فَيَصِيرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا وَقَعَ لَهُ بِالْقُرْعَةِ مُجْتَمِعًا مِمَّا كَانَ لَهُ فِي الْمِلْكِ مَشَاعًا فَيُضَمُّ فِي مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ بِالْعِوَضِ الَّذِي صَارَ لِشَرِيكِهِ
لِأَنَّ مَقَادِيرَ ذَلِكَ قَدْ عُدِلَتْ بِالْقِيمَةِ وَإِنَّمَا أَفَادَتِ الْقُرْعَةُ أَنْ لَا يَخْتَارَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا مُعَيَّنًا فَيَخْتَارُهُ الْآخَرُ فَيَقْطَعُ التَّنَازُعَ
وهِيَ إِمَّا فِي الْحُقُوقِ الْمُتَسَاوِيَةِ وَإِمَّا فِي تَعْيِينِ الْمِلْكِ
فَمِنَ الْأَوَّلِ عَقْدُ الْخِلَافَةِ إِذَا اسْتَوَوْا فِي صِفَةِ الْإِمَامَةِ
وكَذَا بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي الصَّلَوَاتِ وَالْمُؤَذِّنِينَ وَالْأَقَارِبِ فِي تَغْسِيلِ الْمَوْتَى وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ وَالْحَائِضَاتِ إِذَا كُنَّ فِي دَرَجَةٍ وَالْأَوْلِيَاءِ فِي التَّزْوِيجِ وَالِاسْتِبَاقِ إِلَى الصف الأول
وفي إحياء الموات
وفِي نَقْلِ الْمَعْدِنِ وَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ
والتَّقْدِيمِ بِالدَّعْوَى عِنْدَ الْحَاكِمِ وَالتَّزَاحُمِ عَلَى أَخْذِ اللَّقِيطِ وَالنُّزُولِ فِي الْخَانِ الْمُسْبَلِ وَنَحْوِهِ وفِي السَّفَرِ بِبَعْضِ الزوجات وفي ابتداء القسم والدخول ابتداء النِّكَاحِ وفِي الْإِقْرَاعِ بَيْنَ الْعَبِيدِ إِذَا أَوْصَى بِعِتْقِهِمْ وَلَمْ يَسَعْهُمُ الثَّالِثُ وَهَذِهِ الْأَخِيرَةُ مِنْ صُوَرِ الْقَسْمِ الثَّانِي أَيْضًا وَهُوَ تَعْيِينُ الْمِلْكِ وَمِنْ صُوَرِ تَعْيِينِ الْمِلْكِ الْإِقْرَاعُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ عِنْدَ تَعْدِيلِ السِّهَامِ فِي الْقِسْمَةِ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
(وَأَمَّا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَغَيْرِهِمْ فَلَمْ يَرَوُا الْقُرْعَةَ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ
وحَدِيثُ الْبَابِ حُجَّةٌ عَلَى هَؤُلَاءِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ
(وَقَالُوا يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ عَبْدٍ) أَيْ مِنَ الْأَعْبُدِ السِّتَّةِ (الثُّلُثُ) أَيْ ثُلُثُهُ (يُسْتَسْعَى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ كُلُّ عَبْدٍ (فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ) فَإِنَّ ثُلُثَهُ قَدْ صَارَ حُرًّا قَوْلُهُ (وَأَبُو الْمُهَلَّبِ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو إِلَخْ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ ثِقَةٌ مِنَ الثَّانِيَةِ
٨ - (بَاب مَا جَاءَ فِيمَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ)
[١٣٦٥] قَوْلُهُ (مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ وَأَصْلُهُ مَوْضِعُ تَكْوِينِ الْوَلَدِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِلْقَرَابَةِ فَيَقَعُ عَلَى كُلِّ مَنْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ نَسَبٌ يُوجِبُ تَحْرِيمَ النِّكَاحِ (مَحْرَمٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ وَيُقَالُ مُحْرَمٌ بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ مِنَ التَّحْرِيمِ
والْمَحْرَمُ مَنْ لَا يَحِلُّ نِكَاحُهُ مِنَ
الْأَقَارِبِ كَالْأَبِ وَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ وَهُوَ بِالْجَرِّ وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ صِفَةُ ذَا رَحِمٍ لَا نَعْتُ رَحِمٍ ولعله من باب جر الجواد كَقَوْلِهِ بَيْتُ ضَبٍّ خَرِبٍ وَمَاءُ شَنٍّ بَارِدٍ
(فَهُوَ) أَيْ ذُو الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (حُرٌّ) أَيْ عَتَقَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ مِلْكِهِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ مُسْنَدًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا وَشُعْبَةُ أَحْفَظُ مِنْ حَمَّادٍ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ
وقَالَ الْبُخَارِيُّ لَا يَصِحُّ انْتَهَى
وقَالَ الشَّوْكَانِيُّ لَكِنَّ الرَّفْعَ مِنَ الثِّقَةِ زِيَادَةٌ لَوْلَا مَا فِي سَمَاعِ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ مُقَالٌ انْتَهَى
والحديث أخرجه أحمد وأبو داود وبن مَاجَهْ
قَوْلُهُ (وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عُمَرَ شَيْئًا مِنْ هَذَا) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ بِمِثْلِ حَدِيثِ سَمُرَةَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَهُوَ مَوْقُوفٌ وَقَتَادَةُ لَمْ يَسْمَعْ عَنْ عُمَرَ فَإِنَّ مَوْلِدَهُ بَعْدَ وَفَاةِ عُمَرَ بِنَيِّفٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً انْتَهَى
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْكَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ (الْعَمِّيُّ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ أَبُو عُثْمَانَ الْبَصْرِيُّ صدوق يخطى مِنَ التَّاسِعَةِ
قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العلم) قال بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَحْمَدُ أَنَّ مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَقَ عَلَيْهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى
وذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِلَى أَنَّهُ يَعْتِقُ عَلَيْهِ أَوْلَادُ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ مِنْ ذَوِي قَرَابَتِهِ
وذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ يَعْتِقُ عليه الولد
وَالْوَالِدَانُ وَالْإِخْوَةُ وَلَا يَعْتِقُ غَيْرُهُمْ انْتَهَى
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَافَقْنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي بَنِي الْأَعْمَامِ أَنَّهُمْ لَا يَعْتِقُونَ بِحَقِّ الْمِلْكِ
واسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ بِأَنَّ غَيْرَ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَوْلَادِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا رَدُّ الشَّهَادَةِ وَلَا يَجِبُ بِهَا النفقة مع اختلاف الدين فأشبه قرابة بن الْعَمِّ وَبِأَنَّهُ لَا يَعْصِبُهُ فَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالْقَرَابَةِ كَابْنِ الْعَمِّ
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ لَا يَخْفَى أَنَّ نَصْبَ مِثْلِ هَذِهِ الْأَقْيِسَةِ فِي مُقَابَلَةِ حديث سمرة وحديث بن عُمَرَ ﵁ مِمَّا لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ مُنْصِفٌ
والِاعْتِذَارُ عَنْهُمَا بِمَا فِيهِمَا مِنَ الْمَقَالِ سَاقِطٌ لِأَنَّهُمَا يَتَعَاضَدَانِ فَيَصْلُحَانِ لِلِاحْتِجَاجِ انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ
قَوْلُهُ (وَلَا يُتَابَعُ ضَمْرَةُ بْنُ ربيعة على هذا الحديث) قال الحافظ بْنُ رَبِيعَةَ الْفِلَسْطِينِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَصْلُهُ دِمَشْقِيٌّ صَدُوقٌ يَهِمُ قَلِيلًا مِنَ التَّاسِعَةِ انْتَهَى
وفِي الخلاصة وثقه أحمد وبن معين والنسائي وبن سَعْدٍ (وَهُوَ حَدِيثٌ خَطَأٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ) وَقَالَ النَّسَائِيُّ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ
وقَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَهِمَ فِيهِ ضَمْرَةُ
والْمَحْفُوظُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ
ورَدَّ الْحَاكِمُ هَذَا بِأَنْ رَوَى مِنْ طَرِيقِ ضَمْرَةَ الْحَدِيثَيْنِ بِالْإِسْنَادِ الواحد
وصححه بن حزم
وعبد الحق وبن القطان كذا في التلخيص
وحديث بن عمر هذا أخرجه بن مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ ضَمْرَةَ الَّتِي ذكرها الترمذي
٩ - (باب فِيمَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ)
[١٣٦٦] قَوْلُهُ (فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيْءٌ) يَعْنِي مَا حَصَلَ مِنَ الزَّرْعِ يَكُونُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَلَا يَكُونُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ إِلَّا بَذْرُهُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ وَقَالَ غَيْرُهُ مَا حَصَلَ مِنَ الزَّرْعِ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَعَلَيْهِ نُقْصَانُ الْأَرْضِ كذا نقله القارىء عن بعض العلماء الحنفية
ونقل عن بن الْمَلَكِ أَنَّهُ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْأَرْضِ مِنْ يَوْمِ غَصْبِهَا إِلَى يَوْمِ تَفْرِيغِهَا انْتَهَى
قُلْتُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ (وَلَهُ نَفَقَتُهُ) أَيْ مَا أَنْفَقَهُ الْغَاصِبُ عَلَى الزَّرْعِ مِنَ الْمُؤْنَةِ فِي الْحَرْثِ وَالسَّقْيِ وَقِيمَةِ الْبَذْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
وقِيلَ الْمُرَادُ بِالنَّفَقَةِ قِيمَةُ الزَّرْعِ فَتُقَدَّرُ قِيمَتُهُ وَيُسَلَّمُهَا الْمَالِكُ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَضَعَّفَهُ الْخَطَّابِيُّ وَنُقِلَ عَنِ الْبُخَارِيِّ تَضْعِيفُهُ وَهُوَ خِلَافُ مَا نقله
التِّرْمِذِيُّ عَنِ الْبُخَارِيِّ مِنْ تَحْسِينِهِ
وضَعَّفَهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ وَهُوَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ رَافِعٍ
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ لَمْ يَسْمَعْ عَطَاءٌ مِنْ رَافِعٍ وَكَانَ مُوسَى بْنُ هَارُونَ يُضَعِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ وَيَقُولُ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ شَرِيكٍ
ولَا رَوَاهُ عَنْ عَطَاءٍ غَيْرُ أَبِي إِسْحَاقَ وَلَكِنْ قَدْ تَابَعَهُ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ وَهُوَ سَيِّءُ الْحِفْظِ
كَذَا فِي النَّيْلِ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ كَذَا فِي الْمُنْتَقَى
قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ) قال بن رَسْلَانَ قَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ
أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ مَنْ زَرَعَ بَذْرًا فِي أَرْضِ غَيْرِهِ وَاسْتَرْجَعَهَا صَاحِبُهَا فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَسْتَرْجِعَهَا مَالِكُهَا وَيَأْخُذَهَا بَعْدَ حَصَادِ الزَّرْعِ أَوْ يَسْتَرْجِعُهَا وَالزَّرْعُ قَائِمٌ قَبْلَ أَنْ يُحْصَدَ فَإِنْ أَخَذَهَا مُسْتَحِقُّهَا بَعْدَ حَصَادِ الزَّرْعِ فَإِنَّ الزرع لغاصب الأرض لانعلم فِيهَا خِلَافًا
وذَلِكَ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مَالِهِ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْأَرْضِ إِلَى وَقْتِ التَّسْلِيمِ وَضَمَانُ نَقْصِ الْأَرْضِ وَتَسْوِيَةِ حُفَرِهَا
وإِنْ أَخَذَ الْأَرْضَ صَاحِبُهَا مِنَ الْغَاصِبِ وَالزَّرْعُ قَائِمٌ فِيهَا لَمْ يَمْلِكْ إِجْبَارَ الْغَاصِبِ عَلَى قَلْعِهِ وَخُيِّرَ الْمَالِكُ بَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ نَفَقَتَهُ وَيَكُونَ الزَّرْعُ لَهُ أَوْ يَتْرُكَ الزَّرْعَ لِلْغَاصِبِ
وبِهَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ
وقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ يَمْلِكُ إِجْبَارَ الْغَاصِبِ عَلَى قَلْعِهِ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ
ويَكُونُ الزَّرْعُ لِمَالِكِ الْبَذْرِ عِنْدَهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَعَلَيْهِ كِرَاءُ الْأَرْضِ
ومِنْ جُمْلَةِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْأَوَّلُونَ مَا أَخْرَجَهُ أحمد وأبو داود والطبراني وغيرهم أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى زَرْعًا فِي أَرْضِ ظَهِيرٍ فَأَعْجَبَهُ فَقَالَ مَا أَحْسَنَ زَرْعِ ظَهِيرٍ فَقَالُوا إِنَّهُ لَيْسَ لِظَهِيرٍ وَلَكِنَّهُ لِفُلَانٍ
قَالَ فَخُذُوا زَرْعَكُمْ وَرُدُّوا عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الزَّرْعَ تَابِعُ الْأَرْضِ
ولَا يَخْفَى أَنَّ حَدِيثَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَخَصُّ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ مُطْلَقًا
فَيُبْنَى الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ وَهَذَا عَلَى فَرْضِ أَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ
يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزَّرْعَ لِرَبِّ الْبَذْرِ فَيَكُونُ الرَّاجِحُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مِنْ أَنَّ الزَّرْعَ لصاحب الأرض إذا استرجع أرضه الزرع فِيهَا
وأَمَّا إِذَا اسْتَرْجَعَهَا بَعْدَ حَصَادِ الزَّرْعِ فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَيْضًا لِرَبِّ الْأَرْضِ وَلَكِنَّهُ إِذَا صَحَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لِلْغَاصِبِ كَانَ مُخَصِّصَا لِهَذِهِ الصُّورَةِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ مِثْلُ مَا قَالَهُ الْأَوَّلُونَ وفِي الْبَحْرِ أَنَّ مَالِكًا وَالْقَاسِمَ يَقُولَانِ الزَّرْعُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَاحْتَجَّ لِمَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّ الزَّرْعَ لِلْغَاصِبِ بِقَوْلِهِ ﷺ الزَّرْعُ لِلزَّرَّاعِ وَإِنْ كَانَ غَاصِبًا
ولَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَيُنْظَرْ فِيهِ
وَقَالَ بن رَسْلَانَ إِنَّ حَدِيثَ لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ
ورَدَ فِي الْغَرْسِ الَّذِي لَهُ عِرْقٌ مُسْتَطِيلٌ فِي الْأَرْضِ
وحَدِيثُ رَافِعٍ وَرَدَ فِي الزَّرْعِ فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَيُعْمَلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعِهِ
ولَكِنْ مَا
ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْجَمْعِ أَرْجَحُ لِأَنَّ بِنَاءَ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ أَوْلَى مِنَ الْمَصِيرِ إِلَى قَصْرِ الْعَامِّ عَلَى السَّبَبِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ
انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ
قَوْلُهُ (قَالَ مُحَمَّدٌ) هُوَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ (حَدَّثَنَا مَعْقِلُ بْنُ مَالِكٍ الْبَصْرِيُّ) قَالَ الْحَافِظُ مَقْبُولٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ وَزَعَمَ الْأَزْدِيُّ أَنَّهُ مَتْرُوكٌ فَأَخْطَأَ (حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ الْأَصَمِّ) هُوَ عُقْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصَمُّ الرِّفَاعِيُّ الْبَصْرِيُّ ضَعِيفٌ وَرُبَّمَا دَلَّسَ وَوَهِمَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْأَصَمِّ وَالرِّفَاعِيِّ كَابْنِ حِبَّانَ (عَنْ عَطَاءٍ) هُوَ بن أَبِي رَبَاحٍ
٠ - (بَاب مَا جَاءَ فِي النُّحْلِ وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْوَلَدِ)
[١٣٦٧] قَوْلُهُ (أَنَّ أَبَاهُ نَحَلَ) أَيْ أَعْطَى وَوَهَبَ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ النَّحْلُ الْعَطِيَّةُ وَالْهِبَةُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ وَلَا اسْتِحْقَاقٍ (ابْنًا لَهُ) هُوَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ نَفْسُهُ
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا
(غُلَامًا) أَيْ عَبْدًا (يُشْهِدُهُ) أَيْ يَجْعَلُهُ شَاهِدًا (فَارْدُدْهُ) أَيْ ارْدُدِ الْغُلَامَ إِلَيْكَ
وفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ قَالَ أَعْطَيْتَ سَائِرَ وُلْدِكَ مِثْلَ هَذَا
قَالَ لَا قَالَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ
قَالَ فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ
وفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا أَنَّهُ قَالَ لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ
وفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً
قَالَ بَلَى قَالَ فَلَا إِذًا
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا
قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْوَلَدِ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ يُسَوِّي بَيْنَ الْوَلَدِ حَتَّى فِي الْقُبْلَةِ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ التَّسْوِيَةَ مُسْتَحَبَّةٌ فَإِنْ فَضَّلَ بَعْضًا صَحَّ وَكُرِهَ وَاسْتُحِبَّتِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى التَّسْوِيَةِ أَوْ الرُّجُوعُ فَحَمَلُوا الْأَمْرَ عَلَى النَّدْبِ وَالنَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ
قَالَ
وَتَمَسَّكَ بِهِ يَعْنِي بِحَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مَنْ أَوْجَبَ التَّسْوِيَةَ فِي عَطِيَّةِ الْأَوْلَادِ
وبِهِ صَرَّحَ الْبُخَارِيُّ
وهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ
وقَالَ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ ثُمَّ الْمَشْهُورُ عَنْ هَؤُلَاءِ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ
وعَنْ أَحْمَدَ تَصِحُّ
ويَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ
وعَنْهُ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ إِنْ كَانَ لَهُ سَبَبٌ كَأَنْ يَحْتَاجَ الْوَلَدَ لِأَمَانَتِهِ وَدِينِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ دُونَ الْبَاقِينَ
وقَالَ أَبُو يُوسُفَ تَجِبُ التَّسْوِيَةُ إِنْ قُصِدَ بِالتَّفْضِيلِ الْإِصْرَارُ
قَالَ وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ أَوْجَبَهُ أَنَّهُ مُقَدِّمَةُ الْوَاجِبِ لِأَنَّ قَطْعَ الرَّحِمِ وَالْعُقُوقَ مُحَرَّمَانِ
فَمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِمَا يَكُونُ مُحَرَّمًا
وَالتَّفْضِيلُ بِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِمَا انْتَهَى
(وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُسَوِّي بَيْنَ وَلَدِهِ فِي النَّحْلِ وَالْعَطِيَّةِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى سَوَاءٌ
وهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ إِلَخْ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ التَّسْوِيَةِ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ الْعَدْلُ أَنْ يُعْطِيَ الذَّكَرَ حَظَّيْنِ كَالْمِيرَاثِ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ حَظُّهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ لَوْ أَبْقَاهُ الْوَاهِبُ فِي يَدِهِ حَتَّى مَاتَ
وَقَالَ غَيْرُهُمْ لَا فَرَّقَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى
وَظَاهِرُ الأمر بالتسوية يشهد لهم واستأنسوا بحديث بن عَبَّاسٍ رَفَعَهُ سَوُّوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ
فلوا كُنْتُ مُفَضِّلًا أَحَدًا لَفَضَّلْتُ النِّسَاءَ
أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ
وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ انْتَهَى