعتَ بنقد فلا بأس، وإذا استقمت بنقدٍ فبعت بنسيئة فلا خير فيه، تلك وَرِق بورق» رواه سعيد وغيره . ومعنى كلامه: أنّك إذا قوَّمت السلعة بنقدٍ ثم بِعتَها بنَساءٍ، كان مقصود المشتري شراء دراهم معجَّلة بدراهم مؤجَّلة، وإذا قوَّمتَها بنقد ثم بعتَها به فلا بأس، فإن ذلك بيع المقصود منه السلعة لا الربا. الثامن: ما رواه ابن بطة عن الأوزاعي قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع» يعني العينة. وهذا، وإن كان مرسلًا، فهو صالح للاعتضاد به، ولا سيما وقد تقدم من المرفوع ما يؤكده. ويشهد له أيضًا قوله - ﷺ -: «ليشربنَّ [ق ١٨٤] ناسٌ من أمتي الخمرَ يسمُّونها بغير اسمها» . وقوله أيضًا فيما رواه إبراهيم الحربي من حديث أبي ثعلبة عن النبي رجاله ثقات، إلا أن مكحولًا كثيرُ الإرسال، ونص المزي في «تهذيب الكمال» (٨/ ٢٦٨): أنه لم يسمع من أبي ثعلبة. ولكنه توبع، تابعه عبد الرحمن بن سابط عن أبي ثعلبة، عن أبي عبيدة ومعاذ - ﵄ -، ولفظه: «يستحلون الحرير والخمور والفروج». أخرجه إسحاق بن راهويه ــ كما في «المطالب العالية» (٢٠٩٢) ــ، وأبو يعلى (٨٧٣)، والبيهقي (٨/ ١٥٩)، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو صدوق سيئ الحفظ، فبمجموع الطريقين يتقوى الحديث، لا سيما ويشهد له حديث أبي عامر ــ أو أبي مالك ــ الأشعري عند البخاري (٥٥٩٠): «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ...». - ﷺ -: «أول دينكم نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم مُلك ورحمة، ثم مُلك وجبرية، ثم ملك عَضُوض يُستَحَلّ فيه الحِرُ والحرير». و«الحِرُ» بكسر الحاء وتخفيف الراء هو: الفرج. فهذا إخبار عن استحلال المحارم، ولكنه بتغيير أسمائها، وإظهارِ صُوَرٍ تُجعَل وسيلةً إلى استباحتها، وهي الربا والخمر والزنا، فيسمَّى كل منها بغير اسمها، ويُستباح بالاسم الذي سمي به، وقد وقعت الثلاثة. وفي قول عائشة: «بئسما شريتِ، وبئسما اشتريت» دليل على بطلان العقدَين معًا، وهذا هو الصحيح من المذهب، لأن الثاني عقد ربا والأول وسيلة إليه. وفيه قول آخر في المذهب: إن العقد الأول صحيح، لأنه تم بأركانه وشروطه، فطَرَيان الثاني عليه لا يبطله. وهذا ضعيف، فإنه لم يكن مقصودًا لذاته، وإنما جعله وسيلة إلى الربا، فهو طريق إلى المحرَّم، فكيف يُحكَم بصحته؟ وهذا القول لا يليق بقواعد المذهب. فإن قيل: فما تقولون فيمن باع سلعة بنقد ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة؟ قلنا: قد نص أحمد في رواية حرب على أنه لا يجوز إلا أن تتغير السلعة، لأن هذا يُتخذ وسيلةً إلى الربا، فهو كمسألة العينة سواء، وهي عكسُها صورةً. وفي الصورتين قد ترتّب في الذمة دراهم مؤجلة بأقل منها نقدًا، لكن في إحدى الصورتين البائع هو الذي اشتغلت ذمته، وفي الصورة الأخرى المشتري هو الذي اشتغلت ذمته، فلا فرق بينهما. وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن تجوز الصورة الثانية إذا لم يكن ذلك حيلةً ولا مواطأةً بل وقع اتفاقًا، وفرَّقَ بينها وبين الصورة الأولى بفرقين: أحدهما: أن النص ورد فيها، فيبقى ما عداها على أصل الجواز. والثاني: أن التوسل إلى الربا بتلك الصورة أكثر من التوسل بهذه. والفرقان ضعيفان، أما الأول: فليس في النص ما يدل على اختصاص العينة بالصورة الأولى حتى تَتقيَّد به، بل النصوص مطلقة على تحريم العينة. والعِينة فِعْلَة من العَين وهو النقد، قال الشاعر : أنَدَّانُ أم نَعْتَانُ، أم ينبري لنا ... فتًى مثلُ نصلِ السيف مِيزَتْ مضاربُه فكيف لنا بالشرب إن لم تكن لنا ... دراهمُ عند الحانَويِّ ولا نقدُ أندَّانُ أم نعتانُ أم ينبري لنا ... فتًى مثلُ نصل السيف أبرزه الغِمْدُ وأنشدهما ابن برِّي (اللسان ــ عون) لذي الرُّمَّة برواية «شيمته الحمد» مكان «أبرزه الغمد». وهما لذي الرمة أيضًا في «قطب السرور» (ص ٦٣٧) مع بيت ثالث. وقوله: «أندَّان أم نعتانُ» أي أنتداين أم نأخذ العِينَة. قال الجوزجاني : أنا أظن أن العينة إنما اشتُقَّت من حاجة الرجل إلى العَين من الذهب والورق، فيشتري السلعة ويبيعها بالعَين الذي احتاج إليه، وليست به إلى السلعة حاجة. وأما الفرق الثاني فكذلك، لأن المعتبر في هذا الباب هو الذريعة، ولو اعتبر فيه الفرق بين الاتفاق والقصد لزم طرد ذلك في الصورة الأولى، وأنتم لا تعتبرونه. فإن قيل: فما تقولون إذا لم تَعُد السلعة إليه بل رجعت إلى ثالث، هل تسمون ذلك عِينة؟ قيل: هذه مسألة التَوَرُّق، لأن المقصود منها الوَرِق، وقد نص أحمد في رواية أبي داود على أنها من العِينة، وأطلق عليها اسمها. وقد اختلف السلف في كراهيتها، فكان عمر بن عبد العزيز يكرهها، وكان يقول: «التورق آخِيَّة الربا» ، ورخص فيها إياس بن معاوية . وعن أحمد فيها روايتان منصوصتان، وعلل الكراهة في إحداهما بأنه بيع مُضطَرّ. وقد روى أبو داود عن علي: أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع المضطر. وفي «المسند» عن علي: «سيأتي على الناس زمان عضوض يَعَضُّ المُوسِر على ما في يده ولم يؤمر بذلك، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ويبايع المضطَرّون، وقد نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع المضطر» وذكر الحديث. فأحمد - ﵀ - أشار إلى أن العينة إنما تقع من رجل مضطَر إلى نفقة، يَضِنُّ عليه الموسِرُ بالقرض، فيُضطَرّ إلى أن يشتري منه سلعةً ثم يبيعها، فإن اشتراها منه بائعُها كانت عِينةً، وإن باعها من غيره فهي التورق. ومقصوده في الموضعين: الثمن، فقد حصل في ذمته ثمن مؤجَّل مقابِلٌ لثمنٍ حالٍّ أنقصَ منه، ولا معنى للربا إلا هذا، لكنه ربا بسُلَّمٍ لم يحصل له صعوده إلا بمشقة، ولو لم يَصعَده كان ربا بسهولة. وللعينة صورة رابعة، وهي أخف صورها، وهي أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئةٍ، ونصَّ أحمد على كراهة ذلك فقال : العِينة أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة، فإن باع بنسيئة ونقد فلا بأس. وقال أيضًا : أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة فلا يبيع بنقد. قال ابن عقيل: إنما كَرِه ذلك لمضارَعَته الربا، فإن البائع بنسيئة يقصد الزيادة غالبًا. وعلله شيخُنا - ﵁ - بأنه يدخل في بيع المضطر، فإن غالب من يشتري بنسيئة إنما يكون لتعذر النقد، فإذا كان الرجل لا يبيع إلا بنسيئة كان رِبحُه على أهل الضرورة والحاجة، وإذا باع بنقد ونسيئة كان تاجرًا من التجار. وللعينة صورة خامسة، وهي أقبحُ صورها وأشدُّها تحريمًا، وهي أن المترابيين يتواطآن على الربا، ثم يعمدان إلى رجل عنده متاع، فيشتريه منه المحتاج، ثم يبيعه للمربي بثمن حالٍّ ويقبضه منه، ثم يبيعه إياه المربي بثمن مؤَجَّل، وهو ما اتفقا [ق ١٨٥] عليه، ثم يعيد المتاع إلى ربه ويعطيه شيئًا. وهذه تسمى «الثُّلاثِية» لأنها بين ثلاثة، وإذا كانت السلعة بينهما خاصة فهي الثُّنائية. وفي الثلاثية قد أدخلا بينهما محلِّلًا يزعمان أنه يحلِّل لهما ما حرم الله من الربا، وهو كمحلل النكاح؛ فهذا محلل الربا، وذلك محلل الفروج. والله تعالى لا تخفى عليه خافية، بل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ١٣ - باب وضع الجائحة
مصادر المؤلف (٦٨)

١. «الكبرى» (٥/ ٣٢٥)، و«معرفة السنن والآثار» (٨/ ١٢٧).

٢. كذا، ولم أجدها فيه.

٣. قول أحمد هذا ذكره في «المغني» (١٤/ ٣٩٨). وقال في رواية ابنه عبد الله: كان يتفقّه، ليس به بأس. «الجرح والتعديل» (٥/ ٣١١).

٤. كما في «المغني» (١٤/ ٣٩٨)، وأبو الوليد هذا لعله الأستاذ الفقيه حسان بن محمد القرشي، إمام أهل الحديث بخراسان في زمانه (ت ٣٤٩). انظر: «تاريخ الإسلام» (٧/ ٨٧٤).

٥. كما في «المغني» (١٤/ ٣٩٨)، وانظر «مسائل أحمد» برواية الكوسج (١/ ٥٠٣، ٢/ ٤٨٢) ورواية أبي الفضل صالح (١/ ٢٦٠).

٦. «سنن أبي داود» (٣٤٦٢). في إسناده لين، ولكن له طرق يتقوى بها كما سيأتي في كلام المؤلف مفصّلًا.

٧. في الأصل: «أخبرني»، سبق قلم.

٨. البيهقي (٥/ ٣٣٠) والدارقطني (٣٠٠٣)، وكذا أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (١٠/ ٣٦٥)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٢/ ٥٤٥ - ٥٤٦)، من طرق عن أبي إسحاق به.

٩. «الأم» (٤/ ٧٤ - ١٦٠)، والمؤلف صادر عن «معرفة السنن» (٨/ ١٣٥ - ١٣٧).

١٠. أخرجه الدارقطني (٣٠٠٢)، وقال: «أم محبة والعالية مجهولتان لا يُحتجّ بهما».

١١. «السنن» (٣٤٦١) و«مختصره» (٣٣١٦)، وأخرجه أيضًا ابن حبان (٤٩٧٤)، والحاكم (٢/ ٤٥)، كلهم من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا. رجاله ثقات إلا أن ابن أبي زائدة خولف في لفظه، خالفه يحيى القطان ويزيد بن هارون وغيرهما من الأثبات، فروَوه عن محمد بن عمرو بلفظ: أن النبي - ﷺ - نهى عن بيعتين في بيعة. أخرجه أحمد (٩٥٨٤، ١٠٥٣٥)، والترمذي (١٢٣١) وقال: حسن صحيح.

١٢. انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٤٣٢)، و«بيان الدليل على إبطال التحليل» (ص ٨٣ - ٨٥).

١٣. كذا في الأصل و(هـ) على عادة المؤلف، وقد سبق نظيره، وفي الطبعتين: «ينفكّان».

١٤. في الطبعتين: «بينها» خلافًا للأصل ولمصادر التخريج.

١٥. أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (١٠/ ٣٦٤) بإسناد صحيح. والمؤلف صادر عن «بيان الدليل» لشيخ الإسلام (ص ٧٦).

١٦. عزاه إليه شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (ص ٧٦)، وذكر أنه من رواية ابن سيرين، عن ابن عباس. وقد أخرجه ابن أبي شيبة (٢٠٥٢٧) بإسناده عن ابن سيرين قال: نُبِّئتُ أن ابن عباس كان يقول: (بنحوه).

١٧. وإليه عزاه شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (ص ٧٦)، وصححه المؤلف في «أعلام الموقعين» (٤/ ٤٧).

١٨. كما في «بيان الدليل» (ص ٧٥)، وصححه المؤلف في «الأعلام» (٤/ ٤٧).

١٩. الأصل: «ذلك»، والمثبت من (هـ).

٢٠. كذا في الأصل و(هـ)، وفي ط. الفقي: «وعشرين» موافقًا لما سبق.

٢١. علَّقه البخاري بنحوه مجزومًا به في «الحيل»، باب ما يُنهى من الخداع في البيوع. ووصله وكيع بن الجرّاح في «مصنّفه» ــ كما في «تغليق التعليق» (٥/ ٢٦٤) ــ عن ابن عيينة، عنه.

٢٢. أي الطريقُ المفضية إلى الحرام. وفي الطبعتين: «يُباح»، وزاد الفقي بعده: «شيءٌ»!

٢٣. كما قصَّ الله خبرهم في سورة القلم (١٧ - ٣٣).

٢٤. على قول من فسّر: ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ بأنهم لم يقولوا: إن شاء الله. انظر: «زاد المسير» (٨/ ٣٣٥ - ٣٣٦).

٢٥. في الأصل وط. الفقي: «وذنب»، تحريف.

٢٦. في «إبطال الحيل» (ص ١٠٤ - ١٠٥) من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -. قال شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (ص ٥٤) بعد أن ساق إسناد ابن بطة: «هذا إسناد جيّد يصحح مثله الترمذي وغيره تارةً، ويحسنّه تارة، وأحمد بن محمد بن سلْم المذكور (شيخ ابن بطة) مشهور ثقة ذكره الخطيب في »تاريخه« [(٦/ ٨) ط. دار الغرب] بذلك، وسائر رجال الإسناد أشهر من أن يُحتاج إلى وصفهم». وبنحوه قال ابن كثير في «تفسيره» (الأعراف: ١٦٣).

٢٧. أخرجه البخاري (٢٢٢٣، ٢٢٢٤، ٢٢٣٦)، ومسلم (١٥٨٢، ١٥٨٣، ١٥٨١) من حديث عمر وأبي هريرة وجابر - ﵃ - ولاءً.

٢٨. ط. الفقي: «اليهود» تغييرًا لما في الأصل.

٢٩. أخرجه أحمد (٤٢٨٣)، والترمذي (١١٢٠)، والنسائي (٣٤١٦)، وغيرهم من حديث ابن مسعود - ﵁ -. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

٣٠. صحَّ عن ابن عمر أنه قال: كنا نعدُّ هذا سفاحًا على عهد رسول الله - ﷺ -. أخرجه وكيع ــ كما في «بيان الدليل» (ص ٣٩٧) ــ، والحاكم (٢/ ١٩٩) وعنه البيهقي (٧/ ٢٠٨)، بإسناد على شرط الشيخين.

٣١. رقم (٤٨٢٥)، وسيأتي الكلام عليه.

٣٢. رقم (٣٤٦٢)، وهو حديث الباب.

٣٣. في الأصل: «أبي عبد الله»، خطأ.

٣٤. أما الأول فلأن الأعمش مدلس ولم يصرح بالسماع، وأما الثاني فلأنه اختلف الأئمة في سماع عطاء من ابن عمر، فأثبته أبو نعيم الفضل بن دكين، كما في «التاريخ الكبير» للبخاري (٦/ ٤٦٤)، وأنكره أحمد فقال: رآه ولم يسمع منه، كما في «المراسيل» لابن أبي حاتم (ص ١٥٤).

٣٥. في الأصل: «أبو عبد الله»، خطأ.

٣٦. نقله عنه شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (ص ٧٣) فقال: «وقد رُويناه من طريق ثالث في حديث السري بن سهل الجُندَيسابوري بإسناد مشهور إليه».

٣٧. كما في «بيان الدليل» (ص ٧٧) ــ والمؤلف صادر عنه ــ، وليست الرواية في «المسند»، ولعلها كانت في «مسائل حرب بن إسماعيل الكرماني» كما يدل عليه الإسناد الآتي. والحديث قد سبق تخريجه في أول الباب.

٣٨. لعله في «مسائله» عن أحمد وإسحاق، فإنه كثيرًا ما يُسند فيها الأحاديث، كما في القدر المطبوع منه، وأكثره في عداد المفقود، والله المستعان.

٣٩. في الأصل و(هـ) وط. المعارف: «تستحسن»، ولعل المُثبت من ط. الفقي هو الصواب لموافقته ما في «بيان الدليل» (ص ٧٨) والمؤلف صادر عنه.

٤٠. هكذا جاء في أكثر الروايات عن أبي إسحاق: أن العالية دخلت مع أم ولد زيدٍ على عائشة، فأم الولد صاحبة القصة، والراوية عن عائشة هي العالية، إلا أن في رواية الثوري عنه عند عبد الرزاق (١٤٨١٣) ما ظاهره أن العالية لم تسمعه من أم المؤمنين مباشرة، وإنما روته عن امرأة أبي السفر، عن عائشة. والله أعلم. وانظر: «المحلَّى» (٩/ ٤٩).

٤١. بعده في الأصل: «ميمون»، وليس في (هـ)، ولا وجه له، فزوجها هو: عمرو بن عبدالله أبو إسحاق السبيعي.

٤٢. رقم (٣٧٨٣) من طريق شريك، عن سماك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه. وشريك سيئ الحفظ، وقد خالفه سفيان الثوري وشعبة فروياه عن سماك به موقوفًا على ابن مسعود؛ لفظ الثوري: «صفقتان في صفقة ربا»، ولفظ شعبة: «لا تحل صفقتان في صفقة». أخرجهما ابن حبان (١٠٥٣، ٥٠٢٥) وغيره.

٤٣. (هـ): «لا مدخل للربا».

٤٤. رقم (٦٦٢٨، ٦٩١٨) من حديث عبد الله بن عمرو، وليس «ابن عمر» كما هنا، ولعله سهو، وهو على الصواب في «بيان الدليل» (ص ٨٥) والمؤلف صادر عنه.

٤٥. أخرجه أحمد (٣٧٣٧) والترمذي (١٢٠٦) وقال: حسن صحيح، وابن حبان (٥٠٢٥)، كلهم دون قوله: «والمُحِلَّ والمحلَّل له»، وصحّ ذلك عن ابن مسعود من طريق آخر، وقد سبق تخريجه.

٤٦. (هـ): «يشهد ويكتب».

٤٧. «وسلامه» من (هـ).

٤٨. أخرجه عبد الرزاق (١٥٠٢٨) بإسناد صحيح.

٤٩. عزاه إليه شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (ص ٦٧)، وليس في «إبطال الحيل» المطبوع. وأخرجه الخطابي في «غريب الحديث» (١/ ٢١٨) دون تفسيره بالعينة، والحديث معضل.

٥٠. أخرجه أحمد (٢٢٩٠٠)، وأبو داود (٣٦٨٨)، وابن حبان (٦٧٥٨)، من حديث مالك بن أبي مريم، عن عبد الرحمن بن غَنم، عن أبي مالك الأشعري - ﵁ -. في إسناده ضعف لجهالة مالك بن أبي مريم، ولكن للحديث شواهد كثيرة يصح بها، منها ما أخرجه أحمد (١٨٠٧٣) والنسائي (٥٦٥٨) بإسناد صحيح عن رجلٍ من أصحاب النبي - ﷺ -، بنحوه. وانظر: «الفتح» (١٠/ ٥١ - ٥٢)، و«السلسلة الصحيحة» (٨٩، ٩٠، ٤١٤).

٥١. ليس في القدر المطبوع من «غريب الحديث» له، وقد أخرجه الدارمي (٢١٤٦)، والطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٢٢٣) وفي «مسند الشاميين» (٢/ ٢٩٣)، والخطابي في «الغريب» (١/ ٢٤٩) من طريق مكحول عن أبي ثعلبة - ﵁ -، وزاد في رواية الدارمي والخطابي: «عن أبي ثعلبة، عن أبي عبيدة بن الجرَّاح».

٥٢. كما في «المغني» (٦/ ٢٦٣).

٥٣. الأصل: «ذمته»، والمثبت من (هـ).

٥٤. البيت بهذه الرواية بلا نسبة في «تهذيب اللغة» (١٤/ ١٨٣)، ومنه في «اللسان» (دين). وهو برواية أخرى مع بيت آخر قبله في «مقاييس اللغة» (٤/ ٢٠٤) بلا نسبة، وفي «أساس البلاغة» (عين) منسوبًا إلى ابن مُقبل:

٥٥. كذا في الأصل، والرواية: «هُزَّت»، ولعلّ المؤلف صادر عن «المغني» (٦/ ٢٦٢).

٥٦. كما في «بيان الدليل» (ص ٧٤).

٥٧. (ص ٢٦٣).

٥٨. ذكره شيخ الإسلام في «بيان الدليل» (ص ٨٢)، ولم أجده مسندًا إليه بهذا اللفظ، وقد أخرج ابن أبي شيبة (٢٠٥٢٨) بإسناد صحيح أنه كتب إلى عبد الحميد ــ وهو ابن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، والِيه على الكوفة ــ: «انْهَ مَن قِبَلك عن العِينة فإنها أخت الربا». «آخية الربا» فسّره شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٤٣١) فقال: «أي: أصل الربا». والذي يظهر من رواية ابن أبي شيبة أن ضبطَه: «أُخيَّة الربا» تصغير الأخت.

٥٩. أخرجه ابن أبي شيبة (٢٠٥٢٥).

٦٠. رقم (٣٣٨٢) من حديث شيخ من بني تميم، عن علي - ﵁ -. فالإسناد ضعيف لجهالة الشيخ التميمي.

٦١. رقم (٩٣٧)، وإسناده كسابقه.

٦٢. في الأصل وط. الفقي: «المؤمن»، تصحيف.

٦٣. ط. الفقي: «مقصوده ... لم يقصده»، تحريف.

٦٤. ط. الفقي: «أخت»، تحريف.

٦٥. كما في «مسائله» رواية الكوسج (٢/ ١١)، وبنحوه في «مسائله» برواية صالح (٢/ ٢٥٩).

٦٦. كما في «المغني» (٦/ ٢٦٢). وفيه قول ابن عقيل الآتي.

٦٧. انظر: «بيان الدليل» (ص ٨١ - ٨٢).

٦٨. في الأصل والطبعتين: «للمربي»، خطأ؛ فقد سبق أن المحتاج قد باعه له، والآن المربي هو البائع. ثم وجدته على الصواب في (هـ) ولله الحمد.

عون المعبود · العظيم آبادي · ج٩ ص٢٩١
٤ - (بَاب فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ) [٣٥٠٣] (فَيُرِيدُ مِنِّي الْبَيْعَ) أَيِ الْمَبِيعَ كَالصَّيْدِ بِمَعْنَى الْمِصْيَدِ (لَيْسَ عِنْدِي) حَالٌ مِنَ الْبَيْعِ (أَفَأَبْتَاعُهُ) أَيِ اشْتَرِيهِ (لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ) أَيْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مِلْكِكِ حَالَ الْعَقْدِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ هَذَا فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ دُونَ بُيُوعِ الصِّفَاتِ فَلِذَا قِيلَ السَّلَمُ فِي شَيْءٍ مَوْصُوفٍ عَامِّ الْوُجُودِ عِنْدَ الْمَحَلِّ الْمَشْرُوطِ وَيَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ حَالَ الْعَقْدِ وَفِي مَعْنَى مَا لَيْسَ عِنْدَهُ فِي الْفَسَادِ بَيْعُ الْعَبْدِ الْآبِقِ وَبَيْعُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَفِي مَعْنَاهُ بَيْعُ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ يُجِيزُ مَالِكُهُ أَمْ لَا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ قَالَ جَمَاعَةٌ يَكُونُ الْعَقْدُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ ﵏ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ [٣٥٠٤] (حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شعيب) أي بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (حَدَّثَنِي أَبِي أَيْ شُعَيْبٌ (عَنْ أَبِيهِ أَيْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ) أَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو (لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ أَبِيعُكُ هَذَا الْعَبْدَ بِخَمْسِينَ دِينَارًا عَلَى أَنْ تُسَلِّفَنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ فِي مَتَاعٍ أَبِيعُهُ مِنْكَ إِلَى أَجَلٍ أَوْ يَقُولُ أَبِيعُكَهُ بِكَذَا عَلَى أَنْ تُقْرِضَنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ وَيَكُونُ مَعْنَى السَّلَفِ الْقَرْضُ وَذَلِكَ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ يُقْرِضُهُ عَلَى أَنْ يُحَابِيَهُ (الْمُحَابَاةُ الْمُسَامَحَةُ وَالْمُسَاهَلَةُ لِيُحَابِيَهُ أَيْ لِيُسَامِحَهُ فِي الثَّمَنِ) فِي الثَّمَنِ فَيَدْخُلُ الثَّمَنُ فِي حَدِّ الْجَهَالَةِ وَلِأَنَّ كُلَّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا انْتَهَى (وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ) قَالَ الْبَغَوِيُّ هُوَ أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ هَذَا الْعَبْدَ بِأَلِفٍ نَقْدًا أَوْ بِأَلْفَيْنِ نَسِيئَةً فَهَذَا بَيْعٌ وَاحِدٌ تَضَمَّنَ شَرْطَيْنِ يَخْتَلِفُ الْمَقْصُودُ فِيهِ بِاخْتِلَافِهِمَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ شَرْطَيْنِ وَشُرُوطٍ وَهَذَا التَّفْسِيرُ مَرْوِيٌّ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ بعتك ثوبي بكذا وعلى قصارته وخياطته فهذل فَاسِدٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ أَحْمَدُ إِنَّهُ صَحِيحٌ وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فَقَالَ إِنْ شَرَطَ فِي الْبَيْعِ شَرْطًا وَاحِدًا صَحَّ وَإِنْ شَرَطَ شَرْطَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَصِحَّ فَيَصِحُّ مَثَلًا أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ ثَوْبِي عَلَى أَنْ أَخِيطَهُ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ عَلَى أَنْ أُقَصِّرَهُ وَأَخِيطَهُ وَمَذْهَبُ الْأَكْثَرِ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالشَّرْطَيْنِ وَاتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ مَا فِيهِ شَرْطَانِ كَذَا فِي النَّيْلِ (وَلَا رِبْحَ مَا لَمْ يُضْمَنُ) يَعْنِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ رِبْحَ سِلْعَةٍ لَمْ يضمنها ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ هَذَا الْحَدِيث أَصْل مِنْ أُصُول الْمُعَامَلَات وَهُوَ نَصّ فِي تَحْرِيم الْحِيَل الرِّبَوِيَّة وَقَدْ اِشْتَمَلَ عَلَى أَرْبَعَة أَحْكَام الْحُكْم الْأَوَّل تَحْرِيم الشَّرْطَيْنِ فِي الْبَيْع وَقَدْ أَشْكَلَ عَلَى أَكْثَر الْفُقَهَاء مَعْنَاهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الشَّرْطَيْنِ إِنْ كَانَا فَاسِدَيْنِ فَالْوَاحِد حَرَام فَأَيّ فَائِدَة لِذِكْرِ الشَّرْطَيْنِ وَإِنْ كَانَا صَحِيحَيْنِ لَمْ يَحْرُمَا فَقَالَ بن الْمُنْذِر قَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاق فِيمَنْ اِشْتَرَى ثَوْبًا وَاشْتَرَطَ عَلَى الْبَائِع خِيَاطَته وَقَصَارَته أَوْ طَعَامًا وَاشْتَرَطَ طَحْنه وَحَمْله إِنْ شَرَطَ أَحَد هَذِهِ الْأَشْيَاء فَالْبَيْع جَائِز وَإِنْ شَرَطَ شَرْطَيْنِ فَالْبَيْع بَاطِل وَهَذَا فَسَّرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْره عَنْ أَحْمَد فِي تَفْسِيره رِوَايَة ثَانِيَة حَكَاهَا الْأَثْرَم وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيهَا عَلَى أَنْ لَا يَبِيعهَا مِنْ أَحَد وَلَا يَطَأهَا فَفَسَّرَهُ بِالشَّرْطَيْنِ الفاسدين مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ مَتَاعًا وَيَبِيعَهُ إِلَى آخَرَ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنَ الْبَائِعِ فَهَذَا الْبَيْعُ بَاطِلٌ وَرِبْحُهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَبِيعَ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي مِنْهُ لِعَدَمِ الْقَبْضِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا لِتَصْرِيحِهِ بِذِكْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَيَكُونُ مَذْهَبُهُ فِي الِامْتِنَاعِ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ إِنَّمَا هُوَ الشَّكُّ فِي إِسْنَادِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَإِذَا صَحَّ بِذِكْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو انْتَفَى ذَلِكَ وَاللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَعَنْهُ رِوَايَة ثَالِثَة حَكَاهَا إِسْمَاعِيل بْن سَعِيد الشَّالَنْجِيّ عَنْهُ هُوَ أَنْ يَقُول إِذَا بِعْتهَا فَأَنَا أَحَقّ بِهَا بِالثَّمَنِ وَأَنْ تَخْدُمنِي سَنَة وَمَضْمُون هَذِهِ الرِّوَايَة أَنَّ الشَّرْطَيْنِ يَتَعَلَّقَانِ بِالْبَائِعِ فَيَبْقَى لَهُ فِيهَا عَلَقَتَانِ عَلَقَة قَبْل التَّسْلِيم وَهِيَ الْخِدْمَة وَعَلَقَة بَعْد الْبَيْع وَهِيَ كَوْنه أَحَقّ بِهَا فَأَمَّا اِشْتِرَاط الْخِدْمَة فَيَصِحّ وَهُوَ اِسْتِثْنَاء مَنْفَعَة الْمَبِيع مُدَّة كَاسْتِثْنَاءِ رُكُوب الدَّابَّة وَنَحْوه وَأَمَّا شَرْط كَوْنه أَحَقّ بِهَا بِالثَّمَنِ فَقَالَ فِي رِوَايَة الْمَرْوَزِيِّ هُوَ فِي مَعْنَى حديث النبي لَا شَرْطَانِ فِي بَيْع يَعْنِي لِأَنَّهُ شَرَطَ أَنْ يَبِيعهُ إِيَّاهُ وَأَنْ يَكُون الْبَيْع بِالثَّمَنِ الْأَوَّل فَهُمَا شَرْطَانِ فِي بَيْع وَرَوَى عَنْهُ إِسْمَاعِيل بْن سَعِيد جَوَاز هَذَا الْبَيْع وَتَأَوَّلَهُ بَعْض أَصْحَابنَا عَلَى جَوَازه فَسَاد الشَّرْط وَحَمَلَ رِوَايَة الْمَرْوَزِيِّ عَلَى فَسَاد الشَّرْط وَحْده وَهُوَ تَأْوِيل بَعِيد وَنَصّ أَحْمَد يَأْبَاهُ قَالَ إِسْمَاعِيل بن سعيد ذكرت لأحمد حديث بن مَسْعُود أَنَّهُ قَالَ اِبْتَعْت مِنْ اِمْرَأَتِي زَيْنَب الثَّقَفِيَّة جَارِيَة وَشَرَطْت لَهَا أَنِّي إِنْ بِعْتهَا فَهِيَ لَهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي اِبْتَعْتهَا بِهِ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعُمَر فَقَالَ لَا تَقْرَبهَا وَلِأَحَدٍ فِيهَا شَرْط فَقَالَ أَحْمَد الْبَيْع جَائِز وَلَا تَقْرَبهَا لِأَنَّهُ كَانَ فِيهَا شَرْط وَاحِد لِلْمَرْأَةِ وَلَمْ يَقُلْ عُمَر فِي ذَلِكَ الْبَيْع إِنَّهُ فَاسِد فَهَذَا يَدُلّ عَلَى تَصْحِيح أَحْمَد لِلشَّرْطِ مِنْ ثَلَاثَة أَوْجُه أَحَدهَا أَنَّهُ قَالَ لَا تَقْرَبهَا وَلَوْ كَانَ الشَّرْط فَاسِدًا لَمْ يُمْنَع مِنْ قُرْبَانهَا الثَّانِي أَنَّهُ عَلَّلَ ذَلِكَ بِالشَّرْطِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَانِع مِنْ الْقُرْبَان هُوَ الشَّرْط وأن وطئها يَتَضَمَّن إِبْطَال ذَلِكَ الشَّرْط لِأَنَّهَا قَدْ تَحْمِل فَيَمْتَنِع عَوْدهَا إِلَيْهَا الثَّالِث أَنَّهُ قَالَ كَانَ فِيهَا شَرْط وَاحِد لِلْمَرْأَةِ فَذِكْره وَحْدَة الشَّرْط يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ صَحِيح عِنْده لِأَنَّ النَّهْي إِنَّمَا هُوَ عَنْ الشَّرْطَيْنِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَقَدْ حَكَى عَنْهُ بَعْض أَصْحَابنَا رِوَايَة صَرِيحَة أَنَّ الْبَيْع جَائِز وَالشَّرْط صَحِيح وَلِهَذَا حَمَلَ الْقَاضِي مَنْعه مِنْ الْوَطْء عَلَى الْكَرَاهَة لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِتَحْرِيمِهِ عِنْده مَعَ فَسَاد الشَّرْط وحمله بن عُقَيْل عَلَى الشُّبْهَة لِلِاخْتِلَافِ فِي صِحَّة هَذَا الْعَقْد وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّد ظَاهِر كَلَام أَحْمَد أَنَّهُ مَتَى شَرَطَ فِي الْعَقْد شَرْطَيْنِ بطل سواء كانا صَحِيحَيْنِ أَوْ فَاسِدَيْنِ لِمَصْلَحَةِ الْعَقْد أَوْ لِغَيْرِ مَصْلَحَته أَخْذًا بِظَاهِرِ الْحَدِيث وَعَمَلًا بِعُمُومِهِ وَأَمَّا أَصْحَاب الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْن الشَّرْط وَالشَّرْطَيْنِ وَقَالُوا يَبْطُل الْبَيْع بِالشَّرْطِ الْوَاحِد لنهي النبي عَنْ بَيْع وَشَرْط وَأَمَّا الشُّرُوط الصَّحِيحَة فَلَا تُؤَثِّر فِي الْعَقْد وَإِنْ كَثُرَتْ وَهَؤُلَاءِ أَلْغَوْا التَّقْيِيد بِالشَّرْطَيْنِ وَرَأَوْا أَنَّهُ لَا أَثَر لَهُ أَصْلًا وَكُلّ هَذِهِ الْأَقْوَال بَعِيدَة عَنْ مَقْصُود الْحَدِيث غَيْر مُرَادَة مِنْهُ فَأَمَّا الْقَوْل الْأَوَّل وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِط حَمْل الْحَطَب وَتَكْسِيره وَخِيَاطَة الثَّوْب وَقَصَارَته وَنَحْو ذَلِكَ فَبَعِيد فَإِنَّ اِشْتِرَاط مَنْفَعَة الْبَائِع فِي الْبَيْع إِنْ كَانَ فَاسِدًا فَسَدَ الشَّرْط وَالشَّرْطَانِ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَأَيّ فَرْق بَيْن مَنْفَعَة أَوْ مَنْفَعَتَيْنِ أَوْ مَنَافِع لَا سِيَّمَا وَالْمُصَحِّحُونَ لِهَذَا الشَّرْط قَالُوا هُوَ عَقْد قَدْ جَمَعَ بَيْعًا وَإِجَارَة وَهُمَا مَعْلُومَانِ لَمْ يَتَضَمَّنَا غَرَرًا فَكَانَا صَحِيحَيْنِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا الْمُوَاجِب لِفَسَادِ الْإِجَارَة عَلَى مَنْفَعَتَيْنِ وَصِحَّتهَا عَلَى مَنْفَعَة وَأَيّ فَرْق بَيْن أَنْ يَشْتَرِط عَلَى بَائِع الْحَطَب حَمْله أَوْ حَمْله وَنَقْله أَوْ حَمْله وَتَكْسِيره وَأَمَّا التَّفْسِير الثَّانِي وَهُوَ الشَّرْطَانِ الْفَاسِدَانِ فَأَضْعَف وَأَضْعَف لِأَنَّ الشَّرْط الْوَاحِد الْفَاسِد مَنْهِيّ عَنْهُ فَلَا فَائِدَة فِي التَّقْيِيد بِشَرْطَيْنِ فِي بَيْع وَهُوَ يَتَضَمَّن زِيَادَة فِي اللَّفْظ وَإِيهَامًا لِجَوَازِ الْوَاحِد وَهَذَا مُمْتَنِع عَلَى الشَّارِع مِثْله لِأَنَّهُ زِيَادَة مُخِلَّة بِالْمَعْنَى وَأَمَّا التَّفْسِير الثَّالِث وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِط أَنَّهُ إِنْ بَاعَهَا فَهُوَ أَحَقّ بِهَا بِالثَّمَنِ وَأَنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّن شَرْطَيْنِ أَنْ لَا يَبِيعهَا لِغَيْرِهَا وَأَنْ تَبِيعهُ إِيَّاهَا بِالثَّمَنِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا فَإِنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا إِنْ كَانَ فَاسِدًا فَلَا أَثَر لِلشَّرْطَيْنِ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا لَمْ تَفْسُد بِانْضِمَامِهِ إِلَى صَحِيح مِثْلُه كَاشْتِرَاط الْرَّهْن وَالضَّمِين وَاشْتِرَاط التَّأْجِيل وَالرَّهْن وَنَحْو ذَلِكَ وَعَنْ أَحْمَد فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة ثَلَاث رِوَايَات إِحْدَاهُنَّ صِحَّة الْبَيْع وَالشَّرْط وَالثَّانِيَة فَسَادهمَا وَالثَّالِثَة صِحَّة الْبَيْع وَفَسَاد الشَّرْط وَهُوَ ﵁ إِنَّمَا اعتمد في الصحة على اتفاق عمر وبن مَسْعُود عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ هَذَا هُوَ الشرطان في البيع لم يخالفه لقول أَحَد عَلَى قَاعِدَة مَذْهَبه فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ عِنْده فِي الْمَسْأَلَة حَدِيث صَحِيح لَمْ يَتْرُكهُ لِقَوْلِ أَحَد وَيُعْجَب مِمَّنْ يُخَالِفهُ مِنْ صَاحِب أَوْ غَيْره وَقَوْله فِي رِوَايَة الْمَرْوَزِيّ هُوَ في معنى حديث النبي لَا شَرْطَانِ فِي بَيْع لَيْسَ تَفْسِيرًا مِنْهُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] صَرِيحًا بَلْ تَشْبِيه وَقِيَاس عَلَى مَعْنَى الْحَدِيث وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ تَفْسِير فَلَيْسَ بِمُطَابِقٍ لِمَقْصُودِ الْحَدِيث كَمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا تَفْسِير الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّد فَمِنْ أَبْعَد مَا قِيلَ فِي الْحَدِيث وَأَفْسَده فَإِنَّ شَرْط مَا يَقْتَضِيه الْعَقْد أَوْ مَا هُوَ مِنْ مَصْلَحَته كَالرَّهْنِ وَالتَّأْجِيل وَالضَّمِين وَنَقْد كَذَا جَائِز بِلَا خِلَاف تَعَدَّدَتْ الشُّرُوط أَوْ اِتَّحَدَتْ فَإِذَا تَبَيَّنَ هَذِهِ الْأَقْوَال فَالْأَوْلَى تفسير كلام النبي بَعْضه بِبَعْضٍ فَنُفَسِّر كَلَامه بِكَلَامِهِ فَنَقُول نَظِير هذا نهيه عَنْ صَفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَة وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَة فَرَوَى سِمَاك عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود عَنْ أَبِيهِ قَالَ نهى رسول الله عَنْ صَفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَة وَفِي السُّنَن عَنْ أبي هريرة عن النبي من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أَوْ الرِّبَا وَقَدْ فُسِّرَتْ الْبَيْعَتَانِ فِي الْبَيْعَة بِأَنْ يَقُول أَبِيعك بِعَشَرَةٍ نَقْدًا أَوْ بِعِشْرِينَ وَنَسِيئَة هَذَا بَعِيد مِنْ مَعْنَى الْحَدِيث مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا أَنَّهُ لَا يُدْخِل الرِّبَا فِي هَذَا الْعَقْد الثَّانِي أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَفْقَتَيْنِ إِنَّمَا هُوَ صَفْقَة وَاحِدَة بِأَحَدِ الثَّمَنَيْنِ وَقَدْ رَدَّدَهُ بَيْن الْأَوَّلِيَّيْنِ أَوْ الرِّبَا وَمَعْلُوم أَنَّهُ إِذَا أُخِذَ بِالثَّمَنِ الْأَزْيَد فِي هَذَا الْعَقْد لَمْ يَكُنْ رِبًا فَلَيْسَ هَذَا مَعْنَى الْحَدِيث وَفُسِّرَ بِأَنْ يَقُول خُذْ هَذِهِ السِّلْعَة بِعَشَرَةٍ نَقْدًا وَآخُذهَا مِنْك بِعِشْرِينَ نَسِيئَة وَهِيَ مَسْأَلَة الْعِينَة بِعَيْنِهَا وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الْمُطَابِق لِلْحَدِيثِ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ مَقْصُوده الدَّرَاهِم الْعَاجِلَة بِالْآجِلَةِ فَهُوَ لَا يَسْتَحِقّ إِلَّا رَأْس مَاله وَهُوَ أَوَكْس الثَّمَنَيْنِ فَإِنْ أَخَذَهُ أَخَذَ أَوَكْسهمَا وَإِنْ أَخَذَ الثَّمَن الْأَكْثَر فَقَدْ أَخَذَ الرِّبَا فَلَا مَحِيد لَهُ عَنْ أَوَكْس الثَّمَنَيْنِ أَوْ الرِّبَا وَلَا يَحْتَمِل الْحَدِيث غَيْر هَذَا الْمَعْنَى وَهَذَا هُوَ بِعَيْنِهِ الشَّرْطَانِ فِي بَيْعٍ فَإِنَّ الشَّرْط يُطْلَق عَلَى الْعَقْد نَفْسه لِأَنَّهُمَا تَشَارَطَا عَلَى الْوَفَاء بِهِ فَهُوَ مَشْرُوط وَالشَّرْط يُطْلَق عَلَى الْمَشْرُوط كَثِيرًا كَالضَّرْبِ يُطْلَق عَلَى الْمَضْرُوب وَالْحَلْق عَلَى الْمَحْلُوق وَالنَّسْخ عَلَى الْمَنْسُوخ فَالشَّرْطَانِ كَالصَّفْقَتَيْنِ سَوَاء فَشَرْطَانِ فِي بَيْع كَصَفْقَتَيْنِ فِي صَفْقَة وَإِذَا أَرَدْت أَنْ يَتَّضِح لَك هَذَا الْمَعْنَى فتأمل نهيه في حديث بن عُمَر عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَة وَعَنْ سَلَف وَبَيْع رَوَاهُ أَحْمَد وَنَهْيه فِي هَذَا الْحَدِيث عَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْع وَعَنْ سَلَف فِي بَيْع فَجَمَعَ السَّلَف وَالْبَيْع مَعَ الشَّرْطَيْنِ فِي الْبَيْع وَمَعَ الْبَيْعَتَيْنِ فِي الْبَيْعَة وَسِرّ ذَلِكَ أن كلا الأمرين يؤول إِلَى الرِّبَا وَهُوَ ذَرِيعَة إِلَيْهِ أَمَّا الْبَيْعَتَانِ فِي بَيْعَة فَظَاهِر فَإِنَّهُ إِذَا بَاعَهُ السِّلْعَة إِلَى شَهْر ثُمَّ اِشْتَرَاهَا مِنْهُ بِمَا شَرَطَهُ لَهُ كَانَ قَدْ بَاعَ بِمَا شَرَطَهُ لَهُ بِعَشَرَةٍ نَسِيئَة وَلِهَذَا الْمَعْنَى حَرَّمَ اللَّه وَرَسُوله الْعِينَة وَأَمَّا السَّلَف وَالْبَيْع فَلِأَنَّهُ إِذَا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] أَقْرَضَهُ مِائَة إِلَى سَنَة ثُمَّ بَاعَهُ مَا يُسَاوِي خَمْسِينَ بِمِائَةٍ فَقَدْ جَعَلَ هَذَا الْبَيْع ذَرِيعَة إِلَى الزِّيَادَة فِي الْقَرْض الَّذِي مُوجِبه رَدّ الْمِثْل وَلَوْلَا هَذَا الْبَيْع لَمَا أَقْرَضَهُ وَلَوْلَا عَقْد الْقَرْض لَمَا اِشْتَرَى ذَلِكَ فَظَهَرَ سر قوله لَا يَحِلّ سَلَف وَبَيْع وَلَا شَرْطَانِ فِي بيع وقول بن عُمَر نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَة وَعَنْ سَلَف وَبَيْع وَاقْتِرَان إِحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ بِالْأُخْرَى لَمَّا كَانَا سَلِمَا إِلَى الرِّبَا وَمَنْ نَظَرَ فِي الْوَاقِع وَأَحَاطَ بِهِ عِلْمًا فَهِمَ مُرَاد الرَّسُول مِنْ كَلَامه وَنَزَّلَهُ عَلَيْهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ كَلَام مَنْ جُمِعَتْ لَهُ الْحِكْمَة وَأُوتِيَ جَوَامِع الْكَلِم فَصَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ وَجَزَاهُ أَفْضَل مَا جَزَى نَبِيًّا عَنْ أُمَّته وَقَدْ قَالَ بَعْض السَّلَف اُطْلُبُوا الْكُنُوز تَحْت كَلِمَات رَسُول اللَّه وَلَمَّا كَانَ مُوجِب عَقْد الْقَرْض رَدّ الْمِثْل مِنْ غَيْر زِيَادَة كَانَتْ الزِّيَادَة رِبًا قَالَ بن المنذر أجمعوا على أن السلف إِذَا شَرَطَ عَلَى الْمُسْتَسْلِف زِيَادَة أَوْ هَدِيَّة فَأَسْلَفَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَخْذ الزِّيَادَة عَلَى ذلك ربآ وقد روى عن بن مسعود وأبي بن كعب وبن عَبَّاس أَنَّهُمْ نَهَوْا عَنْ قَرْض جَرّ مَنْفَعَة وَكَذَلِكَ إِنْ شَرَطَ أَنْ يُؤَجِّرهُ دَاره أَوْ يَبِيعهُ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ سَلَّمَ إِلَى الربا ولهذا نهى عنه النبي وَلِهَذَا مَنَعَ السَّلَف ﵃ مِنْ قَبُول هَدِيَّة الْمُقْتَرِض إِلَّا أَنْ يَحْتَسِبهَا الْمُقْرِض مِنْ الدَّيْن فَرَوَى الْأَثْرَم أَنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ عَلَى سَمَّاك عِشْرُونَ دِرْهَمًا فَجَعَلَ يُهْدِي إِلَيْهِ السَّمَك وَيُقَوِّمهُ حَتَّى بَلَغَ ثَلَاثَة عَشَر درهما فسأل بن عَبَّاس فَقَالَ أَعْطِهِ سَبْعَة دَرَاهِم وَرُوِيَ عَنْ بن سِيرِينَ أَنَّ عُمَر أَسْلَفَ أُبَيّ بْن كَعْب عَشَرَة آلَاف دِرْهَم فَأَهْدَى إِلَيْهِ أُبَيّ مِنْ ثَمَرَة أَرْضه فَرَدَّهَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَقْبَلْهَا فَأَتَاهُ أُبَيّ فَقَالَ لَقَدْ عَلِمَ أَهْل الْمَدِينَة أَنِّي مِنْ أَطْيَبِهِمْ ثَمَرَة وَأَنَّهُ لَا حَاجَة لَنَا فَبِمَ مَنَعْت هَدِيَّتنَا ثُمَّ أَهْدَى إِلَيْهِ بَعْد ذَلِكَ فَقَبِلَ فَكَانَ رَدّ عُمَر لَمَّا تَوَهَّمَ أَنْ تَكُون هَدِيَّته بِسَبَبِ الْقَرْض فَلَمَّا تَيَقَّنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِسَبَبِ الْقَرْض قَبِلَهَا وَهَذَا فَصْل النِّزَاع فِي مَسْأَلَة هَدِيَّة الْمُقْتَرِض وَقَالَ زِرّ بْن حُبَيْش قُلْت لِأُبَيّ بْن كَعْب إِنِّي أُرِيد أَنْ أَسِير إِلَى أَرْض الْجِهَاد إِلَى الْعِرَاق فَقَالَ إِنَّك تَأْتِي أَرْضًا فَاشٍ بِهَا الرِّبَا فَإِنْ أَقْرَضْت رَجُلًا قَرْضًا فَأَتَاك بِقَرْضِك لِيُؤَدِّيَ إِلَيْك قَرْضك وَمَعَهُ هَدِيَّة فَاقْبِضْ قَرْضك وَارْدُدْ عَلَيْهِ هَدِيَّته ذَكَرهنَّ الْأَثْرَم وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي بُرْدَة بْن أَبِي مُوسَى قَالَ قَدِمْت الْمَدِينَة فَلَقِيت عَبْد اللَّه بْن سَلَام فَذَكَرَ الْحَدِيث وَفِيهِ ثُمَّ قَالَ لِي إِنَّك بِأَرْضٍ فِيهَا الرِّبَا فَاشٍ فَإِذَا كَانَ لَك عَلَى رَجُل دَيْن فَأَهْدَى إِلَيْك حِمْل تِبْن أَوْ حِمْل قَتّ أَوْ حِمْل شَعِير فلا تأخذه فإنه ربا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال بن أَبُو مُوسَى وَلَوْ أَقْرَضَهُ قَرْضًا ثُمَّ اِسْتَعْمَلَهُ عَمَلًا لَمْ يَكُنْ يَسْتَعْمِلهُ مِثْله قَبْل الْقَرْض كَانَ قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَة قَالَ وَلَوْ اِسْتَضَافَ غَرِيمه وَلَمْ تَكُنْ الْعَادَة جَرَتْ بَيْنهمَا بِذَلِكَ حَسَبَ لَهُ مَا أَكَلَهُ وَاحْتَجَّ لَهُ صَاحِب المغني بما روى بن مَاجَهْ فِي سُنَنه عَنْ أَنَس قَالَ قَالَ رسول الله إِذَا اِقْتَرَضَ أَحَدكُمْ قَرْضًا فَأُهْدِيَ إِلَيْهِ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى دَابَّته فَلَا يَرْكَبْهَا وَلَا يَقْبَلْهُ إِلَّا أَنْ يَكُون جَرَى بَيْنه وَبَيْنه قَبْل ذَلِكَ وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ أَحْمَد فِيمَا لَوْ أَقْرَضَهُ دَرَاهِم وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُوَفِّيه إِيَّاهَا بِبَلَدٍ آخَر وَلَا مُؤْنَة لِحَمْلِهَا فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوز وَكَرِهَهُ الْحَسَن وَجَمَاعَة وَمَالِك والأوزاعي والشافعي وروي عنه الجواز نقله بن الْمُنْذِر لِأَنَّهُ مَصْلَحَة لَهُمَا فَلَمْ يَنْفَرِد الْمُقْتَرِض بالمنفعة وحكاه عن علي وبن عباس والحسن بن علي وبن الزبير وبن سِيرِينَ وَعَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَسْوَد وَأَيُّوب وَالثَّوْرِيّ وَإِسْحَاق وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَنَظِير هَذَا مَا لَوْ أَفْلَسَ غَرِيمه فَأَقْرَضَهُ دَرَاهِم يُوَفِّيه كُلّ شَهْر شَيْئًا مَعْلُومًا مِنْ رِبْحهَا جَازَ لِأَنَّ الْمُقْتَرِض لَمْ يَنْفَرِد بِالْمَنْفَعَةِ وَنَظِيره مَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ حِنْطَة فَأَقْرَضَهُ دَرَاهِم يَشْتَرِي لَهُ بِهَا حِنْطَة وَيُوَفِّيه إِيَّاهَا وَنَظِير ذَلِكَ أَيْضًا إِذَا أقرض فلاحه مَا يَشْتَرِي بِهِ بَقَرًا يَعْمَل بِهَا فِي أرضه أو بذرا يبذره فيها ومنعه بن أَبِي مُوسَى وَالصَّحِيح جَوَازه وَهُوَ اِخْتِيَار صَاحِب الْمُغْنِي وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْتَقْرِض إِنَّمَا يَقْصِد نَفْع نَفْسه وَيَحْصُل اِنْتِفَاع الْمُقْرِض ضِمْنًا فَأَشْبَهَ أَخْذ السَّفْتَجَة بِهِ وَإِيفَاءَهُ إِيَّاهُ فِي بَلَد آخَر مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَصْلَحَة لَهُمَا جَمِيعًا وَالْمَنْفَعَة الَّتِي تَجُرّ إِلَى الرِّبَا فِي الْقَرْض هِيَ الَّتِي تَخُصّ الْمُقْرِض كَسُكْنَى دَار الْمُقْتَرِض وَرُكُوب دَوَابّه وَاسْتِعْمَاله وَقَبُول هَدِيَّته فَإِنَّهُ لَا مَصْلَحَة لَهُ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ هَذِهِ الْمَسَائِل فَإِنَّ الْمَنْفَعَة مُشْتَرِكَة بَيْنهمَا وَهُمَا مُتَعَاوِنَانِ عَلَيْهَا فَهِيَ من جنس التعاون والمشاركة وأما نهيه عَنْ رِبْح مَا لَمْ يُضْمَنْ فَهُوَ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عُمَر حَيْثُ قَالَ لَهُ إِنِّي أَبِيع الْإِبِل بِالْبَقِيعِ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذ الدَّنَانِير وَأَبِيع بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذ الدَّرَاهِم فَقَالَ لَا بَأْس إِذَا أَخَذْتهَا بِسِعْرِ يَوْمهَا وَتَفَرَّقْتُمَا وَلَيْسَ بَيْنكُمَا شَيْء فَجَوَّزَ ذَلِكَ بِشَرْطَيْنِ أَحَدهمَا أَنْ يَأْخُذ بِسِعْرِ يَوْم الصَّرْف لِئَلَّا يَرْبَح فِيهَا وَلِيَسْتَقِرَّ ضَمَانه وَالثَّانِي أَنْ لَا يَتَفَرَّقَا إِلَّا عَنْ تَقَابُض لِأَنَّهُ شَرْط فِي صِحَّة الصَّرْف لِئَلَّا يَدْخُلهُ رِبَا النَّسِيئَة . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَالنَّهْي عَنْ رِبْح مَا لَمْ يُضْمَن قَدْ أَشْكَلَ عَلَى بَعْض الْفُقَهَاء عِلَّته وَهُوَ مِنْ مَحَاسِن الشَّرِيعَة فَإِنَّهُ لَمْ يَتِمّ عَلَيْهِ اِسْتِيلَاء وَلَمْ تَنْقَطِع عُلَق الْبَائِع عَنْهُ فَهُوَ يَطْمَع فِي الْفَسْخ وَالِامْتِنَاع مِنْ الْإِقْبَاض إِذَا رَأَى الْمُشْتَرِي قَدْ رَبِحَ فِيهِ وَإِنْ أَقْبَضَهُ إِيَّاهُ فَإِنَّمَا يُقْبِضهُ عَلَى إِغْمَاض وَتَأَسُّف عَلَى فَوْت الرِّبْح فَنَفْسه مُتَعَلِّقَة بِهِ لَمْ يَنْقَطِع طَمَعهَا مِنْهُ وَهَذَا مَعْلُوم بِالْمُشَاهَدَةِ فَمِنْ كَمَالِ الشَّرِيعَة وَمَحَاسِنهَا النَّهْي عَنْ الرِّبْح فِيهِ حَتَّى يَسْتَقِرّ عَلَيْهِ وَيَكُون مِنْ ضَمَانه فَيَيْأَس الْبَائِع مِنْ الْفَسْخ وَتَنْقَطِع عُلَقه عَنْهُ وَقَدْ نَصَّ أَحْمَد عَلَى ذَلِكَ فِي الِاعْتِيَاض عَنْ دَيْن الْقَرْض وَغَيْره أَنَّهُ إِنَّمَا يُعْتَاض عَنْهُ بِسِعْرِ يَوْمه لِئَلَّا يَرْبَح فِيمَا لَمْ يُضْمَنْ فَإِنْ قِيلَ هَذَا يَنْتَقِض عَلَيْكُمْ بِمَسْأَلَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا بَيْع الثِّمَار بَعْد بُدُوّ صَلَاحهَا فَإِنَّكُمْ تُجَوِّزُونَ لِمُشْتَرِيهَا أَنْ يبيعها على رؤوس الْأَشْجَار وَأَنْ يَرْبَح فِيهَا وَلَوْ تَلِفَتْ بِجَائِحَةٍ لكانت من ضمان الْبَائِع فَيَلْزَمكُمْ أَحَد أَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ تَمْنَعُوا بَيْعهَا وَإِمَّا أَنْ لَا تَقُولُوا بِوَضْعِ الْجَوَائِح كَمَا يَقُول الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة بَلْ تَكُون مِنْ ضَمَانه فَكَيْفَ تَجْمَعُونَ بَيْن هَذَا وَهَذَا الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة أَنَّكُمْ تُجَوِّزُونَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُؤَجِّر الْعَيْن الْمُسْتَأْجَرَة بِمِثْلِ الْأُجْرَة وَزِيَادَة مَعَ أَنَّهَا لَوْ تَلِفَتْ لَكَانَتْ مِنْ ضَمَان الْمُؤَجِّر فَهَذَا رِبْح مَا لَمْ يُضْمَنْ قِيلَ النَّقْض الْوَارِد إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِمَسْأَلَةٍ مَنْصُوصٍ عَلَيْهَا أَوْ مُجْمَع عَلَى حُكْمهَا وَهَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ غَيْر مَنْصُوص عَلَيْهِمَا وَلَا مُجْمَع عَلَى حُكْمهمَا فَلَا يَرُدَّانِ نَقْضًا فَإِنَّ فِي جَوَاز بَيْع الْمُشْتَرِي مَا اِشْتَرَاهُ مِنْ الثِّمَار عَلَى الْأَشْجَار كَذَلِكَ رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ عَنْ أَحْمَد فَإِنْ مَنَعْنَا الْبَيْع بَطَلَ النَّقْض وَإِنْ جَوَّزْنَا الْبَيْع وَهُوَ الصَّحِيح فَلِأَنَّ الْحَاجَة تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ فَإِنَّ الثِّمَار قَدْ لَا يُمْكِن بَيْعهَا إِلَّا كَذَلِكَ فَلَوْ مَنَعْنَاهُ مِنْ بَيْعهَا أَضْرَرْنَا بِهِ وَلَوْ جَعَلْنَاهَا مِنْ ضمانه إذا تلفت بجائحة أضررنا به أَيْضًا فَجَوَّزْنَا لَهُ بَيْعهَا لِأَنَّهَا فِي حُكْم الْمَقْبُوض بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنه وَبَيْنهَا وَجَعَلْنَاهَا مِنْ ضَمَان الْبَائِع بِالْجَائِحَةِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي حُكْم الْمَقْبُوض مِنْ جَمِيع الْوُجُوه وَلِهَذَا يَجِب عَلَيْهِ تَمَام التَّسْلِيم بِالْوَجْهِ الْمُحْتَاج إِلَيْهِ فَلَمَّا كَانَتْ مَقْبُوضَة مِنْ وَجْه غَيْر مَقْبُوضَة مِنْ وَجْه رَتَّبْنَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ مُقْتَضَاهُمَا وَهَذَا مِنْ أَلْطَف الْفِقْه وَأَمَّا مَسْأَلَة الْإِجَارَة فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ أَحْمَد فِي جَوَاز إِجَارَة الرَّجُل مَا اِسْتَأْجَرَهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَلَاث رِوَايَات إِحْدَاهُنَّ الْمَنْع مُطْلَقًا لِئَلَّا يَرْبَح فِيمَا لَمْ يَضْمَن وَعَلَى هَذَا فَالنَّقْض مُنْدَفِع وَالثَّانِيَة أَنَّهُ إِنْ جَدَّدَ فِيهَا عِمَارَة جَازَتْ الزِّيَادَة وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّ الزِّيَادَة لَا تَكُون رِبْحًا بَلْ هِيَ فِي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] مُقَابَلَة مَا أَحْدَثَهُ مِنْ الْعِمَارَة وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة أَيْضًا فَالنَّقْض مُنْدَفِع وَالثَّالِثَة أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يُؤَجِّرهَا بِأَكْثَر مِمَّا اِسْتَأْجَرَهَا مُطْلَقًا وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَهَذِهِ الرِّوَايَة أَصَحّ فَإِنَّ الْمُسْتَأْجِر لَوْ عَطَّلَ الْمَكَان وَأَتْلَفَ مَنَافِعه بَعْد قَبْضه لَتَلِفَ مِنْ ضَمَانه لِأَنَّهُ قَبَضَهُ الْقَبْض التَّامّ وَلَكِنْ لَوْ اِنْهَدَمَتْ الدَّار لَتَلِفَتْ مِنْ مَال الْمُؤَجِّر لِزَوَالِ مَحَلّ الْمَنْفَعَة فَالْمَنَافِع مَقْبُوضَة وَلِهَذَا لَهُ اِسْتِثْنَاؤُهَا بِنَفْسِهِ وَبِنَظِيرِهِ وَإِيجَارهَا وَالتَّبَرُّع بِهَا وَلَكِنَّ كَوْنهَا مَقْبُوضَة مَشْرُوط بِبَقَاءِ الْعَيْن فَإِذَا تَلِفَتْ الْعَيْن زَالَ مَحَلّ الِاسْتِيفَاء فَكَانَتْ مِنْ ضَمَان الْمُؤَجِّر وَسِرّ الْمَسْأَلَة أَنَّهُ لَمْ يَرْبَح فِيمَا لَمْ يَضْمَن وَإِنَّمَا هُوَ مَضْمُون عَلَيْهِ بالأجرة وأما قوله وَلَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدك فَمُطَابِق لِنَهْيِهِ عَنْ بَيْع الْغَرَر لِأَنَّهُ إِذَا بَاعَ مَا لَيْسَ عِنْده فَلَيْسَ هُوَ عَلَى ثِقَة مِنْ حُصُوله بَلْ قَدْ يَحْصُل لَهُ وَقَدْ لَا يَحْصُل فَيَكُون غَرَرًا كَبَيْعِ الْآبِق وَالشَّارِد وَالطَّيْر فِي الْهَوَاء وَمَا تَحْمِل نَاقَته وَنَحْوه قَالَ حَكِيم بْن حِزَام يَا رَسُول اللَّه الرَّجُل يَأْتِينِي يَسْأَلنِي الْبَيْع لَيْسَ عِنْدِي فَأَبِيعهُ مِنْهُ ثُمَّ أَمْضِي إِلَى السُّوق فَأَشْتَرِيه وَأُسْلِمهُ إِيَّاهُ فَقَالَ لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدك وَقَدْ ظَنَّ طَائِفَة أَنَّ السَّلَم مَخْصُوص مِنْ عُمُوم هَذَا الْحَدِيث فَإِنَّهُ بَيْع مَا لَيْسَ عِنْده وَلَيْسَ كَمَا ظَنُّوهُ فَإِنَّ الْحَدِيث إِنَّمَا تَنَاوَلَ بَيْع الْأَعْيَان وَأَمَّا السَّلَم فَعَقْد عَلَى مَا فِي الذِّمَّة بَلْ شَرْطه أَنْ يَكُون فِي الذِّمَّة فَلَوْ أَسْلَمَ فِي مُعَيَّن عِنْده كَانَ فَاسِدًا وَمَا فِي الذِّمَّة مَضْمُون مُسْتَقِرّ فِيهَا وَبَيْع مَا لَيْسَ عِنْده إِنَّمَا نُهِيَ عَنْهُ لِكَوْنِهِ غَيْر مَضْمُون عَلَيْهِ وَلَا ثَابِت فِي ذِمَّته وَلَا فِي يَده فَالْمَبِيع لَا بُدّ أَنْ يَكُون ثَابِتًا فِي ذِمَّة الْمُشْتَرِي أَوْ فِي يَده وَبَيْع مَا لَيْسَ عِنْده لَيْسَ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَالْحَدِيث بَاقٍ عَلَى عُمُومه فَإِنْ قِيلَ فَأَنْتُمْ تُجَوِّزُونَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَبِيع الْمَغْصُوب لِمَنْ يَقْدِر عَلَى اِنْتِزَاعه مِنْ غَاصِبِيهِ وَهُوَ بَيْع مَا لَيْسَ عِنْده قِيلَ لَمَّا كَانَ الْبَائِع قَادِرًا عَلَى تَسْلِيمه بِالْبَيْعِ وَالْمُشْتَرِي قَادِرًا عَلَى تَسْلِيمه مِنْ الْغَاصِب فَكَأَنَّهُ قَدْ بَاعَهُ مَا هُوَ عِنْده وَصَارَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ مَالًا وَهُوَ عِنْد الْمُشْتَرِي وَتَحْت يَده وَلَيْسَ عِنْد الْبَائِع وَالْعِنْدِيَّة هُنَا لَيْسَتْ عِنْدِيَّة الْحِسّ وَالْمُشَاهَدَة فَإِنَّهُ يَجُوز أَنْ يَبِيعهُ مَا لَيْسَ تَحْت يَده وَمُشَاهَدَته وَإِنَّمَا هِيَ عِنْدِيَّة الْحُكْم وَالتَّمْكِين وَهَذَا وَاضِح وَلِلَّهِ الْحَمْد