موضع معلل بحرمة القبلة وحديث بن عُمَرَ لَا يُعَارِضُهُ وَلَا حَدِيثَ جَابِرٍ لِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ قَوْلٌ وَهَذَانِ فِعْلَانِ وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ
الثَّانِي أَنَّ الْفِعْلَ لاصيغة لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ حِكَايَةُ حَالٍ وَحِكَايَاتُ الْأَحْوَالِ مُعَرَّضَةٌ لِلْأَعْذَارِ وَالْأَسْبَابِ وَالْأَقْوَالُ لَا مُحْتَمَلَ فِيهَا مِنْ ذَلِكَ
الثَّالِثُ أَنَّ الْقَوْلَ شَرْعٌ مُبْتَدَأٌ وَفِعْلُهُ عَادَةٌ وَالشَّرْعُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَادَةِ
الرَّابِعُ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَوْ كَانَ شَرْعًا لَمَا تستر به انتهى
وقد قال بن الْعَرَبِيِّ قَبْلَ هَذَا اُخْتُلِفَ فِي تَعْلِيلِ الْمَنْعِ فِي الصَّحْرَاءِ فَقِيلَ ذَلِكَ لِحُرْمَةِ الْمُصَلِّينَ وَقِيلَ ذَلِكَ لِحُرْمَةِ الْقِبْلَةِ وَلَكِنْ جَازَ فِي الْحَوَاضِرِ لِلضَّرُورَةِ وَالتَّعْلِيلُ بِحُرْمَةِ الْقِبْلَةِ أَوْلَى لِخَمْسَةِ أَوْجُهٍ
أَحَدُهَا أَنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ قَالَهُ الشَّعْبِيُّ فَلَا يَلْزَمُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ
الثَّانِي أَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ مَغِيبٍ فَلَا يَثْبُتُ إِلَّا عَنْ الشَّارِعِ
الثَّالِثُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِحُرْمَةِ الْمُصَلِّينَ لَمَا جَازَ التَّغْرِيبُ وَالتَّشْرِيقُ أَيْضًا لِأَنَّ الْعَوْرَةَ لَا تَخْفَى مَعَهُ أَيْضًا عَنْ الْمُصَلِّينَ وَهَذَا يُعْرَفُ بِاخْتِبَارِ الْمُعَايَنَةِ
الرَّابِعُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا عَلَّلَ بِحُرْمَةِ الْقِبْلَةِ فَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ مَنْ جَلَسَ لِبَوْلٍ قُبَالَةَ الْقِبْلَةِ فَذَكَرَ فَانْحَرَفَ عَنْهَا إِجْلَالًا لَهَا لَمْ يَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ
الْخَامِسُ أَنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ الْحُرْمَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْقِبْلَةِ لِقَوْلِهِ
لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ فَذَكَرَهَا بِلَفْظِهَا فَأَضَافَ الِاحْتِرَامَ لَهَا انْتَهَى
قُلْتُ الظَّاهِرُ أَنَّ الْحُرْمَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْقِبْلَةِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَلَوْ صَحَّ حَدِيثُ الْبَزَّارِ الَّذِي ذَكَرَهُ بن الْعَرَبِيِّ لَكَانَ قَاطِعًا فِي ذَلِكَ لَكِنْ لَمْ نَقِفْ عَلَى سَنَدِهِ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِ إِسْنَادِهِ
(بَاب مَا جَاءَ مِنْ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي اِسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ)
بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ
[٩] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) هُوَ بُنْدَارٌ الحافظ ثقة (ومحمد بن المثنى) بن عبيد العنزي أبي موسى البصري المعروف بالزمن مشهور بكنيته وباسمهثقة ثَبْتٌ مِنْ الْعَاشِرَةِ وَكَانَ هُوَ وَبُنْدَارٌ فَرَسَيْ رِهَانٍ وَمَاتَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ كَذَا فِي التقريب روى عن معتمر وبن عيينة وغندر
وَخَلْقٍ وَعَنْهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ وَخَلْقٌ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى حُجَّةٌ مَاتَ سَنَةَ ٢٥٢ اِثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ (قَالَا نَا وَهْبُ بن جرير) بن حَازِمِ بْنِ زَيْدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيُّ البصرى ثقة عن أبيه وبن عون وشعبة وخلق وعنه أحمد وإسحاق وبن مَعِينٍ وَوَثَّقَهُ مَاتَ سَنَةَ ٦٠٢ سِتٍّ وَمِائَتَيْنِ (نَا أَبِي) جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ثِقَةٌ لَكِنْ فِي حَدِيثِهِ عَنْ قَتَادَةَ ضَعْفٌ وَلَهُ أَوْهَامٌ إِذَا حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ مَاتَ سَنَةَ ٠٧١ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ بعد ما اِخْتَلَطَ لَكِنْ لَمْ يُحَدِّثْ فِي حَالِ اِخْتِلَاطِهِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ) بن يَسَارٍ الْمَطْلَبِيِّ الْمَدَنِيِّ نَزِيلِ الْعِرَاقِ إِمَامِ الْمَغَازِي صَدُوقٍ يُدَلِّسُ وَرُمِيَ بِالتَّشَيُّعِ وَالْقَدَرِ مَاتَ سَنَةَ ١٥٠ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ وَيُقَالُ بَعْدَهَا كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَقَالَ فِي الْقَوْلِ الْمُسَدَّدِ وَأَمَّا حَمْلُهُ أَيْ بن الْجَوْزِيِّ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ فَلَا طَائِلَ فِيهِ فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ قَبِلُوا حَدِيثَهُ وَأَكْثَرُ مَا عيب فيه التدليس والرواية عن المجهولين وأما هُوَ فِي نَفْسِهِ فَصَدُوقٌ وَهُوَ حُجَّةٌ فِي الْمَغَازِي عِنْدَ الْجُمْهُورِ انْتَهَى
قُلْتُ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ فَالْحَقُّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ فِي نَفْسِهِ صَدُوقٌ صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ وَقَدْ اِعْتَرَفَ به العيني وبن الْهُمَامِ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي عمدة القارىء شرح البخاري بن إِسْحَاقَ مِنَ الثِّقَاتِ الْكِبَارِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ
انْتَهَى وقال بن الهمام في فتح القدير أما بن إِسْحَاقَ فَثِقَةٌ ثِقَةٌ لَا شُبْهَةَ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ وَلَا عِنْدَ مُحَقِّقِي الْمُحَدِّثِينَ انْتَهَى
تَنْبِيهٌ قَالَ صَاحِبُ الْعَرْفِ الشَّذِيِّ اِخْتَلَفَ أَهْلُ الْجَرْحِ والتعديل في بن إِسْحَاقَ مَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِي غَيْرِهِ حَتَّى إِنَّهُ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ إِنْ قُمْتُ بَيْنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَبَابِ الْكَعْبَةِ لَحَلَفْتُ أَنَّهُ دَجَّالٌ كَذَّابٌ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ إِنَّهُ إِمَامُ الْحَدِيثِ وقال بن الْهُمَامِ إِنَّهُ ثِقَةٌ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَقَالَ حَافِظُ الدُّنْيَا إِنَّهُ ثِقَةٌ وَفِي حِفْظِهِ شَيْءٌ وَأَمَّا الْبَيْهَقِيُّ فَيَتَكَلَّمُ فِيهِ فِي كِتَابِهِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَاعْتَمَدَهُ فِي كِتَابِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فَالْعَجَبُ وَعِنْدِي أَنَّهُ مِنْ رُوَاةِ الْحِسَانِ كَمَا فِي الْمِيزَانِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي حِفْظِهِ شَيْءٌ انْتَهَى كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ
قُلْتُ جُرُوحُ مَنْ جَرَّحَ في بن إِسْحَاقَ كُلُّهَا مَدْفُوعَةٌ وَالْحَقُّ أَنَّهُ ثِقَةٌ قَابِلٌ لِلِاحْتِجَاجِ قَالَ الْفَاضِلُ اللَّكْنَوِيُّ فِي إِمَامِ الْكَلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَإِنْ كَانَ مُتَكَلَّمًا فِيهِ مِنْ جَانِبِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ لَكِنَّ جُرُوحَهُمْ لَهَا مَحَامِلُ صَحِيحَةٌ وَقَدْ عَارَضَهَا تَعْدِيلُ جَمْعٍ من ثقات الأمة وَلِذَا صَرَّحَ جَمْعٌ مِنْ النُّقَّادِ بِأَنَّ حَدِيثَهُ لَا يَنْحَطُّ عَنْ دَرَجَةِ الْحَسَنِ بَلْ صَحَّحَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْإِسْنَادِ وَقَالَ فِي السِّعَايَةِ
وَالْحَقُّ في بن إسحاق هو التوثيق
انتهى
وقال بن الهمام في فتح القدير (وهو أَيْ تَوْثِيقُ اِبْنِ إِسْحَاقَ) هُوَ الْحَقُّ الْأَبْلَجُ وَمَا نُقِلَ عَنْ
مَالِكٍ لَا يَثْبُتُ وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَقْبَلْهُ أَهْلُ الْعِلْمِ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ شُعْبَةُ فِيهِ
هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ
وَرَوَى عَنْهُ مثل الثوري وبن إدريس وحماد بن زيد ويزيد بن زريع وبن عليه وعبد الوارث وبن المبارك واحتمله أحمد وبن مَعِينٍ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُمْ
إِلَى أَنْ قَالَ
وَإِنَّ مَالِكًا رَجَعَ عَنْ الكلام في بن إِسْحَاقَ وَاصْطَلَحَ مَعَهُ وَبَعَثَ إِلَيْهِ هَدِيَّةً
انْتَهَى كلام بن الْهُمَامِ
فَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْعَرْفِ الشَّذِيِّ
وَأَمَّا الْبَيْهَقِيُّ إِلَى قَوْلِهِ فَالْعَجَبُ فَلَمْ يَذْكُرْ مَا تكلم به في الأسماء والصفات في بن إِسْحَاقَ حَتَّى يُنْظَرَ فِيهِ أَنَّهُ هُوَ قَابِلٌ لِلْعَجَبِ أَمْ لَا وَلَوْ سَلَّمَ أَنَّهُ قَابِلٌ لِلْعَجَبِ فَصَنِيعُ الْعَيْنِيِّ أَعْجَبُ فَإِنَّهُ يَتَكَلَّمُ فِي بن إِسْحَاقَ وَيَجْرَحُهُ إِذَا وَقَعَ هُوَ فِي إِسْنَادِ حَدِيثٍ يُخَالِفُ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ وَيُوَثِّقُهُ وَيَعْتَمِدُهُ إِذَا وَقَعَ فِي إِسْنَادِ حَدِيثٍ يُوَافِقُ مَذْهَبَهُمْ
أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ فِي الْبِنَايَةِ فِي تَضْعِيفِ حَدِيثِ عُبَادَةَ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ مَا لَفْظُهُ
فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنُ يَسَارٍ وَهُوَ مُدَلِّسٌ قَالَ النَّوَوِيُّ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا التَّدْلِيسُ قُلْتُ الْمُدَلِّسُ إِذَا قَالَ عَنْ فُلَانٍ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ عِنْدَ جَمِيعِ الْمُحَدِّثِينَ مَعَ أَنَّهُ كَذَّبَهُ مَالِكٌ وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَقَالَ لَا يَصِحُّ الْحَدِيثُ عَنْهُ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ لَا يَصِحُّ الْحَدِيثُ عَنْهُ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ لَا يُقْضَى لَهُ بِشَيْءٍ
انْتَهَى كَلَامُهُ
فَانْظُرْ كَيْفَ تَكَلَّمَ الْعَيْنِيُّ فِي بن إسحاق ها هنا
وقال في عمدة القارىء
فِي تَصْحِيحِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ وَمَنْ أَشَارَ فِي الصَّلَاةِ إِشَارَةً تُفْهَمُ عَنْهُ فَلْيُعِدْهَا مَا لَفْظُهُ إِسْنَادُ هَذَا الحديث صحيح وتعليل بن الجوزي بابن إسحاق ليس بشيء لأن بن إِسْحَاقَ مِنَ الثِّقَاتِ الْكِبَارِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ
انْتَهَى كلام العيني
فانظر ها هنا كيف اعتمد علي بن إِسْحَاقَ وَلَمْ يُبَالِ بِتَدْلِيسِهِ أَيْضًا مَعَ أَنَّهُ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ بِعَنْ وَكَذَلِكَ صَنِيعُهُ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ
فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (عَنْ أَبَانَ بن صالح) وثقة الأئمة ووهم بن حزم فجهله وبن عَبْدِ الْبَرِّ فَضَعَّفَهُ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ (عن مجاهد) هو بن جَبْرٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمَخْزُومِيُّ مَوْلَاهُمْ الْمَكِّيُّ ثِقَةٌ إِمَامٌ فِي التَّفْسِيرِ وَفِي الْعِلْمِ مِنْ أَوْسَاطِ التَّابِعِينَ مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى أَوْ اِثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ وَلَهُ ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ (عَنْ جَابِرٍ) هُوَ بن عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو بْنِ حَرَامٍ بِمُهْمَلَةٍ وراء الأنصاري ثم السلمي بفتحتين صحابي بن صَحَابِيٍّ غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ بعد السبعين وهو بن أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ
قَوْلُهُ (فَرَأَيْته قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا) اِسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ الإستقبال والإستدبار