٢٤ - (باب ما جاء في حد بلوغ الرجل وَالْمَرْأَةِ)
[١٣٦١] قَوْلُهُ (عُرِضْتُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ للذَّهَابِ إِلَى الْغَزْوِ (عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) مِنْ بَابِ عَرْضِ الْعَسْكَرِ عَلَى الْأَمِيرِ (فِي جَيْشٍ) أَيْ فِي وَاقِعَةِ أُحُدٍ وَكَانَتْ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ (وَأَنَا بن أَرْبَعَ عَشْرَةَ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (فَلَمْ يَقْبَلْنِي) وفِي رواية للشيخين فلم يجزني
وزاد البيهقي وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ فَلَمْ يُجِزْنِي وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ (فَعُرِضْتُ عَلَيْهِ مِنْ قَابِلٍ فِي جَيْشٍ) يَعْنِي غَزْوَةَ الْخَنْدَقِ وَهِيَ غَزْوَةُ الْأَحْزَابِ (فَقَبِلَنِي) وفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ فَأَجَازَنِي أَيْ فِي الْمُقَاتَلَةِ أَوِ الْمُبَايَعَةِ وَقِيلَ كَتَبَ الْجَائِزَةَ لي وهي رزق
وزاد البيهقي وبن حِبَّانَ بَعْدَ قَوْلِهِ فَأَجَازَنِي وَرَآنِي بَلَغْتُ
وقَدْ صحح هذه الزيادة أيضا بن خُزَيْمَةَ كَذَا فِي النَّيْلِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدُّ مَا بَيْنَ الذُّرِّيَّةِ وَالْمُقَاتِلَةِ) بِكَسْرِ التَّاءِ يُرِيدُ إِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً دَخَلَ فِي زُمْرَةِ الْمُقَاتِلِينَ وَأُثْبِتَ فِي الدِّيوَانِ اسْمُهُ وإذا لم يبلغها عدمن الذُّرِّيَّةِ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ اسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ بن عُمَرَ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَكْمَلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سنة أجربت عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْبَالِغِينَ وَإِنْ لَمْ يَحْتَلِمْ فَيُكَلَّفُ بِالْعِبَادَاتِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَيَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْغَنِيمَةِ وَيُقْتَلُ إِنْ كَانَ حَرْبِيًّا وَيُفَكُّ عَنْهُ الْحَجْرُ إِنْ أُونِسَ رُشْدَهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ
وقَدْ عَمِلَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَقَرَّهُ عليه راويه نافع
وأجاب الطحاوي وبن الْقَصَّارِ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ بِأَنَّ الْإِجَازَةَ الْمَذْكُورَةَ جَاءَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا كَانَتْ فِي الْقِتَالِ
وذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِالْقُوَّةِ وَالْجَلَدِ
وأَجَابَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ فَلَا عُمُومَ لَهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صَادَفَ أَنَّهُ كَانَ
عِنْدَ تِلْكَ السِّنِّ قَدِ احْتَلَمَ فَلِذَلِكَ أَجَازَهُ
وتَجَاسَرَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ إِنَّمَا رَدَّهُ لِضَعْفِهِ لَا لِسِنِّهِ
وإِنَّمَا أَجَازَهُ لِقُوَّتِهِ لَا لِبُلُوغِهِ
ويَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ بن جريج ورواه أبو عوانة وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِمَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ بن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ عُرِضْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَلَمْ يُجِزْنِي وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ
وهِيَ زِيَادَةٌ صَحِيحَةٌ لَا مَطْعَنَ فِيهِ لِجَلَالَةِ بن جُرَيْجٍ وَتَقَدُّمِهِ عَلَى غَيْرِهِ فِي حَدِيثِ نَافِعٍ
وقَدْ صَرَّحَ فِيهَا بِالتَّحْدِيثِ فَانْتَفَى مَا يُخْشَى من تدليسه
وقد نص فيها لفظ بن عمر لقوله ولم يرني بلغت وبن عُمَرَ أَعْلَمُ بِمَا رُوِيَ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا سِيَّمَا فِي قِصَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ
قَالُوا إِذَا اسْتَكْمَلَ الْغُلَامُ أَوْ الْجَارِيَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً كَانَ بَالِغًا
وبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا
وإِذَا احْتَلَمَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا قَبْلَ بُلُوغِهِ هَذَا الْمَبْلَغَ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ تِسْعِ سِنِينَ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهِ
وكَذَلِكَ إِذَا حَاضَتِ الْجَارِيَةُ بَعْدَ تِسْعٍ وَلَا حَيْضَ وَلَا احْتِلَامَ قَبْلَ بُلُوغِ التِّسْعِ انْتَهَى
وقَالَ فِي الْهِدَايَةِ بُلُوغُ الْغُلَامِ بِالِاحْتِلَامِ والإحبال والإنزال إذا وطىء
فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَحَتَّى يَتِمَّ لَهُ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً وَبُلُوغُ الْجَارِيَةِ بِالْحَيْضِ وَالِاحْتِلَامِ وَالْحَبَلِ فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَحَتَّى يَتِمَّ لَهَا سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً
وهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀
وقالا إِذَا تَمَّ لِلْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ فَقَدْ بَلَغَا
وهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ انْتَهَى
قُلْتُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَنَّ الْغُلَامَ أَوْ الْجَارِيَةَ إِذَا اسْتَكْمَلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً كَانَ بَالِغًا هُوَ الرَّاجِحُ الْمُوَافِقُ لِحَدِيثِ الْبَابِ قَوْلُهُ (فَالْإِنْبَاتُ يَعْنِي الْعَانَةَ) يُرِيدُ إِنْبَاتَ شَعْرِ الْعَانَةِ وَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أبي سعيد بلفظ فكان يكشف عن مونزر الْمُرَاهِقِينَ فَمَنْ أَنْبَتَ مِنْهُمْ قُتِلَ وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ جُعِلَ فِي الذَّرَارِيِّ وفِي الْإِنْبَاتِ أَحَادِيثُ أُخْرَى مَذْكُورَةٌ فِي النَّيْلِ
وقَدِ اسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ هَذَا وَمَا فِي مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِنْبَاتَ مِنْ عَلَامَاتِ الْبُلُوغِ
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْإِنْبَاتَ مِنْ عَلَامَاتِ الْبُلُوغِ
وتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَتْلَ مَنْ أَنْبَتَ لَيْسَ لِأَجْلِ التَّكْلِيفِ بَلْ لِدَفْعِ ضَرَرِهِ لِكَوْنِهِ مَظِنَّةً لِلضَّرَرِ كَقَتْلِ الْحَيَّةِ وَنَحْوِهَا
ورُدَّ هَذَا التَّعَقُّبُ بِأَنَّ الْقَتْلَ لِمَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَيْسَ إِلَّا لِأَجْلِ الْكُفْرِ لَا
لِدَفْعِ الضَّرَرِ لِحَدِيثِ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَطَلَبُ الْإِيمَانِ وَإِزَالَةُ الْمَانِعِ مِنْهُ فَرْعُ التَّكْلِيفِ وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يغزوا إلى البلاد البعيدة كتبوك وبأمر بِغَزْوِ أَهْلِ الْأَقْطَارِ النَّائِيَةِ مَعَ كَوْنِ الضَّرَرِ مِمَّنْ كَانَ كَذَلِكَ مَأْمُونًا وَكَوْنُ قِتَالِ الْكُفَّارِ لِكُفْرِهِمْ هُوَ مَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ
وذَهَبَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى إِلَى أَنَّ قِتَالَهُمْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ وَالْقَوْلُ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ هُوَ مَنْشَأُ ذَلِكَ التعقب
ومن القائلين بهذا شيخ الاسلام بن تَيْمِيَةَ حَفِيدُ الْمُصَنِّفِ يَعْنِي مُصَنِّفَ الْمُنْتَقَى
ولَهُ فِي ذَلِكَ رِسَالَةٌ انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ
٥ - (