تحفة الأحوذي · المباركفوري · ج3 ص138النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ
فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ أَعْنِي تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى إلخ
كَانَتْ قُرْآنًا ثُمَّ نُسِخَتْ فَتَأَمَّلْ
تَنْبِيهٌ آخَرُ قَالَ صَاحِبُ الْعَرْفِ الشَّذِيِّ التَّحْقِيقُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَكَلَّمَ بِهَذَا اللَّفْظِ يَعْنِي تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى إلخ بِطَوْعِهِ وَأَنَّهُ آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ نُسِخَ تِلَاوَتُهَا قَالَ وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ بِتِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْمَلَائِكَةُ قَالَ وَأَتَى الْعَيْنِيُّ وَالْحَافِظُ بِرِوَايَتَيْنِ صَحِيحَتَيْنِ مَرْفُوعَتَيْنِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الصَّحِيحِ انْتَهَى كَلَامُهُ
قُلْتُ كَلَامُهُ هَذَا مَرْدُودٌ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِرِوَايَةٍ مَرْفُوعَةٍ صَحِيحِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَكَلَّمَ بِهَذَا اللَّفْظِ بِطَوْعِهِ وَأَنَّهُ آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ نُسِخَ تِلَاوَتُهَا
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَأَتَى الْعَيْنِيُّ وَالْحَافِظُ بِرِوَايَتَيْنِ صَحِيحَتَيْنِ مَرْفُوعَتَيْنِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الصَّحِيحِ فَخَطَأٌ فَاحِشٌ وَوَهْمٌ قَبِيحٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ الْعَيْنِيُّ وَلَا الْحَافِظُ بِرِوَايَةٍ مَرْفُوعَةٍ صَحِيحَةٍ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَضْلًا عَنْ رِوَايَتَيْنِ مَرْفُوعَتَيْنِ صَحِيحَتَيْنِ
٤ - (بَاب مَا جَاءَ مَنْ لَمْ يَسْجُدْ فِيهِ)
أي في النجم
[٥٧٦] قوله (عن بن أَبِي ذِئْبٍ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ الْقُرَشِيُّ الْمَدَنِيُّ ثِقَةٌ فَقِيهٌ فَاضِلٌ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ) بِقَافٍ مَضْمُومَةٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ مُصَغَّرًا وَآخِرُهُ طَاءٌ مُهْمَلَةٌ ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ
قَوْلُهُ (قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا) احْتَجَّ بِهَذَا مَنْ قَالَ إِنَّ الْمُفَصَّلَ لَيْسَ فِيهِ سَجْدَةٌ كَالْمَالِكِيَّةِ أَوْ أَنَّ النَّجْمَ بِخُصُوصِهَا لَا سُجُودَ فِيهَا كَأَبِي ثَوْرٍ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ تَرْكُ السُّجُودِ فِيهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِهِ مُطْلَقًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ فِي التَّرْكِ إِذْ ذَاكَ إِمَّا لِكَوْنِهِ كَانَ بِلَا وُضُوءٍ أَوْ لِكَوْنِ الْوَقْتِ كَانَ وَقْتَ كَرَاهَةٍ أَوْ لِكَوْنِ القارىء كَانَ لَمْ يَسْجُدْ أَوْ تَرَكَ حِينَئِذٍ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَهَذَا أَرْجَحُ الِاحْتِمَالَاتِ وَبِهِ جَزَمَ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُ بِالسُّجُودِ وَلَوْ بَعْدَ ذَلِكَ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
قَوْلُهُ (وَتَأَوَّلَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ إِنَّمَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ لِأَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حِينَ قَرَأَ فَلَمْ يَسْجُدْ لَمْ يَسْجُدِ النَّبِيِّ ﷺ) يَعْنِي أَنَّ القارىء إِمَامٌ لِلسَّامِعِ فَلَمَّا لَمْ يَسْجُدْ زَيْدٌ لَمْ يَسْجُدِ النَّبِيُّ ﷺ اتِّبَاعًا لزيد ويدل على كون القارىء إماما للسامع قول بن مَسْعُودٍ لِتَمِيمِ بْنِ حَذْلَمٍ وَهُوَ غُلَامٌ فَقَرَأَ عَلَيْهِ سَجْدَةً فَقَالَ اسْجُدْ فَإِنَّكَ إِمَامُنَا فِيهَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ رِوَايَةِ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ قَالَ تَمِيمُ بْنُ حَذْلَمٍ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَأَنَا غُلَامٌ فَمَرَرْتُ بِسَجْدَةٍ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْتَ إِمَامُنَا فيها
وقد روي مرفوعا أخرجه بن أبي شيبة من رواية بن عَجْلَانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ غُلَامًا قَرَأَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ السَّجْدَةَ فَانْتَظَرَ الْغُلَامُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ فَلَمَّا لَمْ يَسْجُدْ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ فِي هَذِهِ السَّجْدَةِ سُجُودٌ قَالَ بَلَى وَلَكِنَّكَ كُنْتَ إِمَامَنَا فِيهَا وَلَوْ سَجَدْتَ لَسَجَدْنَا
رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّهُ مُرْسَلٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ بَلَغَنِي فَذَكَرَ نحوه أخرجه البيهقي من رواية بن وَهْبٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ وَحَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ مَعًا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِهِ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
(وَقَالُوا السَّجْدَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا وَلَمْ يُرَخِّصُوا فِي تَرْكِهَا وَقَالُوا إِنْ سَمِعَ الرَّجُلُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَإِذَا تَوَضَّأَ سَجَدَ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ وَبِهِ يَقُولُ إِسْحَاقُ) وَبِهِ قَالَ أَبُو حنيفة
قال العيني في عمدة القارىء اسْتَدَلَّ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ عَلَى الْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ ﷺ السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ تَلَاهَا ثُمَّ قَالَ كَلِمَةُ عَلَى لِلْإِيجَابِ وَالْحَدِيثُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِالْقَصْدِ
قَالَ الْعَيْنِيُّ هَذَا غَرِيبٌ لَمْ يَثْبُتْ وَإِنَّمَا رَوَى بن أبي شيبة في مصنفه عن بن عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا وَفِي الْبُخَارِيِّ قَالَ عُثْمَانُ إِنَّمَا السُّجُودُ عَلَى مَنِ اسْتَمَعَ قَالَ وَاسْتُدِلَّ أيضا بالايات فما هم لَا يُؤمِنُونَ
وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهُمُ الْقُرْآنُ لَا يسجدون فاسجدوا لله واعبدوا واسجد واقترب
وَقَالُوا الذَّمُّ لَا يَتَعَلَّقُ إِلَّا بِتَرْكِ وَاجِبٍ وَالْأَمْرُ فِي الْآيَتَيْنِ لِلْوُجُوبِ انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ
وَاسْتُدِلَّ أَيْضًا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِذَا قَرَأَ بن آدَمَ السَّجْدَةَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي يَقُولُ يَا ويله أمر بن آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِي النَّارُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
قُلْتُ قَوْلُ بن عُمَرَ ﵁ السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا وَقَوْلُ عُثْمَانَ إِنَّمَا السُّجُودُ عَلَى مَنِ اسْتَمَعَ لَوْ سُلِّمَ أَنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى وُجُوبِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فَهُوَ قَوْلُهُمَا وَلَيْسَ بِمَرْفُوعٍ وَقَوْلُهُمَا هَذَا مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ فَمَعْنَاهُ لا يسجدون إباءا وَإِنْكَارًا كَمَا قَالَ الشَّيْطَانُ أُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فالذم متعلق بترك السجود إباءا وإنكارا
قال بن قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي فَأَمَّا الْآيَةُ فَإِنَّهُ ذَمَّهُمْ لِتَرْكِ السُّجُودِ غَيْرَ مُعْتَقِدِينَ فَضْلَهُ وَلَا مَشْرُوعِيَّتَهُ انْتَهَى
وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ عَلَى وُجُوبِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا وَقَوْلِهِ وَاسْجُدْ واقترب فَمَوْقُوفٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِيهِمَا لِلْوُجُوبِ وَعَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالسُّجُودِ سَجْدَةَ التِّلَاوَةِ وَهُمَا مَمْنُوعَانِ
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بَابُ مَنْ رَأَى أَنَّ اللَّهَ ﷿ لَمْ يُوجِبِ السُّجُودَ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ أَيْ وَحَمَلَ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ اسْجُدُوا عَلَى النَّدْبِ أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ سُجُودُ الصَّلَاةِ أَوْ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى الْوُجُوبِ وَفِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ عَلَى النَّدْبِ عَلَى قَاعِدَةِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ فِي حَمْلِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ
وَمِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ مِنْهَا مَا هُوَ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ وَمِنْهَا مَا هُوَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الَّتِي بِصِيغَةِ الْأَمْرِ هَلْ هِيَ فِيهَا سُجُودٌ أَوْ لَا وَهِيَ ثَانِيَةُ الْحَجِّ وَخَاتِمَةُ النَّجْمِ وَاقْرَأْ فَلَوْ كَانَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَاجِبًا لَكَانَ مَا وَرَدَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ أَوْلَى أَنْ يُتَّفَقَ عَلَى السُّجُودِ فِيهِ مِمَّا وَرَدَ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ انْتَهَى
(وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ فِيهَا وَالْتَمَسَ فَضْلَهَا وَرَخَّصُوا فِي تَرْكِهَا قَالُوا إِنْ أَرَادَ ذَلِكَ) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَدَاوُدَ قَالُوا إِنَّهَا سنة وهو قول عمر وسلمان وبن عَبَّاسٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ كذا في عمدة القارىء (وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قال قرأت
عَلَى النَّبِيِّ ﷺ النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ فَقَالُوا لَوْ كَانَتِ السَّجْدَةُ وَاجِبَةً لَمْ يَتْرُكِ النَّبِيُّ ﷺ زَيْدًا حَتَّى كَانَ يَسْجُدُ وَيَسْجُدُ النَّبِيُّ ﷺ) أَجَابَ الْعَيْنِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ هَذَا بِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ عَلَى الْفَوْرِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي النَّجْمِ سَجْدَةٌ وَلَا فِيهِ نَفْيُ الْوُجُوبِ انْتَهَى
وَقَدْ عَرَفْتَ فِي كَلَامِ الْحَافِظِ أَنَّ فِي تَرْكِ السُّجُودِ فِيهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ احْتِمَالَاتٍ وَأَرْجَحُ الِاحْتِمَالَاتِ أَنَّهُ ترك حينئذ لبيان الجواز (واحتجوا بحديث بن عُمَرَ أَنَّهُ قَرَأَ سَجْدَةً عَلَى الْمِنْبَرِ فَنَزَلَ فَسَجَدَ ثُمَّ قَرَأَهَا فِي الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ فَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ فَقَالَ إِنَّهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نَشَاءَ فَلَمْ يَسْجُدْ وَلَمْ يَسْجُدُوا) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ حَتَّى إِذَا جَاءَتِ السَّجْدَةُ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءَتِ السَّجْدَةُ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ وزاد نافع عن بن عُمَرَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ انْتَهَى
وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ لَمْ يَفْرِضْ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَأَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ بِأَنَّ نَفْيَ الْفَرْضِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْوُجُوبِ
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ اصْطِلَاحٌ لَهُمْ حَادِثٌ وَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا وَيُغْنِي عَنْ هَذَا قَوْلُ عُمَرَ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مُخَيَّرٌ فِي السُّجُودِ فَيَكُونُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ
وَأَجَابَ مَنْ أَوْجَبَهُ بِأَنَّ الْمَعْنَى إِلَّا أَنْ نَشَاءَ قِرَاءَتَهَا فَيَجِبُ وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ وَيَرُدُّهُ تَصْرِيحُ عُمَرَ بِقَوْلِهِ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ بِأَنَّ انْتِقَاءَ الْإِثْمِ عَمَّنْ تَرَكَ الْفِعْلَ مُخْتَارًا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ
كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
تَنْبِيهٌ قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَاحْتَجُّوا أَيِ الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ وُجُوبِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ بِحَدِيثِ عُمَرَ ﵁ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْ عَلَيْنَا السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ وَهَذَا يَنْفِي الْوُجُوبَ
قَالُوا قَالَ عُمَرُ هَذَا الْقَوْلَ وَالصَّحَابَةُ حَاضِرُونَ وَالْإِجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ عِنْدَهُمْ حُجَّةٌ انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ
وَأَجَابَ هُوَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ فَمَوْقُوفٌ وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُمُ انْتَهَى
قُلْتُ الْعَجَبُ مِنَ الْعَيْنِيِّ أنه لم يُجِبْ عَنِ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ بَلْ سَكَتَ عَنْهُ وهو حجة
عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَصْحَابِهِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ هُوَ فِي رَدِّ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ مَا لَفْظُهُ حَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ خَبَرُ آحَادٍ وَرَدَ مُخَالِفًا لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَيُرَدُّ بيانه أن بن عباس وبن الزُّبَيْرِ أَفْتَيَا فِي زَنْجِيٍّ وَقَعَ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ بِنَزْحِ الْمَاءِ كُلِّهِ وَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ وَكَانَ الْمَاءُ مِنْ قُلَّتَيْنِ
وَذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصحابة ﵄ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ فَكَانَ إِجْمَاعًا وَخَبَرُ الْوَاحِدِ إِذَا وَرَدَ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ يُرَدُّ
انْتَهَى كَلَامُهُ
فَلِلْقَائِلِينَ بِعَدَمِ وُجُوبِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ أَنْ يَقُولُوا نَحْنُ لَا نَحْتَجُّ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ عُمَرَ ﵁ بَلْ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃ فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ
وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا الِاحْتِجَاجَ احْتِجَاجٌ صَحِيحٌ لَيْسَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ جَوَابٌ شَافٍ عَنْ هَذَا الِاحْتِجَاجِ
وَقَدْ أَنْصَفَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ فِي تَعْلِيقَاتِهِ عَلَى جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ حَيْثُ قَالَ قَوْلُهُ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عُمَرَ إلخ ليس هذا مرفوعا بل أثر عمرو هذا تَمَسُّكُ الْحِجَازِيِّينَ
وَأَمَّا الْجَوَابُ مِنْ جَانِبِ الْأَحْنَافِ بِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ وَمَذْهَبُ عُمَرَ ﵁ فَلَا يُفِيدُ فَإِنَّهُ بِمَحْضَرِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَيُمْكِنُ لِلشَّافِعِيَّةِ قَوْلُ إِنَّهُ إِجْمَاعُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ فَمَا أَجَابَ أَحَدٌ جَوَابًا شَافِيًا انْتَهَى
ثُمَّ قَالَ هَذَا الْبَعْضُ رَادًّا عَلَى الْعَيْنِيِّ مَا لَفْظُهُ وَقَالَ الْعَيْنِيُّ بِحَذْفِ الْمُسْتَثْنَى الْمُتَّصِلِ لِأَنَّهُ أَصْلٌ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نَشَاءَ مَكْتُوبِيَّتَهَا
وَقَالَ أَيْضًا إِنَّ الْمَشِيئَةَ تَتَعَلَّقُ بِالتِّلَاوَةِ لَا بِالسَّجْدَةِ
وَقَالَ الْحَافِظُ إِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالسَّجْدَةِ
أَقُولُ تَأْوِيلُ الْعَيْنِيِّ فِيهِ أَنَّا إِذَا قُلْنَا إِنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الْوُجُوبُ وَالْمُسْتَثْنَى هُوَ التَّطَوُّعُ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ أَيْضًا مُتَّصِلًا وَلَيْسَ حَدُّ الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ مَا هُوَ مَشْهُورٌ عَلَى الْأَلْسِنَةِ بَلْ تَفْصِيلُهُ مَذْكُورٌ فِي قَطْرِ النَّدَى وَشَرْحِ الشَّيْخِ السَّيِّدِ مَحْمُودٍ الْأُلُوسِيِّ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ الْأَنْدَلُسِيَّةِ وَأَيْضًا يُخَالِفُ قَوْلَ الْعَيْنِيِّ لَفْظُ الْبَابِ فَلَمْ يَسْجُدْ وَلَمْ يَسْجُدُوا إلخ فَإِنَّهُ تَحَقَّقَ التِّلَاوَةُ فِي وَاقِعَةِ الْبَابِ
وَأَمَّا قَوْلُ إِنَّهُ تَأْخِيرُ السَّجْدَةِ لِأَنَّ الْأَدَاءَ لَا يَجِبُ فِي الْفَوْرِ فَبَعِيدٌ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ وَلَا نُكْتَةَ لِتَرْكِ السَّجْدَةِ الْآنَ بِخِلَافِ مَا مَرَّ مِنْ وَاقِعَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ أَرَ جَوَابًا شَافِيًا انْتَهَى كَلَامُ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ فِي تَعْلِيقِهِ الْمُسَمَّى بِالْعَرْفِ الشَّذِيِّ
قُلْتُ قَوْلُ عُمَرَ ﵁ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ كَمَا عَرَفْتَ فِي كَلَامِ الْحَافِظِ وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْعَيْنِيِّ بِأَنَّ مَعْنَاهُ مَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ فِي تَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِ السَّمَاعِ فَبَاطِلٌ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ
٥ - (بَاب ما جاء في سجدة)
فِي ص [٥٧٧] قَوْلُهُ (عَنْ أَيُّوبَ) هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ
قَوْلُهُ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِي ص) هَذَا دَلِيلٌ صَرِيحٌ على ثبوت السجدة في ص (قال بن عَبَّاسٍ وَلَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ) الْمُرَادُ بِالْعَزَائِمِ مَا وَرَدَتِ الْعَزِيمَةُ عَلَى فِعْلِهِ كَصِيغَةِ الْأَمْرِ مَثَلًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْمَنْدُوبَاتِ آكَدُ مِنْ بَعْضٍ عِنْدَ مَنْ لَا يَقُولُ بِالْوُجُوبِ
وقد روى بن الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بإسناد حسن أن العزائم حم والنجم واقرأ وألم تنزيل وكذا ثبت عن بن عباس في الثلاثة الأخر وقيل الأعراف وسبحان وحم وألم أخرجه بن أَبِي شَيْبَةَ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ
قَوْلُهُ (فَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أن يسجد فيها وهو قول سفيان وبن الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَقَدْ عَدَّ التِّرْمِذِيُّ الشَّافِعِيَّ مِنَ الْقَائِلِينَ بِسُجُودِ التِّلَاوَةِ فِي صَلَاتِهِ وَقَوْلُهُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ فِيهَا فِي الصَّلَاةِ وَيَسْجُدُ خَارِجَ الصَّلَاةِ قَالَ السَّجْدَةُ فِيهَا لَيْسَتْ سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ بَلْ سَجْدَةَ شُكْرٍ وَسُجُودُ الشَّاكِرِ لَا يُشْرَعُ فِي الصَّلَاةِ
قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي أَنَّ صَلَاتَهُ فِيهَا سَجْدَةٌ تُفْعَلُ وَهُوَ أيضا مذهب سفيان وبن الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ غَيْرَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي كَوْنِهَا مِنَ الْعَزَائِمِ أَمْ لَا فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَيْسَتْ مِنَ الْعَزَائِمِ وَإِنَّمَا هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ تستحب في غير الصلاة وتحرم فيها الصَّحِيحُ وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عِنْدَهُ وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ هِيَ من العزائم وبه قال بن شُرَيْحٍ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ أَيْضًا
وَعَنْ أَحْمَدَ كَالْمَذْهَبَيْنِ وَالْمَشْهُورُ مِنْهُمَا كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ (وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهَا تَوْبَةُ نَبِيٍّ وَلَمْ يُرْوَ السُّجُودُ فِيهَا) قَالَ الْعَيْنِيُّ قَالَ دَاوُدُ عن بن مَسْعُودٍ لَا سُجُودَ فِيهَا وَقَالَ هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَطَاءٍ وَعَلْقَمَةَ
قَالَ واحتج الشافعي ومن معه بحديث بن عَبَّاسٍ هَذَا يَعْنِي الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ