HadithLab
RU
سنن أبي داود · باب ما جاء في الشعر

رقم الحديث 5012

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ فَارِسٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي صَخْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: «إِنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا، وَإِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عِيَالًا» فَقَالَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ: صَدَقَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: أَمَّا قَوْلُهُ «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا» فَالرَّجُلُ يَكُونُ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَهُوَ أَلْحَنُ بِالْحُجَجِ مِنْ صَاحِبِ الْحَقِّ، فَيَسْحَرُ الْقَوْمَ بِبَيَانِهِ فَيَذْهَبُ بِالْحَقِّ، وَأَمَّا قَوْلُهُ «إِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا» فَيَتَكَلَّفُ الْعَالِمُ إِلَى عِلْمِهِ مَا لَا يَعْلَمُ فَيُجَهِّلُهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ «إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا» فَهِيَ هَذِهِ الْمَوَاعِظُ، وَالْأَمْثَالُ الَّتِي يَتَّعِظُ بِهَا النَّاسُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ «إِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عِيَالًا» فَعَرْضُكَ كَلَامَكَ وَحَدِيثَكَ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ وَلَا يُرِيدُهُ
  • محمد محيي الدين عبد الحميد:Daif
  • الألباني:ضعيفضعيف سنن أبي داود ج1 ص407
  • زبير علي زئي:Daif
  • شعيب الأرنؤوط:صحيح لغيره دون قوله: "وإن من العلم جهلا" وقوله: "وإن من القول عيالا"سنن أبي داود تخريج شعيب الأرنؤوط ج7 ص359
ج 4 ص 303

سلسلة الرواة

الْبَيَانِ
( بَيَنَ ) ( هـ ) فِيهِ : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا الْبَيَانُ إِظْهَارُ الْمَقْصُودِ بِأَبْلَغِ لَفْظٍ ، وَهُوَ مِنَ الْفَهْمِ وَذَكَاءِ الْقَلْبِ ، وَأَصْلُهُ الْكَشْفُ وَالظُّهُورُ . وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَهُوَ أَقْوَمُ بِحُجَّتِهِ مِنْ خَصْمِهِ فَيَقْلِبُ الْحَقَّ بِبَيَانِهِ إِلَى نَفْسِهِ ; لِأَنَّ مَعْنَى السِّحْرِ قَلْبُ الشَّيْءِ فِي عَيْنِ الْإِنْسَانِ ، وَلَيْسَ بِقَلْبِ الْأَعْيَانِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَلِيغَ يَمْدَحُ إِنْسَانًا حَتَّى يَصْرِفَ قُلُوبَ السَّامِعِينَ إِلَى حُبِّهِ ، ثُمَّ يَذُمُّهُ حَتَّى يَصْرِفَهَا إِلَى بُغْضِهِ . * وَمِنْهُ : الْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ أَرَادَ أَنَّهُمَا خَصْلَتَانِ مَنْشَؤُهُمَا النِّفَاقُ ، أَمَّا الْبَذَاءُ وَهُوَ الْفُحْشُ فَظَاهِرٌ ، وَأَمَّا الْبَيَانُ فَإِنَّمَا أَرَادَ مِنْهُ بِالذَّمِّ التَّعَمُّقَ فِي النُّطْقِ وَالتَّفَاصُحَ وَإِظْهَارَ التَّقَدُّمِ فِيهِ عَلَى [1/175] النَّاسِ ، وَكَأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْعُجْبِ وَالْكِبْرِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : الْبَذَاءُ وَبَعْضُ الْبَيَانِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ الْبَيَانِ مَذْمُومًا . * وَمِنْهُ حَدِيثُ آدَمَ وَمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ : أَعْطَاكَ اللَّهُ التَّوْرَاةَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ أَيْ كَشْفُهُ وَإِيضَاحُهُ . وَهُوَ مَصْدَرٌ قَلِيلٌ فَإِنَّ مَصَادِرَ أَمْثَالِهِ بِالْفَتْحِ . ( هـ ) وَفِيهِ أَلَا إِنَّ التَّبَيُّنَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَالْعَجَلَةَ مِنَ الشَّيْطَانِ ، فَتَبَيَّنُوا يُرِيدُ بِهِ هَاهُنَا التَّثَبُّتَ ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ . ( س ) وَفِيهِ : أَوَّلُ مَا يُبِينُ عَلَى أَحَدِكُمْ فَخِذُهُ أَيْ يُعْرِبُ وَيَشْهَدُ عَلَيْهِ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِيهِ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُشْهِدَهُ عَلَى شَيْءٍ وَهَبَهُ ابْنَهُ النُّعْمَانَ : هَلْ أَبَنْتَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي أَبَنْتَ هَذَا أَيْ هَلْ أَعْطَيْتَهُمْ مِثْلَهُ مَالًا تُبِينُهُ بِهِ ، أَيْ تُفْرِدُهُ ، وَالِاسْمُ الْبَائِنَةُ . يُقَالُ : طَلَبَ فُلَانٌ الْبَائِنَةَ إِلَى أَبَوَيْهِ أَوْ إِلَى أَحَدِهِمَا ، وَلَا يَكُونُ مِنْ غَيْرِهِمَا . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الصِّدِّيقِ : " قَالَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : إِنِّي كُنْتُ أَبَنْتُكِ بِنُحْلٍ " أَيْ أَعْطَيْتُكِ . ( س ) وَفِيهِ : مَنْ عَالَ ثَلَاثَ بَنَاتٍ حَتَّى يَبِنَّ أَوْ يَمُتْنَ يَبِنَّ بِفَتْحِ الْيَاءِ ، أَيْ يَتَزَوَّجْنَ . يُقَالُ أَبَانَ فُلَانٌ بِنْتَهُ وَبَيَّنَهَا إِذَا زَوَّجَهَا . وَبَانَتْ هِيَ إِذَا تَزَوَّجَتْ . وَكَأَنَّهُ مِنَ الْبَيْنِ : الْبُعْدِ ، أَيْ بَعُدَتْ عَنْ بَيْتِ أَبِيهَا . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ : حَتَّى بَانُوا أَوْ مَاتُوا . * وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ : " فَقِيلَ لَهُ إِنَّهَا قَدْ بَانَتْ مِنْكَ ، فَقَالَ صَدَقُوا " بَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا أَيِ انْفَصَلَتْ عَنْهُ وَوَقَعَ عَلَيْهَا طَلَاقُهُ . وَالطَّلَاقُ الْبَائِنُ هُوَ الَّذِي لَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ فِيهِ اسْتِرْجَاعَ الْمَرْأَةِ إِلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ ، وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ . * وَفِي حَدِيثِ الشُّرْبِ : أَبِنِ الْقَدَحَ عَنْ فِيكَ أَيِ افْصِلْهُ عَنْهُ عِنْدَ التَّنَفُّسِ لِئَلَّا يَسْقُطَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الرِّيقِ ، وَهُوَ مِنَ الْبَيْنِ : الْبُعْدِ وَالْفِرَاقِ . [1/176] * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِي صِفَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ " أَيِ الْمُفْرِطِ طُولًا الَّذِي بَعُدَ عَنْ قَدْرِ الرِّجَالِ الطِّوَالِ . ( س ) وَفِيهِ : " بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ " أَصْلُ بَيْنَا : بَيْنَ ، فَأُشْبِعَتِ الْفَتْحَةُ فَصَارَتْ أَلِفًا ، يُقَالُ بَيْنَا وَبَيْنَمَا ، وَهُمَا ظَرْفَا زَمَانٍ بِمَعْنَى الْمُفَاجَأَةِ ، وَيُضَافَانِ إِلَى جُمْلَةٍ مِنْ فِعْلٍ وَفَاعِلٍ ، وَمُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ ، وَيَحْتَاجَانِ إِلَى جَوَابٍ يَتِمُّ بِهِ الْمَعْنَى ، وَالْأَفْصَحُ فِي جَوَابِهِمَا ، أَلَّا يَكُونَ فِيهِ إِذْ وَإِذَا وَقَدْ جَاءَا فِي الْجَوَابِ كَثِيرًا ، تَقُولُ بَيْنَا زَيْدٌ جَالِسٌ دَخَلَ عَلَيْهِ عَمْرٌو ، وَإِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ عَمْرٌو ، وَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ . * وَمِنْهُ قَوْلُ الْحُرَقَةِ بِنْتِ النُّعْمَانِ : بَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالْأَمْرُ أَمْرُنَا إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ .
الْقَوْمَ
( قَوَمَ ) * فِي حَدِيثِ الْمَسْأَلَةِ : " أَوْ لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ حَتَّى يُصِيبَ قَوَامًا مِنْ عَيْشٍ " أَيْ : مَا يَقُومُ بِحَاجَتِهِ الضَّرُورِيَّةِ ، وَقِوَامُ الشَّيْءِ : عِمَادُهُ الَّذِي يَقُومُ بِهِ ، يُقَالُ : فُلَانٌ قِوَامُ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَقِوَامُ الْأَمْرِ : مِلَاكُهُ . ( س ) وَفِيهِ : إِنْ نَسَّانِي الشَّيْطَانُ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِي فَلْيُسَبِّحِ الْقَوْمُ وَلْيُصَفِّقِ النِّسَاءُ ، الْقَوْمُ فِي الْأَصْلِ : مَصْدَرُ قَامَ ، فَوُصِفَ بِهِ ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ ، وَلِذَلِكَ قَابَلَهُنَّ بِهِ ، وَسُمُّوا بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُمْ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِالْأُمُورِ الَّتِي لَيْسَ لِلنِّسَاءِ أَنْ يَقُمْنَ بِهَا . [4/125] * وفِيهِ : مَنْ جَالَسَهُ أَوْ قَاوَمَهُ فِي حَاجَتِهِ صَابَرَهُ ، قَاوَمَهُ : فَاعَلَهُ ، مِنَ الْقِيَامِ ؛ أَيْ : إِذَا قَامَ مَعَهُ لِيَقْضِيَ حَاجَتَهُ صَبَرَ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يَقْضِيَهَا . * وَفِيهِ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ قَوَّمْتَ لَنَا ، فَقَالَ : اللَّهُ هُوَ الْمُقَوِّمُ ، أَيْ : لَوْ سَعَّرْتَ لَنَا ، وَهُوَ مِنْ قِيمَةِ الشَّيْءِ ؛ أَيْ : حَدَّدْتَ لَنَا قِيمَتَهَا . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " إِذَا اسْتَقَمْتَ بِنَقْدٍ فَبِعْتَ بِنَقْدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِذَا اسْتَقَمْتَ بِنَقْدٍ فَبِعْتَ بِنَسِيئَةٍ فَلَا خَيْرَ فِيهِ " اسْتَقَمْتَ فِي لُغَةِ أَهْلِ مَكَّةَ : بِمَعْنَى قَوَّمْتَ ، يَقُولُونَ : اسْتَقَمْتُ الْمَتَاعَ إِذَا قَوَّمْتَهُ . وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنْ يَدْفَعَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ ثَوْبًا فَيُقَوِّمُهُ مَثَلًا بِثَلَاثِينَ ، ثُمَّ يَقُولُ : بِعْهُ بِهَا وَمَا زَادَ عَلَيْهَا فَهُوَ لَكَ ، فَإِنْ بَاعَهُ نَقْدًا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ فَهُوَ جَائِزٌ وَيَأْخُذُ الزِّيَادَةَ ، وَإِنْ بَاعَهُ نَسِيئَةً بِأَكْثَرَ مِمَّا يَبِيعُهُ نَقْدًا ، فَالْبَيْعُ مَرْدُودٌ وَلَا يَجُوزُ . ( س ) وَفِيهِ : حِينَ قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ ، أَيْ : قِيَامُ الشَّمْسِ وَقْتَ الزَّوَالِ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : قَامَتْ بِهِ دَابَّتُهُ ؛ أَيْ : وَقَفَتْ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الشَّمْسَ إِذَا بَلَغَتْ وَسَطَ السَّمَاءِ أَبْطَأَتْ حَرَكَةُ الظِّلِّ إِلَى أَنْ تَزُولَ ، فَيَحْسَبُ النَّاظِرُ الْمُتَأَمِّلُ أَنَّهَا قَدْ وَقَفَتْ وَهِيَ سَائِرَةٌ ، لَكِنْ سَيْرًا لَا يَظْهَرُ لَهُ أَثَرٌ سَرِيعٌ ، كَمَا يَظْهَرُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ ، فَيُقَالُ لِذَلِكَ الْوُقُوفِ الْمُشَاهَدِ ( قَامَ ) قَائِمُ الظَّهِيرَةِ . ( س هـ ) وَفِي حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ : بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا أَخِرَّ إِلَّا قَائِمًا ، أَيْ : لَا أَمُوتَ إِلَّا ثَابِتًا عَلَى الْإِسْلَامِ وَالتَّمَسُّكِ بِهِ ، يُقَالُ : قَامَ فُلَانٌ عَلَى الشَّيْءِ إِذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ وَتَمَسَّكَ بِهِ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَرْفِ الْخَاءِ . ( س هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : اسْتَقِيمُوا لِقُرَيْشٍ مَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَضَعُوا سُيُوفَكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ فَأَبِيدُوا خَضْرَاءَهُمْ ، أَيْ : دُومُوا لَهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ وَاثْبُتُوا عَلَيْهَا ، مَا دَامُوا عَلَى الدِّينِ وَثَبَتُوا عَلَى الْإِسْلَامِ ، يُقَالُ : أَقَامَ وَاسْتَقَامَ ، كَمَا يُقَالُ : أَجَابَ وَاسْتَجَابَ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْخَوَارِجُ وَمَنْ يَرَى رَأْيَهُمْ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى الْأَئِمَّةِ ، وَيَحْمِلُونَ قَوْلَهُ : [4/126] مَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ ، عَلَى الْعَدْلِ فِي السِّيرَةِ ، وَإِنَّمَا الِاسْتِقَامَةُ هَاهُنَا الْإِقَامَةُ عَلَى الْإِسْلَامِ . وَدَلِيلُهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ : سَيَلِيكُمْ أُمَرَاءُ تَقْشَعِرُّ مِنْهُمُ الْجُلُودُ ، وَتَشْمَئِزُّ مِنْهُمُ الْقُلُوبُ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ ؟ قَالَ : لَا ، مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ . وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ : الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ ، أَبْرَارُهَا أُمَرَاءُ أَبْرَارِهَا ، وَفُجَّارُهَا أُمَرَاءُ فَجَّارِهَا . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ : آيَةٌ مُحْكَمَةٌ ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ ، الْقَائِمَةُ : الدَّائِمَةُ الْمُسْتَمِرَّةُ الَّتِي الْعَمَلُ بِهَا مُتَّصِلٌ لَا يُتْرَكُ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : لَوْ لَمْ تَكِلْهُ لَقَامَ لَكُمْ ، أَيْ : دَامَ وَثَبَتَ . * وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ : لَوْ تَرَكْتَهُ مَا زَالَ قَائِمًا . * وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ : مَا زَالَ يُقِيمُ لَهَا أُدْمَهَا . * وَفِيهِ : تَسْوِيَةُ الصَّفِّ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ ، أَيْ : مِنْ تَمَامِهَا وَكَمَالِهَا ، فَأَمَّا قَوْلُهُ : " قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ " فَمَعْنَاهُ قَامَ أَهْلُهَا أَوْ حَانَ قِيَامُهُمْ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ : " فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ " هِيَ الْبَاقِيَةُ فِي مَوْضِعِهَا صَحِيحَةً ، وَإِنَّمَا ذَهَبَ نَظَرُهَا وَإِبْصَارُهَا . ( س ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ : " رُبَّ قَائِمٍ مَشْكُورٌ لَهُ ، وَنَائِمٍ مَغْفُورٌ لَهُ " أَيْ : رُبَّ مُتَهَجِّدٍ يَسْتَغْفِرُ لِأَخِيهِ النَّائِمِ ، فَيُشْكَرُ لَهُ فِعْلُهُ ، وَيُغْفَرُ لِلنَّائِمِ بِدُعَائِهِ . ( س ) وَفِيهِ : أَنَّهُ أَذِنَ فِي قَطْعِ الْمَسَدِ وَالْقَائِمَتَيْنِ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ ، يُرِيدُ قَائِمَتَيِ الرَّحْلِ الَّتِي تَكُونُ فِي مُقَدَّمِهِ وَمُؤَخَّرِهِ .
بِبَيَانِهِ
( بَيَنَ ) ( هـ ) فِيهِ : إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا الْبَيَانُ إِظْهَارُ الْمَقْصُودِ بِأَبْلَغِ لَفْظٍ ، وَهُوَ مِنَ الْفَهْمِ وَذَكَاءِ الْقَلْبِ ، وَأَصْلُهُ الْكَشْفُ وَالظُّهُورُ . وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَهُوَ أَقْوَمُ بِحُجَّتِهِ مِنْ خَصْمِهِ فَيَقْلِبُ الْحَقَّ بِبَيَانِهِ إِلَى نَفْسِهِ ; لِأَنَّ مَعْنَى السِّحْرِ قَلْبُ الشَّيْءِ فِي عَيْنِ الْإِنْسَانِ ، وَلَيْسَ بِقَلْبِ الْأَعْيَانِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَلِيغَ يَمْدَحُ إِنْسَانًا حَتَّى يَصْرِفَ قُلُوبَ السَّامِعِينَ إِلَى حُبِّهِ ، ثُمَّ يَذُمُّهُ حَتَّى يَصْرِفَهَا إِلَى بُغْضِهِ . * وَمِنْهُ : الْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ أَرَادَ أَنَّهُمَا خَصْلَتَانِ مَنْشَؤُهُمَا النِّفَاقُ ، أَمَّا الْبَذَاءُ وَهُوَ الْفُحْشُ فَظَاهِرٌ ، وَأَمَّا الْبَيَانُ فَإِنَّمَا أَرَادَ مِنْهُ بِالذَّمِّ التَّعَمُّقَ فِي النُّطْقِ وَالتَّفَاصُحَ وَإِظْهَارَ التَّقَدُّمِ فِيهِ عَلَى [1/175] النَّاسِ ، وَكَأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْعُجْبِ وَالْكِبْرِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : الْبَذَاءُ وَبَعْضُ الْبَيَانِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ الْبَيَانِ مَذْمُومًا . * وَمِنْهُ حَدِيثُ آدَمَ وَمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ : أَعْطَاكَ اللَّهُ التَّوْرَاةَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ أَيْ كَشْفُهُ وَإِيضَاحُهُ . وَهُوَ مَصْدَرٌ قَلِيلٌ فَإِنَّ مَصَادِرَ أَمْثَالِهِ بِالْفَتْحِ . ( هـ ) وَفِيهِ أَلَا إِنَّ التَّبَيُّنَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَالْعَجَلَةَ مِنَ الشَّيْطَانِ ، فَتَبَيَّنُوا يُرِيدُ بِهِ هَاهُنَا التَّثَبُّتَ ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ . ( س ) وَفِيهِ : أَوَّلُ مَا يُبِينُ عَلَى أَحَدِكُمْ فَخِذُهُ أَيْ يُعْرِبُ وَيَشْهَدُ عَلَيْهِ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِيهِ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُشْهِدَهُ عَلَى شَيْءٍ وَهَبَهُ ابْنَهُ النُّعْمَانَ : هَلْ أَبَنْتَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي أَبَنْتَ هَذَا أَيْ هَلْ أَعْطَيْتَهُمْ مِثْلَهُ مَالًا تُبِينُهُ بِهِ ، أَيْ تُفْرِدُهُ ، وَالِاسْمُ الْبَائِنَةُ . يُقَالُ : طَلَبَ فُلَانٌ الْبَائِنَةَ إِلَى أَبَوَيْهِ أَوْ إِلَى أَحَدِهِمَا ، وَلَا يَكُونُ مِنْ غَيْرِهِمَا . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الصِّدِّيقِ : " قَالَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : إِنِّي كُنْتُ أَبَنْتُكِ بِنُحْلٍ " أَيْ أَعْطَيْتُكِ . ( س ) وَفِيهِ : مَنْ عَالَ ثَلَاثَ بَنَاتٍ حَتَّى يَبِنَّ أَوْ يَمُتْنَ يَبِنَّ بِفَتْحِ الْيَاءِ ، أَيْ يَتَزَوَّجْنَ . يُقَالُ أَبَانَ فُلَانٌ بِنْتَهُ وَبَيَّنَهَا إِذَا زَوَّجَهَا . وَبَانَتْ هِيَ إِذَا تَزَوَّجَتْ . وَكَأَنَّهُ مِنَ الْبَيْنِ : الْبُعْدِ ، أَيْ بَعُدَتْ عَنْ بَيْتِ أَبِيهَا . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ : حَتَّى بَانُوا أَوْ مَاتُوا . * وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ : " فَقِيلَ لَهُ إِنَّهَا قَدْ بَانَتْ مِنْكَ ، فَقَالَ صَدَقُوا " بَانَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا أَيِ انْفَصَلَتْ عَنْهُ وَوَقَعَ عَلَيْهَا طَلَاقُهُ . وَالطَّلَاقُ الْبَائِنُ هُوَ الَّذِي لَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ فِيهِ اسْتِرْجَاعَ الْمَرْأَةِ إِلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ ، وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ . * وَفِي حَدِيثِ الشُّرْبِ : أَبِنِ الْقَدَحَ عَنْ فِيكَ أَيِ افْصِلْهُ عَنْهُ عِنْدَ التَّنَفُّسِ لِئَلَّا يَسْقُطَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الرِّيقِ ، وَهُوَ مِنَ الْبَيْنِ : الْبُعْدِ وَالْفِرَاقِ . [1/176] * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِي صِفَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ " أَيِ الْمُفْرِطِ طُولًا الَّذِي بَعُدَ عَنْ قَدْرِ الرِّجَالِ الطِّوَالِ . ( س ) وَفِيهِ : " بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ " أَصْلُ بَيْنَا : بَيْنَ ، فَأُشْبِعَتِ الْفَتْحَةُ فَصَارَتْ أَلِفًا ، يُقَالُ بَيْنَا وَبَيْنَمَا ، وَهُمَا ظَرْفَا زَمَانٍ بِمَعْنَى الْمُفَاجَأَةِ ، وَيُضَافَانِ إِلَى جُمْلَةٍ مِنْ فِعْلٍ وَفَاعِلٍ ، وَمُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ ، وَيَحْتَاجَانِ إِلَى جَوَابٍ يَتِمُّ بِهِ الْمَعْنَى ، وَالْأَفْصَحُ فِي جَوَابِهِمَا ، أَلَّا يَكُونَ فِيهِ إِذْ وَإِذَا وَقَدْ جَاءَا فِي الْجَوَابِ كَثِيرًا ، تَقُولُ بَيْنَا زَيْدٌ جَالِسٌ دَخَلَ عَلَيْهِ عَمْرٌو ، وَإِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ عَمْرٌو ، وَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ . * وَمِنْهُ قَوْلُ الْحُرَقَةِ بِنْتِ النُّعْمَانِ : بَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالْأَمْرُ أَمْرُنَا إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ .
جَهْلًا
( جَهِلَ ) ( هـ ) فِيهِ : إِنَّكُمْ لَتُجَهِّلُونَ ، وَتُبَخِّلُونَ ، وَتُجَبِّنُونَ أَيْ تَحْمِلُونَ الْآبَاءَ عَلَى الْجَهْلِ حِفْظًا لِقُلُوبِهِمْ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَرْفِ الْبَاءِ وَالْجِيمِ . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : " مَنِ اسْتَجْهَلَ مُؤْمِنًا فَعَلَيْهِ إِثْمُهُ " أَيْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى شَيْءٍ لَيْسَ مِنْ خُلُقِهِ فَيُغْضِبُهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَحْوَجَهُ إِلَى ذَلِكَ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ الْإِفْكِ : " وَلَكِنِ اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ " أَيْ حَمَلَتْهُ الْأَنَفَةُ وَالْغَضَبُ عَلَى الْجَهْلِ . هَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : إِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا قِيلَ : هُوَ أَنْ يَتَعَلَّمَ مَا لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ كَالنُّجُومِ وَعُلُومِ الْأَوَائِلِ ، وَيَدَعُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي دِينِهِ مِنْ عِلْمِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ . وَقِيلَ : هُوَ أَنْ يَتَكَلَّفَ الْعَالِمُ الْقَوْلَ فِيمَا لَا يَعْلَمُهُ فَيُجَهِّلُهُ ذَلِكَ . [1/323] * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ قَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ ، وَهِيَ الْحَالُ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا الْعَرَبُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ ; مِنَ الْجَهْلِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَشَرَائِعِ الدِّينِ ، وَالْمُفَاخِرَةِ بِالْأَنْسَابِ وَالْكِبْرِ وَالتَّجَبُّرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ .
حُكْمًا
( حَكَمَ ) * فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى " الْحَكَمُ وَالْحَكِيمُ " هُمَا بِمَعْنَى الْحَاكِمِ ، وَهُوَ الْقَاضِي . وَالْحَكِيمُ [1/419] فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ ، أَوْ هُوَ الَّذِي يُحْكِمُ الْأَشْيَاءَ وَيُتْقِنُهَا ، فَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفْعِلٍ . وَقِيلَ : الْحَكِيمُ : ذُو الْحِكْمَةِ . وَالْحِكْمَةُ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ أَفْضَلِ الْأَشْيَاءِ بِأَفْضَلِ الْعُلُومِ . وَيُقَالُ لِمَنْ يُحْسِنُ دَقَائِقِ الصِّنَاعَاتِ وَيُتْقِنُهَا : حَكِيمٌ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ صِفَةِ الْقُرْآنِ " وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ " أَيِ الْحَاكِمُ لَكُمْ وَعَلَيْكُمْ ، أَوْ هُوَ الْمُحْكَمُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا اضْطِرَابَ ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفْعَلٍ ، أُحْكِمَ فَهُوَ مُحْكَمٌ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ " قَرَأْتُ الْمُحْكَمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يُرِيدُ الْمُفَصَّلَ مِنَ الْقُرْآنِ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ مِنْهُ شَيْءٌ . وَقِيلَ : هُوَ مَا لَمْ يَكُنْ مُتَشَابِهًا ; لِأَنَّهُ أُحْكِمَ بَيَانُهُ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى غَيْرِهِ . * وَفِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ " أَنَّهُ كَانَ يُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ ، وَكَنَّاهُ بِأَبِي شُرَيْحٍ " . وَإِنَّمَا كَرِهَ لَهُ ذَلِكَ لِئَلَّا يُشَارِكَ اللَّهَ تَعَالَى فِي صِفَتِهِ . ( هـ ) وَفِيهِ إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحُكْمًا أَيْ إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ كَلَامًا نَافِعًا يَمْنَعُ مِنَ الْجَهْلِ وَالسَّفَهِ ، وَيَنْهَى عَنْهُمَا . قِيلَ : أَرَادَ بِهَا الْمَوَاعِظَ وَالْأَمْثَالَ الَّتِي يَنْتَفِعُ بِهَا النَّاسُ . وَالْحُكْمُ : الْعِلْمُ وَالْفِقْهُ وَالْقَضَاءُ بِالْعَدْلِ ، وَهُوَ مَصْدَرُ حَكَمَ يَحْكُمُ . وَيُرْوَى إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً وَهِيَ بِمَعْنَى الْحُكْمِ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " الصَّمْتُ حُكْمٌ وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ " . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ ، وَالْحُكْمُ فِي الْأَنْصَارِ خَصَّهُمْ بِالْحُكْمِ ; لِأَنَّ أَكْثَرَ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ فِيهِمْ : مِنْهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَغَيْرُهُمْ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ وَبِكَ حَاكَمْتُ أَيْ رَفَعْتُ الْحُكْمَ إِلَيْكَ فَلَا حُكْمَ إِلَّا لَكَ . وَقِيلَ : بِكَ خَاصَمْتُ فِي طَلَبِ الْحُكْمِ وَإِبْطَالِ مَنْ نَازَعَنِي فِي الدِّينِ ، وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الْحُكْمِ . * وَفِيهِ " إِنَّ الْجَنَّةَ لِلْمُحَكَّمِينَ " يُرْوَى بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا ، فَالْفَتْحُ : هُمُ الَّذِينَ يَقَعُونَ فِي يَدِ الْعَدُوِّ فَيُخَيَّرُونَ بَيْنَ الشِّرْكِ وَالْقَتْلِ فَيَخْتَارُونَ الْقَتْلَ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : هُمْ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ [1/420] الْأُخْدُودِ فُعِلَ بِهِمْ ذَلِكَ فَاخْتَارُوا الثَّبَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ مَعَ الْقَتْلِ . وَأَمَّا بِالْكَسْرِ فَهُوَ الْمُنْصِفُ مِنْ نَفْسِهِ . وَالْأَوَّلُ الْوَجْهُ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ كَعْبٍ " إِنَّ فِي الْجَنَّةِ دَارًا - وَوَصَفَهَا ، ثُمَّ قَالَ - : لَا يَنْزِلُهَا إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ أَوْ مُحَكَّمٌ فِي نَفْسِهِ " . ( س ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ " كَانَ الرَّجُلُ يَرِثُ امْرَأَةً ذَاتَ قَرَابَةٍ فَيَعْضُلُهَا حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَرُدَّ إِلَيْهِ صَدَاقَهَا ، فَأَحْكَمَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْهُ " أَيْ مَنَعَ مِنْهُ . يُقَالُ أَحْكَمْتُ فُلَانًا : أَيْ مَنَعْتُهُ . وَبِهِ سُمِّيَ الْحَاكِمُ ; لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الظَّالِمَ . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ حَكَمْتُ الْفَرَسَ وَأَحْكَمْتُهُ وَحَكَّمْتُهُ : إِذَا قَدَعْتَهُ وَكَفَفْتَهُ . ( س ) وَفِي الْحَدِيثِ " مَا مِنْ آدَمِيٍّ إِلَّا وَفِي رَأْسِهِ حَكَمَةٌ " . وَفِي رِوَايَةٍ " فِي رَأْسِ كُلِّ عَبْدٍ حَكَمَةٌ ، إِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَإِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقْدَعَهُ بِهَا قَدَعَهُ " الْحَكَمَةُ : حَدِيدَةٌ فِي اللِّجَامِ تَكُونُ عَلَى أَنْفِ الْفَرَسِ وَحَنَكِهِ ، تَمْنَعُهُ عَنْ مُخَالَفَةِ رَاكِبِهِ . وَلَمَّا كَانَتِ الْحَكَمَةُ تَأْخُذُ بِفَمِ الدَّابَّةِ وَكَانَ الْحَنَكُ مُتَّصِلًا بِالرَّأْسِ جَعَلَهَا تَمْنَعُ مَنْ هِيَ فِي رَأْسِهِ ، كَمَا تَمْنَعُ الْحَكَمَةُ الدَّابَّةَ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ " إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَوَاضَعَ رَفَعَ اللَّهُ حَكَمَتَهُ " أَيْ قَدْرَهُ وَمَنْزِلَتَهُ ، كَمَا يُقَالُ : لَهُ عِنْدَنَا حَكَمَةٌ : أَيْ قَدْرٌ . وَفُلَانٌ عَالِي الْحَكَمَةِ . وَقِيلَ : الْحَكَمَةُ مِنَ الْإِنْسَانِ : أَسْفَلُ وَجْهِهِ ، مُسْتَعَارٌ مِنْ مَوْضِعِ حَكَمَةِ اللِّجَامِ ، وَرَفْعُهَا كِنَايَةٌ عَنِ الْإِعْزَازِ ، لِأَنَّ مِنْ صِفَةِ الذَّلِيلَ تَنْكِيسَ رَأْسِهِ . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " وَأَنَا آخِذٌ بِحَكَمَةِ فَرَسِهِ " أَيْ بِلِجَامِهِ . [ هـ ] وَفِي حَدِيثِ النَّخَعِيِّ " حَكِّمِ الْيَتِيمَ كَمَا تُحَكِّمْ وَلَدَكَ " أَيِ امْنَعْهُ مِنَ الْفَسَادِ كَمَا تَمْنَعُ وَلَدَكَ . وَقِيلَ : أَرَادَ حَكِّمْهُ فِي مَالِهِ إِذَا صَلَحَ كَمَا تُحَكِّمُ وَلَدَكَ . ( هـ ) وَفِيهِ " فِي أَرْشِ الْجِرَاحَاتِ الْحُكُومَةُ " يُرِيدُ الْجِرَاحَاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا دِيَةٌ مُقَدَّرَةٌ . وَذَلِكَ أَنْ يُجْرَحَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنِهِ جِرَاحَةً تُشِينُهُ فَيَقِيسَ الْحَاكِمُ أَرْشَهَا بِأَنْ يَقُولَ : لَوْ كَانَ هَذَا [1/421] الْمَجْرُوحُ عَبْدًا غَيْرَ مَشِينٍ بِهَذِهِ الْجِرَاحَةِ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِائَةٌ مَثَلًا ، وَقِيمَتُهُ بَعْدَ الشَّيْنِ تِسْعُونَ ، فَقَدْ نَقَصَ عُشْرَ قِيمَتِهِ ، فَيُوجِبُ عَلَى الْجَارِحِ عُشْرُ دِيَةِ الْحُرِّ لِأَنَّ الْمَجْرُوحَ حُرٌّ . ( س ) وَفِيهِ شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي حَتَّى حَكَمٌ وَحَاءٌ هُمَا قَبِيلَتَانِ جَافِيَتَانِ مِنْ وَرَاءِ رَمْلِ يَبْرِينَ .
سِحْرًا
( سَحَرَ ) ( هـ ) فِيهِ إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا أَيْ مِنْهُ مَا يَصْرِفُ قُلُوبَ السَّامِعِينَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ حَقٍّ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ مَا يُكْتَسَبُ بِهِ مِنَ الْإِثْمِ مَا يَكْتَسِبُهُ السَّاحِرُ بِسِحْرِهِ ، فَيَكُونُ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْرِضِ الْمَدْحِ ; لِأَنَّهُ يُسْتَمَالُ بِهِ الْقُلُوبُ ، وَيُتَرَضَّى بِهِ السَّاخِطُ ، وَيُسْتَنْزَلُ بِهِ الصَّعْبُ . وَالسِّحْرُ فِي كَلَامِهِمْ : صَرْفُ الشَّيْءِ عَنْ وَجْهِهِ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي السَّحْرُ : الرِّئَةُ ، أَيْ أَنَّهُ مَاتَ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى صَدْرِهَا وَمَا يُحَاذِي سَحْرَهَا مِنْهُ . وَقِيلَ : السَّحْرُ مَا لَصِقَ بِالْحُلْقُومِ مِنْ أَعْلَى الْبَطْنِ . وَحَكَى الْقُتَيْبِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْجِيمِ ، وَأَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَقَدَّمَهَا عَنْ صَدْرِهِ ، كَأَنَّهُ يَضُمُّ شَيْئًا إِلَيْهِ : أَيْ أَنَّهُ مَاتَ وَقَدْ ضَمَّتْهُ بِيَدَيْهَا إِلَى نَحْرِهَا وَصَدْرِهَا ، وَالشَّجْرُ : التَّشْبِيكُ ، وَهُوَ الذَّقَنُ أَيْضًا . وَالْمَحْفُوظُ الْأَوَّلُ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ لِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ : انْتَفَخَ سَحْرُكَ أَيْ رِئَتُكَ يُقَالُ ذَلِكَ لِلْجَبَانِ . [2/347] ( س ) وَفِيهِ ذِكْرُ السُّحُورِ مُكَرَّرًا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ، وَهُوَ بِالْفَتْحِ اسْمُ مَا يُتَسَحَّرُ بِهِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ . وَبِالضَّمِّ الْمَصْدَرُ وَالْفِعْلُ نَفْسُهُ . وَأَكْثَرُ مَا يُرْوَى بِالْفَتْحِ . وَقِيلَ : إِنَّ الصَّوَابَ بِالضَّمِّ ؛ لِأَنَّهُ بِالْفَتْحِ الطَّعَامُ . وَالْبَرَكَةُ وَالْأَجْرُ وَالثَّوَابُ فِي الْفِعْلِ لَا فِي الطَّعَامِ .