وَذَكَرَ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيُّ حَدِيثَ أَبِي رِمْثَةَ وَفِيهِ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَهُ شَعْرٌ مَخْضُوبٌ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ قَالَ وهذا حديث ثابت رواه الثوري وغيره وَاحِدٍ عَنْ إِيَادٍ وَقَدْ قِيلَ إِنَّ أَبَا رِمْثةَ هَذَا تَمِيمِيٌّ مِنْ وَلَدِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ
[٤٢٠٨] (لَا تَجْنِي عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى ابْنِكَ وَالْجِنَايَةُ الذَّنْبُ وَالْجُرْمُ مِمَّا يُوجِبُ الْعِقَابَ أَوِ الْقِصَاصَ أَيْ لَا يُطَالَبُ ابْنُكَ بِجِنَايَتِكَ وَلَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) وَهَذَا رَدٌّ لِمَا اعْتَادَتْهُ الْعَرَبُ مِنْ مُؤَاخَذَةِ أَحَدِ الْمُتَوَالِدَيْنِ بِالْآخَرِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادِ مَا قَبْلَهُ
[٤٢٠٩] (فَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَخْضِبْ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ لَمْ يَكُنْ شَابَ إلا يسيراولكن أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ بَعْدَهُ خَضَبَا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ
وَحَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا وَإِنْكَارُهُ لِخِضَابِ النَّبِيِّ ﷺ يُعَارِضُهُ مَا سَبَقَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رِمْثَةَ وَمَا سَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ بن عُمَرَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ وَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وإن كان أرجح مما كان خارجاعنهما وَلَكِنْ عَدَمُ عِلْمِ أَنَسٍ بِوُقُوعِ الْخِضَابِ مِنْهُ ﷺ لَا يَسْتَلْزِمُ الْعَدَمَ وَرِوَايَةُ مَنْ أَثْبَتَ أَوْلَى مِنْ رِوَايَتِهِ لِأَنَّ غَايَةَ مَا فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ وَقَدْ عَلِمَ غَيْرُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَفِيهِ قَدِ اخْتَضَبَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ وَاخْتَضَبَ عُمَرُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ وَاخْتَضَبَ عُمَرُ بِالْحِنَّاءِ بَحْتًا الْبَحْتُ بفتح الباء
١٨ - (باب فِي خِضَابِ الصُّفْرَةِ)
[٤٢١٠] (كَانَ يَلْبَسُ النِّعَالَ) جَمْعُ نَعْلٍ (السِّبْتِيَّةَ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ نِسْبَةً إِلَى السَّبْتِ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هِيَ الْمَدْبُوغَةُ الَّتِي حُلِقَ شَعْرُهَا
(وَيُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بالورس) بفتح فسكون نبت أصفر باليمين يُصْبَغُ بِهِ
وَفِي الْحَدِيثِ مَشْرُوعِيَّةُ الْخِضَابِ بِالصُّفْرَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ
وَقَالَ الْحَافِظُ وَالْجَمْعُ بَيْنَ حديث أبي رمثة وبن عُمَرَ وَحَدِيثِ أَنَسٍ أَنْ يُحْمَلَ نَفْيُ الصَّبْغِ عَلَى غَلَبَةِ الشَّيْبِ حَتَّى يَحْتَاجُ إِلَى خِضَابِهِ وَلَمْ يُتَّفَقْ أَنَّهُ رَآهُ وَهُوَ يَخْضِبُ وَيُحْمَلُ حَدِيثُ مَنْ أَثْبَتَ الْخِضَابَ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَهُ لِإِرَادَةِ ذَلِكَ الْجَوَازِ وَلَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ وَقَدِ اسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ثِقَةٌ كَانَ يُعْلِنُ بِالْإِرْجَاءِ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَذَكَرَ بن حِبَّانَ أَنَّهُ قَدْ رَوَى عَنْ نَافِعٍ أَشْيَاءَ لَا يَشُكُّ مَنِ الْحَدِيثُ صِنَاعَتُهُ إِذَا سَمِعَهَا أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ فَحَدَّثَ بِهَا تَوَهُّمًا لَا تَعَمُّدًا وَمَنْ حَدَّثَ عَلَى الْحُسْبَانِ وَرَوَى عَلَى التَّوَهُّمِ حَتَّى كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ سَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ بْنِ عُمَرَ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا بِالصُّفْرَةِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
[٤٢١١] (فَقَالَ مَا أَحْسَنَ هَذَا) وَهُوَ إِحْدَى صِيغَتَيِ التَّعَجُّبِ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ الْخَضْبِ بِالْحِنَّاءِ عَلَى انْفِرَادِهِ فَإِنِ انْضَمَّ إِلَيْهِ الْكَتَمُ كَانَ أَحْسَنَ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى قَوْلِ الْخَطَّابِيِّ وبن الأثير
وَمَنْ تَابَعَهُمَا مِنْ أَنَّ الْحِنَّاءَ وَالْكَتَمَ إِذَا خُلِطَا جَاءَ اللَّوْنُ أَسْوَدَ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ خَضَبَ الْحِنَّاءَ وَالْكَتَمَ وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ فَعُلِمَ أَنَّ لَوْنَهُ لَمْ يَكُنْ بِالْأَسْوَدِ الْخَالِصِ لِأَنَّ اللَّوْنَ الْأَسْوَدَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَضْبَ بِالصُّفْرَةِ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَحْسَنُ فِي عَيْنِهِ مِنَ الْحِنَّاءِ عَلَى انْفِرَادِهِ وَمَعَ الْكَتَمِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه بن ماجه وفي حديث بن ماجه قال وكان طاؤس يُصَفِّرُ فِي إِسْنَادِهِ حُمَيْدُ بْنُ وَهْبٍ الْقُرَشِيُّ الْكُوفِيُّ
قَالَ الْبُخَارِيُّ حُمَيْدُ بْنُ وَهْبٍ الْقُرَشِيُّ الكوفي عن بن طاؤس فِي الْخِضَابِ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بن طلحة الكوفي كان ممن يخطىء حَتَّى خَرَجَ عَنْ حَدِّ التَّعْدِيلِ وَلَمْ يَغْلِبْ خَطَؤُهُ صَوَابَهُ حَتِّي اسْتَحَقَّ التَّرْكَ وَهُوَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ إِلَّا بِمَا انْفَرَدَ