قَوْلُهُ [٢٠٦٩] (حُدِّثْتُ) بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْحَدِيثِ فِيهِ انْقِطَاعٌ (أَخَذْتُ ثَلَاثَةَ أَكْمُؤٍ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ فَضَمِّ مِيمٍ فَهَمْزٍ أَيْ ثَلَاثَةَ أَشْخُصٍ مِنْهَا (أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالْأَلِفِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَوَقَعَ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ أَوْ خَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ بِغَيْرِ الْأَلِفِ وَلَا يَظْهَرُ لَهُ وَجْهٌ إِلَّا بِالتَّكَلُّفِ فَتَفَكَّرْ (فَعَصَرْتُهُنَّ) أَيْ فِي وِعَاءٍ (فَبَرَأَتْ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَيُكْسَرُ أَيْ شُفِيَتْ
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا مَوْقُوفٌ وَفِيهِ انْقِطَاعٌ
[٢٠٧٠] (الشُّونِيزُ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا زَايٌ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ قَيَّدَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا الشِّينَ بِالْفَتْحِ
وحكى عياض عن بن الْأَعْرَابِيِّ أَنَّهُ كَسَرَهَا فَأَبْدَلَ الْوَاوَ يَاءً فَقَالَ الشَّيْنِيزُ كَذَا فِي الْفَتْحِ
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ الشينيز والشونوز والشونيز وَالشَّهْنِيزُ الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ أَوْ فَارِسِيُّ الْأَصْلِ انْتَهَى
وَيُقَالُ لَهُ بِالْهِنْدِيَّةِ كلونحي (دَوَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ) قِيلَ أَيْ مِنْ كُلِّ دَاءٍ مِنَ الرُّطُوبَةِ وَالْبَلْغَمِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ حَارٌّ يَابِسٌ فَيَنْفَعُ فِي الْأَمْرَاضِ الَّتِي تُقَابِلُهُ فَهُوَ مِنَ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ وَقِيلَ هُوَ عَلَى عُمُومِهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي كُلِّ دَاءٍ بِالتَّرْكِيبِ
قَالَ الْكَرْمَانِيُّ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَعْيِينِ الْعُمُومِ الِاسْتِثْنَاءُ بِقَوْلِهِ (إِلَّا السَّامَ) بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ أَلِفٍ وَمِيمٍ مُخَفَّفَةٍ أَيِ الْمَوْتَ فَإِنَّهُ لَا دَوَاءَ لَهُ وَهَذَا أَيْضًا مَوْقُوفٌ وَفِيهِ انْقِطَاعٌ (قَالَ قَتَادَةُ) أَيْ فِي كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمَالِ الشُّونِيزِ (فَيَنْقَعُهُ) أَيْ فَيُلْقِيهِ فِي الْمَاءِ لِيَبْتَلَّ (فَيَسْتَعِطُ بِهِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ سَعَطَهُ الدَّوَاءَ كَمَنَعَهُ وَنَصَرَهُ وَأَسْعَطَهُ إِيَّاهُ سَعْطَةً وَاحِدَةً وَإِسْعَاطَةً وَاحِدَةً أَدْخَلَهُ فِي أَنْفِهِ فَاسْتَعَطَ انْتَهَى (فِي مَنْخَرِهِ الْأَيْمَنِ) فِي الْقَامُوسِ الْمَنْخَرُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْخَاءِ وَبِكَسْرِهِمَا وَضَمِّهِمَا وَكَمَجْلِسٍ ثُقْبُ الْأَنْفِ (وَالثَّانِي) أَيْ وَالْيَوْمُ الثَّانِي (وَالثَّالِثُ) أَيِ الْيَوْمُ الثَّالِثُ
وَقَوْلُ قَتَادَةَ هَذَا لَيْسَ مِنْ مُجَرَّدِ رَأْيِهِ بَلْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ وَذَكَرْنَا لَفْظَهُ هُنَاكَ
٢٣ - (بَاب مَا جَاءَ فِي أَجْرِ الْكَاهِنِ)
قَوْلُهُ [٢٠٧١] (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ إِلَخْ) قَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ بِإِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ مَعَ شَرْحِهِ فِي بَابِ كَرَاهِيَةِ مَهْرِ الْبَغْيِ مِنْ أَبْوَابِ النِّكَاحِ وَفِي بَابِ ثَمَنِ الْكَلْبِ مِنْ
أَبْوَابِ الْبُيُوعِ
٤ - (بَاب ما جاء في كراهية التعليق)
قوله [٢٠٧٢] (حدثنا عبيد الله) هو بن موسى العبسي مولاهم الكوفي (عن بن أَبِي لَيْلَى) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الْأَنْصَارِيُّ أَخُو عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى (عَنْ عِيسَى وهو بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى) الْأَنْصَارِيُّ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكِيمٍ وَغَيْرِهِمَا وَعَنْهُ أَخُوهُ مُحَمَّدٌ وَغَيْرُهُ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَتَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ (عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ) بِالتَّصْغِيرِ (أَبِي مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ) الْكُوفِيِّ مُخَضْرَمٌ مِنَ الثَّانِيَةِ وَقَدْ سَمِعَ كِتَابَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى جُهَيْنَةَ مَاتَ فِي إِمْرَةِ الْحَجَّاجِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (وَبِهِ) أَيْ بِعَبْدِ اللَّهِ وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ (حُمْرَةٌ) أَيْ مِمَّا يَعْلُو الْوَجْهَ وَالْجَسَدَ قاله القارىء
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ الْحُمْرَةُ وَرَمٌ مِنْ جِنْسِ الطَّوَاعِينِ (أَلَا تُعَلِّقُ شَيْئًا) بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ أَيْ أَلَا تَتَعَلَّقُ شَيْئًا قَالَ فِي الْقَامُوسِ عَلَّقَهُ تَعْلِيقًا جَعَلَهُ مُعَلَّقًا لِتَعَلُّقِهِ انْتَهَى
وَفِي الْمِشْكَاةِ أَلَا تُعَلِّقُ تَمِيمَةً (قَالَ الْمَوْتُ أَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ)
وَفِي الْمِشْكَاةِ فَقَالَ نَعُوذُ بِاللَّهِ من ذلك
قال القارىء وَسَبَبُهُ أَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الشِّرْكِ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا عَاذَ بِاللَّهِ مِنْ تَعْلِيقِ
الْعُوذَةِ لِأَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُتَوَكِّلِينَ وَإِنْ جَازَ لِغَيْرِهِ انْتَهَى (مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا) أَيْ مَنْ عَلَّقَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ التَّعَاوِيذِ وَالتَّمَائِمِ وَأَشْبَاهِهَا مُعْتَقِدًا أَنَّهَا تَجْلُبُ إِلَيْهِ نَفْعًا أَوْ تَدْفَعُ عَنْهُ ضَرًّا قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ (وُكِلَ إِلَيْهِ) بِضَمِّ وَاوٍ وَتَخْفِيفِ كَافٍ مَكْسُورَةٍ أَيْ خُلِّيَ إِلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ وَتُرِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ
وَالْحَدِيثُ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِكَرَاهِيَةِ تَعْلِيقِ التَّمَائِمِ
وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ
قَالَ السَّيِّدُ الشَّيْخُ أَبُو الطَّيِّبِ صِدِّيقُ بْنُ حَسَنٍ الْقَنُوجِيُّ فِي كِتَابِهِ الدِّينِ الْخَالِصِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي جَوَازِ تَعْلِيقِ التَّمَائِمِ الَّتِي مِنَ الْقُرْآنِ وَأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ يَجُوزُ ذَلِكَ وهو قول بن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَبِهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ (يَعْنِي حَدِيثَ بن مَسْعُودٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول إن الرقى والتمائم اللتولة شرك) رواه أحمد وبن ماجة وبن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ عَلَى التَّمَائِمِ الَّتِي فِيهَا شِرْكٌ
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يجوز ذلك وبه قال بن مسعود وبن عَبَّاسٍ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ حُذَيْفَةَ وَعُقْبَةَ بْنِ عامر وبن عُكَيْمٍ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ أصحاب بن مَسْعُودٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ
وَجَزَمَ بِهِ الْمُتَأَخِّرُونَ وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ تَظْهَرُ لِلْمُتَأَمِّلِ
الْأَوَّلُ عُمُومُ النَّهْيِ وَلَا مُخَصِّصَ لِلْعُمُومِ
الثَّانِي سَدُّ الذريعة فإن يُفْضِي إِلَى تَعْلِيقِ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ
الثَّالِثُ أَنَّهُ إِذَا عُلِّقَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَمْتَهِنَهُ الْمُعَلِّقُ بِحَمْلِهِ مَعَهُ فِي حَالِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالِاسْتِنْجَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ
قَالَ وَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ يَتَبَيَّنُ لَكَ بِذَلِكَ غُرْبَةُ الْإِسْلَامِ خُصُوصًا إِنْ عَرَفْتَ عَظِيمَ مَا وَقَعَ فِيهِ الْكَثِيرُ بَعْدَ الْقُرُونِ الْمُفَضَّلَةِ مِنْ تَعْظِيمِ الْقُبُورِ وَاتِّخَاذِهَا الْمَسَاجِدَ وَالْإِقْبَالِ إِلَيْهَا بِالْقَلْبِ وَالْوَجْهِ وَصَرْفِ الدَّعَوَاتِ وَالرَّغَبَاتِ وَالرَّهَبَاتِ وَأَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي هِيَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى إِلَيْهَا مِنْ دُونِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ وَنَظَائِرُهَا فِي الْقُرْآنِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ انْتَهَى
قُلْتُ غُرْبَةُ الْإِسْلَامِ شَيْءٌ وَحُكْمُ الْمَسْأَلَةِ شَيْءٌ آخَرُ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ الْمُتَقَدِّمُ لِمَنْعِ التَّعْلِيقِ ضَعِيفٌ جِدًّا لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ نَزْعِ التَّمَائِمِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَنَحْوِهَا لِسَاعَةٍ ثُمَّ يُعَلِّقُهَا
وَالرَّاجِحُ فِي الْبَابِ أَنَّ تَرْكَ التَّعْلِيقِ أَفْضَلُ فِي كُلِّ حَالٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّعْلِيقِ الَّذِي جَوَّزَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِنَاءً عَلَى أَنْ يَكُونَ بِمَا ثَبَتَ لَا بِمَا لَمْ يَثْبُتْ لِأَنَّ التَّقْوَى لَهَا مَرَاتِبُ وَكَذَا فِي الْإِخْلَاصِ وَفَوْقَ كُلِّ رُتْبَةٍ فِي الدِّينِ رُتْبَةٌ أُخْرَى وَالْمُحَصِّلُونَ لَهَا أَقَلُّ وَلِهَذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ فِي حَقِّ السَّبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ
بِغَيْرِ حِسَابٍ أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ لَا يَرْقُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ مَعَ أَنَّ الرُّقَى جَائِزَةٌ وَرَدَتْ بِهَا الْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ
وَالْمُتَّقِي مَنْ يَتْرُكُ مَا لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ خَوْفًا مِمَّا فِيهِ بَأْسٌ
انْتَهَى كَلَامُهُ بِلَفْظِهِ
قَوْلُهُ (وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ إِنَّمَا نَعْرِفُهُ من حديث بن أَبِي لَيْلَى) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلَا وَدَعَ اللَّهُ لَهُ
قَال فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ رِجَالُهُمْ ثِقَاتٌ
٥ - (بَاب مَا جَاءَ فِي تَبْرِيدِ الْحُمَّى بِالْمَاءِ)
قَوْلُهُ [٢٠٧٣] (أَخْبَرَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ) اسْمُهُ سَلَامُ بْنُ سُلَيْمٍ الْحَنَفِيُّ مَوْلَاهُمُ الْكُوفِيُّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ) هُوَ وَالِدُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ (هُوَ عَبَايَةُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ تَحْتَانِيَّةٌ خَفِيفَةٌ (بْنُ رِفَاعَةَ) بِكَسْرِ رَاءٍ وَخِفَّةِ فَاءٍ وإهمال عين بن رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ الْأَنْصَارِيُّ الزُّرَقِيُّ كُنْيَتُهُ أَبُو رِفَاعَةَ الْمَدَنِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ) بِفَتْحِ مُعْجَمَةٍ وَكَسْرِ دَالٍ مهملة وبجيم بن رَافِعِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَوْسِيُّ الْأَنْصَارِيُّ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ أُحُدٌ ثُمَّ الْخَنْدَقُ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَابْنُهُ رِفَاعَةُ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ وَحَفِيدُهُ عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ وَغَيْرُهُمْ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَتَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ
قَوْلُهُ (الْحُمَّى فَوْرٌ مِنَ النَّارِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَبِالرَّاءِ وَفِي رِوَايَةٍ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ وَفِي أُخْرَى مِنْ فَوْحِ بِالْوَاوِ بَدَلِ التَّحْتَانِيَّةِ
قَالَ الْحَافِظُ كُلُّهَا بِمَعْنًى وَالْمُرَادُ سُطُوعُ حَرِّهَا وَوَهَجِهِ
وَاخْتُلِفَ فِي نِسْبَةِ الْحُمَّى إِلَى جَهَنَّمَ فَقِيلَ حَقِيقَةٌ وَاللَّهَبُ الْحَاصِلُ فِي جِسْمِ الْمَحْمُومِ قِطْعَةٌ مِنْ جَهَنَّمَ وَقَدَّرَ اللَّهُ ظُهُورَهَا بِأَسْبَابٍ تَقْتَضِيهَا لِيَعْتَبِرَ الْعِبَادُ بِذَلِكَ كَمَا أَنَّ أَنْوَاعَ الْفَرَحِ وَاللَّذَّةِ مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ أَظْهَرَهَا فِي هَذِهِ الدَّارِ عِبْرَةً وَدَلَالَةً وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَعَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَعَنِ بن مَسْعُودٍ فِي مُسْنَدِ الشِّهَابِ الْحُمَّى حَظُّ الْمُؤْمِنِ مِنَ النَّارِ وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْأَمْرِ بِالْإِبْرَادِ أَنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ وَأَنَّ اللَّهَ أَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ
وَقِيلَ بَلِ الْخَبَرُ وَرَدَ مَوْرِدَ التَّشْبِيهِ
وَالْمَعْنَى أَنَّ حَرَّ الْحُمَّى شَبِيهٌ بِحَرِّ جَهَنَّمَ تَنْبِيهًا لِلنُّفُوسِ عَلَى شِدَّةِ حَرِّ النَّارِ وَأَنَّ هَذِهِ الْحَرَارَةَ الشَّدِيدَةَ شَبِيهَةٌ بِفَيْحِهَا وَهُوَ مَا يُصِيبُ مَنْ قَرُبَ مِنْهَا مِنْ حَرِّهَا كَمَا قِيلَ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْإِبْرَادِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى انْتَهَى
قَوْلُهُ (فَابْرُدُوهَا) قَالَ الْحَافِظُ الْمَشْهُورُ فِي ضَبْطِهَا بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَالرَّاءُ مَضْمُومَةٌ وَحُكِيَ كَسْرُهَا يُقَالُ بَرَدْتُ الْحُمَّى أَبْرُدُهَا بَرْدًا بِوَزْنِ قَتَلْتُهَا أَقْتُلُهَا قَتْلًا أَيْ أَسْكَنْتُ حَرَارَتَهَا
قَالَ شَاعِرُ الْحَمَاسَةِ إِذَا وَجَدْتُ لَهِيبَ الْحُبِّ فِي كَبِدِي أَقْبَلْتُ نَحْوَ سِقَاءِ الْقَوْمِ أَبْتَرِدُ هَبْنِي بَرَدْتُ بِبَرْدِ الْمَاءِ ظاهره فمن لنار عَلَى الْأَحْشَاءِ تَتَّقِدُ وَحَكَى عِيَاضٌ رِوَايَةً بِهَمْزَةِ قَطْعٍ مَفْتُوحَةٍ وَكَسْرِ الرَّاءِ مِنْ أَبْرَدَ الشَّيْءَ إِذَا عَالَجَهُ فَصَيَّرَهُ بَارِدًا مِثْلَ أَسْخَنَهُ إِذَا صَيَّرَهُ سُخْنًا وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهَا الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ إِنَّهَا لُغَةٌ رَدِيئَةٌ انْتَهَى
وَوَقَعَ فِي حديث بن عُمَرَ فِي رِوَايَةٍ فَأَطْفِئُوهَا بِهَمْزَةِ قَطْعٍ ثُمَّ طَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ أَمْرٌ مِنَ الْإِطْفَاءِ
(بِالْمَاءِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ اعْتَرَضَ بَعْضُ سُخَفَاءِ الْأَطِبَّاءِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنْ قَالَ اغْتِسَالُ الْمَحْمُومِ بِالْمَاءِ خَطَرٌ يُقَرِّبُهُ مِنَ الْهَلَاكِ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الْمَسَامَّ وَيَحْقِنُ الْبُخَارَ وَيَعْكِسُ الْحَرَارَةَ إِلَى دَاخِلِ الْجِسْمِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلتَّلَفِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ غَلِطَ بَعْضُ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى الْعِلْمِ فَانْغَمَسَ فِي الْمَاءِ لَمَّا أَصَابَتْهُ الْحُمَّى فَاحْتَقَنَتِ الْحَرَارَةُ فِي بَاطِنِ بَدَنِهِ فَأَصَابَتْهُ عِلَّةٌ صَعْبَةٌ كَادَتْ تُهْلِكُهُ فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِلَّتِهِ قَالَ قَوْلًا سَيِّئًا لَا يَحْسُنُ ذِكْرُهُ وَإِنَّمَا أَوْقَعَهُ فِي ذَلِكَ جَهْلُهُ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ
وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْإِشْكَالَ صَدَرَ عَنْ صَدْرٍ مُرْتَابٍ فِي صِدْقِ الْخَبَرِ فَيُقَالُ لَهُ أَوَّلًا مِنْ أَيْنَ حَمَلْتَ الْأَمْرَ عَلَى الِاغْتِسَالِ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ بَيَانُ الْكَيْفِيَّةِ فَضْلًا عَنِ اخْتِصَاصِهَا بِالْغُسْلِ وَإِنَّمَا فِي الْحَدِيثِ الْإِرْشَادُ إِلَى تَبْرِيدِ الْحُمَّى بِالْمَاءِ فَإِنْ أَظْهَرَ الْوُجُودَ أَوِ اقْتَضَتْ صِنَاعَةُ الطِّبِّ أَنَّ انْغِمَاسَ كُلِّ مَحْمُومٍ فِي الْمَاءِ أَوْ صَبَّهُ إِيَّاهُ عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ يَضُرُّهُ فَلَيْسَ هُوَ الْمُرَادَ وَإِنَّمَا قَصَدَ ﷺ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ على وجه
يَنْفَعُ فَلْيَبْحَثْ عَنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ لِيَحْصُلَ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَهُوَ كَمَا وَقَعَ فِي أَمْرِهِ الْعَائِنَ بِالِاغْتِسَالِ وَأَطْلَقَ وَقَدْ ظَهَرَ مِنَ الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ مُطْلَقَ الِاغْتِسَالِ وَإِنَّمَا أَرَادَ الِاغْتِسَالَ عَلَى كَيْفِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ وَأَوْلَى مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ كَيْفِيَّةُ تَبْرِيدِ الْحُمَّى مَا صَنَعَتْهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ فَإِنَّهَا كَانَتْ تَرُشُّ عَلَى بَدَنِ الْمَحْمُومِ شَيْئًا مِنَ الْمَاءِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَثَوْبِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ النَّشْرَةِ الْمَأْذُونِ فِيهَا وَالصَّحَابِيُّ وَلَا سِيَّمَا مِثْلُ أَسْمَاءَ الَّتِي هِيَ مِمَّنْ كَانَ يُلَازِمُ بَيْتَ النَّبِيِّ ﷺ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ مِنْ غَيْرِهَا
قُلْتُ يَأْتِي لَفْظُ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا فِي هَذَا الْبَابِ
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ لَا شَكَّ أَنَّ عِلْمَ الطِّبِّ مِنْ أَكْثَرِ الْعُلُومِ احْتِيَاجًا إِلَى التَّفْصِيلِ حَتَّى إِنَّ الْمَرِيضَ يَكُونُ الشَّيْءُ دَوَاءَهُ فِي سَاعَةٍ ثُمَّ يَصِيرُ دَاءً لَهُ فِي السَّاعَةِ الَّتِي تَلِيهَا لِعَارِضٍ يَعْرِضُ لَهُ مِنْ غَضَبٍ يُحْمِي مِزَاجَهُ مَثَلًا فَيَتَغَيَّرُ عِلَاجُهُ وَمِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ
فَإِذَا فُرِضَ وُجُودُ الشِّفَاءِ لِشَخْصٍ بِشَيْءٍ فِي حَالَةٍ مَا لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ وُجُودُ الشِّفَاءِ بِهِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ
وَالْأَطِبَّاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْمَرَضَ الْوَاحِدَ يَخْتَلِفُ عِلَاجُهُ بِاخْتِلَافِ السِّنِّ وَالزَّمَانِ وَالْعَادَةِ وَالْغِذَاءِ الْمُتَقَدِّمِ وَالتَّأْثِيرِ الْمَأْلُوفِ وَقُوَّةِ الطِّبَاعِ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ
قَالُوا وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَرِدَ التَّصْرِيحُ بِالِاغْتِسَالِ فِي جَمِيعِ الْجَسَدِ فَيُجَابُ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّهُ يَقَعُ بَعْدَ إِقْلَاعِ الْحُمَّى وَهُوَ بَعِيدٌ
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ فَيَكُونُ مِنَ الْخَوَاصِّ الَّتِي اطَّلَعَ ﷺ عَلَيْهَا بِالْوَحْيِ وَيَضْمَحِلُّ عِنْدَ ذَلِكَ جَمِيعُ كَلَامِ أَهْلِ الطِّبِّ
وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ مَرْفُوعًا إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمُ الْحُمَّى فَإِنَّ الْحُمَّى قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيُطْفِئْهَا عَنْهُ بِالْمَاءِ فَلْيَسْتَنْقِعْ فِي نَهْرٍ جَارٍ فَلْيَسْتَقْبِلْ جِرْيَتَهُ الْحَدِيثَ وَفِيهِ وَلْيَغْمِسْ فِيهِ ثَلَاثَ غَمَسَاتٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي ثَلَاثٍ فَخَمْسٌ فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي خَمْسٍ فَسَبْعٌ فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي سَبْعٍ فَتِسْعٌ فَإِنَّهَا لَا تَكَادُ تُجَاوِزُ تِسْعًا بِإِذْنِ اللَّهِ
قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِبَعْضِ الْحُمَّيَاتِ دُونَ بَعْضٍ فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ دُونَ بَعْضٍ لِبَعْضِ الْأَشْخَاصِ دُونَ بَعْضٍ وَهَذَا أَوْجَهُ فَإِنَّ خِطَابَهُ ﷺ قَدْ يَكُونُ عَامًّا وَهُوَ الْأَكْثَرُ وَقَدْ يَكُونُ خَاصًّا كَمَا قَالَ لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا فَقَوْلُهُ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا لَيْسَ عَامًّا لِجَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ بَلْ هُوَ خَاصٌّ لِمَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ وَعَلَى سَمْتِهَا فَكَذَلِكَ هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِأَهْلِ الْحِجَازِ وَمَا وَالَاهُمْ إِذْ كَانَ أَكْثَرُ الْحُمَّيَاتِ الَّتِي تَعْرِضُ لَهُمْ مِنَ الْعَرَضِيَّةِ الْحَادِثَةِ عَنْ شِدَّةِ الْحَرَارَةِ وَهَذِهِ يَنْفَعُهَا الْمَاءُ الْبَارِدُ شُرْبًا وَاغْتِسَالًا لِأَنَّ الْحُمَّى حَرَارَةٌ غَرِيبَةٌ تَشْتَعِلُ فِي الْقَلْبِ وَتَنْتَشِرُ مِنْهُ بِتَوَسُّطِ الرُّوحِ وَالدَّمِ فِي الْعُرُوقِ إِلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ وَهِيَ قِسْمَانِ عَرَضِيَّةٌ وَهِيَ الْحَادِثَةُ عَنْ وَرَمٍ أَوْ حَرَكَةٍ أَوْ إِصَابَةِ حَرَارَةِ الشَّمْسِ أَوِ الْقَيْظِ الشَّدِيدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَمَرَضِيَّةٌ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ وَتَكُونُ عَنْ مَادَّةٍ ثُمَّ مِنْهَا مَا يُسْخِنُ جَمِيعَ الْبَدَنِ فَإِنْ كَانَ مَبْدَأُ تَعَلُّقِهَا بِالرُّوحِ فَهِيَ حُمَّى يَوْمٍ لِأَنَّهَا تَقَعُ غَالِبًا فِي يَوْمٍ وَنِهَايَتُهَا إِلَى ثَلَاثٍ وَإِنْ
كَانَ تَعَلُّقُهَا بِالْأَعْضَاءِ الْأَصْلِيَّةِ فَهِيَ حُمَّى دَقٍّ وَهِيَ أَخْطَرُهَا وَإِنْ كَانَ تَعَلُّقُهَا بِالْأَخْلَاطِ سُمِّيَتْ عَفَنِيَّةً وَهِيَ بِعَدَدِ الْأَخْلَاطِ الْأَرْبَعَةِ
وَتَحْتَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ أَصْنَافٌ كَثِيرَةٌ بِسَبَبِ الْإِفْرَادِ وَالتَّرْكِيبِ
وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ النَّوْعَ الْأَوَّلَ فَإِنَّهَا تَسْكُنُ بِالِانْغِمَاسِ فِي الْمَاءِ الْبَارِدِ وَشُرْبِ الْمَاءِ الْمُبَرَّدِ بِالثَّلْجِ وَبِغَيْرِهِ وَلَا يَحْتَاجُ صَاحِبُهَا إِلَى عِلَاجٍ آخَرَ
وَقَدْ قَالَ جَالِينُوسُ فِي كِتَابِ حِيلَةِ الْبُرْءِ لَوْ أَنَّ شَابًّا حَسَنَ اللَّحْمِ خِصْبَ الْبَدَنِ لَيْسَ فِي أَحْشَائِهِ وَرَمٌ اسْتَحَمَّ بِمَاءٍ بَارِدٍ أَوْ سَبَحَ فِيهِ وَقْتَ الْقَيْظِ عِنْدَ مُنْتَهَى الْحُمَّى لَانْتَفَعَ بِذَلِكَ
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ إِذَا كَانَتِ القوى قوية والحمى حادة والنضج بين وَلَا وَرَمَ فِي الْجَوْفِ وَلَا فَتْقَ فَإِنَّ الْمَاءَ الْبَارِدَ يَنْفَعُ شُرْبُهُ فَإِنْ كَانَ الْعَلِيلُ خصب البدن والزمان حار أَوْ كَانَ مُعْتَادًا بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْبَارِدِ اغْتِسَالًا فليؤذن له فيه
وقد نزل بن الْقَيِّمِ حَدِيثَ ثَوْبَانَ عَلَى هَذِهِ الْقُيُودِ فَقَالَ هَذِهِ الصِّفَةُ تَنْفَعُ فِي فَصْلِ الصَّيْفِ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ فِي الْحُمَّى الْعَرَضِيَّةِ أَوِ الْغِبِّ الْخَالِصَةِ الَّتِي لَا وَرَمَ مَعَهَا وَلَا شَيْءَ مِنَ الْأَعْرَاضِ الرَّدِيئَةِ وَالْمَوَادِّ الْفَاسِدَةِ فَيُطْفِئُهَا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِنَّ الْمَاءَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَبْرَدُ مَا يَكُونُ لِبُعْدِهِ عَنْ مُلَاقَاةِ الشَّمْسِ وَوُفُورِ الْقُوَى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِكَوْنِهِ عَقِبَ النَّوْمِ وَالسُّكُونِ وَبَرْدِ الْهَوَاءِ
قَالَ وَالْأَيَّامُ الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا هِيَ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا بُحْرَانُ الْأَمْرَاضُ الْحَادَّةُ غَالِبًا وَلَا سِيَّمَا فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ
تنبيه قال بن الْقَيِّمِ قَوْلُهُ بِالْمَاءِ فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كُلُّ مَاءٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَالثَّانِي أَنَّهُ مَاءُ زَمْزَمَ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ نَضْرِ بن عمران الضبعي قال كنت أجالس بن عَبَّاسٍ بِمَكَّةَ فَأَخَذَتْنِي الْحُمَّى فَقَالَ ابْرُدْهَا عَنْكَ بِمَاءِ زَمْزَمَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ أَوْ قَالَ بِمَاءِ زَمْزَمَ رَاوِي هَذَا قَدْ شَكَّ فِيهِ وَلَوْ جَزَمَ بِهِ لَكَانَ أَمْرًا لِأَهْلِ مَكَّةَ بِمَاءِ زَمْزَمَ إِذْ هُوَ مُتَيَسِّرٌ عِنْدَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْمَاءِ
ثُمَّ اخْتَلَفَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ عَلَى عُمُومِهِ هَلِ الْمُرَادُ بِهِ الصَّدَقَةُ بِالْمَاءِ أَوِ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى قَوْلَيْنِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ اسْتِعْمَالُهُ وَأَظُنُّ أَنَّ الَّذِي حَمَلَ مَنْ قَالَ الْمُرَادُ الصَّدَقَةُ بِهِ أَنَّهُ أُشْكِلَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الْبَارِدِ فِي الْحُمَّى وَلَمْ يَفْهَمْ وَجْهَهُ مَعَ أَنَّ لِقَوْلِهِ وَجْهًا حَسَنًا وَهُوَ أَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ فَكَمَا أُخْمِدَ لَهِيبُ الْعَطَشِ عَنِ الظَّمْآنِ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ أَخْمَدَ اللَّهُ لَهِيبَ الْحُمَّى عَنْهُ جَزَاءً وِفَاقًا
وَلَكِنْ يُؤْخَذُ هَذَا مِنْ فِقْهِ الْحَدِيثِ وَإِشَارَتِهِ وَأَمَّا الْمُرَادُ بِهِ فَاسْتِعْمَالُهُ انْتَهَى
وَحَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ هَذَا أخرجه أيضا أحمد والشيخان والنسائي وبن مَاجَهْ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بكر وبن عمر وبن عَبَّاسٍ وَامْرَأَةِ الزُّبَيْرِ وَعَائِشَةَ) أَمَّا
حَدِيثُ أَسْمَاءَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ
وَأَمَّا حَدِيثُ بن عمر فأخرجه أحمد والشيخان والنسائي وبن ماجة
وأما حديث بن عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُهُ
وَأَمَّا حَدِيثُ امْرَأَةِ الزُّبَيْرِ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ
وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا
قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) هُوَ الْكِلَابِيُّ
قَوْلُهُ [٢٠٧٤] (إِنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) الْفَيْحُ سُطُوعُ الْحَرِّ وَفَوَرَانُهُ وَيُقَالُ بِالْوَاوِ وَفَاحَتِ الْقِدْرُ تَفِيحُ وَتَفُوحُ إِذَا غَلَتْ كَذَا فِي النِّهَايَةِ
قَوْلُهُ (عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ) بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ الْأَسَدِيَّةِ زَوْجَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ رَوَتْ عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهَا وَعَنْهَا زَوْجُهَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ وَغَيْرُهُ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَتَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيقِ زَوْجِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَكَانَتْ تُسَمَّى ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ
قَوْلُهُ (وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ كَلَامٌ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا) رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ فَاطِمَةَ عَنْ أَسْمَاءَ هَذَا الْحَدِيثَ مُطَوَّلًا وَلَفْظُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُؤْتَى بِالْمَرْأَةِ الْمَوْعُوكَةِ فَتَدْعُو بِالْمَاءِ فَتَصُبُّهُ فِي جَيْبِهَا وَتَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ وَقَالَ إِنَّهَا مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ
فَأَشَارَ التِّرْمِذِيُّ بِقَوْلِهِ وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ كَلَامٌ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا إِلَى مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الزِّيَادَةِ (وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ) أَخْرَجَهُمَا الشَّيْخَانِ
٦ - قَوْلُهُ [٢٠٧٥] (حَدَّثَنَا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة) الأنصاري الْأَشْهَلِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ ضَعِيفٌ مِنَ السَّابِعَةِ (عَنْ دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ) الْأُمَوِيِّ مَوْلَاهُمْ أَبُو سُلَيْمَانَ الْمَدَنِيُّ ثِقَةٌ إِلَّا فِي
عِكْرِمَةَ وَرُمِيَ بِرَأْيِ الْخَوَارِجِ مِنَ السَّادِسَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ
قَوْلُهُ (كَانَ يُعَلِّمُهُمْ مِنَ الْحُمَّى) أَيْ مِنْ أَجْلِهَا (أَنْ يَقُولَ) أَيِ الْمَرِيضُ أَوْ عَائِدُهُ (مِنْ شَرِّ كُلِّ عِرْقٍ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ مُنَوَّنًا (نَعَّارٍ) بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ فَوَّارِ الدَّمِ يُقَالُ نَعَرَ الْعِرْقُ يَنْعَرُ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا إِذَا فَارَ مِنْهُ الدَّمُ اسْتَعَاذَ مِنْهُ لِأَنَّهُ إِذَا غَلَبَ لَمْ يُمْهِلْ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ نَعَرَ الْعِرْقُ بِالدَّمِ إِذَا ارْتَفَعَ وَعَلَا وَجُرْحٌ نَعَّارٌ وَنَعُورُ إِذَا صَوَّتَ دَمُهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أحمد وبن أبي شيبة وبن ماجة وبن أبي الدنيا وبن السُّنِّيِّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (وَيُرْوَى عرق يعار) رواه بن مَاجَهْ ضَبْطُ يَعَّارٍ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ بِفَتْحِ التحتية وتشديدالعين الْمُهْمَلَةِ وَمَعْنَاهُ صَوَّاتٌ
قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ يقال يعرت العنز يتعر بِالْكَسْرِ يُعَارًا بِالضَّمِّ أَيْ صَاحَتْ انْتَهَى
وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ يُعَارُّ بِضَمِّ الْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مِنَ الْعَرَارَةِ وَهِيَ الشِّدَّةُ وَسُوءُ الْخُلُقِ وَمِنْهُ إِذَا اسْتَعَرَ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْغَنَمِ أَيْ نَدَّ وَاسْتَعْصَى وَأَمَّا يَعَّارٍ فَلَمْ تَجِدْ لَهُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ مَعْنًى يُنَاسِبُ هَذَا الْمَقَامَ انْتَهَى فَمِمَّا لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ
٧ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الْغِيلَةِ)
قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ الْغِيلَةُ بِالْكَسْرِ الِاسْمُ مِنَ الْغَيْلِ بِالْفَتْحِ وَهُوَ أَنْ يُجَامِعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَهِيَ مُرْضِعٌ وَكَذَلِكَ إِذَا حَمَلَتْ وَهِيَ مُرْضِعٌ وَقِيلَ يُقَالُ فِيهِ الْغِيلَةُ وَالْغَيْلَةُ بِمَعْنًى وَقِيلَ الْكَسْرُ لِلِاسْمِ وَالْفَتْحُ لِلْمَرَّةِ وَقِيلَ لَا يَصِحُّ الْفَتْحُ إِلَّا مَعَ حَذْفِ الْهَاءِ وَقَدْ أَغَالَ الرَّجُلُ وَأُغِيلَ وَالْوَلَدُ مُغَالٌ وَمُغِيلٌ وَاللَّبَنُ الذي يشر به الولد يقال له الغيل أيضا انتهى
قوله [٢٠٧٦] (أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ) هُوَ الْبَجَلِيُّ أَبُو زكريا السيلحيني (حدثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ)
هُوَ الْغَافِقِيُّ الْمِصْرِيُّ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ) الأَسَدِيِّ الْمَدَنِيِّ يَتِيمُ عُرْوَةَ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ (عَنْ عَائِشَةَ) أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا (عَنْ بِنْتِ وَهْبٍ وَهِيَ جُدَامَةُ) بِمَضْمُومَةٍ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ
قَالَ فِي التَّقْرِيبِ جُدَامَةُ بِنْتُ وَهْبٍ وَيُقَالُ جُنْدُلُ الأَسَدِيَّةُ أُخْتُ عُكَاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ لِأُمِّهِ صَحَابِيَّةٌ لَهَا سَابِقَةٌ وَهِجْرَةٌ
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ مَنْ قَالَهَا بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ صَحَّفَ انْتَهَى
وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهَا رَوَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي النَّهْيِ عَنِ الْغِيلَةِ
رَوَتْ عَنْهَا عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى
قَوْلُهُ (أَرَدْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيَالِ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ الْغَيْلَةُ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْغِيلَةُ ها هنا بِكَسْرِ الْغَيْنِ وَيُقَالُ لَهَا الْغَيْلُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ مَعَ حَذْفِ الْهَاءِ وَالْغِيَالُ بِكَسْرِ الْغَيْنِ
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ الْغَيْلَةُ بِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ وَأَمَّا بِالْكَسْرِ فَهِيَ الِاسْمُ مِنَ الْغَيْلِ
وَقِيلَ إِنْ أُرِيدَ بِهَا وَطْءَ الْمُرْضِعِ جَاءَ الْغَيْلَةُ وَالْغَيْلَةُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْغَيْلَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهِيَ الْغَيْلُ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ هِيَ أَنْ يُجَامِعَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ مُرْضِعٌ يُقَالُ مِنْهُ أَغَالَ الرَّجُلُ وَأُغِيلَ إِذَا فعل ذلك
وقال بن السِّكِّيتِ هُوَ أَنْ تُرْضِعَ الْمَرْأَةُ وَهِيَ حَامِلٌ يقال منه غالت وأغليت
قَالَ الْعُلَمَاءُ سَبَبُ هَمِّهِ ﷺ بِالنَّهْيِ عَنْهَا أَنَّهُ يُخَافُ مِنْهُ ضَرَرُ الْوَلَدِ الرَّضِيعِ قَالُوا وَالأَطِبَّاءُ يَقُولُونَ إِنَّ ذَلِكَ اللَّبَنَ دَاءٌ وَالْعَرَبُ تَكْرَهُهُ وَتَتَّقِيهِ (فَإِذَا فَارِسُ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَعَدَمِ الصَّرْفِ (يَفْعَلُونَ) أَيِ الْغِيَالَ (وَلَا يَقْتُلُونَ أَوْلَادَهُمْ) وَفِي الرِّوَايَةِ الآتِيَةِ وَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ
قَالَ الْقَاضِي كَانَ الْعَرَبُ يَحْتَرِزُونَ عَنِ الْغَيْلَةِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا تَضُرُّ الْوَلَدَ وَكَانَ ذَلِكَ مِنَ الْمَشْهُورَاتِ الذَّائِعَةِ عِنْدَهُمْ فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَنْهى عَنْهَا لِذَلِكَ فَرَأَى أَنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَلَا يُبَالُونَ بِهِ ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَعُودُ عَلَى أَوْلَادِهِمْ بِضَرَرٍ فَلَمْ يَنْهَ انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْغَيْلَةِ فَإِنَّهُ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا وَبَيَّنَ سبب ترك النهي
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهَا قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ سِرًّا فَإِنَّ الْغَيْلَ يُدْرِكُ الْفَارِسَ فيدعثره عن فرسه وسكت عنه هو المنذري وأخرجه أيضا بن مَاجَهْ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ وأحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وبن ماجة
(وَقَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ) اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ
قَوْلُهُ [٢٠٧٧] (حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ) بْنِ عِيسَى بْنِ وَرْدَانَ الْعَسْقَلَانِيُّ مِنْ عَسْقَلَانَ بَلَخَ ثِقَةٌ يَقْرُبُ من الحادية عشرة (حدثنا بن وَهْبٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبِ بْنِ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ الْفَقِيهُ ثِقَةٌ حَافِظٌ عَابِدٌ مِنَ التَّاسِعَةِ (عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ) وَوَقَعَ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ بِزِيَادَةِ الْوَاوِ بَيْنَ أَبِي الْأَسْوَدِ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ غَلَطٌ
قَوْلُهُ (لَقَدْ هَمَمْتُ) أَيْ قَصَدْتُ (حَتَّى ذُكِّرْتُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (يَصْنَعُونَ ذَلِكَ) أَيِ الْغِيلَةَ (وَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ
وَفِي حَدِيثِ جُدَامَةَ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْغِيلَةِ وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ الْمَذْكُورُ يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَجْهِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا
فَقَالَ الطِّيبِيُّ نَفْيُهُ لِأَثَرِ الْغَيْلِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ يَعْنِي حَدِيثَ جُدَامَةَ كَانَ إِبْطَالًا لِاعْتِقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ كَوْنِهِ مُؤَثِّرًا وَإِثْبَاتُهُ لَهُ هنايعني فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ لِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي الْجُمْلَةِ مَعَ كَوْنِ الْمُؤَثِّرِ الْحَقِيقِيِّ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى انْتَهَى
وَقِيلَ النَّهْيُ فِي قَوْلِهِ لَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ سِرًّا فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ لِلتَّنْزِيهِ وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى فِي حَدِيثِ جُدَامَةَ عَلَى التَّحْرِيمِ فَلَا مُنَافَاةَ
وَقَالَ السِّنْدِيُّ حَدِيثُ أَسْمَاءَ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَالَ عَلَى زَعْمِ الْعَرَبِ قَبْلَ حَدِيثِ جُدَامَةَ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ فَأَذِنَ بِهِ كَمَا فِي رِوَايَةِ جُدَامَةَ وَهَذَا بَعِيدٌ لِأَنَّ مُفَادَ حَدِيثِ جُدَامَةَ أَنَّهُ أَرَادَ النَّهْيَ وَلَمْ يَنْهَ وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ فِيهِ نَهْيٌ فَكَيْفَ يَكُونُ حَدِيثُ أَسْمَاءَ قَبْلَ حَدِيثِ جُدَامَةَ
وَأَيْضًا لَوْ كَانَ عَلَى زَعْمِ الْعَرَبِ لَمَا اسْتُحْسِنَ الْقَسَمُ بِاللَّهِ كَمَا عِنْدَ بن مَاجَهْ فَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْهُ بَعْدَ حَدِيثِ جُدَامَةَ حَيْثُ حُقِّقَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ إِلَّا أَنَّ الضَّرَرَ قَدْ يَخْفَى إِلَى الْكِبَرِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى) بْنِ نَجِيحٍ الْبَغْدَادِيُّ أَبُو يَعْقُوبَ بْنُ الطَّبَّاعِ سَكَنَ أَذَنَةَ صَدُوقٌ مِنَ التَّاسِعَةِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ
٨ - (بَاب مَا جَاءَ فِي دَوَاءِ ذَاتِ الْجَنْبِ)
قَوْلُهُ [٢٠٧٨] (كَانَ يَنْعَتُ الزَّيْتَ وَالْوَرْسَ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ) أَيْ يَمْدَحُ التَّدَاوِي بِهِمَا لِذَاتِ الْجَنْبِ
قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ اللُّغَوِيُّ الْوَرْسُ يُزْرَعُ زَرْعًا وَلَيْسَ بِبَرِّيٍّ وَلَسْتُ أَعْرِفُهُ بِغَيْرِ أَرْضِ الْعَرَبِ لَا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ بِغَيْرِ بِلَادِ الْيَمَنِ وَقُوَّتُهُ فِي الْحَرَارَةِ وَالْيُبُوسَةِ فِي أَوَّلِ الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ وَأَجْوَدُهُ الْأَحْمَرُ اللَّيِّنُ الْقَلِيلُ النُّخَالَةُ يَنْفَعُ مِنَ الْكَلَفِ وَالْحَكَّةِ وَالْبُثُورِ الْكَائِنَةِ مِنْ سَطْحِ الْبَدَنِ إِذَا طُلِيَ بِهِ وَلَهُ قُوَّةٌ قَابِضَةٌ صَابِغَةٌ وَإِذَا شُرِبَ نَفَعَ مِنَ الْوَضَحِ وَمِقْدَارُ الشَّرْبَةِ مِنْهُ وَزْنُ دِرْهَمٍ وَهُوَ فِي مِزَاجِهِ وَمَنَافِعِهِ قَرِيبٌ مِنْ مَنَافِعِ الْقِسْطِ الْبَحْرِيِّ وَإِذَا لَطَّخَ بِهِ عَلَى الْبَهَقِ وَالْحَكَّةِ وَالْبُثُورِ وَالسَّفْعَةِ نَفَعَ مِنْهَا وَالثَّوْبُ الْمَصْبُوغُ بِالْوَرْدِ يُقَوِّي عَلَى الْبَاهِ انْتَهَى
(وَيُلَدُّ) أَيْ يُلْقَى فِي الْفَمِ (مِنَ الْجَانِبِ الَّذِي يَشْتَكِيهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ اللَّدُودُ مَا يُسْقَى الْإِنْسَانُ فِي أَحَدِ شِقَّيِ الْفَمِ أُخِذَ مِنْ لَدِيدَيِ الْوَادِي وَهُمَا جَانِبَاهُ وَأَمَّا الْوَجُودُ فَهُوَ فِي وَسَطِ الْفَمِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ بِلَفْظِ نَعَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ وَرْسًا وَقِسْطًا وَزَيْتًا يُلَدُّ بِهِ (وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ اسْمُهُ مَيْمُونٌ هُوَ شَيْخٌ بَصْرِيٌّ) قَالَ فِي
التَّقْرِيبِ مَيْمُونٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ مَوْلَى بن سمرة ضعيف وقيل اسم أبيه استاد وفرق بينهما بن أَبِي حَاتِمٍ مِنَ الرَّابِعَةِ
قَوْلُهُ [٢٠٧٩] (حَدَّثَنَا رَجَاءُ بْنُ مُحَمَّدِ) بْنِ رَجَاءٍ (الْعُذْرِيُّ) بِضَمِّ عَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَسُكُونِ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ الْبَصْرِيُّ السَّقْطِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ وَوَقَعَ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ الْعَدَوِيُّ بِفَتْحِ عَيْنٍ وَدَالٍ مُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ غَلَطٌ (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي رَزِينٍ) بِفَتْحِ رَاءٍ وَكَسْرِ زَايٍ وَسُكُونِ يَاءٍ وَبِنُونٍ الْخُزَاعِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو عُثْمَانَ الْبَصْرِيُّ صَدُوقٌ رُبَّمَا أَخْطَأَ مِنَ التَّاسِعَةِ
قَوْلُهُ (أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَتَدَاوَى مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ بِالْقُسْطِ الْبَحْرِيِّ والزيت) قال الحافظ بن الْقَيِّمِ ذَاتُ الْجَنْبِ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ نَوْعَانِ حَقِيقِيٌّ وَغَيْرُ حَقِيقِيٍّ فَالْحَقِيقِيُّ وَرَمٌ حَارٌّ يَعْرِضُ فِي نَوَاحِي الْجَنْبِ فِي الْغِشَاءِ الْمُسْتَبْطِنِ لِلْأَضْلَاعِ وَغَيْرُ الْحَقِيقِيِّ أَلَمٌ يُشْبِهُهُ يَعْرِضُ فِي نَوَاحِي الْجَنْبِ عَنْ رِيَاحٍ غَلِيظَةٍ مُؤْذِيَةٍ تَحْتَقِنُ بَيْنَ الصَّفَاقَاتِ فَتُحْدِثُ وَجَعًا قَرِيبًا مِنْ وَجَعِ ذَاتِ الْجَنْبِ الْحَقِيقِيِّ إِلَّا أَنَّ الْوَجَعَ فِي هَذَا الْقِسْمِ مَمْدُودٌ وَفِي الْحَقِيقِيِّ نَاخِسٌ قَالَ وَيَلْزَمُ ذَاتِ الْجَنْبِ الْحَقِيقِيِّ خَمْسَةُ أَعْرَاضٍ وَهِيَ الْحُمَّى وَالسُّعَالُ وَالْوَجَعُ النَّاخِسُ وَضِيقُ النَّفَسِ وَالنَّبْضُ الْمِنْشَارِيُّ وَالْعِلَاجُ الْمَوْجُودُ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ هُوَ لِهَذَا الْقِسْمِ لَكِنْ لِلْقِسْمِ الثَّانِي الْكَائِنِ عَنِ الرِّيحِ الْغَلِيظَةِ فَإِنَّ الْقُسْطَ الْبَحْرِيَّ وَهُوَ الْعُودُ الْهِنْدِيُّ عَلَى مَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي أَحَادِيثَ أُخَرِ صِنْفٍ مِنَ الْقُسْطِ إِذَا دُقَّ دَقًّا نَاعِمًا وَخُلِطَ بِالزَّيْتِ الْمُسَخَّنِ وَدُلِّكَ بِهِ مَكَانَ الرِّيحِ الْمَذْكُورِ أَوْ لُعِقَ كَانَ دَوَاءً مُوَافِقًا لِذَلِكَ نَافِعًا لَهُ مُحَلِّلًا لِمَادَّتِهِ مُذْهِبًا لَهَا مُقَوِّيًا لِلْأَعْضَاءِ الْبَاطِنَةِ مُفَتِّحًا لِلسُّدَدِ وَالْعُودُ الْمَذْكُورَةُ فِي مَنَافِعِهِ كَذَلِكَ
قَالَ الْمَسِيحِيُّ الْعُودُ حَارٌّ يَابِسٌ قَابِضٌ يَحْبِسُ الْبَطْنَ وَيُقَوِّي الْأَعْضَاءَ الْبَاطِنَةَ وَيَطْرُدُ الرِّيحَ وَيَفْتَحُ السُّدُدَ نَافِعٌ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ وَيُذْهِبُ فَضْلَ الرُّطُوبَةِ
وَالْعُودُ الْمَذْكُورُ جَيِّدٌ لِلدِّمَاغِ قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ يَنْفَعَ الْقُسْطَ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ الْحَقِيقِيَّةِ أَيْضًا إِذَا كَانَ حُدُوثُهَا عَنْ مَادَّةٍ بَلْغَمِيَّةٍ لَا سِيَّمَا فِي وَقْتِ انْحِطَاطِ الْعِلَّةِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ بِلَفْظِ تَدَاوَوْا مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ
بِالْقِسْطِ الْبَحْرِيِّ وَالزَّيْتِ الْمُسَخَّنِ (وَذَاتُ الْجَنْبِ يَعْنِي السِّلَّ) كَذَا فَسَّرَ التِّرْمِذِيُّ ذَاتَ الْجَنْبِ بِالسِّلِّ
وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ ذَاتُ الْجَنْبِ هِيَ الدُّبَيْلَةُ وَالدُّمَّلُ الْكَبِيرَةُ الَّتِي تَظْهَرُ فِي بَاطِنِ الجنب وتنفجر إِلَى دَاخِلٍ وَقَلَّمَا يَسْلَمُ صَاحِبُهَا
وَذُو الْجَنْبِ الَّذِي يَشْتَكِي جَنْبَهُ بِسَبَبِ الدُّبَيْلَةِ إِلَّا أَنَّ ذُو لِلْمُذَكَّرِ وَذَاتِ لِلْمُؤَنَّثِ وَصَارَتْ ذَاتُ الْجَنْبِ عَلَمًا لَهَا وَإِنْ كَانَتْ فِي الْأَصْلِ صِفَةً مُضَافَةً
وَالْمَجْنُوبُ الَّذِي أَخَذَتْهُ ذَاتُ الْجَنْبِ وَقِيلَ أَرَادَ بِالْمَجْنُوبِ الَّذِي يَشْتَكِي جَنْبَهُ مُطْلَقًا انْتَهَى
وقد عرفت ما ذكره بن الْقَيِّمِ فِي تَفْسِيرِ ذَاتِ الْجَنْبِ وَأَمَّا تَفْسِيرُهَا بِالسِّلِّ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا فَسَّرَهَا بِهِ غَيْرَ التِّرْمِذِيِّ
وَالسِّلُّ بِكَسْرِ السِّينِ وَشِدَّةِ اللَّامِ فِي اللُّغَةِ الْهُزَالُ وَفِي الطِّبِّ قُرْحَةٌ فِي الرِّئَةِ وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمَرَضُ بِهِ لِأَنَّ مِنْ لَوَازِمِهِ هُزَالَ الْبَدَنِ
وَلَمَّا كَانَتِ الْحُمَّى الدَّقِّيَّةُ لَازِمَةٌ لِهَذِهِ الْقُرْحَةِ ذَكَرَ الْقُرَشِيُّ أَنَّ السِّلَّ قُرْحَةُ الرِّئَةِ مَعَ الدَّقِّ وَعَدَّهُ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْمُرَكَّبَةِ كَذَا قَالَ النَّفِيسُ
وَقَالَ الْقُرَشِيُّ فِي شَرْحِ الْفُصُولِ يُقَالُ السِّلُّ لِحُمَّى الدَّقِّ وَلِدَقِّ الشَّيْخُوخَةِ وَلِقُرْحَةِ الرِّئَةِ
٩ - قَوْلُهُ [٢٠٨٠] (عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ) هُوَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُصَيْفَةَ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُصَيْفَةَ بِضَمِّ مُعْجَمَةٍ وَفَتْحِ صَادٍ مُهْمَلَةٍ وبفاء مصغرا بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْكِنْدِيُّ الْمَدَنِيُّ وَقَدْ يُنْسَبُ لِجَدِّهِ ثِقَةٌ مِنَ الْخَامِسَةِ (عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ) بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ السُّلَمِيِّ الْمَدَنِيِّ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ قَالَهُ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ
وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ رَوَى عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ وَعَنْهُ يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ رَوَى لَهُ الْأَرْبَعَةُ حَدِيثًا وَاحِدًا وَهُوَ حَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ فِي الدُّعَاءِ انْتَهَى (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ) الثَّقَفِيِّ الطَّائِفِيِّ صَحَابِيٌّ شَهِيرٌ اسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الطَّائِفِ وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بِالْبَصْرَةِ
قَوْلُهُ (قَالَ أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبِي وَجَعٌ قَدْ كَادَ يُهْلِكُنِي) وَلِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ
عَنْ نَافِعٍ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ (امْسَحْ) أَيْ مَوْضِعَ الْوَجَعِ (بِيَمِينِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ)
وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَقَالَ لَهُ ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي يَأْلَمُ مِنْ جَسَدِكَ
وَلِلطَّبَرَانِيِّ وَالْحَاكِمِ ضَعْ يَمِينَكَ عَلَى الْمَكَانِ الَّذِي تَشْتَكِي فَامْسَحْ بِهَا سَبْعَ مَرَّاتٍ (وَقُلْ أَعُوذَ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ ثَلَاثًا وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ
وَلِلتِّرْمِذِيِّ فِي الدَّعَوَاتِ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ قَالَ لِي ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ يَا مُحَمَّدُ إِذَا اشْتَكَيْتَ فَضَعْ يَدَكَ حَيْثُ تَشْتَكِي ثُمَّ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ مِنْ وَجَعِي ثُمَّ ارْفَعْ يَدَكَ ثُمَّ أَعِدْ ذَلِكَ وِتْرًا قَالَ فَإِنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهُ بِذَلِكَ (قَالَ) أَيْ عُثْمَانُ (فَفَعَلْتُ) أَيْ مَا قَالَ لِي (فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ بِي) أَيْ مِنَ الْوَجَعِ (فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهِ أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ) لِأَنَّهُ مِنَ الْأَدْوِيَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالطِّبِّ النَّبَوِيِّ لِمَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالتَّفْوِيضِ إِلَيْهِ وَالِاسْتِعَاذَةِ بِعِزَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَتَكْرَارُهُ يَكُونُ أَنْجَحَ وَأَبْلَغَ كَتَكْرَارِ الدَّوَاءِ الطَّبِيعِيِّ لِاسْتِقْصَاءِ إِخْرَاجِ الْمَادَّةِ وَفِي السَّبْعِ خَاصِّيَّةٌ لَا توجد في غيرها
قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وبن ماجة
٠ - (بَابُ مَا جَاءَ فِي السَّنَا)
سَقَطَ هَذَا الْبَابُ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ
قَوْلُهُ [٢٠٨١] (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ) بْنِ عُثْمَانَ الْبُرْسَانِيُّ أَبُو عُثْمَانَ البصري صدوق يخطىء مِنَ التَّاسِعَةِ (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرِ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيُّ صَدُوقٌ رُمِيَ بِالْقَدَرِ وَرُبَّمَا وَهِمَ مِنَ السَّادِسَةِ (حَدَّثَنِي عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أَوِ بن عُبَيْدِ اللَّهِ وَيُقَالُ اسْمُهُ زُرْعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَجْهُولٌ مِنَ السَّادِسَةِ
قَوْلُهُ (بِمَا تَسْتَمْشِينَ) أَيْ بِأَيِّ دَوَاءٍ تَسْتَطْلِقِينَ بَطْنَكِ حَتَّى يَمْشِيَ وَلَا يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْوَاقِفِ فَيُؤْذِي بِاحْتِبَاسِ النَّجْوِ وَلِهَذَا سُمِّيَ الدَّوَاءُ الْمُسَهِّلُ مَشِيًّا عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ وَقِيلَ لِأَنَّ الْمَسْهُولَ يُكْثِرُ الْمَشْيَ وَالِاخْتِلَافَ لِلْحَاجَةِ
وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ أَيْ بِمَا تُسَهِّلِينَ بَطْنَكِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الْمَشْيَ الَّذِي يَعْرِضُ عِنْدَ شُرْبِ الدَّوَاءِ إِلَى الْمَخْرَجِ انْتَهَى
(قَالَتْ بِالشُّبْرُمِ) بِضَمِّ شِينٍ مُعْجَمَةٍ فَسُكُونِ مُوَحَّدَةٍ وَرَاءٍ مَضْمُومَةٍ وَهُوَ من جملة الأدوية اليتوعية وَهُوَ قِشْرُ عِرْقِ شَجَرَةٍ وَهُوَ حَارٌّ يَابِسٌ فِي الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ وَأَجْوَدُهُ الْمَائِلُ إِلَى الْحُمْرَةِ الْخَفِيفُ الرَّقِيقُ الَّذِي يُشْبِهُ الْجِلْدَ الْمَلْفُوفَ
وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مِنَ الْأَدْوِيَةِ الَّتِي أَوْصَى الْأَطِبَّاءُ بِتَرْكِ اسْتِعْمَالِهَا لِخَطَرِهَا وَفَرْطِ إِسْهَالِهَا
وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ الشُّبْرُمُ حَبٌّ يُشْبِهُ الْحِمَّصَ يُطْبَخُ وَيُشْرَبُ ماؤه للتداوي وقيل إنه نوع من الشبح انْتَهَى
(قَالَ حَارٌّ) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَتَشْدِيدِ رَاءٍ بينهما ألف (جار)
بالجيم قال الحافظ بن الْقَيِّمِ قَوْلُهُ ﷺ حَارٌّ جَارٌّ وَيُرْوَى حَارٌّ يَارٌّ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَكْثَرُ كَلَامِهِمْ بِالْيَاءِ قَالَ وَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْحَارَّ الْجَارَّ بِالْجِيمِ الشَّدِيدُ الْإِسْهَالُ فَوَصَفَهُ بِالْحَرَارَةِ وَشِدَّةِ الْإِسْهَالِ وَكَذَلِكَ هُوَ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ
وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّوَابُ أَنَّ هَذَا مِنَ الْإِتْبَاعِ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ تَأْكِيدُ الْأَوَّلِ وَيَكُونُ بَيْنَ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ وَلِهَذَا يُرَاعُونَ فِيهِ إِتْبَاعَهُ فِي أَكْثَرِ حُرُوفِهِ كَقَوْلِهِمْ حَسَنٌ بَسَنٌ أَيْ كَامِلُ الْحُسْنِ وَقَوْلُهُمْ حَسَنٌ قَسَنٌ بِالْقَافِ وَمِنْهُ شَيْطَانٌ لَيْطَانٌ وَحَارٌّ جَارٌّ مَعَ أَنَّ الْجَارَّ مَعْنًى آخَرُ وَهُوَ الَّذِي يَجُرُّ الشَّيْءَ الَّذِي يُصِيبُهُ مِنْ شِدَّةِ حَرَارَتِهِ وَجَذْبِهِ لَهُ كَأَنَّهُ يَنْزِعُهُ وَيَسْلُخُهُ وَيَارٌّ إِمَّا لُغَةٌ فِي جَارٍّ كَقَوْلِهِمْ صِهْرِي وَصِهْرِيجُ وَالصَّهَارِي وَالصَّهَارِيجُ وَإِمَّا إِتْبَاعٌ مُسْتَقِلٌّ انْتَهَى (ثُمَّ اسْتَمْشَيْتُ بِالسَّنَا) فِيهِ لُغَتَانِ الْمَدُّ وَالْقَصْرُ وَهُوَ نَبْتٌ حِجَازِيٌّ أَفْضَلُهُ الْمَكِّيُّ وَهُوَ دَوَاءٌ شَرِيفٌ مَأْمُونُ الْغَائِلَةِ قَرِيبٌ مِنَ الِاعْتِدَالِ حَارٌّ يَابِسٌ فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى يُسَهِّلُ الصَّفْرَاءَ وَالسَّوْدَاءَ وَيُقَوِّي جُرْمَ الْقَلْبِ وَهَذِهِ فَضِيلَةٌ شَرِيفَةٌ فِيهِ وخَاصِّيَّتُهُ النَّفْعُ مِنَ الْوَسْوَاسِ السَّوْدَاوِيِّ وَمِنَ الشِّقَاقِ الْعَارِضِ فِي البدن ويفتح الْعَضَلَ وَانْتِشَارَ الشَّعْرِ وَمِنَ الْقَمْلِ وَالصُّدَاعِ الْعَتِيقِ وَالْجَرَبِ وَالْبُثُورِ وَالْحَكَّةِ وَالصَّرَعِ وَشُرْبُ مَائِهِ مَطْبُوخًا أَصْلَحُ مِنْ شُرْبِهِ مَدْقُوقًا وَمِقْدَارُ الشَّرْبَةِ مِنْهُ إِلَى ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ وَمِنْ مَائِهِ إِلَى خَمْسَةِ دَرَاهِمَ وَإِنْ طُبِخَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ زَهْرِ الْبَنَفْسَجِ وَالزَّبِيبِ الْأَحْمَرِ الْمَنْزُوعِ الْعَجَمِ كَانَ أَصْلَحَ (فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ) أَيْ بعد ما سَأَلَنِي ثَانِيًا أَوْ حِينَ ذَكَرْتُ لَهُ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ اسْتِعْلَامًا وَاسْتِكْشَافًا
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وبن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ
قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ
التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَةِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّاوِي عَنْ أَسْمَاءَ مَا لَفْظُهُ عُتْبَةُ بْنُ عبد الله ويقال بن عُبَيْدِ اللَّهِ حِجَازِيٌّ رَوَى عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ حَدِيثًا فِي الِاسْتِمْشَاءِ بِالسَّنَا وَعَنْهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ رَوَى لَهُ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الحديث الواحد وقد رواه بن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ زُرْعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مَوْلَى لِمَعْمَرٍ التَّيْمِيِّ عَنْ أَسْمَاءَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمُبْهَمُ هُوَ عُتْبَةُ هَذَا قَالَ لَيْسَ هُوَ الْمُبْهَمَ فَإِنَّ كَلَامَ الْبُخَارِيِّ فِي تَارِيخِهِ فِي تَرْجَمَةِ زُرْعَةَ يَقْتَضِي أَنَّ زُرْعَةَ هُوَ عُتْبَةُ الْمَذْكُورُ اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ عَلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ وَعَلَى هَذَا فَرِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ مُنْقَطِعَةٌ لِسُقُوطِ الْمَوْلَى مِنْهَا انْتَهَى
١ - (بَاب مَا جَاءَ فِي التَّدَاوِي بِالْعَسَلِ)
قَوْلُهُ [٢٠٨٢] (عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ) اسْمُهُ عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ النَّاجِيُّ
قَوْلُهُ (إِنَّ أَخِي اسْتُطْلِقَ بَطْنُهُ) بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا قَافٌ أَيْ كَثُرَ خُرُوجُ مَا فِيهِ يُرِيدُ الْإِسْهَالَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ إِنَّ أَخِي عَرِبَ بَطْنُهُ وَهِيَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ فَسَدَ هَضْمُهُ لِاعْتِلَالِ الْمَعِدَةِ وَمِثْلُهُ ذَرِبَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ بَدَلَ الْعَيْنِ وَزْنًا وَمَعْنًى (فَقَالَ اسْقِهِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ (عَسَلًا) ظَاهِرُهُ الْأَمْرُ بِسَقْيِهِ صِرْفًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَمْزُوجًا (صَدَقَ اللَّهُ) أَيْ فِيمَا قَالَ فِيهِ شفاء للناس كذا قيل
وقال بن الْمَلَكِ أَيْ كَوْنَ شِفَاءَ ذَلِكَ الْبَطْنِ فِي شُرْبِهِ الْعَسَلَ قَدْ أَوْحَى إِلَيَّ وَاللَّهُ تَعَالَى صَادِقٌ فِيهِ وَهَذَا التَّوْجِيهُ أَوْلَى مِمَّا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِيهِ شفاء للناس لِأَنَّ الْآيَةَ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ شِفَاءٌ من كل داء قال القارىء ظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ وَإِثْبَاتُ الْوَحْيِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ (وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ أَهْلُ الْحِجَازِ يُطْلِقُونَ الْكَذِبَ فِي مَوْضِعِ الْخَطَأِ يُقَالُ كَذَبَ سَمْعُكَ أَيْ زَلَّ فَلَمْ يُدْرِكْ حَقِيقَةَ مَا قِيلَ لَهُ فَمَعْنَى كَذَبَ بَطْنُهُ أَيْ لَمْ يَصْلُحْ لِقَبُولِ الشِّفَاءِ بَلْ زَلَّ عَنْهُ
وقد اعترض بعد الْمَلَاحِدَةِ فَقَالَ الْعَسَلُ مُسَهِّلٌ فَكَيْفَ يُوصَفُ لِمَنْ وَقَعَ بِهِ الْإِسْهَالُ وَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ جَهْلٌ مِنْ قَائِلِهِ بَلْ هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى بَلْ كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه فَقَدِ اتَّفَقَ الْأَطِبَّاءُ عَلَى أَنَّ الْمَرَضَ الْوَاحِدَ يَخْتَلِفُ عِلَاجُهُ بِاخْتِلَافِ السِّنِّ وَالْعَادَةِ وَالزَّمَانِ وَالْغِذَاءِ الْمَأْلُوفِ وَالتَّدْبِيرِ وَقُوَّةِ الطَّبِيعَةِ وَعَلَى أَنَّ الْإِسْهَالَ يَحْدُثُ مِنْ أَنْوَاعٍ مِنْهَا الْهَيْضَةُ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْ تُخَمَةٍ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ عِلَاجَهَا بِتَرْكِ الطَّبِيعَةِ وَفِعْلِهَا فَإِنِ احْتَاجَتْ إِلَى مُسَهِّلٍ مُعَيَّنٍ أُعِينَتْ مَا دَامَ بِالْعَلِيلِ قُوَّةٌ فَكَأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ اسْتِطْلَاقُ بَطْنِهِ عَنْ تُخَمَةٍ أَصَابَتْهُ فَوَصَفَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ الْعَسَلَ لِدَفْعِ الْفُضُولِ الْمُجْتَمِعَةِ فِي نَوَاحِي الْمَعِدَةِ وَالْأَمْعَاءِ لِمَا فِي الْعَسَلِ مِنَ الْجَلَاءِ وَدَفْعِ الْفُضُولِ الَّتِي تُصِيبُ الْمَعِدَةَ مِنْ أَخْلَاطٍ لَزِجَةٍ تَمْنَعُ اسْتِقْرَارَ الْغِذَاءِ فِيهَا وَلِلْمَعِدَةِ خَمْلٌ كَخَمْلِ الْمِنْشَفَةِ فَإِنْ عَلِقَتْ بِهَا الْأَخْلَاطُ اللَّزِجَةُ أَفْسَدَتْهَا وَأَفْسَدَتِ الْغِذَاءَ الْوَاصِلَ إِلَيْهَا فَكَانَ دَوَاؤُهَا بِاسْتِعْمَالِ مَا يَجْلُو تِلْكَ الْأَخْلَاطَ وَلَا شَيْءَ فِي ذَلِكَ مِثْلُ الْعَسَلِ لَا سِيَّمَا إِنْ مُزِجَ بِالْمَاءِ الْحَارِّ وَإِنَّمَا لَمْ يُفِدْهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ لِأَنَّ الدَّوَاءَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِقْدَارٌ وَكَمِّيَّةٌ بِحَسَبِ الدَّاءِ إِنْ قَصُرَ عَنْهُ لَمْ يَدْفَعْهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِنْ جَاوَزَهُ أَوْهَى الْقُوَّةَ وَأَحْدَثَ ضَرَرًا آخَرَ فَكَأَنَّهُ شَرِبَ مِنْهُ أَوَّلًا مِقْدَارًا لَا يَفِي بِمُقَاوَمَةِ الدَّاءِ فَأَمَرَ بِمُعَاوَدَةِ سَقْيِهِ فَلَمَّا تَكَرَّرَتِ الشَّرَبَاتُ بِحَسَبِ مَادَّةِ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى
وَفِي قَوْلِهِ ﷺ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا الدَّوَاءَ نَافِعٌ وَأَنَّ بَقَاءَ الدَّاءِ لَيْسَ لِقُصُورِ الدَّوَاءِ فِي نَفْسِهِ وَلَكِنْ لِكَثْرَةِ الْمَادَّةِ الْفَاسِدَةِ
فَمِنْ ثَمَّ أَمَرَهُ بِمُعَاوَدَةِ شُرْبِ الْعَسَلِ لِاسْتِفْرَاغِهَا فَكَانَ كَذَلِكَ وَبَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالطِّبُّ نَوْعَانِ طِبُّ الْيُونَانِ وَهُوَ قِيَاسِيٌّ وَطِبُّ الْعَرَبِ وَالْهِنْدِ وَهُوَ تَجَارُبِيٌّ وَكَانَ أَكْثَرُ مَا يَصِفُهُ النَّبِيُّ ﷺ لِمَنْ يَكُونُ عَلِيلًا عَلَى طَرِيقَةِ طِبِّ الْعَرَبِ وَمِنْهُ مَا يَكُونُ مِمَّا اطَّلَعَ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ
وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ كِتَابِ الْمِائَةِ فِي الطِّبِّ إِنَّ الْعَسَلَ تَارَةً يَجْرِي سَرِيعًا إِلَى الْعُرُوقِ وَيَنْفُذُ مَعَهُ جُلُّ الْغِذَاءِ وَيُدِرُّ الْبَوْلَ فَيَكُونُ قَابِضًا وَتَارَةً يَبْقَى فِي الْمَعِدَةِ فيهيجها لذعها حَتَّى يَدْفَعَ الطَّعَامَ وَيُسَهِّلَ الْبَطْنَ فَيَكُونَ مُسَهِّلًا فَإِنْكَارُ وَصْفِهِ الْمُسَهِّلِ مُطْلَقًا قُصُورٌ مِنَ الْمُنْكِرِ
وَقَالَ غَيْرُهُ طِبُّ النَّبِيِّ ﷺ مُتَيَقَّنُ الْبُرْءِ لِصُدُورِهِ عَنِ الْوَحْيِ وَطِبُّ غَيْرِهِ أَكْثَرُهُ حَدْسٌ أَوْ تَجْرِبَةٌ وَقَدْ يَتَخَلَّفُ الشِّفَاءُ عَنْ بَعْضِ مَا يَسْتَعْمِلُ طِبَّ النُّبُوَّةِ وَذَلِكَ لِمَانِعٍ قَامَ بِالْمُسْتَعْمَلِ مِنْ ضَعْفِ اعْتِقَادِ الشِّفَاءِ بِهِ وَتَلَقِّيهِ بِالْقَبُولِ
وَأَظْهَرُ الْأَمْثِلَةِ فِي ذلك القران الذي هو سفاء لِمَا فِي الصُّدُورِ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ لَا يَحْصُلُ لِبَعْضِ النَّاسِ شِفَاءُ صَدْرِهِ لِقُصُورِهِ فِي الِاعْتِقَادِ وَالتَّلَقِّي بِالْقَبُولِ بَلْ لَا يَزِيدُ الْمُنَافِقَ إِلَّا رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِ وَمَرَضًا إِلَى مَرَضِهِ
فَطِبُّ النُّبُوَّةِ لَا يُنَاسِبُ إِلَّا الْأَبْدَانَ الطَّيِّبَةَ
كَمَا أَنَّ شِفَاءَ الْقُرْآنِ لَا يُنَاسِبُ إِلَّا الْقُلُوبَ الطَّيِّبَةَ كَذَا فِي الْفَتْحِ (فَسَقَاهُ فَبَرَأَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْهَمْزِ بِوَزْنِ قَرَأَ وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَغَيْرِهِمْ يَقُولُهَا بِكَسْرِ الرَّاءِ بِوَزْنِ عَلِمَ وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الصِّدِّيقِ الناجي فِي آخِرِهِ فَسَقَاهُ فَعَافَاهُ اللَّهُ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا
٢ - قَوْلُهُ [٢٠٨٣] (عَنْ يَزِيدَ أَبِي خَالِدٍ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ اسمه يزيد بن عبد الرحمن صدوق يخطىء كَثِيرًا
وَكَانَ يُدَلِّسُ مِنَ السَّابِعَةِ انْتَهَى
وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ رَوَى عن الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو وَغَيْرِهِ وَعَنْهُ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ وَوَقَعَ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ وَهُوَ غَلَطٌ (سَمِعْتُ الْمِنْهَالَ بْنَ عَمْرٍو) الْأَسَدِيَّ مَوْلَاهُمُ الْكُوفِيُّ صَدُوقٌ رُبَّمَا وَهِمَ مِنَ الْخَامِسَةِ
قَوْلُهُ (مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ) مَا لِلنَّفْيِ وَمِنْ زَائِدَةٌ (يَعُودُ مَرِيضًا) وَفِي الْمِشْكَاةِ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا أَيْ يَزُورُهُ فِي مَرَضِهِ (لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ) صِفَةُ مَرِيضٍ (فَيَقُولُ) أَيِ الْعَائِدُ (أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ) أَيْ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ (أَنْ يَشْفِيَكَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مَفْعُولٌ ثَانٍ (إِلَّا عُوفِيَ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ إِلَّا عَافَاهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ
وَالْحَصْرُ غَالِبِيٌّ أَوْ مَبْنِيٌّ عَلَى شُرُوطٍ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهَا
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو داود والنسائي وبن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ
٣٣ - قَوْلُهُ [٢٠٨٤] (حَدَّثَنَا مَرْزُوقٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيُّ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ مَرْزُوقٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الحمصي تزل البصرة لابأس به من السادسة (حدثناسعيد رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ سَعِيدُ بْنُ زُرْعَةَ الْحِمْصِيُّ الْجَرَّارُ بِالْجِيمِ وَمُهْمَلَتَيْنِ الْخَزَّافُ بِمُعْجَمَةٍ وَزَايٍ مَسْتُورٌ مِنَ الثَّالِثَةِ انْتَهَى
وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ رَوَى عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنْهُ مَرْزُوقٌ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ هَمَّامٍ
قَالَ أَبُو حاتم مجهول وذكره بن حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ لَهُ فِي التِّرْمِذِيِّ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي اسْتِقْبَالِ الْجِرْيَةِ لِلْحُمَّى انْتَهَى
قَوْلُهُ (إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمُ الْحُمَّى) أَيْ أَخَذَتْهُ (فَإِنَّ الْحُمَّى قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ) أَيْ لِشِدَّةِ مَا يَلْقَى الْمَرِيضُ فِيهَا مِنَ الْحَرَارَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ جَوَابُ إِذَا فَلْيَعْلَمْ أَنَّهَا كَذَلِكَ (فَلْيُطْفِهَا) كَذَا فِي النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ وَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ فَلْيُطْفِئْهَا بِإِثْبَاتِ الْهَمْزَةِ وَكَذَلِكَ فِي الْمِشْكَاةِ
وَكَذَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ (عَنْهُ بِالْمَاءِ) أَيِ الْبَارِدِ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فَلْيُطْفِئْهَا وَقَوْلُهُ فَإِنَّ الْحُمَّى مُعْتَرِضَةٌ (فَلْيَسْتَنْقِعْ فِي نَهْرٍ جَارٍ) بَيَانٌ لِلْإِطْفَاءِ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ اسْتَنْقَعَ فِي الْغَدِيرِ نَزَلَ وَاغْتَسَلَ كَأَنَّهُ ثَبَتَ فِيهِ لِيَتَبَرَّدَ انْتَهَى (فَلْيَسْتَقْبِلْ جِرْيَتَهُ) بِكَسْرِ الْجِيمِ قَالَ الطِّيبِيُّ يُقَالُ مَا أَشَدَّ جِرْيَةِ هَذَا الْمَاءِ بِالْكَسْرِ (فَيَقُولُ) أَيْ حَالَ الِاسْتِقْبَالِ (وَصَدَقَ رَسُولُكَ) أَيِ اجْعَلْ قَوْلَهُ هَذَا صَادِقًا بِأَنْ تَشْفِيَنِي ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ) ظَرْفٌ لِيَسْتَنْقِعَ وَكَذَا قَوْلُهُ (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلْيَغْمِسْ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ (فِيهِ) أَيْ فِي النَّهْرِ أَوْ فِي مَائِهِ (ثَلَاثَ غَمَسَاتٍ) بِفَتْحَتَيْنِ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ وَلْيَغْمِسْ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ فَلْيَسْتَنْقِعْ جِيءَ بِهِ لِتَعَلُّقِ الْمَرَّاتِ (فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ) بِفَتْحِ الرَّاءِ (فِي ثَلَاثٍ) أَيْ ثَلَاثِ غَمَسَاتٍ أَوْ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ (فَخَمْسٌ) بِالرَّفْعِ
قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ
فَالْأَيَّامُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَنْغَمِسَ فِيهَا خَمْسٌ أَوْ فَالْمَرَّاتُ انْتَهَى (فَسَبْعٌ) بِالرَّفْعِ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا (فَتِسْعٌ) كَذَلِكَ (فَإِنَّهَا) أَيِ الْحُمَّى (لَا تَكَادُ) أَيْ تَقْرُبُ (تُجَاوِزُ تِسْعًا) أَيْ بَعْدَ هَذَا الْعَمَلِ (بِإِذْنِ اللَّهِ) أَيْ إِرَادَتِهِ أَوْ بِأَمْرِهِ لَهَا بِالذَّهَابِ وَعَدَمِ الْعَوْدِ
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِعِلَاجِ الْحُمَّى بِالْمَاءِ الْبَارِدِ فِي بَابِ تَبْرِيدِ الْحُمَّى بِالْمَاءِ
قَوْلُهُ (هَذَا حديث غريب) وأخرجه أحمد وبن أبي الدنيا وبن السُّنِّيِّ وَأَبُو نُعَيْمٍ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
٤ - (بَاب التَّدَاوِي بِالرَّمَادِ)
سَقَطَ هَذَا الْبَابُ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ
قَوْلُهُ [٢٠٨٥] (عَنْ أَبِي حَازِمٍ) اسْمُهُ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ
قَوْلُهُ (دُووِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ المداوة (فَحُشِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنْ بَابِ نَصَرَ (بِهِ جُرْحُهُ) أَيْ أُدْخِلَ فِي جُرْحِهِ
وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ هَكَذَا مُخْتَصَرًا وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ وَهُوَ يَسْأَلُ عَنْ جُرْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْرِفُ مَنْ كَانَ يَغْسِلُ جُرْحَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ كَانَ يَسْكُبُ الْمَاءَ وَبِمَا دُووِيَ قَالَ كَانَتْ فاطمة بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَغْسِلُهُ وَعَلِيٌّ يَسْكُبُ الْمَاءَ بِالْمِجَنِّ فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَزِيدُ الدَّمَ إِلَّا كَثْرَةً أَخَذَتْ قِطْعَةً مِنْ حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهَا فَأَلْصَقَتْهَا فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ وَكُسِرَتْ رُبَاعِيَّتُهُ يَوْمَئِذٍ وَجُرِحَ وجهه وكسرت البيضة على رأسه قال بن بَطَّالٍ قَدْ زَعَمَ أَهْلُ الطِّبِّ أَنَّ الْحَصِيرَ كُلَّهَا إِذَا أُحْرِقَتْ تُبْطِلُ زِيَادَةَ الدَّمِ بَلِ الرَّمَادُ كُلُّهُ كَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّمَادَ مِنْ شَأْنِهِ الْقَبْضُ وَلِهَذَا تَرْجَمَ التِّرْمِذِيُّ لِهَذَا الْحَدِيثِ التَّدَاوِي بِالرَّمَادِ
وَقَالَ الْمُهَلَّبُ فِيهِ أَنَّ قَطْعَ الدَّمِ بِالرَّمَادِ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ لَا سِيَّمَا إِنْ
كَانَ الْحَصِيرُ مِنْ دِبْسِ السَّعْدِ فَهِيَ معلومة بالقبض وطيب الرائحة فالقبض يسد أَفْوَاهِ الْجُرْحِ
وَطِيبُ الرَّائِحَةِ يَذْهَبُ بِزَهْمِ الدَّمِ وَأَمَّا غَسْلُ الدَّمِ أَوَّلًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إِذَا كَانَ الْجُرْحُ غَيْرَ غَائِرٍ وَأَمَّا لَوْ كَانَ غَائِرًا فَلَا يُؤْمَنُ مَعَهُ ضَرَرُ الْمَاءِ إِذَا صُبَّ فِيهِ وَقَالَ الْمُوَفَّقُ عَبْدُ اللَّطِيفِ الرَّمَادُ فِيهِ تَجْفِيفٌ وَقِلَّةُ لَذْعٍ
وَالْمُجَفِّفُ إِذَا كَانَ فِيهِ قُوَّةُ لَذْعٍ رُبَّمَا هَيَّجَ الدَّمَ وجلب الورم
ووقع عند بن مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَحْرَقَتْ لَهُ حِينَ لَمْ يُرْقَأْ قِطْعَةَ حصير خلق فوضعت رماده عليه فرقىء الْكَلْمُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وغيرهما
٥ - (باب سقط لفظ الباب من بعض النسخ)
قَوْلُهُ [٢٠٨٧] (عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) بْنِ الْحَارِثِ التَّمِيمِيِّ الْمَدَنِيِّ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ مِنَ السَّادِسَةِ
قَوْلُهُ (إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ) أَيْ لِعِيَادَتِهِ (فَنَفِّسُوا لَهُ فِي أَجَلِهِ) أَيْ أَذْهِبُوا لحزنه فيما يتعلق بأجله بأن تقولوا لابأس طَهُورٌ أَوْ يُطَوِّلُ اللَّهُ عُمُرَكَ وَيَشْفِيكَ وَيُعَافِيكَ أَوْ وَسِّعُوا لَهُ فِي أَجَلِهِ فَيَتَنَفَّسُ عَنْهُ الْكَرْبُ وَالتَّنْفِيسُ التَّفْرِيجُ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ طَمِّعُوهُ فِي طُولِ عُمُرِهِ وَاللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ
وَقَالَ فِي اللُّمَعَاتِ التَّنْفِيسُ التَّفْرِيجُ أَيْ فَرِّجُوا لَهُ وَأَذْهِبُوا كَرْبَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَجَلِهِ بِأَنْ تَدْعُوا لَهُ بطول العمر وذهاب المرض وأن تقولوا لابأس وَلَا تَخَفْ سَيَشْفِيكَ اللَّهُ وَلَيْسَ مَرَضُكَ صَعْبًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ شَيْئًا مِنَ الْمَوْتِ الْمُقَدَّرِ وَلَا يُطَوِّلُ عُمُرَهُ لَكِنْ يُطَيِّبُ نَفْسَهُ وَيُفَرِّجُهُ وَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْتِعَاشِ طَبِيعَتِهِ وَتَقْوِيَتِهَا وَيُضْعِفُ الْمَرَضَ انْتَهَى (فَإِنَّ ذلك) أي
تَنْفِيسَكُمْ لَهُ (لَا يَرُدُّ شَيْئًا) أَيْ مِنَ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ (وَيُطَيِّبُ) بِالتَّشْدِيدِ (نَفْسَهُ) بِالنَّصْبِ عَلَى المفعولية يعني لابأس عَلَيْكُمْ بِتَنْفِيسِكُمْ لَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ التَّنْفِيسَ لَا أَثَرَ لَهُ إِلَّا فِي تَطْيِيبِ نَفْسِهِ فَلَا يَضُرُّكُمْ ذَلِكَ وَمِنْ ثَمَّ عَدُّوا مِنْ آدَابِ الْعِيَادَةِ تَشْجِيعَ الْعَلِيلِ بِلَطِيفِ الْمَقَالِ وَحُسْنِ الْحَالِ
قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه بن مَاجَهْ وَفِي سَنَدِهِ مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبراهيم وهو منكر الحديث كما عرفت
٢٧ - كتاب الْفَرَائِضِ
بِالْهَمْزِ جَمْعُ فَرِيضَةٍ أَيِ الْمُقَدَّرَاتُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الْمَتْرُوكَاتِ الْمَالِيَّةِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ الْفَرْضُ أَصْلُهُ الْقَطْعُ يُقَالُ فَرَضْتُ لِفُلَانٍ إِذَا قَطَعْتُ لَهُ مِنَ الْمَالِ شَيْئًا
وَفِي الْمُغْرِبِ الْفَرِيضَةُ اسْمُ مَا يُفْرَضُ عَلَى الْمُكَلَّفِ وَقَدْ يُسَمَّى بِهَا كُلُّ مُقَدَّرٍ فَقِيلَ الْأَنْصِبَاءُ الْمَوَارِيثُ فَرَائِضُ لِأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ لِأَصْحَابِهَا ثُمَّ قِيلَ لِلْعِلْمِ بِمَسَائِلِ الْمِيرَاثِ عِلْمُ الْفَرَائِضِ وَلِلْعَالِمِ بِهَا فَرْضِيٌّ وَفَارِضٌ
(باب ما جا في من ترك مالا فلورثته)
قَوْلُهُ [٢٠٩٠] (مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِأَهْلِهِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَلِوَرَثَتِهِ (وَمَنْ تَرَكَ ضِيَاعًا) بِفَتْحِ الضَّادِ وَيُكْسَرُ أَيْ عِيَالًا
قَالَ الْخَطَّابِيُّ الضَّيَاعُ هُنَا وَصْفٌ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ بِالْمَصْدَرِ أَيْ تَرَكَ أَوْلَادًا أَوْ عِيَالًا ذَوِي ضَيَاعٍ أَيْ لَا شَيْءَ لَهُمْ وَالضَّيَاعُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ ضَاعَ ثُمَّ جُعِلَ اسْمًا لِكُلِّ مَا يُعَرَّضُ لِلضَّيَاعِ (فَإِلَيَّ) أَيْ مَرْجِعُهُ وَمَأْوَاهُ أَوْ فَلْيَأْتِ إِلَيَّ أَيْ أَنَا أَتَوَلَّى أُمُورَهُمْ بَعْدَ وَفَاتِهِمْ وَأَنْصُرُهُمْ فَوْقَ مَا كَانَ مِنْهُمْ لَوْ عَاشُوا فَأَذُبُّ الْمُسْتَأْكِلَةِ مِنَ الظَّلَمَةِ أَنْ يَحُومُوا حَوْلَهُ فَيَخْلُصُ لِوَرَثَتِهِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وأحمد والنسائي وبن مَاجَهْ (وَقَدْ رَوَاهُ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَطْوَلَ مِنْ هَذَا وَأَتَمَّ) رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ عَنِ بن شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً فَعَلَيْنَا قَضَاؤُهُ وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ (وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ وَأَنَسٍ) أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ أحمد وأبو داود والنسائي وبن حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ
(بَاب مَا جَاءَ فِي تَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ)
قَوْلُهُ [٢٠٩١] (تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَالْقُرْآنَ) قِيلَ الْمُرَادُ بِالْفَرَائِضِ هُنَا عِلْمُ الْمِيرَاثِ وَقِيلَ مَا افْتَرَضَ الله تعالى على عباده بقرينة ذكر القرا ن (وَعَلِّمُوا النَّاسَ) الْمَذْكُورَ (فَإِنِّي مَقْبُوضٌ) يَقْبِضُنِي اللَّهُ تَعَالَى وَيُمِيتُنِي
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ فِيهِ اضْطِرَابٌ) وَقَدْ بَيَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ بِقَوْلِهِ (وَرَوَى أَبُو أُسَامَةَ إِلَخْ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَدْ وَرَدَ فِي الْحَثِّ عَلَى تَعَلُّمِ الْفَرَائِضِ حَدِيثٌ لَيْسَ عَلَى شَرْطِ الْمُصَنِّفِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وصححه الحاكم من حديث بن مَسْعُودٍ رَفَعَهُ تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ وَإِنَّ الْعِلْمَ سَيُقْبَضُ حَتَّى يَخْتَلِفَ الاثنان في الفريضة فلا يحدان من يفصل بينها وَرُوَاتُهُ مُوثَقُونَ إِلَّا أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَقَالَ التِّرْمِذِيُّ إِنَّهُ
مُضْطَرِبٌ وَالِاخْتِلَافُ عَلَيْهِ أَنَّهُ جَاءَ عَنْهُ مِنْ طريق بن مَسْعُودٍ وَجَاءَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي أَسَانِيدِهَا عَنْهُ أَيْضًا اخْتِلَافٌ وَلَفْظُهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ فَإِنَّهَا نِصْفُ الْعِلْمِ وَإِنَّهُ أَوَّلُ مَا يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ رَاشِدٍ الْحِمَّانِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَالْفَرَائِضَ وَرَاشِدٌ مَقْبُولٌ لَكِنَّ الرَّاوِيَ عَنْهُ مَجْهُولٌ
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِلَفْظِ تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَطِيَّةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ قال بن الصَّلَاحِ لَفْظُ النِّصْفِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَى أحد القسمين وإن لم يتساويا
وقال بن عُيَيْنَةَ إِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ إِنَّهُ يُبْتَلَى بِهِ كُلُّ النَّاسِ
وَقَالَ غَيْرُهُ لِأَنَّ لَهُمْ حَالَتَيْنِ حَالَةَ حَيَاةٍ وَحَالَةَ مَوْتٍ وَالْفَرَائِضُ تَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الْمَوْتِ انْتَهَى مَا فِي الْفَتْحِ مُلَخَّصًا
قُلْتُ قَوْلُهُ وَلَفْظُهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ إِلَخْ فِيهِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ لَفْظَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةِ الْمَذْكُورِ في الباب نعم رواه بن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ بِنَحْوِ هَذَا اللَّفْظِ كَمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ
(بَاب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْبَنَاتِ)
قَوْلُهُ [٢٠٩٢] (جَاءَتِ امْرَأَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيِ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ وَكَانَ آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَدُفِنَ هُوَ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ (قُتِلَ أَبُوهُمَا مَعَكَ) أَيْ مُصَاحِبًا لَكَ
قَالَ فِي اللُّمَعَاتِ مَعَكَ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ أَيْ كَانَا مَعَكَ لَا ظَرْفُ لَغْوٍ مُتَعَلِّقٌ بِقُتِلَ (شَهِيدًا) تَمْيِيزٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مُؤَكِّدَةً لِأَنَّ السَّابِقَ فِي مَعْنَى الشَّهَادَةِ (وَأَنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مَالَهُمَا) أَيْ عَلَى طَرِيقِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي حِرْمَانِ النِّسَاءِ مِنَ الْمِيرَاثِ (فَلَمْ
يَدَعْ لَهُمَا مَالًا) أَيْ وَلَمْ يَتْرُكْ عَمُّهُمَا لَهُمَا مَالًا يُنْفَقُ عَلَيْهِمَا أَوْ تُجَهَّزَانِ بِهِ لِلزَّوَاجِ (وَلَا تُنْكَحَانِ) أَيْ لَا تُزَوَّجَانِ عَادَةً أَوْ غَالِبًا أَوْ مَعَ الْعِزَّةِ (قَالَ يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ) أَيْ يَحْكُمُ بِهِ فِي الْقُرْآنِ (فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ) أَيْ قَوْلُهُ تَعَالَى يوصيكم الله في أولادكم وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ) (وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ) أَيْ بِالْعُصُوبَةِ وَهَذَا أَوَّلُ مِيرَاثٍ فِي الْإِسْلَامِ
قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ ﵀ واختلف في البنتين فقال بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا حُكْمُهُمَا حُكْمُ الْوَاحِدَةِ أَيْ لَا حُكْمُ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الثُّلُثَيْنِ لِمَا فَوْقَهُمَا وَقَالَ الْبَاقُونَ حُكْمُهُمَا حُكْمُ مَا فَوْقَهُمَا لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ حَظَّ الذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ إِذَا كَانَ مَعَهُ أُنْثَى وَهُوَ الثُّلُثَانِ اقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ فَرْضَهُمَا الثُّلُثَانِ ثُمَّ لِمَا أَوْهَمَ ذَلِكَ أن يزاد النصيب بزيادة العددرد ذَلِكَ الْوَهْمَ بِقَوْلِهِ (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثنتين) وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْبِنْتَ الْوَاحِدَةَ لَمَّا اسْتَحَقَّتِ الثُّلُثَ مَعَ أَخِيهَا فَبِالْحَرِيِّ أَنْ تَسْتَحِقَّهُ مَعَ أُخْتٍ مِثْلِهَا وَأَنَّ الْبِنْتَيْنِ أَمَسُّ رَحِمًا مِنَ الْأُخْتَيْنِ وَقَدْ فَرَضَ لَهُمَا الثُّلُثَيْنِ بِقَوْلِهِ (فَلَهُمَا الثلثان مما ترك) انْتَهَى وَالْحَدِيثُ يُوَافِقُ الْجُمْهُورَ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغِ بن عَبَّاسٍ أَوْ مَا صَحَّ عِنْدَهُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وبن مَاجَهْ
(بَاب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ ابْنَةِ الِابْنِ مَعَ ابْنَةِ الصُّلْبِ)
قَوْلُهُ [٢٠٩٣] (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي مُوسَى وَسُلَيْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَهُوَ الْأَمِيرُ وَإِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ الْحَافِظُ كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لِأَنَّهُ
هُوَ الَّذِي أَمَّرَ أَبَا مُوسَى عَلَى الْكُوفَةِ
وكان بن مَسْعُودٍ قَبْلَ ذَلِكَ أَمِيرَهَا ثُمَّ عُزِلَ قَبْلَ وِلَايَةِ أَبِي مُوسَى عَلَيْهَا بِمُدَّةٍ قَالَ وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ سُلَيْمَانَ الْمَذْكُورَ كَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ (فَقَالَا لِلِابْنَةِ النِّصْفُ وَلِلْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ مَا بَقِيَ) يَعْنِي النِّصْفَ الْبَاقِيَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أخت فلها نصف ما ترك وفيه أن قَالَ الْحَافِظُ كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ فِي زَمَنِ
عثمان رضي الله تعالى عنه لأنه الْوَلَدَ يَشْمَلُ الْبِنْتَ فَكَأَنَّهُ غَفَلَ عَنْ هَذَا أَوْ أَرَادَ أَنَّ الْوَلَدَ مُخْتَصٌّ بِالذَّكَرِ أَوْ قَالَ لِلْأُخْتِ النِّصْفُ عَلَى جِهَةِ التَّعْصِيبِ كَذَا في المرقاة (إلى عبد الله) أي بن مَسْعُودٍ (فَإِنَّهُ سَيُتَابِعُنَا) أَيْ يُوَافِقُنَا (قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا) أَيْ إِنْ وَافَقْتهمَا فِي هَذَا الْجَوَابِ (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) أَيْ حِينَئِذٍ إِلَى الصَّوَابِ (وَلَكِنِّي أَقْضِي فِيهَا) أَيْ فِي الْمَسْأَلَةِ (تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ بِالْإِضَافَةِ وَنَصْبُهُ عَلَى الْمَفْعُولِ لَهُ أَيْ لِتَكْمِيلِ الثُّلُثَيْنِ) وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ (إِمَّا مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِأَنَّكَ إِذَا أَضَفْتَ السُّدُسَ إِلَى النِّصْفِ فَقَدْ كَمَّلْتَهُ ثُلُثَيْنِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مُؤَكِّدَةً (وَلِلْأُخْتِ مَا بَقِيَ) أَيْ لِكَوْنِهَا عَصَبَةً مَعَ الْبَنَاتِ وَبَيَانُهُ أَنَّ حَقَّ الْبَنَاتِ الثُّلُثَانِ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَخَذَتِ الصَّبِيَّةُ الْوَاحِدَةُ النِّصْفَ لِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ فَبَقِيَ سُدُسٌ مِنْ حَقِّ الْبَنَاتِ فَتَأْخُذُهُ بَنَاتُ الِابْنِ وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ مُتَعَدِّدَةً وَمَا بَقِيَ مِنَ التَّرِكَةِ فَلِأَوْلَى عَصَبَةٍ فَبَنَاتُ الِابْنِ مِنْ ذَوَاتِ الْفُرُوضِ مَعَ الْوَاحِدَةِ مِنَ الصُّلْبِيَّاتِ كَذَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ فِي شَرْحِ الْفَرَائِضِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وأبو داود والنسائي وبن مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ (وَأَبُو قَيْسٍ الْأَوْدِيُّ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَرْوَانَ) بِمُثَلَّثَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَرَاءٍ سَاكِنَةٍ صَدُوقٌ رُبَّمَا خَالَفَ مِنَ السَّادِسَةِ مَاتَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ
٥ - (بَاب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْإِخْوَةِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ)
قَوْلُهُ [٢٠٩٤] (وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَخْ) بِكَسْرِ إِنَّ
وَالْوَاوُ لِلْحَالِ (وَأَنَّ أَعْيَانَ بَنِي الْأُمِّ) بِفَتْحِ أَنَّ وَالْوَاوُ لِلْعَطْفِ أَيْ وَقَضَى بِأَنَّ أَعْيَانَ بَنِي الْأُمِّ وَالْمُرَادُ مِنْ أَعْيَانِ بَنِي الْأُمِّ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ لِأَبٍ وَاحِدٍ وَأُمٍّ وَاحِدَةٍ مِنْ عَيْنِ الشَّيْءِ وَهُوَ النَّفِيسُ مِنْهُ (يَرِثُونَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَتَوَارَثُونَ (دُونَ بَنِي الْعِلَّاتِ) وَهُمُ الْإِخْوَةُ لِأَبٍ وَأُمَّهَاتٍ شَتَّى
وَالْمَعْنَى أَنَّ بَنِي الْأَعْيَانِ إِذَا اجْتَمَعُوا مَعَ بَنِي الْعِلَّاتِ فَالْمِيرَاثُ لِبَنِي الْأَعْيَانِ لِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ وَازْدِوَاجِ الْوَصْلَةِ
قَالَ الطِّيبِيُّ قوله إنكم تقرأون إخبار فيه معنى الاستفهام يعني إنكم أتقرأون هَذِهِ الْآيَةَ هَلْ تَدْرُونَ مَعْنَاهَا فَالْوَصِيَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الدَّيْنِ فِي الْقِرَاءَةِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ فِي الْقَضَاءِ وَالْآخِرَةُ فِيهَا مُطْلَقٌ يُوهِمُ التَّسْوِيَةَ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَقْدِيمِ الدَّيْنِ عَلَيْهَا وَقَضَى فِي الْإِخْوَةِ بِالْفَرْقِ انْتَهَى (الرَّجُلُ يَرِثُ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ دُونَ أَخِيهِ لِأَبِيهِ) اسْتِئْنَافٌ كَالتَّفْسِيرِ لِمَا قَبْلَهُ
وَذَكَرَ الْحَافِظُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي التَّلْخِيصِ وَفِيهِ يَرِثُ الرَّجُلُ أخوه لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ دُونَ أَخِيهِ لِأَبِيهِ وَعَزَّاهُ لِلتِّرْمِذِيِّ وبن مَاجَهْ وَالْحَاكِمِ
فَإِنْ قُلْتَ إِذَا كَانَ الدَّيْنُ مُقَدَّمًا عَلَى الْوَصِيَّةِ فَلِمَ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ فِي التَّنْزِيلِ قُلْتُ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهَا الْكَشَّافُ لَمَّا كَانَتِ الْوَصِيَّةُ مُشَبَّهَةً بِالْمِيرَاثِ فِي كَوْنِهَا مَأْخُوذَةً مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ كَانَ إِخْرَاجُهَا مِمَّا يَشُقُّ عَلَى الْوَرَثَةِ وَيَتَعَاظَمُ وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ بِهَا كَانَ أَدَاؤُهَا مَظِنَّةً لِلتَّفْرِيطِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ فَإِنَّ نُفُوسَهُمْ مُطْمَئِنَّةٌ إِلَى أَدَائِهِ
فَلِذَلِكَ قُدِّمَتْ عَلَى الدَّيْنِ بَعْثًا عَلَى وُجُوبِهَا وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى إِخْرَاجِهَا مَعَ الدَّيْنِ وَلِذَلِكَ جِيءَ بِكَلِمَةِ أَوْ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا في الوجوب قاله القارىء
قُلْتُ وَسَيَأْتِي وَجْهُ تَقْدِيمِ الْوَصِيَّةِ عَلَى الدَّيْنِ فِي الْقِرَاءَةِ مُفَصَّلًا فِي بَابٍ يُبْدَأُ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ
قَوْلُهُ [٢٠٩٥] (أَنَّ أَعْيَانَ بَنِي الْأُمِّ يَتَوَارَثُونَ دُونَ بَنِي الْعِلَّاتِ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ آنِفًا
قَوْلُهُ (وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْحَارِثِ) ذَكَرَ الْحَافِظُ كَلَامَهُمْ فِيهِ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَعْوَرُ الْهَمْدَانِيُّ الْحُوتِيُّ الْكُوفِيُّ أَبُو زُهَيْرٍ صَاحِبُ عَلِيٍّ كَذَّبَهُ الشَّعْبِيُّ فِي رائه وَرُمِيَ بِالرَّفْضِ وَفِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ سِوَى حَدِيثَيْنِ انْتَهَى
وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ وَالْحَارِثُ فِيهِ ضَعْفٌ
وَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ إِنَّهُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ لَكِنَّ الْعَمَلَ عَلَيْهِ وَكَانَ عَالِمًا بِالْفَرَائِضِ
وَقَدْ قَالَ النَّسَائِيُّ لابأس بِهِ انْتَهَى (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عِنْدَ عَامَّةِ أهل العلم
(باب ميراث البنين مع البينات)
كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَابٌ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ وَوَقَعَ فِي بَعْضِهَا بَابُ مِيرَاثِ الْبَنِينَ مَعَ الْبَنَاتِ
قَوْلُهُ [٢٠٩٦] (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدٍ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُثْمَانَ الدَّشْتَكِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ المقرئ ثِقَةٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ) الرَّازِيُّ الْأَزْرَقُ كُوفِيٌّ نَزَلَ الرَّيَّ صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ مِنَ الثَّامِنَةِ
قَوْلُهُ (وَأَنَا مَرِيضٌ فِي بَنِي سَلِمَةَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ هُمْ قَوْمُ جَابِرٍ وَهُمْ بَطْنٌ مِنَ الْخَزْرَجِ (بَيْنَ وَلَدِي) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ هَذِهِ بِزِيَادَةِ لَفْظِ بَيْنَ وَلَدِي وَلَمْ يَقَعْ هَذَا اللَّفْظُ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ وَلَا فِي رِوَايَةٍ وَاحِدٍ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ بَلْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةٌ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ إِنَّمَا لِي أَخَوَاتٌ فَبَيْنَ
رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ هَذِهِ وَهَذِهِ الرِّوَايَاتِ مُخَالَفَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي الصَّحِيحِ فَهُوَ مُقَدَّمٌ (فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا فَنَزَلَتْ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مثل حظ الأنثيين الْآيَةَ وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فَلَمْ يُجِبْنِي شَيْئًا وَكَانَ لَهُ تِسْعُ أَخَوَاتٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الميراث يستفتونك قل الله يفتيكم الخ قال بن الْعَرَبِيِّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي إِحْدَاهُمَا فنزلت (يستفتونك) وَفِي أُخْرَى آيَةُ الْمَوَارِيثِ هَذَا تَعَارُضٌ لَمْ يَتَّفِقْ بَيَانُهُ إِلَى الْآنِ ثُمَّ أَشَارَ إِلَى تَرْجِيحِ آيَةِ الْمَوَارِيثِ وَتَوْهِيمِ يَسْتَفْتُونَكَ قَالَ الْحَافِظُ وَيَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ كُلًّا مِنَ الْآيَتَيْنِ لِمَا كَانَ فِيهَا ذِكْرُ الْكَلَالَةِ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ لَكِنَّ الْآيَةَ الْأُولَى لَمَّا كَانَتِ الْكَلَالَةُ فِيهَا خَاصَّةً بِمِيرَاثِ الْإِخْوَةِ مِنَ الْأُمِّ كَمَا كان بن مَسْعُودٍ يَقْرَأُ (وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمٍّ) وَكَذَا قَرَأَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ اسْتَفْتَوْا عَنْ مِيرَاثِ غَيْرِهِمْ مِنَ الْإِخْوَةِ فَنَزَلَتِ الْأَخِيرَةُ فَيُصْبِحُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْآيَتَيْنِ نَزَلَ فِي قِصَّةِ جَابِرٍ لَكِنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِهِ مِنَ الْآيَةِ الْأُولَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَلَالَةِ وَأَمَّا سَبَبُ نُزُولِ أَوَّلِهَا فَوَرَدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَيْضًا فِي قِصَّةِ ابْنَتَيْ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وَمَنَعَ عَمُّهُمَا أَنْ تَرِثَا من أبيهما فنزلت يوصيكم الله الاية انتهى
(بَابُ مِيرَاثِ الْأَخَوَاتِ)
سَقَطَ هَذَا الْبَابُ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ قَوْلُهُ [٢٠٩٧] (قَدْ أُغْمِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عَلَيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ أُغْمِيَ عَلَى الْمَرِيضِ غُشِيَ عَلَيْهِ كَأَنَّ الْمَرَضَ سَتَرَ عَقْلَهُ وَغَطَّاهُ انْتَهَى
وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ الْإِغْمَاءُ وَالْغَشْيُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ
قَالَ الْعَيْنِيُّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْغَشْيَ مَرَضٌ يَحْصُلُ مِنْ طُولِ التَّعَبِ وَهُوَ أَخَفُّ مِنَ الْإِغْمَاءِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُنُونِ وَالنَّوْمِ أَنَّ الْعَقْلَ يَكُونُ فِي الْإِغْمَاءِ مَغْلُوبًا وَفِي الْجُنُونِ يَكُونُ مَسْلُوبًا وَفِي النَّوْمِ
يكون مستورا انتهى (فصب علي من وضوءه) بِفَتْحِ الْوَاوِ
وَقَالَ الْحَافِظُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ صَبَّ عَلَيَّ بَعْضَ الْمَاءِ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ أَوْ مِمَّا بَقِيَ مِنْهُ وَالْأَوَّلُ الْمُرَادُ فَلِلْمُصَنِّفِ يَعْنِي الْبُخَارِيَّ فِي الِاعْتِصَامِ ثُمَّ صَبَّ وضوئه عَلَيَّ وَلِأَبِي دَاوُدَ فَتَوَضَّأَ وَصَبَّهُ عَلَيَّ انْتَهَى (فأفقت) أي من إغمائي (يستفتونك) أَيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ فِي الْكَلَالَةِ وَالِاسْتِفْتَاءُ طَلَبُ الْفَتْوَى (قل الله يفتيكم في الكلالة) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ قَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْكَلَالَةِ وَهُوَ أَنْ يَمُوتَ الرَّجُلُ وَلَا يَدَعُ وَالِدًا وَلَا وَلَدًا يَرِثَانِهِ وَأَصْلُهُ مَنْ تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ إِذَا أَحَاطَ بِهِ وَقِيلَ الْكَلَالَةُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ لَيْسَ فِيهِمْ وَلَدٌ وَلَا وَالِدٌ فَهُوَ وَاقِعٌ عَلَى الْمَيِّتِ وَعَلَى الْوَارِثِ بِهَذَا الشَّرْطِ وَقِيلَ الْأَبُ وَالِابْنُ طَرَفَانِ لِلرَّجُلِ فَإِذَا مَاتَ وَلَمْ يَخْلُفْهُمَا فَقَدْ مَاتَ عَنْ ذَهَابِ طَرَفَيْهِ فَسُمِّيَ ذَهَابُ الطَّرَفَيْنِ كَلَالَةً
وَقِيلَ كُلُّ مَا احْتَفَّ بِالشَّيْءِ مِنْ جَوَانِبِهِ فَهُوَ إِكْلِيلٌ وَبِهِ سُمِّيَتْ لِأَنَّ الْوُرَّاثَ يُحِيطُونَ بِهِ مِنْ جَوَانِبِهِ انْتَهَى
وَقَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ الْكَلَالَةُ الْمَيِّتُ الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ وَهُوَ قول جمهور اللغويين وقال به علي وبن مَسْعُودٍ أَوِ الَّذِي لَا وَالِدَ لَهُ فَقَطْ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ أَوِ الَّذِي لَا وَلَدَ لَهُ فَقَطْ
وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ أَوْ مَنْ لَا يَرِثُهُ أَبٌ وَلَا أُمٌّ
وَعَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ فَالْكَلَالَةُ اسْمٌ لِلْمَيِّتِ وَقِيلَ الْكَلَالَةُ اسْمٌ لِلْوَرَثَةِ مَا عَدَا الْأَبَوَيْنِ وَالْوَلَدِ قَالَهُ قُطْرُبٌ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَسُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمَيِّتَ بِذَهَابِ طَرَفَيْهِ تَكَلَّلَهُ الْوَرَثَةُ أَيْ أَحَاطُوا بِهِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الطَّهَارَةِ وَفِي التَّفْسِيرِ وَفِي الطِّبِّ وَفِي الْفَرَائِضِ وَفِي الِاعْتِصَامِ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وبن مَاجَهْ فِي الْفَرَائِضِ وَالنَّسَائِيُّ فِيهِ وَفِي الطَّهَارَةِ وَفِي التَّفْسِيرِ وَفِي الطِّبِّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا فِي التَّفْسِيرِ
(بَاب فِي مِيرَاثِ الْعَصَبَةِ)
قَوْلُهُ [٢٠٩٨] (أَلْحِقُوا) بِفَتْحِ هَمْزَةٍ وَكَسْرِ حَاءٍ أَيْ أَوْصِلُوا (الْفَرَائِضَ) أَيِ الْحِصَصَ الْمُقَدَّرَةَ فِي كِتَابِ
اللَّهِ تَعَالَى مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ وَهِيَ النِّصْفُ وَالرُّبُعُ وَالثُّمُنُ وَالثُّلُثَانِ وَالثُّلُثُ وَالسُّدُسُ (بِأَهْلِهَا) أَيِ الْمُبَيَّنَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (فَمَا بَقِيَ) بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ فَمَا فَضَلَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْمَالِ (فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ) أَيْ لِأَقْرَبِ رَجُلٍ مِنَ الْمَيِّتِ (ذَكَرٍ) تَأْكِيدٌ أَوِ احْتِرَازٌ مِنَ الْخُنْثَى وَقِيلَ أَيْ صَغِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ
وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُرَادُ بِالْأَوْلَى الْأَقْرَبُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْوَلْيِ بِإِسْكَانِ اللَّامِ عَلَى وَزْنِ الرَّمْيِ وَهُوَ الْقُرْبُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِأَوْلَى هُنَا أَحَقَّ بِخِلَافِ قَوْلِهِمِ الرَّجُلُ أَوْلَى بِمَالِهِ لِأَنَّهُ لَوْ حُمِلَ هُنَا عَلَى أَحَقَّ لَخَلَا عَنِ الْفَائِدَةِ لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَنْ هُوَ الْأَحَقُّ وَوَصَفَ الرَّجُلَ بِالذَّكَرِ تَنْبِيهًا عَلَى سَبَبِ اسْتِحْقَاقِهِ وَهِيَ الذُّكُورَةُ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الْعُصُوبَةِ وَسَبَبُ الترجيح في الأرث ولهذا جعل لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَحِكْمَتُهُ أَنَّ الرِّجَالَ تَلْحَقُهُمْ مُؤَنٌ كَثِيرَةٌ بِالْقِيَامِ بِالْعِيَالِ وَالضِّيفَانِ وَإِرْفَادِ الْقَاصِدِينَ وَمُوَاسَاةِ السَّائِلِينَ وَتَحَمُّلِ الْغَرَامَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَا بَقِيَ بَعْدَ الْفُرُوضِ فَهُوَ لِلْعَصَبَاتِ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ فَلَا يَرِثُ عَاصِبٌ بَعِيدٌ مَعَ وُجُودِ قَرِيبٍ
فَإِذَا خَلَفَ بِنْتًا وَأَخًا وَعَمًّا فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ فَرْضًا وَالْبَاقِي لِلْأَخِ وَلَا شَيْءَ لِلْعَمِّ
وَجُمْلَةُ عَصَبَاتِ النَّسَبِ الِابْنُ وَالْأَبُ وَمَنْ يُدْلَى بِهِمَا وَيُقَدَّمُ مِنْهُمُ الْأَبْنَاءُ ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا ثُمَّ الْأَبُ ثُمَّ الْجَدُّ ثُمَّ الْإِخْوَةُ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ وَهُمْ فِي دَرَجَةٍ
فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْوَرَثَةِ يَحْجُبُ الْبَعْضَ وَالْحَجْبُ نَوْعَانِ حَجْبُ نُقْصَانٍ وَحَجْبُ حِرْمَانٍ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) بَلْ هُوَ صَحِيحٌ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ (وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ عَنِ بن طاؤس عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلٌ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قِيلَ تفرد وهيب بوصله ورواه النوري عن بن طاؤس لم يذكر بن عَبَّاسٍ بَلْ أَرْسَلَهُ
أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ وَأَشَارَ النَّسَائِيُّ إِلَى تَرْجِيحِ الْإِرْسَالِ وَرَجَّحَ عِنْدَ صَاحِبَيِ الصَّحِيحِ الْمَوْصُولَ لِمُتَابَعَةِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ وُهَيْبًا عِنْدَهُمَا وَيَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَزِيَادِ بْنِ سَعْدٍ وَصَالِحٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ وَاخْتُلِفَ عَلَى مَعْمَرٍ فَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ مَوْصُولًا
أَخْرَجَهُ مسلم وأبو داود والترمذي وبن مَاجَهْ وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ وَالثَّوْرِيِّ جَمِيعًا مُرْسَلًا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَمَلَ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ عَلَى رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ وَإِنَّمَا صَحَّحَاهُ لِأَنَّ الثَّوْرِيَّ وَإِنْ كَانَ أَحْفَظَ مِنْهُمْ لَكِنَّ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ يُقَاوِمُهُ وَإِذَا تَعَارَضَ الْوَصْلُ وَالْإِرْسَالُ وَلَمْ يُرَجَّحْ أَحَدُ الطَّرِيقَيْنِ قُدِّمَ الْوَصْلُ انْتَهَى
٩ - (بَاب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْجَدِّ)
قَوْلُهُ [٢٠٩٩] (فقال إن بن ابني مات فمالي مِنْ مِيرَاثِهِ) أَيْ وَلَهُ بِنْتَانِ وَلَهُمَا الثُّلُثَانِ وَكَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ (قَالَ لَكَ السُّدُسُ) أَيْ بِالْفَرْضِيَّةِ (يُقَالُ لَكَ سُدُسٌ آخَرُ) أَيْ بِالْعُصُوبَةِ (قال إن السدس الأخر) قال القارىء فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَفِي نُسْخَةٍ يَعْنِي مِنَ الْمِشْكَاةِ بِالْفَتْحِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْآخِرُ بِالْكَسْرِ (لَكَ طُعْمَةٌ) يَعْنِي رِزْقٌ لَكَ بِسَبَبِ عَدَمِ كَثْرَةِ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ لَكَ
فَإِنَّهُمْ إِنْ كَثُرُوا لَمْ يَبْقَ هَذَا السُّدُسُ الْأَخِيرُ لَكَ قَالَ الطِّيبِيُّ صُورَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَيِّتَ تَرَكَ بِنْتَيْنِ وَهَذَا السَّائِلُ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ فَبَقِيَ الثُّلُثُ فَدَفَعَ ﵊ إِلَى السَّائِلِ سُدُسًا بِالْفَرْضِ لِأَنَّهُ جَدُّ الْمَيِّتِ وَتَرَكَهُ حَتَّى ذَهَبَ فَدَعَاهُ وَدَفَعَ إِلَيْهِ السُّدُسَ الأخير كيلا يَظُنَّ أَنَّ فَرْضَهُ لِلثُّلُثِ
وَمَعْنَى الطُّعْمَةِ هُنَا التَّعْصِيبُ أَيْ رِزْقٌ لَكَ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَإِنَّمَا قَالَ فِي السُّدُسِ الْآخِرِ طُعْمَةٌ دُونَ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ فَرْضٌ وَالْفَرْضُ لَا يَتَغَيَّرُ بِخِلَافِ التَّعْصِيبِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنِ التَّعْصِيبُ شَيْئًا مُسْتَقِرًّا ثَابِتًا أَسْمَاهُ طُعْمَةً انْتَهَى
اعْلَمْ أَنَّهُ قَدِ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي الْجَدِّ اخْتِلَافًا طَوِيلًا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَالتَّلْخِيصِ وَالْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ فَإِنْ شِئْتَ الْوُقُوفَ عَلَى ذَلِكَ فَارْجِعْ إِلَى هذه الكتب
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَلْخِيصِ السُّنَنِ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَغَيْرُهُمَا إِنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عِمْرَانَ بن حصين انتهى
قلت قد أسند بن أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِهِ الْمَرَاسِيلِ عَنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ شَيْئًا
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ معقل بن يسار) أخرجه أحمد عن الْحَسَنِ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ عَنْ فَرِيضَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْجَدِّ فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ الْمُزَنِيُّ فَقَالَ قَضَى فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَاذَا قَالَ السُّدُسُ
قَالَ مَعَ مَنْ قال لا أدري قال لادريت فَمَا تُغْنِي إِذَنْ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ
وبن مَاجَهْ وَلَكِنَّهُ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ لَمْ يُدْرِكِ السَّمَاعَ مِنْ عُمَرَ فَإِنَّهُ وُلِدَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَقُتِلَ عُمَرُ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ لِلْحَسَنِ سَمَاعٌ مِنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ
٠ - (بَاب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّةِ)
قَوْلُهُ [٢١٠٠] (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو بن عيينة (قال قبيصة بن ذويب) قال في التقريب قبيصة بن ذويب بالمعجمة مصغر بن حلحة الخزاعي أبو سعيد أو أبي إِسْحَاقَ الْمَدَنِيُّ نَزِيلُ دِمَشْقَ مِنْ أَوْلَادِ الصَّحَابَةِ وَلَهُ رُؤْيَةٌ مَاتَ سَنَةَ بِضْعٍ وَثَمَانِينَ
قَوْلُهُ (جاء الْجَدَّةُ أُمُّ الْأُمِّ أَوْ أُمُّ الْأَبِ) شَكٌّ من الراوي وقد ذكر القاضي حسين أم الْجَدَّةَ الَّتِي جَاءَتْ إِلَى الصِّدِّيقِ أُمُّ الْأُمِّ وَأَنَّ الَّتِي جَاءَتْ إِلَى عُمَرَ أُمُّ الْأَبِ وفي رواية بن مَاجَهْ مَا يَدُلُّ لَهُ كَذَا فِي التَّلْخِيصِ (مَا أَجِدُ لَكِ فِي الْكِتَابِ) أَيْ فِي كِتَابِ اللَّهِ (ثُمَّ جَاءَتِ الَّتِي تُخَالِفُهَا) وَفِي نسخة الجدة الأخرى وفي رواية بن مَاجَهْ ثُمَّ جَاءَتِ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى مِنْ قِبَلِ الْأَبِ إِلَى عُمَرَ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا
(وَأَيَّتُكُمَا انْفَرَدَتْ بِهِ) أَيِ انْفَرَدَتْ بِالسُّدُسِ وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا إِلَخْ بَيَانٌ لِلْمَسْأَلَةِ وَالْخِطَابُ فِي فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا وَأَيَّتُكُمَا لِلْجِنْسِ لَا يَخْتَصُّ بِهَاتَيْنِ الْجَدَّتَيْنِ
فَالصِّدِّيقُ إِنَّمَا حَكَمَ بِالسُّدُسِ لَهَا لِأَنَّهُ مَا وَقَفَ عَلَى الشَّرِكَةِ وَالْفَارُوقُ لَمَّا وَقَفَ عَلَى الِاجْتِمَاعِ حَكَمَ بِالِاشْتِرَاكِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَوْلُهُ [٢١٠١] (عَنْ عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ عُثْمَانُ بْنُ إِسْحَاقِ بْنِ خَرَشَةَ بِمُعْجَمَتَيْنِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ مَفْتُوحَاتٌ الْقُرَشِيُّ الْعَامِرِيُّ المدني وثقه الدوري في رواية بن معين من الخامسة
قوله (مالك في كتاب الله) أي في كلامه (ومالك فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ) أَيْ فِي حَدِيثِهِ (فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ (فَأَنْفَذَهُ لَهَا) أَيْ فَأَنْفَذَ الْحُكْمَ بِالسُّدُسِ لِلْجَدَّةِ وَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا (ثُمَّ جَاءَتِ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى) أَيْ مِنْ قبل الأب كما في رواية بن ماجة (ولكن هو ذلك) قال القارىء بِكَسْرِ الْكَافِ وَفِي نُسْخَةٍ يَعْنِي مِنَ الْمِشْكَاةِ بِالْفَتْحِ عَلَى خِطَابِ الْعَامِّ (السُّدُسَ) صِفَةُ ذَلِكَ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ لَهُ أَيْ مِيرَاثُكِ ذَلِكَ السُّدُسُ بِعَيْنِهِ تَقْسِمَانِهِ بَيْنَكُمَا (فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا) وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ ضِمْنًا وَتَوْضِيحٌ لِمَنْطُوقِ مَا فُهِمَ مَفْهُومًا وَالْخِطَابُ لِلْجَدَّةِ مِنْ طَرَفِ الْأُمِّ وَالْجَدَّةِ مِنْ طَرَفِ الْأَبِ (وَأَيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ) أَيِ انْفَرَدَتْ بِالسُّدُسِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وبن حبان والحاكم من هذا الوجه وإسناد صَحِيحٌ لِثِقَةِ رِجَالِهِ إِلَّا أَنَّ صُورَتَهُ مُرْسَلٌ فَإِنَّ قَبِيصَةَ لَا يَصِحُّ لَهُ سَمَاعٌ مِنَ الصديق ولا يمكن شهوده للقصة قاله بن عَبْدِ الْبَرِّ بِمَعْنَاهُ
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَوْلِدِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وُلِدَ عَامَ الْفَتْحِ فَيَبْعُدُ شُهُودُهُ الْقِصَّةَ وَقَدْ أَعَلَّهُ عَبْدُ الْحَقِّ تَبَعًا لِابْنِ حَزْمٍ بِالِانْقِطَاعِ
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ قَوْلَ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ انتهى (وهو أصح من حديث بن عُيَيْنَةَ) لِأَنَّ مَالِكًا أَتْقَنُ وَأَثْبَتُ مِنْ سُفْيَانَ بن عيينة
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ بُرَيْدَةَ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ إِذَا لَمْ تَكُنْ دُونَهَا أُمٌّ وَفِي إِسْنَادِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ العتكي مختلف فيه وصححه بن السَّكَنِ
١ - (بَاب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْجَدَّةِ مَعَ ابْنِهَا)
قَوْلُهُ [٢١٠٢] (أَطْعَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُدُسًا) أَيْ أَعْطَاهَا تَبَرُّعًا
قَالَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ قَوْلُهُ إِنَّهَا أَوَّلُ جَدَّةٍ مَقُولُ الْقَوْلِ وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إِلَى الْجَدَّةِ المذكورة في المسألة أي قال بن مَسْعُودٍ فِي مَسْأَلَةِ الْجَدَّةِ مَعَ الِابْنِ هَذَا الْقَوْلَ
قَالَ الْمُظْهِرُ يَعْنِي أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ أَبِي الْمَيِّتِ سُدُسًا مَعَ وُجُودِ أَبِي الْمَيِّتِ مَعَ أَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لَهَا مَعَهُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ) فِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَالِمٍ الْهَمْدَانِيُّ أَبُو سَهْلٍ الْكُوفِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الدَّارِمِيُّ
قَوْلُهُ (وَقَدْ وَرَّثَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ الْجَدَّةَ مَعَ ابْنِهَا وَلَمْ يُوَرِّثْهَا بَعْضُهُمْ) قَالَ فِي اللُّمَعَاتِ اعْلَمْ أَنَّ الْجَدَّاتِ سَوَاءٌ كَانَتْ أَبَوِيَّاتٍ أَوْ أُمِّيَّاتٍ يَسْقُطْنَ بِالْأُمِّ
أَمَّا الْأُمِّيَّاتُ فَلِوُجُودِ إِدْلَائِهَا بِالْأُمِّ وَاتِّحَادِ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ الْأُمُومَةُ وَأَمَّا الْأَبَوِيَّاتُ فَلِاتِّحَادِ السَّبَبِ مَعَ زِيَادَةِ الْقُرْبَى وَتَسْقُطُ الْأَبَوِيَّاتُ دُونَ الْأُمِّيَّاتِ بِالْأَبِ أَيْضًا وَهُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَغَيْرِهِمْ
وَنُقِلَ عَنْ عمر وبن مَسْعُودٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ أُمَّ الْأَبِ ترث مع الأب واختاره شريح والحسن وبن سِيرِينَ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَقِيلَ الْجَدَّةُ لَيْسَ لَهَا مِيرَاثٌ وَالَّذِي أَعْطَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طُعْمَةً أَطْعَمَهَا وَلَمْ يَكُنْ مِيرَاثًا كَمَا يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ الْحَدِيثِ
وَأَقْرَبُهُنَّ وَأَبْعَدُهُنَّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ انْتَهَى
١٢ - (بَاب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْخَالِ)
قَوْلُهُ [٢١٠٣] (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ (عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفٍ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَبِالْفَاءِ الْأَنْصَارِيِّ الْأَوْسِيِّ صَدُوقٌ مِنَ الْخَامِسَةِ (قَالَ كَتَبَ مَعِي) وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلًا رَمَى رَجُلًا بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ إِلَّا خَالٌ فَكَتَبَ فِي ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ إِلَى عُمَرَ فَكَتَبَ عُمَرُ أَيْ فِي جَوَابِهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ) وَفِي حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ معد يكرب الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ أَنَا مَوْلَى مَنْ لا مولى له أرث ماله وأفك عانه (وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ) أَيْ إن مات بن أُخْتِهِ وَلَمْ يَخْلِطْ غَيْرُ خَالِهِ فَهُوَ يَرِثُهُ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ وَالْمِقْدَامِ بْنِ معد يكرب) أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا وَأَمَّا حَدِيثُ الْمِقْدَامِ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ مَرْفُوعًا أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ فَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيْعَةً فَإِلَيَّ وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ وَأَنَا مَوْلَى مَنْ لَا مولى له أرث ماله وأفك عانه وَالْخَالُ مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ يَرِثُ مَالَهُ وَيَفُكُّ عَانِيَهُ
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَنَا وارث من لا وارث له أفك عنيه وَأَرِثُ مَالَهُ وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ له يفك عنيه وَيَرِثُ مَالَهُ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ أيضا أحمد والنسائي وبن ماجة والحاكم وبن حِبَّانَ وَصَحَّحَاهُ وَحَسَّنَهُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ وَأَعَلَّهُ البيهقي بالاضطراب
قوله (هذا حديث حسن) وأخرحه أحمد وبن مَاجَهْ وَذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ
قَوْلُهُ [٢١٠٤] (أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ) اسْمُهُ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُسْلِمٍ الشَّيْبَانِيُّ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِنَ التَّاسِعَةِ (عن بن جُرَيْجٍ) هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ الْأُمَوِيُّ مَوْلَاهُمُ الْمَكِّيُّ ثِقَةٌ فَقِيهٌ فَاضِلٌ وَكَانَ يُدَلِّسُ وَيُرْسِلُ مِنَ السَّادِسَةِ (عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ) الْجُنْدِيِّ الْيَمَانِيِّ صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ مِنَ السَّادِسَةِ
قَوْلُهُ (الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ بِتَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَهُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ وَقَدْ تَعَسَّفَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ الْمُرَادُ بِالْخَالِ السُّلْطَانُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَأَعَلَّهُ النَّسَائِيُّ بِالِاضْطِرَابِ وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقْفَهُ
قَوْلُهُ (وَاخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فَوَرَّثَ بَعْضُهُمُ الْخَالَ وَالْخَالَةَ وَالْعَمَّةَ
وَإِلَى هَذَا الْحَدِيثِ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ إِلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ ذَا الرَّحِمِ هُوَ كُلُّ قَرِيبٍ لَيْسَ بِذِي فَرْضٍ وَلَا عَصَبَةٍ فَأَكْثَرُ الصَّحَابَةِ كعمر وعلي وبن مَسْعُودٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَمُعَاذِ بْنِ جبل وأبي الدرداء وبن عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ مَشْهُورَةٍ وَغَيْرِهِمْ يَرَوْنَ تَوْرِيثَ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَتَابَعَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ التابعين علقمة والنخعي وشريح والحسن وبن سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ وَمُحَمَّدٌ ﵀ وَزُفَرُ وَمَنْ تَابَعَهُمْ
وَقَالَ زَيْدُ بن ثابت وبن عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ لَا مِيرَاثَ لِذَوِي الْأَرْحَامِ وَيُوضَعُ الْمَالُ عِنْدَ عَدَمِ صَاحِبِ الْفَرْضِ وَالْعَصَبَةِ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَتَابَعَهُمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
وقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ احْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بأحاديث الباب وبعموم قوله تعالى وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض وَقَوْلِهِ تَعَالَى لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ
الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْأَقْرَبِينَ يَشْمَلُهُمْ
وَالدَّلِيلُ عَلَى مُدَّعِي التَّخْصِيصِ
وَأَجَابَ الْآخَرُونَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا عُمُومَاتُ الْكِتَابِ مُحْتَمَلَةٌ وَبَعْضُهَا مَنْسُوخٌ وَالْأَحَادِيثُ فِيهَا مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْمَقَالِ وَيُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ دَعْوَى الِاحْتِمَالِ إِنْ كَانَتْ لِأَجْلِ الْعُمُومِ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَقْدَحُ فِي الدَّلِيلِ وَإِلَّا اسْتَلْزَمَ إِبْطَالَ الِاسْتِدْلَالِ بِكُلِّ دَلِيلٍ عَامٍّ وَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَتْ لِأَمْرٍ آخَرَ فَمَا هُوَ وَأَمَّا الِاعْتِذَارُ عَنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ بِمَا فِيهَا مِنَ الْمَقَالِ فَقَدْ عَرَفْتَ مَنْ صَحَّحَهَا مِنَ الْأَئِمَّةِ وَمَنْ حَسَّنَهَا وَلَا شَكَّ فِي انْتِهَاضِ مَجْمُوعِهَا لِلِاسْتِدْلَالِ إِنْ لَمْ يَنْتَهِضِ الْإِفْرَادُ
وَمِنْ جُمْلَةِ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى إِبْطَالِ مِيرَاثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ حَدِيثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ سَأَلْتُ اللَّهَ ﷿ عَنْ مِيرَاثِ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ فَسَارَّنِي أَنْ لَا مِيرَاثَ لَهُمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ مُرْسَلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ
وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرْسَلَ لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ وَلَهَا طُرُقٌ مَوْصُولَةٌ ذَكَرَهَا الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَالشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهَا وَكُلُّ هَذِهِ الطُّرُقِ لَا تَقُومُ بِهَا حُجَّةٌ وَعَلَى فَرْضِ صَلَاحِيَتِهَا لِلِاحْتِجَاجِ فَهِيَ وَارِدَةٌ فِي الْخَالَةِ وَالْعَمَّةِ فَغَايَتُهُ أَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لَهُمَا وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ إِبْطَالَ مِيرَاثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ انْتَهَى
٣ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الَّذِي يَمُوتُ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ)
قَوْلُهُ [٢١٠٥] (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيُّ الْكُوفِيُّ الْجُهَنِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ مَاتَ فِي إِمَارَةِ خَالِدٍ الْقُشَيْرِيِّ عَلَى الْعِرَاقِ (عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ وَرْدَانَ) الْمَدَنِيِّ صَدُوقٌ
قَوْلُهُ (وَقَعَ مِنْ عَذْقِ نَخْلَةٍ) قَالَ فِي الْمَجْمَعِ الْعَذْقُ بِالْفَتْحِ النَّخْلَةُ وَبِالْكَسْرِ الْعُرْجُونُ بِمَا فِيهِ مِنَ الشَّمَارِيخِ وَيُجْمَعُ عَلَى عِذَاقٍ (فَادْفَعُوهُ إِلَى بَعْضِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ اعْطُوا مِيرَاثَهُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ
قال القارىء أَيْ فَإِنَّهُ أَوْلَى مِنْ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ
قَالَ القاضي رحمه
اللَّهُ إِنَّمَا أَمَرَ أَنْ يُعْطِيَ رَجُلًا مِنْ قَرْيَتِهِ تَصَدُّقًا مِنْهُ أَوْ تَرَفُّقًا أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ لِبَيْتِ الْمَالِ وَمَصْرِفُهُ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ وَسَدُّ حَاجَاتِهِمْ فَوَضَعَهُ فِيهِمْ لِمَا رَأَى مِنَ الْمَصْلَحَةِ فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَمَا لَا يُورَثُ عَنْهُمْ لَا يَرِثُونَ عَنْ غَيْرِهِمْ وَقَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ لَا يَرِثُونَ وَلَا يورث عنهم عَنِ التَّلَبُّسِ بِالدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ وَانْقِطَاعِ أَسْبَابِهِمْ عَنْهَا
وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْمِقْدَامِ وَأَنَا مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ أَرِثُ مَالَهُ فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ حَقِيقَةَ الْمِيرَاثِ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ إِلَيَّ فِي التَّصَدُّقِ بِهِ أَوْ صَرْفِهِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ تَمْلِيكِ غَيْرِهِ انْتَهَى كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ بُرَيْدَةَ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ قَالَ مَاتَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِمِيرَاثِهِ فَقَالَ الْتَمِسُوا لَهُ وَارِثًا أَوْ ذَا رَحِمٍ فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ وَارِثًا وَلَا ذَا رَحِمٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْطُوهُ الْكَبِيرَ مِنْ خُزَاعَةَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مسندا ومرسلا
وقال جبريل بن أحمر لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَالْحَدِيثُ مُنْكَرٌ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَقَالَ الْمَوْصِلِيُّ فِيهِ نَظَرٌ
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ شَيْخٌ
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ والنسائي وبن مَاجَهْ وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ وَنَقَلَ الْمُنْذِرِيُّ تَحْسِينَ الترمذي فأقره
٤ - (باب في ميراث المولى لأسفل)
قوله [٢١٠٦] (عن عوسجة) المكي مولى بن عَبَّاسٍ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ مِنَ الرَّابِعَةِ (وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا) أَيْ لَمْ يَتْرُكْ أَحَدًا يَرِثُهُ (إِلَّا عَبْدًا) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَيْ لَكِنْ تَرَكَ عَبْدًا (فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِيرَاثَهُ) هَذَا الْإِعْطَاءُ مِثْلُ مَا سَبَقَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَعْطُوا مِيرَاثَهُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ لِأَنَّهُ صَارَ مَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ
قَالَ الْمُظْهِرُ قَالَ شُرَيْحٌ وطاؤس يَرِثُ الْعَتِيقُ مِنَ الْمُعْتِقِ كَمَا يَرِثُ الْمُعْتِقُ من العتيق
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ والنسائي وبن مَاجَهْ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَلْخِيصِ السُّنَنِ قَالَ البخاري عوسجة مولى بن عَبَّاسٍ الْهَاشِمِيُّ رَوَى عَنْهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَلَمْ يَصِحَّ
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ وَقَالَ النَّسَائِيُّ عَوْسَجَةُ لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا يَرْوِي عَنْهُ غَيْرُ عَمْرٍو
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ ثِقَةٌ
قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ إِذَا مَاتَ رَجُلٌ وَلَمْ يَتْرُكْ عَصَبَةً) أَيْ وَارِثًا (أَنَّ مِيرَاثَهُ يُجْعَلُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ) هَذَا إِذَا كَانَ بَيْتُ الْمَالِ مُنْتَظِمًا وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مُنْتَظِمًا فَيُجْعَلُ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ كَالْمَدَارِسِ الدِّينِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
٥ - (بَاب مَا جَاءَ فِي إِبْطَالِ الْمِيرَاثِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ)
قَوْلُهُ [٢١٠٧] (عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ زَيْنِ الْعَابِدِينَ ثِقَةٌ ثَبْتٌ عَابِدٌ فَقِيهٌ فاضل مشهور
قال بن عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ مَا رَأَيْتُ قُرَشِيًّا أَفْضَلَ مِنْهُ مِنَ الثَّالِثَةِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بن عَمْرٍو) أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو داود وبن مَاجَهْ عَنْهُ مَرْفُوعًا لَا يَتَوَارَثُ
أهل ملتين شيئا وأخرجه أيضا الدارقطني وبن السَّكَنِ وَسَنَدُ أَبِي دَاوُدَ فِيهِ إِلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ صَحِيحٌ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ هُوَ حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ أَيْضًا
وَأَغْرَبَ بن تَيْمِيَّةَ فِي الْمُنْتَقَى فَادَّعَى أَنَّ مُسْلِمًا لَمْ يخرجه وكذا بن الْأَثِيرِ فِي الْجَامِعِ ادَّعَى أَنَّ النَّسَائِيَّ لَمْ يُخْرِجْهُ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَ هَذَا) أَيْ رَوَوْا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بِالْوَاوِ (وَرَوَى مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ) أَيْ بِغَيْرِ الْوَاوِ (وَحَدِيثُ مَالِكٍ وَهْمٌ) أَيْ خَطَأٌ (وَهِمَ فِيهِ مَالِكٌ) أَيْ أَخْطَأَ فِيهِ (وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ) أَيْ بِالْوَاوِ (وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ قَالُوا عَنْ مَالِكٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ) أَيْ بِغَيْرِ الْوَاوِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ صَوَابُهُ عَمْرٌو تَفَرَّدَ مَالِكٌ بِقَوْلِهِ عُمَرَ وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ الْمَدَنِيُّ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ بِحَدِيثِ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ قَالَهُ مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْهُ
وَقَالَ عَامَّةُ الرُّوَاةِ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ وَهُوَ الْمَحْفُوظُ
وَقَالَ فِي الْفَتْحِ اتَّفَقَ الرُّوَاةُ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمِيمِ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا وَحْدَهُ قَالَ عُمَرَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَشَذَّتْ رِوَايَاتٌ عَنْ غَيْرِ مَالِكٍ عَلَى وَفْقِهِ وَرِوَايَاتٌ عَنْ مَالِكٍ عَلَى وَفْقِ الْجُمْهُورِ (وَعَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ هُوَ مَشْهُورٌ مِنْ وَلَدِ عُثْمَانَ وَلَا نَعْرِفُ عُمَرَ بْنَ عُثْمَانَ) قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ إِنَّ لِعُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ وُجُودًا فِي الْجُمْلَةِ كَمَا قال بن عَبْدِ الْبَرِّ إِنَّ أَهْلَ النَّسَبِ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ لِعُثْمَانَ ابْنًا يُسَمَّى عُمَرَ وَآخَرَ يُسَمَّى عمرا
وقد ذكر بن سَعْدٍ عُمَرَ بْنَ عُثْمَانَ وَقَالَ كَانَ قَلِيلَ الْحَدِيثِ وَذَكَرَ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ وَقَالَ كَانَ ثِقَةً وَلَهُ أَحَادِيثُ وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّ عُثْمَانَ لَمَّا مَاتَ وَرِثَهُ بَنُوهُ عَمْرٌو وَأَبَانُ وَعُمَرُ وَخَالِدٌ وَالْوَلِيدُ وَسَعِيدٌ وَبَنَاتُهُ وَزَوْجَتَاهُ لَكِنْ لَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ
وَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَلَا يَرِثُ الْكَافِرَ أَيْضًا عِنْدَ جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى تَوْرِيثِ الْمُسْلِمِ مِنَ الْكَافِرِ وَهُوَ مَذْهَبُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَمُعَاوِيَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَمَسْرُوقٍ وَغَيْرِهِمْ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَالشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ نَحْوَهُ عَلَى خِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ وَالصَّحِيحُ عَنْ هَؤُلَاءِ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ وَلَا حُجَّةَ فِي حَدِيثِ الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فَضْلُ الاسلام على غيره ولم يتعرض فيه الميراث فَكَيْفَ يُتْرَكُ بِهِ نَصُّ حَدِيثِ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَعَلَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ لَمْ يَبْلُغْهَا هَذَا الْحَدِيثُ انْتَهَى (وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مِيرَاثِ الْمُرْتَدِّ فَجَعَلَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وغيرهم الْمَالَ لِوَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَخْ) قَالَ النَّوَوِيُّ وَالْمُرْتَدُّ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ بِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَلَا يَرِثُ الْمُرْتَدَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَرَبِيعَةَ وبن أَبِي لَيْلَى وَغَيْرِهِمْ بَلْ يَكُونُ مَالُهُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ علي وبن مَسْعُودٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ لَكِنْ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ مَا كَسَبَهُ فِي رِدَّتِهِ فَهُوَ لِبَيْتِ الْمَالِ وَمَا كَسَبَهُ فِي الْإِسْلَامِ فَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ
وَقَالَ الْآخَرُونَ الْجَمِيعُ لِوَرَثَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى
٦ - (بَاب لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ)
قَوْلُهُ [٢١٠٨] (أَخْبَرَنَا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ) بِالنُّونِ مُصَغَّرًا الْوَاسِطِيُّ أبو محصن الضرير كوفي الأصل لابأس بِهِ رُمِيَ بِالنَّصْبِ مِنَ الثَّامِنَةِ
قَوْلُهُ (لَا يتوارث أهل ملتين) قال بن الْمَلَكِ يَدُلُّ بِظَاهِرِهِ عَلَى أَنَّ اخْتِلَافَ الْمِلَلِ فِي الْكُفْرِ يَمْنَعُ التَّوَارُثَ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ
قُلْنَا الْمُرَادُ هنا
الْإِسْلَامُ وَالْكُفْرُ فَإِنَّ الْكَفَرَةَ كُلَّهُمْ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ عِنْدَ مُقَابَلَتِهِمْ بِالْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانُوا أَهْلَ مِلَلٍ فِيمَا يَعْتَقِدُونَ انْتَهَى
وقَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي مُوَطَّئِهِ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ
وَالْكُفْرُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ يَتَوَارَثُونَ بِهِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مِلَلُهُمْ فَيَرِثُ الْيَهُودِيُّ مِنَ النَّصْرَانِيِّ وَالنَّصْرَانِيُّ مِنَ الْيَهُودِيِّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَالْعَامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنَا
انْتَهَى
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ تَوْرِيثُ الْكُفَّارِ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَالْيَهُودِيِّ مِنَ النَّصْرَانِيِّ وَعَكْسِهِ وَالْمَجُوسِيِّ مِنْهُمَا وَهُمَا مِنْهُ
قَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ رحمه اللهوأبو حَنِيفَةَ ﵀
وَآخَرُونَ وَمَنَعَهُ مَالِكٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَكِنْ لَا يَرِثُ حَرْبِيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ وَلَا ذِمِّيٌّ مِنْ حَرْبِيٍّ قَالَ أَصْحَابُنَا وَكَذَا لَوْ كَانَا حَرْبِيَّيْنِ فِي بَلَدَيْنِ مُتَحَارِبَيْنِ لَمْ يَتَوَارَثَا انْتَهَى
وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ أَنَّهُ لَا يَرِثُ مِلَّةٌ كُفْرِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ كُفْرِيَّةٍ أُخْرَى وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالْهَادَوِيَّةُ
وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِإِحْدَى الْمِلَّتَيْنِ الْإِسْلَامُ
وَبِالْأُخْرَى الْكُفْرُ وَلَا يَخْفَى بُعْدُ ذَلِكَ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ جابر إلا من حديث بن أَبِي لَيْلَى) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى
قَالَ فِي التَّقْرِيبِ صَدُوقٌ سيء الحفظ جدا
وأخرجه أحمد وأبو داود وبن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ فِي النَّيْلِ سَنَدُ أَبِي دَاوُدَ فِيهِ إِلَى عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ صَحِيحٌ
٧ - (بَاب مَا جَاءَ فِي إِبْطَالِ مِيرَاثِ الْقَاتِلِ)
قَوْلُهُ [٢١٠٩] (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي فَرْوَةَ الْأُمَوِيُّ مَوْلَاهُمُ الْمَدَنِيُّ مَتْرُوكٌ مِنَ الرَّابِعَةِ
قَوْلُهُ (الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ مِنَ الْمَقْتُولِ سَوَاءٌ كَانَ قَتَلَ خَطَأً أَوْ عَمْدًا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ) وأخرجه بن مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى وَقَالَ إِسْحَاقُ
مَتْرُوكٌ
قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا إِلَخْ) قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ تَحْتَ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئًا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الْقَاتِلَ لَا يَرِثُ سَوَاءٌ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا وَلَا يَرِثُ مِنَ الْمَالِ وَلَا مِنَ الدِّيَةِ
وَقَالَ مَالِكٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالْهَادَوِيَّةُ إِنَّ قَاتِلَ الْخَطَأِ يَرِثُ مِنَ الْمَالِ دُونَ الدِّيَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يُقْبَلُ إِلَّا بِدَلِيلٍ وَحَدِيثُ عُمَرَ بْنِ شَيْبَةَ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ الْأَشْجَعِيِّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ نَصٌّ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ اعْقِلْهَا وَلَا تَرِثْهَا
وَقَدْ كَانَ قَتَلَ امْرَأَتَهُ خَطَأً وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَدِيٍّ الْجُذَامِيِّ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي سُنَنِهِ بِلَفْظِ أَنَّ عَدِيًّا كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ اقْتَتَلَتَا فَرَمَى إِحْدَاهُمَا فَمَاتَتْ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ اعْقِلْهَا وَلَا تَرِثْهَا
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا أَنَّ رَجُلًا رَمَى بِحَجَرٍ فَأَصَابَ أُمَّهُ فَمَاتَتْ مِنْ ذَلِكَ فَأَرَادَ نَصِيبَهُ مِنْ مِيرَاثِهَا فَقَالَ لَهُ إِخْوَتُهُ لَا حَقَّ لَكَ فَارْتَفَعُوا إِلَى عَلِيٍّ ﵁ فَقَالَ لَهُ حَقُّكَ مِنْ مِيرَاثِهَا الْحَجَرُ وَغُرْمُهُ الدِّيَةُ وَلَمْ يُعْطِهِ مِنْ مِيرَاثِهَا شَيْئًا
وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ قَالَ أَيُّمَا رَجُلٍ قَتَلَ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلَا مِيرَاثَ لَهُ مِنْهُمَا وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ قَتَلَتْ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْهُمَا وَقَالَ قَضَى بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلِيٌّ وَشُرَيْحٌ وَغَيْرُهُمْ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ
وَقَدْ سَاقَ البيهقي في الباب اثارا عن عمر وبن عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا تُفِيدُ كُلُّهَا أَنَّهُ لَا مِيرَاثَ لِلْقَاتِلِ مُطْلَقًا انْتَهَى
٨ - (بَاب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا)
قَوْلُهُ [٢١١٠] (كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ وَرِّثِ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ) بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ
الْأُولَى مَنْسُوبٌ إِلَى ضِبَابِ بْنِ كِلَابٍ قُتِلَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ خَطَأً
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَةَ تَرِثُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا كَمَا تَرِثُ مِنْ مَالِهِ
وَكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ لِعُمُومِ قَوْلِهِ فِيهِ بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ وَالزَّوْجَةُ مِنْ جُمْلَتِهِمْ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ قُرَّةَ بْنِ دُعْمُوصٍ هَلْ لِأُمِّي فِيهَا حَقٌّ قَالَ نَعَمْ
انْتَهَى
قُلْتُ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّوْكَانِيُّ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قضى أن الْعَقْلَ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ عَلَى فَرَائِضِهِمْ
وَحَدِيثُ قُرَّةَ بْنِ دُعْمُوصٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنْهُ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَا وَعَمِّي قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدَ هَذَا دِيَةُ أَبِي فَمُرْهُ يُعْطِنِيهَا وَكَانَ قُتِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ أَعْطِهِ دِيَةَ أَبِيهِ فَقُلْتُ هَلْ لِأُمِّي فِيهَا حَقٌّ قَالَ نَعَمْ
وَكَانَتْ دِيَتُهُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ وَحَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا فِي بَابِ الْمَرْأَةُ تَرِثُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا مِنْ أَبْوَابِ الدِّيَّاتِ وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ شرحه
٩ - (باب ما جاء أن الميراث (الْأَمْوَالَ) لِلْوَرَثَةِ)
وَالْعَقْلَ عَلَى الْعَصَبَةِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى الْعَصَبَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ
قَوْلُهُ [٢١١١] (قَضَى) أَيْ حَكَمَ (فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ) قَالَ النَّوَوِيُّ الْمَشْهُورُ كَسْرُ اللَّامِ فِي لِحْيَانَ وَرُوِيَ فَتْحُهَا وَلِحْيَانُ بَطْنٌ مِنْ هُذَيْلٍ (بِغُرَّةِ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَشِدَّةِ الرَّاءِ مُنَوَّنًا (عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ) بَدَلٌ مِنْ غُرَّةٍ وَأَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلشَّكِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْغُرَّةِ فِي بَابِ دِيَةِ الْجَنِينِ مِنْ أَبْوَابِ الدِّيَّاتِ (ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ حُكِمَ عَلَيْهَا وَهِيَ الْمَرْأَةُ الْجَانِيَةُ (تُوُفِّيَتْ) أَيْ مَاتَتْ
قَالَ فِي اللُّمَعَاتِ فِي شَرْحِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ كَلَامٌ وَهُوَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمَرْأَةِ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا أَيْ عَلَى عَاقِلَتِهَا بِغُرَّةِ الْمَرْأَةِ الْجَانِيَةِ فَيَكُونُ الضَّمَائِرُ فِي بَنِيهَا وَزَوْجِهَا لَهَا وَكَذَا فِي قَوْلِهِ وَالْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا وَتَخْصِيصُ التَّوْرِيثِ لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا لِأَنَّهُمْ هُمْ كَانُوا مِنْ وَرَثَتِهَا وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّ مِيرَاثَهَا لِوَرَثَتِهَا أَيًّا مَا كَانَ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ بَيَانَ وَفَاةِ الْجَانِيَةِ لَيْسَ بِكَثِيرِ الْمُنَاسَبَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ بَلِ الْمُرَادُ مَوْتُ الْجَنِينِ مَعَ أُمِّهَا كَمَا وَرَدَ فِي رِوَايَةِ فَقَتَلَهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا فَقَالَ الطِّيبِيُّ فِي تَوْجِيهِهِ إِنَّ عَلَى فِي قَوْلِهِ قُضِيَ عَلَيْهَا وُضِعَ مَوْضِعَ اللَّامِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تعالى ولتكونوا شهداء على الناس
فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْمَرْأَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهَا وَالضَّمَائِرِ لَهَا إِلَّا فِي قَوْلِهِ عَلَى عَصَبَتِهَا فَإِنَّهُ لِلْجَانِي وَهَذَا إِذَا كَانَتِ الْقَضِيَّةُ وَاحِدَةً
قَالَ الطِّيبِيُّ وَهُوَ الظَّاهِرُ انْتَهَى
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا الْكَلَامُ (يَعْنِي قَوْلَهُ ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ إِلَخْ) قَدْ يُوهِمُ خِلَافَ مُرَادِهِ
فَالصَّوَابُ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي مَاتَتْ هِيَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهَا أُمُّ الْجَنِينِ لَا الْجَانِيَةُ
وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ فَقَتَلَهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ هِيَ الَّتِي قُضِيَ لَهَا بِالْغُرَّةِ فَعَبَّرَ بِعَلَيْهَا عَنْ لَهَا
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَى عَصَبَتِهَا فَالْمُرَادُ الْقَاتِلَةُ أَيْ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ انْتَهَى
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْفَرَائِضِ وَفِي الدِّيَّاتِ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ فِي الدِّيَّاتِ
قَوْلُهُ (وَرَوَى يُونُسُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ونحوه) رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن صالح حدثنا بن وهب حدثنا يونس عن بن شهاب عن بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ قَتَلَهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا
فَاخْتَصَمُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَضَى أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةُ عَبْدٍ أو وليدة وقضى دِيَةَ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ قَالَ أَخْبَرَنَا بن وَهْبٍ ﵀ قَالَ وَأَخْبَرَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يحيى التجيبي قال أنبأنا بن وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ) قَالَ فِي هَامِشِ النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ هَذِهِ الْعِبَارَةُ لَا تُوجَدُ فِي النُّسَخِ الدَّهْلَوِيَّةِ وَلَكِنْ وَجَدْتُهَا فِي النُّسْخَةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي جِئْتُ بِهَا مِنَ الْعَرَبِ انْتَهَى
قُلْتُ وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ النُّسْخَةِ أَنَّ مَالِكًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَوْصُولًا وَمُرْسَلًا
فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ الْكِهَانَةِ مِنْ كِتَابِ الطِّبِّ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أن امرأتين رمت إحداهما الأخرى فطرحت فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بغرة عبد
أو وليدة
وعن بن شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي الْجَنِينِ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ الْحَدِيثَ
٠ - (بَاب مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ الَّذِي يُسْلِمُ عَلَى يَدَيْ الرَّجُلِ)
قَوْلُهُ [٢١١٢] (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بْنِ مَرْوَانَ الْأُمَوِيِّ الْمَدَنِيِّ نَزِيلُ الْكُوفَةِ صدوق يخطىء مِنَ السَّابِعَةِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهِبٍ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَوْهِبٍ الشَّامِيُّ أَبُو خَالِدٍ قَاضِي فِلَسْطِينَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثِقَةٌ لَكِنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ مِنَ الثَّالِثَةِ (وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ صَوَابُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَوْهِبٍ
قَوْلُهُ (مَا السُّنَّةُ فِي الرَّجُلِ) أَيْ مَا حُكْمُ الشَّرْعِ فِي شَأْنِ الرَّجُلِ (مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ) أَيِ الْكُفْرِ (يُسْلِمُ عَلَى يَدِ رَجُلٍ) وَفِي رِوَايَةٍ عَلَى يَدَيِ الرَّجُلِ أَيْ هَلْ يَصِيرُ مَوْلًى لَهُ أَمْ لَا (هُوَ) أَيِ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ الَّذِي أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ الْكَافِرُ (أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ) أَيْ بِمَنْ أَسْلَمَ فِي حَيَاتِهِ وَمَمَاتِهِ يَعْنِي يَصِيرُ مَوْلًى لَهُ
قَالَ الْمُظْهِرُ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ ﵏ لَا يَصِيرُ مَوْلًى وَيَصِيرُ مَوْلًى عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَمْرِو بْنِ اللَّيْثِ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَدَلِيلُ الشَّافِعِيِّ وَأَتْبَاعِهِ قَوْلُهُ ﵊ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَحَدِيثُ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَارَثُونَ بِالْإِسْلَامِ وَالنُّصْرَةِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﵊ هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ
يَعْنِي بِالنُّصْرَةِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَبِالصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً انْتَهَى كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ قَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَرَى تَوْرِيثَ الرَّجُلِ مِمَّنْ يُسْلِمُ عَلَى يَدِهِ مِنَ الْكُفَّارِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِلَّا أَنَّهُمْ قَدْ زَادُوا فِي ذَلِكَ شَرْطًا وَهُوَ أَنْ يُعَاقِدَهُ وَيُوَالِيَهُ فَإِنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ وَلَمْ يُعَاقِدْهُ وَلَمْ يُوَالِهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ
وَقَالَ
إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ كَقَوْلِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْمُوَالَاةَ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَدَلَالَةُ الْحَدِيثِ مُهِمَّةٌ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ يَرِثُهُ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ
فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْمِيرَاثِ وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي رَعْيِ الذِّمَامِ وَالْإِيثَارِ وَالْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الْأُمُورِ وَقَدْ عَارَضَهُ قَوْلُهُ ﷺ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ
وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ لَا يَرِثُهُ وَضَعَّفَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدِيثَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ هَذَا وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ رَاوِيهِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الله بن وهب الخ) وأخرجه أحمد والدارمي والنسائي وبن مَاجَهْ (وَقَدْ أَدْخَلَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ وَبَيْنَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَبِيصَةَ بْنَ ذويب
وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ وَزَادَ فِيهِ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذويب قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي بَابِ إِذَا أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ كِتَابِ الْفَرَائِضِ وَيَذْكُرُ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رَفْعَهُ قَالَ هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَدْ وَصَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَأَبُو دَاوُدَ وبن أَبِي عَاصِمٍ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَاغَنْدِيُّ فِي مُسْنَدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِالْعَنْعَنَةِ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَوْهِبٍ يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذويب عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا السُّنَّةُ فِي الرَّجُلِ الْحَدِيثَ (وَهُوَ عِنْدِي لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ) قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ هَذَا الْخَبَرِ انْتَهَى
وَقَدْ بَسَطَ الْحَافِظُ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْفَتْحِ وَالْعَيْنِيُّ فِي الْعُمْدَةِ
قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ) كَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَغَيْرِهِ (وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُجْعَلُ مِيرَاثُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ) وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ هُوَ الظَّاهِرُ لِأَنَّ حَدِيثَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لَا يُقَاوِمُ حَدِيثَ عَائِشَةَ إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ
وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَتَرَدَّدَ فِي الْجَمْعِ هَلْ يَخُصُّ عُمُومَ الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ بِهَذَا فَيَسْتَثْنِي مِنْهُ مَنْ أَسْلَمَ أَوْ تُؤَوَّلُ الْأَوْلَوِيَّةُ فِي قَوْلِهِ أَوْلَى النَّاسِ بِمَعْنَى النُّصْرَةِ
وَالْمُعَاوَنَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لَا بِالْمِيرَاثِ وَيَبْقَى الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ عَلَى عُمُومِهِ جَنَحَ الْجُمْهُورُ إِلَى الثَّانِي وَرُجْحَانُهُ ظَاهِرٌ وَبِهِ جَزَمَ بن القصار في ما حكاه بن بَطَّالٍ فَقَالَ لَوْ صَحَّ الْحَدِيثُ لَكَانَ تَأْوِيلُهُ أَنَّهُ أَحَقُّ بِمُوَالَاتِهِ فِي النَّصْرِ وَالْإِعَانَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ إِذَا مَاتَ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَوْ جَاءَ الْحَدِيثُ بِلَفْظِ أَحَقُّ بِمِيرَاثِهِ لَوَجَبَ تَخْصِيصُ الْأَوَّلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
١ - (بَاب مَا جَاءَ فِي إِبْطَالِ ميراث ولد الزنى)
قَوْلُهُ [٢١١٣] (أَيُّمَا رَجُلٍ عَاهَرَ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي مِنْ باب المفاعلة أي زنا
قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ الْعَاهِرُ الزَّانِي وَقَدْ عَهَرَ يَعْهَرُ عَهْرًا وَعُهُورًا إِذَا أَتَى الْمَرْأَةَ ليلا للفجور بها ثم غلب على الزنى مُطْلَقًا (فَالْوَلَدُ وَلَدُ زِنًا لَا يَرِثُ) أَيْ مِنَ الْأَبِ (وَلَا يُورَثُ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَقِيلَ بكسرها قال بن الْمَلَكِ أَيْ لَا يَرِثُ ذَلِكَ الْوَلَدُ مِنَ الواطىء وَلَا مِنْ أَقَارِبِهِ إِذِ الْوِرَاثَةُ بِالنَّسَبِ وَلَا نسب بينه وبين الزاني ولا يرث الواطىء وَلَا أَقَارِبُهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَلَدِ وَالْحَدِيثُ فِي سنده بن لَهِيعَةَ وَفِيهِ مَقَالٌ مَعْرُوفٌ وَلَكِنْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ رَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جده
٢ - (باب فِيمَنْ يَرِثُ الْوَلَاءَ)
بِفَتْحِ الْوَاوِ يَعْنِي وَلَاءَ الْعِتْقِ وَهُوَ إِذَا مَاتَ الْمُعْتَقُ وَرِثَهُ مُعْتَقُهُ أَوْ وَرَثَةُ مُعْتَقِهِ
قَوْلُهُ [٢١١٤] (يَرِثُ الْوَلَاءَ) أَيْ مَالَ الْعَتِيقِ (مَنْ يَرِثُ الْمَالَ) أَيْ مِنَ الْعَصَبَاتِ الذُّكُورِ وَالْمُرَادُ الْعَصَبَةُ بِنَفْسِهِ
قَالَ الْمُظْهِرُ هَذَا مَخْصُوصٌ أَيْ يَرِثُ الْوَلَاءَ كُلُّ عَصَبَةٍ يَرِثُ مَالَ الْمَيِّتِ وَالْمَرْأَةُ وَإِنْ كَانَتْ تَرِثُ إِلَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَصَبَةٍ بَلِ الْعَصَبَةُ الذُّكُورُ دُونَ الْإِنَاثِ
وَلَا يَنْتَقِلُ الْوَلَاءُ إِلَى بَيْتِ المال
وَلَا تَرِثُ النِّسَاءُ بِالْوَلَاءِ إِلَّا إِذَا أُعْتِقْنَ أَوْ أَعْتَقَ عَتِيقُهُنَّ أَحَدًا انْتَهَى
وَقَالَ فِي اللُّمَعَاتِ أَيْ إِذَا مَاتَ عَتِيقُ الْأَبِ أَوْ عَتِيقُ عَتِيقِهِ يَرِثُ الِابْنُ ذَلِكَ الْوَلَاءَ وَهَذَا مَخْصُوصٌ بِالْعَصَبَةِ وَلَا تَرِثُ النِّسَاءُ الْوَلَاءَ إِلَّا مِمَّنْ أَعْتَقَتْهُ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقَتْهُ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ) لِأَنَّ فيه بن لَهِيعَةَ
٣ - (بَاب مَا جَاءَ مَا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنْ الْوَلَاءِ)
قَوْلُهُ [٢١١٥] (حَدَّثَنَا هَارُونُ أَبُو مُوسَى الْمُسْتَمْلِيُّ الْبَغْدَادِيُّ) هُوَ هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَزَّازُ الْحَافِظُ الْمَعْرُوفُ بِالْحَمَّالِ (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الْخَوْلَانِيُّ الْحِمْصِيُّ الْأَبْرَشُ ثِقَةٌ مِنَ التَّاسِعَةِ (أخبرنا عمر بن روية) بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ (التَّغْلِبِيُّ) بِمُثَنَّاةٍ الْحِمْصِيُّ صَدُوقٌ مِنَ الرَّابِعَةِ (عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ النَّصْرِيِّ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُمَيْرٍ النَّصْرِيُّ بِالنُّونِ أَوْ بُسْرٌ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ الدِّمَشْقِيُّ وَيُقَالُ الْحِمْصِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الْخَامِسَةِ
وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ وَيُعْرَفُ أَبُوهُ بِابْنِ بُسْرٍ أَيْ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ بِالْمُهْمَلَةِ
قَوْلُهُ (الْمَرْأَةُ تَحُوزُ) أَيْ تَجْمَعُ وَتُحِيطُ (ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ) جَمْعُ مِيرَاثٍ (عَتِيقَهَا) أَيْ مِيرَاثَ عَتِيقِهَا فَإِنَّهُ إِذَا أَعْتَقَتْ عَبْدًا وَمَاتَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ ترث ماله بالولاء (لقيطها) أَيْ مَلْقُوطَهَا فَإِنَّ الْمُلْتَقِطَ يَرِثُ مِنَ اللَّقِيطِ عَلَى مَذْهَبِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا وَلَاءَ لِلْمُلْتَقِطِ لِأَنَّهُ ﵊ خَصَّهُ بِالْمُعْتَقِ بِقَوْلِهِ لَا وَلَاءَ إِلَّا وَلَاءُ الْعَتَاقَةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَمَّا اللَّقِيطُ فَإِنَّهُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ حُرٌّ فَإِذَا كَانَ حُرًّا فَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ
وَالْمِيرَاثُ إِنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِنَسَبٍ أَوْ وَلَاءٍ وَلَيْسَ بَيْنَ اللَّقِيطِ وَمُلْتَقِطِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا
وَكَانَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ يَقُولُ وَلَاءُ اللَّقِيطِ لِمُلْتَقِطِهِ وَيَحْتَجُّ بِحَدِيثِ وَاثِلَةَ وَهَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ فَإِذَا لَمْ يَثْبُتِ الْحَدِيثُ لَمْ يَلْزَمِ الْقَوْلُ بِهِ فَكَانَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عَامَّةُ العلماء أولى انتهى (وولدها الذي لا عنت عَنْهُ) أَيْ عَنْ قِبَلِهِ وَمِنْ أَجْلِهِ
فِي شَرْحِ السُّنَّةِ هَذَا الْحَدِيثُ غَيْرُ ثَابِتٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهَا تَأْخُذُ مِيرَاثَ عَتِيقِهَا وَأَمَّا الْوَلَدُ الَّذِي نَفَاهُ الرَّجُلُ بِاللِّعَانِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَرِثُ الْآخَرَ لِأَنَّ التَّوَارُثَ بِسَبَبِ النَّسَبِ انْتَفَى بِاللِّعَانِ وَأَمَّا نَسَبُهُ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ فَثَابِتٌ وَيَتَوَارَثَانِ
قَالَ الْقَاضِي ﵀ وَحِيَازَةُ الْمُلْتَقِطَةِ مِيرَاثَ لَقِيطِهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهَا أَوْلَى بِأَنْ يُصْرَفَ إِلَيْهَا مَا خَلَّفَهُ مِنْ غَيْرِهَا صَرْفَ مال
بَيْتِ الْمَالِ إِلَى آحَادِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ تَرَكَتْهُ لَهُمْ لَا أَنَّهَا تَرِثُهُ وِرَاثَةُ الْمُعْتَقَةِ مِنْ معتقها وأما حكم ولد الزنى فَحُكْمُ الْمَنْفِيِّ بِلَا فَرْقٍ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَلَيْسَ فِيهِ سِوَى عُمَرَ بْنِ رُوبَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ نَظَرٌ وَوَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ انْتَهَى
وَحَدِيثُ وَاثِلَةَ هَذَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا أبو داود والنسائي وبن ماجة
٢٨ - كتاب الْوَصَايَا
قَالَ فِي الْفَتْحِ الْوَصَايَا جَمْعُ وَصِيَّةٍ كَالْهَدَايَا وَتُطْلَقُ عَلَى فِعْلِ الْمُوصِي وَعَلَى مَا يُوصِي بِهِ مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ عَهْدٍ وَنَحْوِهِ فَتَكُونُ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ وَهُوَ الْإِيصَاءُ وَتَكُونُ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ وَهُوَ الِاسْمُ
وَفِي الشَّرْعِ عَهْدٌ خَاصٌّ مُضَافٌ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَدْ يَصْحَبُهُ التَّبَرُّعُ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ الْوَصِيَّةُ مِنْ وَصَيْتُ الشَّيْءَ بِالتَّخْفِيفِ أَصِيهِ إِذَا وَصَلْتُهُ سُمِّيَتْ وَصِيَّةً لِأَنَّ الْمَيِّتَ يَصِلُ بِهَا مَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ وَيُقَالُ وَصِيَّةٌ بِالتَّشْدِيدِ وَوَصَاةٌ بِالتَّخْفِيفِ بِغَيْرِ هَمْزٍ وَتُطْلَقُ شَرْعًا أَيْضًا عَلَى مَا يَقَعُ بِهِ الزَّجْرُ عَنِ الْمَنْهِيَّاتِ والحث على المأمورات انتهى
(باب ما جاء في الوصية بالثلث)
قَوْلُهُ [٢١١٦] (مَرِضْتُ عَامَ الْفَتْحِ) صَوَابُهُ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي اتَّفَقَ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حجة الوداع إلا بن عُيَيْنَةَ فَقَالَ فِي فَتْحِ مَكَّةَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِهِ
وَاتَّفَقَ الْحَافِظُ عَلَى أَنَّهُ وَهِمَ فِيهِ قَالَ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ لَهُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عَامَ الْفَتْحِ وَمَرَّةً عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَفِي الْأُولَى لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ مِنَ الْأَوْلَادِ أَصْلًا وَفِي الثَّانِيَةِ كَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ فَقَطْ انْتَهَى (أَشْفَيْتُ مِنْهُ) أَيْ أَشْرَفْتُ يُقَالُ أَشْفَى عَلَى كَذَا أَيْ قَارَبَهُ وَصَارَ عَلَى شَفَاهُ
وَلَا يَكَادُ يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الشَّرِّ (يَعُودُنِي) حَالٌ (وَلَيْسَ يَرِثُنِي) أَيْ مِنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ (إلا ابنتي) لأنه كان له عصبة كثيرة ذكره المظهر
قَالَ الطِّيبِيُّ وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ وَرَثَتَكَ وَلَعَلَّ تَخْصِيصَ الْبِنْتِ بِالذِّكْرِ لِعَجْزِهَا
وَالْمَعْنَى لَيْسَ يَرِثُنِي مِمَّنْ أَخَافُ عَلَيْهِ إِلَّا ابْنَتِي (فَأُوصِي) بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ (بِمَالِي كُلِّهِ) أَيْ بِتَصَدُّقِهِ لِلْفُقَرَاءِ (فالشطر) بالجر أي فبالنصف
قال بن الْمَلَكِ يَجُوزُ نَصْبُهُ عَطْفًا عَلَى الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ وَرَفْعُهُ أَيْ فَالشَّطْرُ كَافٍ وَجَرُّهُ عَطْفًا عَلَى مَجْرُورِ الْبَاءِ (قُلْتُ فَالثُّلُثِ) بِالْجَرِّ وَجَوَّزَ النَّصْبَ وَالرَّفْعَ عَلَى مَا سَبَقَ (قَالَ الثُّلُثَ) بِالنَّصْبِ
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ يَجُوزُ نَصْبُ الثُّلُثِ الْأَوَّلِ وَرَفْعُهُ بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاءِ أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ أَعْطِ الثُّلُثَ وَأَمَّا الرَّفْعُ فَعَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ أَيْ يَكْفِيكَ الثُّلُثُ أَوْ أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ أَوْ عَكْسُهُ (وَالثُّلُثُ) بِالرَّفْعِ لَا غَيْرُ عَلَى الِابْتِدَاءِ خَبَرُهُ (كَثِيرٌ) قَالَ السُّيُوطِيُّ روي بالمثلثة والموحدة وكلاهما صحيح
قال بن الْمَلَكِ فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْإِيصَاءَ بِالثُّلُثِ جَائِزٌ لَهُ وَأَنَّ النَّقْصَ مِنْهُ أَوْلَى (إِنَّكَ) اسْتِئْنَافُ تَعْلِيلٍ (أَنْ تَذَرَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ وَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ تَتْرُكَ (وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ) أَيْ مُسْتَغْنِينَ عَنِ النَّاسِ (عَالَةً) أَيْ فُقَرَاءَ (يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) أَيْ يَسْأَلُونَهُمْ بِالْأَكُفِّ وَمَدِّهَا إِلَيْهِمْ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ وَرَثَتَهُ كَانُوا فُقَرَاءَ وَهُمْ أَوْلَى بِالْخَيْرِ مِنْ غَيْرِهِمْ
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ أَنْ تَذَرَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا رِوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ وَفِي الْفَائِقِ إِنْ تَذَرُ مَرْفُوعُ الْمَحَلِّ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَيْ تَرْكُكَ أَوْلَادَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ وَالْجُمْلَةُ بِأَسْرِهَا خَبَرُ إِنَّكَ (لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً) مَفْعُولٌ بِهِ أَوْ مُطْلَقٌ (إِلَّا أُجِرْتَ فِيهَا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ صِرْتَ مَأْجُورًا بِسَبَبِ تِلْكَ النَّفَقَةِ (حَتَّى اللُّقْمَةَ) بِالنَّصْبِ وَبِالْجَرِّ وَحُكِيَ بِالرَّفْعِ (تَرْفَعُهَا إِلَى فِيِّ امْرَأَتِكَ) وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى مَا تَجْعَلَ فِي فِيِّ امْرَأَتِكَ أَيْ فِي فَمِهَا
وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُنْفِقَ لِابْتِغَاءِ رِضَائِهِ تَعَالَى يُؤْجَرُ وَإِنْ كَانَ مَحَلُّ الْإِنْفَاقِ مَحَلَّ الشَّهْوَةِ وَحَظَّ النَّفْسِ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ وَنِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (أُخَلَّفُ عَنْ هِجْرَتِي) أَيْ أَبْقَى بِسَبَبِ الْمَرَضِ خَلْفًا بِمَكَّةَ قَالَهُ تَحَسُّرًا وَكَانُوا يَكْرَهُونَ الْمُقَامَ بمكة بعد ما هَاجَرُوا مِنْهَا (وَتَرَكُوهَا لِلَّهِ) إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ بَعْدِي فَتَعْمَلَ عَمَلًا إِلَخْ يَعْنِي أَنَّ كَوْنَكَ مُخَلَّفًا لَا يَضُرُّكَ مَعَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ (لَعَلَّكَ إِنْ تَخَلَّفَ) أَيْ بِأَنْ يَطُولَ عُمُرُكَ (حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ) أَيْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِالْغَنَائِمِ
مِمَّا سَيَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْكَ مِنْ بِلَادِ الشِّرْكِ (وَيُضَرُّ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ (بِكَ آخَرُونَ) مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يُهْلَكُونَ عَلَى يَدَيْكَ وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ الَّذِي تَرَجَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَشُفِيَ سَعْدٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ وَطَالَ عُمُرُهُ حَتَّى انْتَفَعَ بِهِ أَقْوَامٌ مِنَ المسلمين واستضربه آخَرُونَ مِنَ الْكُفَّارِ حَتَّى مَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ
قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ فَإِنَّ سَعْدًا ﵁ عَاشَ حَتَّى فَتْحِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِ وَانْتَفَعَ بِهِ أَقْوَامٌ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَتَضَرَّرَ بِهِ الْكُفَّارُ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ فَإِنَّهُمْ قَتَلُوا رجالهم وسبيت نساءهم وَأَوْلَادُهُمْ وَغُنِمَتْ أَمْوَالُهُمْ وَدِيَارُهُمْ
وَوَلِيَ الْعِرَاقَ فَاهْتَدَى عَلَى يَدَيْهِ خَلَائِقُ وَتَضَرَّرَ بِهِ خَلَائِقُ بِإِقَامَتِهِ الْحَقَّ فِيهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَنَحْوِهِمْ انْتَهَى (اللَّهُمَّ امْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ) أَيْ تَمِّمْهَا لَهُمْ وَلَا تُنْقِصْهَا (لَكِنَّ الْبَائِسَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ) الْبَائِسُ مَنْ أَصَابَهُ بُؤْسٌ أَيْ ضَرَرٌ وَهُوَ يَصْلُحُ لِلذَّمِّ وَالتَّرَحُّمِ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يُهَاجِرْ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى مَاتَ بِهَا فَهُوَ ذَمٌّ وَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ هَاجَرَ وَمَاتَ بِهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَهُوَ تَرَحُّمٌ (يَرْثِي لَهُ) مِنْ رَثَيْتُ الْمَيِّتَ مَرْثِيَةٌ إِذَا عَدَّدَتْ مَحَاسِنَهُ وَرَثَأَتْ بِالْهَمْزِ لُغَةٌ فِيهِ فَإِنْ قِيلَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمَرَاثِي كَمَا رَوَاهُ أحمد وبن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فَإِذَا نَهَى عَنْهُ كَيْفَ يَفْعَلُهُ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَرْثِيَةَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا مَا فِيهِ مَدْحُ الْمَيِّتِ وَذِكْرُ مَحَاسِنِهِ الْبَاعِثُ عَلَى تَهْيِيجِ الْحُزْنِ وَتَجْدِيدِ اللَّوْعَةِ أَوْ فِعْلِهَا مَعَ الِاجْتِمَاعِ لَهَا أَوْ عَلَى الْإِكْثَارِ مِنْهَا دُونَ مَا عَدَا ذَلِكَ وَالْمُرَادُ هُنَا تَوَجُّعُهُ ﵇ وَتَحَزُّنُهُ عَلَى سَعْدٍ لِكَوْنِهِ مَاتَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ مِنْهَا لَا مَدْحَ الْمَيِّتِ لِتَهْيِيجِ الْحُزْنِ كَذَا ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ (أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ لِأَجْلِ مَوْتِهِ بِأَرْضٍ هَاجَرَ مِنْهَا وَكَانَ يَكْرَهُ مَوْتَهُ بِهَا فَلَمْ يُعْطَ ما تمنى
قال بن بَطَّالٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ يَرْثِي لَهُ
فَهُوَ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ ﷺ لَكِنَّ الْبَائِسَ إِلَخْ أَيْ رَثِيَ لَهُ حِينَ مَاتَ بِمَكَّةَ وَكَانَ يَهْوَى أَنْ يَمُوتَ بغيرها
قوله (وفي الباب عن بن عَبَّاسٍ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ
قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ) قَالَ
الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ اسْتَقَرَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَنْعِ الْوَصِيَّةِ بِأَزْيَدَ مِنَ الثُّلُثِ
لَكِنِ اخْتُلِفَ فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ خَاصٌّ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى مَنْعِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ وَجَوَّزَ لَهُ الزِّيَادَةَ الْحَنَفِيَّةُ وَإِسْحَاقُ وَشَرِيكٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وهو قول علي وبن مَسْعُودٍ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ مُطْلَقَةٌ فِي الْآيَةِ فَقَيَّدَتْهَا السُّنَّةُ لِمَنْ لَهُ وَارِثٌ فَبَقِيَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ (وَقَدِ اسْتَحَبَّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُنْقِصَ مِنَ الثُّلُثِ إِلَخْ) قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ اسْتِحْبَابُ النَّقْصِ عَنِ الثُّلُثِ
وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ إِنْ كَانَ الْوَرَثَةُ فُقَرَاءَ اسْتُحِبَّ أَنْ يَنْقُصَ مِنْهُ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ اسْتُحِبَّ أَنْ يُوصِيَ بِالثُّلُثِ تَبَرُّعًا
(بَاب مَا جَاءَ فِي الضِّرَارِ فِي الْوَصِيَّةِ)
قَوْلُهُ [٢١١٧] (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ) بْنِ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ حَفِيدُ نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْآتِي فِي هَذَا السَّنَدِ ثِقَةٌ ثَبْتٌ طُلِبَ لِلْقَضَاءِ فَامْتَنَعَ مِنْ الْعَاشِرَةِ (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ) بْنِ صُهْبَانَ الْأَزْدِيُّ الْجَهْضَمِيُّ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ مِنَ السَّابِعَةِ (حدثنا الْأَشْعَثُ بْنُ جَابِرٍ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ أَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرٍ الْحُدَّانِيُّ الْأَزْدِيُّ بَصْرِيٌّ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ يُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ وَهُوَ الْحَمْلِيُّ صَدُوقٌ مِنَ الْخَامِسَةِ (قَالَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلَ) أَيْ لَيَعْبُدَ (وَالْمَرْأَةَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى اسْمِ إِنَّ وَخَبَرُ الْمَعْطُوفِ مَحْذُوفٌ بِدَلَالَةِ خَبَرِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ وَخَبَرُهُ كَذَلِكَ وَقَدْ تَنَازَعَ فِي قَوْلِهِ (بِطَاعَةِ اللَّهِ) الْمَحْذُوفُ وَالْمَذْكُورُ (سِتِّينَ سَنَةً) أَيْ مَثَلًا أَوِ الْمُرَادُ مِنْهُ التَّكْثِيرُ (ثُمَّ يَحْضُرُهُمُ الْمَوْتُ) وَفِي رِوَايَةٍ يَحْضُرُهُمَا بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَيْ عَلَامَتُهُ (فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ) مِنَ الْمُضَارَّةِ أَيْ يُوَصِّلَانِ الضَّرَرَ إِلَى الْوَارِثِ بِسَبَبِ الْوَصِيَّةِ لِلْأَجْنَبِيِّ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ أَوْ بِأَنْ يَهَبَ جميع ماله لواحد من الورثة كيلا يورث وارث اخرون مِنْ مَالِهِ شَيْئًا فَهَذَا مَكْرُوهٌ وَفِرَارٌ عَنْ حكم الله تعالى ذكره بن الْمَلَكِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَأَنْ يُوصِيَ لِغَيْرِ أَهْلِ الْوَصِيَّةِ أَوْ يُوصِيَ بِعَدَمِ إِمْضَاءِ مَا أَوْصَى بِهِ حَقًّا بِأَنْ نَدِمَ مِنْ وَصِيَّتِهِ أَوْ يَنْقُضَ بَعْضَ الْوَصِيَّةِ (فَيَجِبُ لَهُمَا النَّارُ) أَيْ فَتَثْبُتُ
وَالْمَعْنَى يَسْتَحِقَّانِ الْعُقُوبَةَ وَلَكِنَّهُمَا تَحْتَ الْمَشِيئَةِ (ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ قَائِلُهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ أَيْ قَرَأَ عَلَيَّ أَبُو هُرَيْرَةَ استشهادا وإعتضادا (من بعد وصية) مُتَعَلِّقٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ (يُوصَى بها أو دين) ببناء المجهول
(غير مضار) حَالٌ عَنْ يُوصِي مُقَدَّرٌ لِأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ يُوصِي عُلِمَ أَنَّ ثَمَّ مُوصِيًا أَيْ غَيْرَ مُوَصِّلٍ الضَّرَرَ إِلَى وَرَثَتِهِ بِسَبَبِ الْوَصِيَّةِ (إِلَى قوله ذلك الفوز العظيم) يَعْنِي (وَصِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ
وَالشَّاهِدُ إِنَّمَا هُوَ الْآيَةُ الْأُولَى وَإِنَّمَا قَرَأَ الْآيَةَ الثَّانِيَةَ لِأَنَّهَا تُؤَكِّدُ الْأُولَى وَكَذَا مَا بَعْدَهَا مِنَ الثَّالِثَةِ وَكَأَنَّهُ أكتفى بالثانية عن الثالثة قاله القارىء
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وأبو داود وبن مَاجَهْ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ بَعْدَ نَقْلِ تَحْسِينِ التِّرْمِذِيِّ وَشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَوَثَّقَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ
(بَاب مَا جَاءَ فِي الْحَثِّ عَلَى الْوَصِيَّةِ)
قَوْلُهُ [٢١١٨] (مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) كَلِمَةُ مَا بِمَعْنَى لَيْسَ (يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ) جملة فعلية وقعت صفة أخرى لامرىء (وَلَهُ مَا يُوصِي فِيهِ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ أَيْ وَلَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ (إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ) مُسْتَثْنًى خَبَرُ لَيْسَ وَالْوَاوُ فِيهِ لِلْحَالِ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ تَبَعًا لِلطِّيبِيِّ
وَقَالَ الْحَافِظُ قَوْلُهُ يَبِيتُ كَأَنَّ فِيهِ حَذْفًا
تَقْدِيرُهُ أَنْ يَبِيتَ وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمْ الْبَرْقَ الْآيَةَ
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَبِيتُ صِفَةً لِمُسْلِمٍ وَبِهِ جَزَمَ الطِّيبِيُّ قَالَ هِيَ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ انْتَهَى
قَالَ الْعَيْنِيُّ مُعْتَرِضًا عَلَيْهِ هَذَا قِيَاسٌ فَاسِدٌ وَفِيهِ تَغْيِيرُ الْمَعْنَى أَيْضًا وَإِنَّمَا قَدَّرَ أَنَّ فِي قَوْلِهِ يُرِيكُمْ لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ الِابْتِدَاءِ لِأَنَّ قَوْلَهُ (وَمِنْ آيَاتِهِ) فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ وَالْفِعْلُ لَا يَقَعُ مُبْتَدَأً فَيُقَدَّرُ أَنَّ فِيهِ حَتَّى يَكُونَ فِي مَعْنَى الْمَصْدَرِ فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ وُقُوعُهُ مُبْتَدَأً
فَمَنْ لَهُ ذَوْقٌ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ يَفْهَمُ هَذَا وَيَعْلَمُ تَغْيِيرَ الْمَعْنَى فِيمَا قَالَ انْتَهَى
قُلْتُ قَالَ الْقَسْطَلَّانِيُّ لَمْ يُجِبِ الْحَافِظُ عَنْ ذَلِكَ فِي انْتِقَاضِ الِاعْتِرَاضِ بِشَيْءٍ بَلْ بَيَّضَ لَهُ كَكَثِيرٍ مِنَ الِاعْتِرَاضَاتِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْعَيْنِيُّ عَلَيْهِ لَكِنْ يَدُلُّ لِمَا قَالَهُ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ
فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عن بن عُمَرَ حَيْثُ قَالَ فِيهَا أَنْ يَبِيتَ
فَصَرَّحَ بِأَنْ الْمَصْدَرِيَّةِ انْتَهَى
قُلْتُ وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَيُّوبَ بِلَفْظِ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ لَا يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ وَلَهُ مَا يُوصِي فِيهِ الْحَدِيثُ
وَمَا رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ الْغَازِ عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ لَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ الْحَدِيثُ فَقَوْلُ الْعَيْنِيِّ هَذَا قِيَاسٌ فَاسِدٌ وَفِيهِ تَغْيِيرُ الْمَعْنَى إِلَخْ لَيْسَ مِمَّا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ وَقَدْ قَالَ بِمَا قَالَ الْحَافِظُ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ فِي الْعُدَّةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ يَبِيتُ بِتَأْوِيلِهِ بِالْمَصْدَرِ تَقْدِيرَهُ مَا حَقُّهُ بَيْتُوتَتُهُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَهُوَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْمَصَابِيحِ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ ارْتَفَعَ بَعْدَ حَذْفِ أَنْ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى وَمِنْ اياته يريكم البرق ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ قَالَ الْحَافِظُ قَوْلُهُ لَيْلَتَيْنِ كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي عَوَانَةَ وَالْبَيْهَقِيِّ يَبِيتُ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ يَبِيتُ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَكَأَنَّ ذِكْرَ اللَّيْلَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ لِرَفْعِ الْحَرَجِ لِتَزَاحُمِ أَشْغَالِ الْمَرْءِ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِهَا فَفَسَحَ لَهُ هَذَا الْقَدْرَ لِيَتَذَكَّرَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَاخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ فِيهِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ لِلتَّقْرِيبِ لَا التَّحْدِيدِ وَالْمَعْنَى لَا يَمْضِي عَلَيْهِ زَمَانٌ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى اغْتِفَارِ الزَّمَنِ الْيَسِيرِ وَكَأَنَّ الثَّلَاثَ غَايَةٌ لِلتَّأْخِيرِ وَلِذَلِكَ قال بن عُمَرَ فِي رِوَايَةِ سَالِمٍ لَمْ أَبِتْ لَيْلَةً مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا وَوَصِيَّتِي عِنْدِي انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْأَمْرِ بِهَا لَكِنَّ مَذْهَبَنَا وَمَذْهَبَ الْجَمَاهِيرِ أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ لَا وَاجِبَةٌ
وقَالَ دَاوُدُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ هِيَ وَاجِبَةٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَا دَلَالَةَ لَهُمْ فِيهِ فَلَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِإِيجَابِهَا لَكِنْ إِنْ كَانَ عَلَى الْإِنْسَانِ دَيْنٌ أَوْ حَقٌّ أَوْ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ وَنَحْوُهَا لَزِمَهُ الْإِيصَاءُ بِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَعْنَى الْحَدِيثِ مَا الْحَزْمُ وَالِاحْتِيَاطُ لِلْمُسْلِمِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ وَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةً عِنْدَهُ وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهَا وَأَنْ يَكْتُبَهَا فِي صَحِيفَةٍ وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ فِيهَا وَيَكْتُبَ فِيهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَإِنْ تَجَدَّدَ لَهُ أَمْرٌ يَحْتَاجُ إِلَى الْوَصِيَّةِ بِهِ أَلْحَقَهُ بِهَا
وَقَوْلُهُ ﷺ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ مَعْنَاهُ مَكْتُوبَةٌ وَقَدْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهَا لَا أَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الْكِتَابَةِ بَلْ لَا يُعْمَلُ بِهَا وَلَا يَنْفَعُ إِلَّا إِذَا كَانَ أَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهَا
هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ
وَقَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا يَكْفِي الْكِتَابُ مِنْ غَيْرِ إِشْهَادٍ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ وأحمد والشيخان وبن ماجه
٤ - (بَاب مَا جَاءَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُوصِ)
قَوْلُهُ [٢١١٩] (عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ) بِمِيمٍ مَضْمُومَةٍ وَفَتْحِ صَادٍ وَكَسْرِ رَاءٍ مُشَدَّدَةٍ عَلَى الصَّوَابِ وَحُكِيَ فَتْحُهَا وَبِفَاءٍ كَذَا فِي الْمُغْنِي وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ هَذَا هو بن عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ الْيَامِيُّ بِالتَّحْتَانِيَّةِ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ قَارِئٌ فَاضِلٌ مِنَ الْخَامِسَةِ
قَوْلُهُ (قُلْتُ لِابْنِ أَبِي أَوْفَى) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى عَلْقَمَةُ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيُّ صحابي شهد الحديبية وعمر بعد النبي ﷺ دَهْرًا مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْكُوفَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ
قَوْلُهُ (قَالَ لَا) هَكَذَا أَطْلَقَ الْجَوَابَ وَكَأَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ السُّؤَالَ وَقَعَ عَنْ وَصِيَّةٍ خَاصَّةٍ فَلِذَلِكَ سَاغَ نَفْيَهَا لَا أَنَّهُ أَرَادَ نَفْيَ الْوَصِيَّةِ مُطْلَقًا
لِأَنَّهُ أَثْبَتَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ بِكِتَابِ اللَّهِ (وَكَيْفَ كُتِبَتِ الْوَصِيَّةُ وَكَيْفَ أَمَرَ النَّاسَ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ كَيْفَ كَتَبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةَ أُمِرُوا بِهَا وَلَمْ يُوصِ
وَبِذَلِكَ يَتِمُّ الِاعْتِرَاضُ أَيْ كَيْفَ يُؤْمَرُ الْمُسْلِمُونَ بِشَيْءٍ وَلَا يَفْعَلُهُ النَّبِيُّ ﷺ
قَالَ النَّوَوِيُّ لَعَلَّ بن أَبِي أَوْفَى أَرَادَ لَمْ يُوصِ بِثُلُثِ مَالِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ بَعْدَهُ مَالًا وَأَمَّا الْأَرْضُ فَقَدْ سَلَبَهَا فِي حَيَاتِهِ وَأَمَّا السِّلَاحُ وَالْبَغْلَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَقَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّهَا لَا تُورَثُ عَنْهُ بَلْ جَمِيعُ مَا يَخْلُفُهُ صَدَقَةٌ فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يُوصِي بِهِ مِنَ الْجِهَةِ الْمَالِيَّةِ وَأَمَّا الْوَصَايَا بِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَمْ يرد بن أَبِي أَوْفَى نَفْيَهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْفِيُّ وَصِيَّتَهُ إِلَى عَلِيٍّ بِالْخِلَافَةِ كَمَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ ذَكَرُوا عِنْدَهَا أَنَّ عَلِيًّا كَانَ وَصِيًّا فَقَالَتْ متى أوصى إليه الحديث
وقد أخرج بن حبان حديث الباب من طريق بن عُيَيْنَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ بِلَفْظٍ يُزِيلُ الاشكال فقال سئل بن أَبِي أَوْفَى هَلْ أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا تَرَكَ شَيْئًا يُوصِي فِيهِ قِيلَ فَكَيْفَ أَمَرَ النَّاسَ بِالْوَصِيَّةِ ولم يوص قال أوصى بكتاب
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ اسْتِبْعَادُ طَلْحَةَ وَاضِحٌ لِأَنَّهُ أَطْلَقَ فَلَوْ أَرَادَ شَيْئًا بِعَيْنِهِ لَخَصَّهُ بِهِ فَاعْتَرَضَهُ بِأَنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَصِيَّةَ وَأُمِرُوا بِهَا فَكَيْفَ لَمْ يَفْعَلْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَأَجَابَهُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَطْلَقَ فِي مَوْضِعِ التَّقْيِيدِ (أَوْصَى بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ بِالتَّمَسُّكِ بِهِ
وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ وَلَعَلَّهُ أَشَارَ لِقَوْلِهِ ﷺ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَمْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ
وَأَمَّا مَا صَحَّ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ ﷺ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ لَا يَبْقَيْنَ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ وَفِي لَفْظٍ أَخْرِجُوا الْيَهُودَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ
وَقَوْلُهُ أَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ بِهِ
وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّاوِي الثَّالِثَةَ وَكَذَا مَا ثَبَتَ فِي النَّسَائِيِّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الصَّلَاةُ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ
وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يُمْكِنُ حَصْرُهَا بالتتبع فالظاهر أن بن أَبِي أَوْفَى لَمْ يُرِدْ نَفْيَهُ وَلَعَلَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِكِتَابِ اللَّهِ لِكَوْنِهِ أَعْظَمَ وَأَهَمَّ وَلِأَنَّ فِيهِ تِبْيَانَ كُلِّ شَيْءٍ إِمَّا بِطَرِيقِ النصر وَإِمَّا بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ فَإِذَا اتَّبَعَ النَّاسُ مَا فِي الْكِتَابِ عَمِلُوا بِكُلِّ مَا أَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وما اتاكم الرسول فخذوه الْآيَةَ أَوْ يَكُونُ لَمْ يَحْضُرْ شَيْئًا مِنْ الْوَصَايَا الْمَذْكُورَةِ أَوْ لَمْ يَسْتَحْضِرْهَا حَالَ قَوْلِهِ وَالْأَوْلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِالنَّفْيِ الْوَصِيَّةَ بِالْخِلَافَةِ أَوْ بِالْمَالِ وَسَاغَ إِطْلَاقُ النَّفْيِ أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَبِقَرِينَةِ الْحَالِ وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّهُ المتبادر عرفا
وقد صح عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ ﷺ لَمْ يوص أخرجه بن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَرْقَمَ بْنِ شُرَحْبِيلَ عنه مع أن بن عَبَّاسٍ هُوَ الَّذِي رَوَى حَدِيثَ أَنَّهُ ﷺ أَوْصَى بِثَلَاثٍ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْوَصَايَا وَفِي الْمَغَازِي وفي فضائل القران وأخرجه مسلم والنسائي وبن ماجه في الوصايا
(باب ما جاء لاوصية لِوَارِثٍ)
قَوْلُهُ [٢١٢٠] (أَخْبَرَنَا شُرَحْبِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ) الشَّامِيُّ صَدُوقٌ فِيهِ لِينٌ مِنَ الثَّالِثَةِ
قَوْلُهُ (قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ) أَيْ بَيَّنَ لَهُ حَظَّهُ وَنَصِيبَهُ الَّذِي فُرِضَ لَهُ (فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) قَالَ الْأَمِيرُ الْيَمَانِيُّ فِي السُّبُلِ الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ وَهُوَ قَوْلُ الْجَمَاهِيرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ
وَذَهَبَ الْهَادِي وَجَمَاعَةٌ إِلَى جَوَازِهَا مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى كُتِبَ عليكم إذا حضر أحدكم الموت الْآيَةَ
قَالُوا وَنَسْخُ الْوُجُوبِ لَا يُنَافِي الْجَوَازَ
قُلْنَا نَعَمْ لَوْ لَمْ يُرِدْ هَذَا الْحَدِيثَ فإنه ينافي
جَوَازَهَا إِذْ وُجُوبُهَا قَدْ عُلِمَ نَسْخُهُ مِنْ آية المواريث كما قال بن عَبَّاسٍ كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ وَالْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ فَنَسَخَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ وللزوج الشطر والربع انتهى
قلت حديث بن عَبَّاسٍ هَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي الْوَصَايَا وَغَيْرِهِ
قَالَ الْحَافِظُ هُوَ مَوْقُوفٌ لَفْظًا إِلَّا أَنَّهُ فِي تَفْسِيرِهِ إِخْبَارٌ بِمَا كَانَ مِنَ الْحُكْمِ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ فَيَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ بِهَذَا التَّقْرِيرِ انْتَهَى
وَاعْلَمْ أَنَّ حديث الباب أخرجه الدارقطني من حديث بن عَبَّاسٍ وَزَادَ فِي آخِرِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ
قَالَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ وَقَالَ فِي الْفَتْحِ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ فَقَدْ قِيلَ إِنَّ عَطَاءً الَّذِي رَوَاهُ عن بن عباس هو الخرساني وهو لم يسمع من بن عَبَّاسٍ
وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ
قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ إِسْنَادُهُ وَاهٍ وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تَصِحُّ وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ إِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَةُ
قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي الْعُمْدَةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ إِنَّمَا يُبْطِلُ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَجْلِ حُقُوقِ سَائِرِ الْوَرَثَةِ فَإِنْ أَجَازُوهَا جَازَتْ كَمَا إِذَا أَجَازُوا الزِّيَادَةَ عَلَى الثُّلُثِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهَا لَا تَجُوزُ وَإِنْ أَجَازُوهَا لِأَنَّ الْمَنْعَ لِحَقِّ الشَّرْعِ فَلَوْ جَوَّزْنَاهَا كُنَّا قَدِ اسْتَعْمَلْنَا الْحُكْمَ الْمَنْسُوخَ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ انْتَهَى
(الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ) أَيْ لِلْأُمِّ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَتُسَمَّى الْمَرْأَةُ فِرَاشًا لِأَنَّ الرَّجُلَ يَفْتَرِشُهَا أَيِ الْوَلَدُ مَنْسُوبٌ إِلَى صَاحِبِ الْفِرَاشِ سَوَاءٌ كَانَ زَوْجًا أَوْ سيدا أو واطىء شُبْهَةٍ وَلَيْسَ لِلزَّانِي فِي نَسَبِهِ حَظٌّ إِنَّمَا الَّذِي جُعِلَ لَهُ مِنْ فِعْلِهِ اسْتِحْقَاقُ الْحَدِّ وَهُوَ قَوْلُهُ (وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ يُرِيدُ أَنَّ لَهُ الْخَيْبَةَ وَهُوَ كَقَوْلِكَ لَهُ التُّرَابُ وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَى الرَّجْمِ فَقَدْ أَخْطَأَ لِأَنَّ الرَّجْمَ لَا يُشْرَعُ فِي سَائِرِهِ (وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى) قَالَ الْمُظْهِرُ يَعْنِي نَحْنُ نُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى الزُّنَاةِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُمْ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُمْ هَذَا مَفْهُومُ الْحَدِيثِ وَقَدْ جَاءَ مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الدُّنْيَا لَا يُعَذَّبُ بِذَلِكَ الذَّنْبِ فِي الْقِيَامَةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُثْنِيَ الْعُقُوبَةَ عَلَى مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَنْ زَنَى أَوْ أَذْنَبَ ذَنْبًا آخَرَ وَلَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عاقبه
قال القارىء وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ وَنَحْنُ نُجْرِي أَحْكَامَ الشَّرْعِ بِالظَّاهِرِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالسَّرَائِرِ
فَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ وَجَزَاؤُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَوْ بَقِيَّةُ مُحَاسَبَتِهِمْ وَمُجَازَاتِهِمْ مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَى ذَلِكَ الذَّنْبِ وَمُبَاشَرَةِ سَائِرِ الذُّنُوبِ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ (وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ) بِتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيِ انْتَسَبَ إلى غير
أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ (أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ) أَيِ انْتَسَبَ إِلَيْهِمْ وَصَارَ مَعْرُوفًا بِهِمْ مِنْ نَمَّيْتُهُ إِلَى أَبِيهِ نَمْيًا نَسَبْتُهُ إِلَيْهِ وَانْتَمَى هُوَ (فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ التَّابِعَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَنَسٍ الْمُتَتَابِعَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (لَا تُنْفِقِ) نَفْيٌ وَقِيلَ نَهْيٌ (امْرَأَةٌ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا) أَيْ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً (قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الطَّعَامَ قَالَ ذَاكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا) يَعْنِي فَإِذَا لَمْ تَجُزِ الصَّدَقَةُ بِمَا هُوَ أَقَلُّ قَدْرًا مِنَ الطَّعَامِ بِغَيْرِ إِذْنِ الزَّوْجِ فَكَيْفَ تَجُوزُ بِالطَّعَامِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ (الْعَارِيَّةُ) بِالتَّشْدِيدِ وَيُخَفَّفُ (مُؤَدَّاةٌ) بِالْهَمْزَةِ وَيُبَدَّلُ
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ أَيْ تُؤَدَّى إِلَى صَاحِبِهَا
وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي الضَّمَانِ فَالْقَائِلُ بِالضَّمَانِ يَقُولُ تُؤَدَّى عَيْنًا حَالَ الْقِيَامِ وَقِيمَةً عِنْدَ التَّلَفِ وفائدة التأدية عند من يرى خلافه إلزام الْمُسْتَعِيرِ مُؤْنَةَ رَدِّهَا إِلَى مَالِكِهَا (وَالْمِنْحَةُ) بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ مَا يَمْنَحُهُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ أَيْ يُعْطِيهِ مِنْ ذَاتِ دَرٍّ لِيَشْرَبَ لَبَنَهَا أَوْ شَجَرَةً لِيَأْكُلَ ثَمَرَهَا أَوْ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا وَفِي رِوَايَةٍ الْمَنِيحَةُ (مَرْدُودَةٌ) إِعْلَامٌ بِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ تَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ لَا تَمْلِيكَ الرَّقَبَةِ (وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ) أَيْ يَجِبُ قَضَاؤُهُ (وَالزَّعِيمُ) أَيِ الْكَفِيلُ (غَارِمٌ) أَيْ يُلْزِمُ نَفْسَهُ مَا ضَمِنَهُ وَالْغُرْمُ أَدَاءُ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ وَالْمَعْنَى ضَامِنٌ وَمَنْ ضَمِنَ دَيْنًا لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) أَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فأخرجه بن مَاجَهْ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو داود وبن مَاجَهْ وَحَسَّنَهُ الْحَافِظُ أَيْضًا فِي التَّلْخِيصِ
وَقَالَ فِي الْفَتْحِ فِي إِسْنَادِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَقَدْ قَوَّى حَدِيثَهُ إِذَا رَوَى عَنِ الشَّامِيِّينَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنْهُمْ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَهَذَا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ الشَّامِيِّينَ لِأَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ وَهُوَ شَامِيٌّ ثِقَةٌ وَصَرَّحَ فِي رِوَايَتِهِ بِالتَّحْدِيثِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ
وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ بْنِ خَارِجَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَعَنْ أَنَسٍ عِنْدَ بن مَاجَهْ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ وَعَنْ جَابِرٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ أَيْضًا وَقَالَ الصَّوَابُ إِرْسَالُهُ
وعن علي عند بن أَبِي شَيْبَةَ وَلَا يَخْلُو إِسْنَادُ كُلٍّ مِنْهَا عَنْ مَقَالٍ لَكِنَّ مَجْمُوعَهَا يَقْتَضِي أَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا بَلْ جَنَحَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ إِلَى أَنَّ هَذَا الْمَتْنَ مُتَوَاتِرٌ فَقَالَ وَجَدْنَا أَهْلَ الْفُتْيَا وَمَنْ حَفِظْنَا عَنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَغَازِي مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ عَامَ الْفَتْحِ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ وَيُؤْثِرُونَ عَمَّنْ حَفِظُوهُ عَنْهُ مِمَّنْ لَقُوهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَكَانَ نَقْلَ كَافَّةٍ عَنْ كَافَّةٍ فَهُوَ أَقْوَى مِنْ نَقْلِ وَاحِدٍ وَقَدْ نَازَعَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ فِي كَوْنِ هَذَا الْحَدِيثِ مُتَوَاتِرًا وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ ذَلِكَ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ لَكِنَّ الْحُجَّةَ فِي هَذَا الْإِجْمَاعِ عَلَى مُقْتَضَاهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ انْتَهَى (قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ أَصْلَحُ بَدَنًا مِنْ بَقِيَّةَ) أَيْ أَصْلَحُ حَالًا مِنْهُ (وَسَمِعْتُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ الدَّارِمِيُّ (وَلَا تَأْخُذُوا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ مَا حَدَّثَ عَنِ الثِّقَاتِ وَلَا غَيْرِ الثِّقَاتِ)
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُقَدِّمَةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ فِي إِسْمَاعِيلَ خِلَافُ قَوْلِ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ قَالَ عَبَّاسٌ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ ثِقَةٌ وَكَانَ أَحَبَّ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ مِنْ بَقِيَّةَ
وَقَالَ بن أَبِي خَيْثَمَةَ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ هُوَ ثِقَةٌ وَالْعِرَاقِيُّونَ يَكْرَهُونَ حَدِيثَهُ
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ مَا رَوَى عَنِ الشَّامِيِّينَ أَصَحُّ
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ إِذَا حَدَّثَ عَنْ أَهْلِ بِلَادِهِ فَصَحِيحٌ وَإِذَا حَدَّثَ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِثْلُ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَسُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ كُنْتُ أَسْمَعُ أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ عِلْمُ الشام عند إسماعيل بن عياش والوليدة بْنِ مُسْلِمٍ
قَالَ يَعْقُوبُ وَتَكَلَّمَ قَوْمٌ فِي إِسْمَاعِيلَ وَهُوَ ثِقَةٌ عَدْلٌ أَعْلَمُ النَّاسِ بِحَدِيثِ الشَّامِ وَلَا يَدْفَعُهُ دَافِعٌ وَأَكْثَرُ مَا تَكَلَّمُوا قَالُوا يَغْرُبُ عَنْ ثِقَاتِ الْمَكِّيِّينَ وَالْمَدَنِيِّينَ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ إِسْمَاعِيلُ ثِقَةٌ فِيمَا رَوَى عَنِ الشَّامِيِّينَ وَأَمَّا رِوَايَتُهُ عَنْ أَهْلِ الْحِجَازِ فَإِنَّ كِتَابَهُ ضَاعَ فَخَلَطَ فِي حِفْظِهِ عَنْهُمْ
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ هُوَ لَيِّنٌ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَفَّ عَنْهُ إِلَّا أَبَا إِسْحَاقَ الْفَزَارِيَّ انْتَهَى
قَوْلُهُ [٢١٢١] (وَأَنَا تَحْتَ جِرَانِهَا) بِكَسْرِ الْجِيمِ
قَالَ في القاموس جران البعير بالكسر مقدم عنفه مِنْ مَذْبَحِهِ إِلَى مَنْحَرِهِ (وَهِيَ تَقْصَعُ بِجِرَّتِهَا) الْجِرَّةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْجِرَّةُ بِالْكَسْرِ هَيْئَةُ الْجَرِّ وَمَا يُفِيضُ بِهِ الْبَعِيرُ فَيَأْكُلُهُ ثَانِيَةً وَقَدِ اجْتَرَّ وَأَجَرَّ وَاللُّقْمَةُ يَتَعَلَّلُ بِهَا الْبَعِيرُ إِلَى وَقْتِ عَلَفِهِ وَالْقَصْعُ الْبَلْعُ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ قَصَعَ كَمَنَعَ ابْتَلَعَ جَرْعَ الْمَاءِ وَالنَّاقَةُ بِجِرَّتِهَا رَدَّتْهَا إِلَى جَوْفِهَا أَوْ مَضَغَتْهَا أَوْ هُوَ بَعْدَ الدَّسْعِ وَقَبْلَ الْمَضْغِ أَوْ هُوَ أَنْ تَمْلَأَ بِهَا فَاهَا أَوْ شِدَّةُ الْمَضْغِ (وَإِنَّ لُعَابَهَا يَسِيلُ بَيْنَ كَتِفَيَّ) وَفِي رِوَايَةٍ وَإِنَّ لُغَامَهَا بِضَمِّ اللَّامِ بَعْدَهَا غَيْنٌ مُعْجَمَةٌ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مِيمٌ هُوَ اللُّعَابُ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ لَغَمَ الْجَمَلُ كَمَنَعَ رَمَى بِلُعَابِهِ لِزَبَدِهِ قَالَ وَالْمَلَاغِمُ مَا حول الفم
قوله (هذاحديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والنسائي وبن مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَفِي سَنَدِهِ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبَ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ
(بَاب مَا جَاءَ يبدأ بالدين قبل الوصية)
قوله [٢١٢٢] (وأنتم تقرون الْوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى من بعد وصية يوصي بها أو دين وَقَوْلِهِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دين وَقَوْلِهِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دين وَقَوْلِهِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دين قال الطيبي ﵀ قوله أنتم تقرأون إخبار فيه معنى الاستفهام يعني أنتم أتقرأون هَذِهِ الْآيَةَ هَلْ تَدْرُونَ مَعْنَاهَا فَالْوَصِيَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الدَّيْنِ فِي الْقِرَاءَةِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْهُ فِي الْقَضَاءِ انْتَهَى
وَتَقَدَّمَ وَجْهُ تَقْدِيمِ الْوَصِيَّةِ عَلَى الدَّيْنِ فِي الْقِرَاءَةِ مَعَ كَوْنِهَا مُتَأَخِّرَةً عَنْهُ فِي الْقَضَاءِ فِي بَابِ مِيرَاثِ الْإِخْوَةِ مِنَ الأب والأم وسيأتي مفصلا
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ الدَّيْنَ يُقَدَّمُ عَلَى الْوَصِيَّةِ إِلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ مَا لَوْ أَوْصَى الشَّخْصُ بِأَلْفٍ مَثَلًا وَصَدَّقَهُ الْوَارِثُ وَحَكَمَ بِهِ ثُمَّ ادَّعَى آخَرُ أَنَّ لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ دَيْنًا يَسْتَغْرِقُ مَوْجُودَهُ وَصَدَّقَهُ الْوَارِثُ فَفِي وَجْهٍ لِلشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا تُقَدَّمُ الْوَصِيَّةُ عَلَى الدَّيْنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْخَاصَّةِ وَأَمَّا تَقْدِيمُ الْوَصِيَّةِ عَلَى الدَّيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ بَعْدِ وصية
قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ العلم أنه يبدأ بالدين قبل الوصية) يوصي بها أو دين فَقَدْ قِيلَ فِي ذَلِكَ إِنَّ الْآيَةَ لَيْسَ فِيهَا صِيغَةُ تَرْتِيبٍ بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَوَارِيثَ إِنَّمَا تَقَعُ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ وَإِنْفَاذِ الْوَصِيَّةِ وَأُتِيَ بِأَوْ لِلْإِبَاحَةِ وَهِيَ كَقَوْلِكَ جَالِسْ زَيْدًا أو عمرا أي لك مجالسة فكل وَاحِدٍ مِنْهُمَا اجْتَمَعَا أَوِ افْتَرَقَا وَإِنَّمَا قُدِّمَتْ لِمَعْنًى اقْتَضَى الِاهْتِمَامَ بِتَقْدِيمِهَا وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِ ذَلِكَ الْمَعْنَى
وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ التَّقْدِيمِ سِتَّةُ أُمُورٍ أَحَدُهَا الْخِفَّةُ وَالثِّقَلُ كَرَبِيعَةَ وَمُضَرَ فَمُضَرُ أَشْرَفُ مِنْ رَبِيعَةَ لَكِنْ لَفْظُ رَبِيعَةَ لَمَّا كَانَ أَخَفَّ قُدِّمَ فِي الذِّكْرِ وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى اللَّفْظِ
ثَانِيهَا بِحَسَبِ الزَّمَانِ كَعَادٍ وَثَمُودَ
ثَالِثُهَا بِحَسَبِ الطَّبْعِ كَثُلَاثَ وَرُبَاعَ
رَابِعُهَا بِحَسَبِ الرُّتْبَةِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ حَقُّ الْبَدَنِ وَالزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ فَالْبَدَنُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَالِ
خَامِسُهَا
تَقْدِيمُ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَزِيزٌ حَكِيمٌ
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ عَزَّ فَلَمَّا عَزَّ حَكَمَ
سَادِسُهَا بِالشَّرَفِ وَالْفَضْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ
وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَقَدْ ذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ تَقْدِيمَ الْوَصِيَّةِ فِي الذِّكْرِ عَلَى الدَّيْنِ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إِنَّمَا تَقَعُ عَلَى سَبِيلِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَقَعُ غَالِبًا بَعْدَ الْمَيِّتِ بِنَوْعِ تَفْرِيطٍ فَوَقَعَتِ الْبُدَاءَةُ بِالْوَصِيَّةِ لِكَوْنِهَا أَفْضَلَ
وَقَالَ غَيْرُهُ قُدِّمَتِ الْوَصِيَّةُ لِأَنَّهَا شَيْءٌ يُؤْخَذُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَالدَّيْنُ يُؤْخَذُ بِعِوَضٍ فَكَانَ إِخْرَاجُ الْوَصِيَّةِ أُشَقَّ عَلَى الْوَارِثِ مِنْ إِخْرَاجِ الدَّيْنِ وَكَانَ أَدَاؤُهَا مَظِنَّةً لِلتَّفْرِيطِ بِخِلَافِ الدَّيْنِ فَإِنَّ الْوَارِثَ مُطْمَئِنٌّ بِإِخْرَاجِهِ فَقُدِّمَتِ الْوَصِيَّةُ لِذَلِكَ
وَأَيْضًا فَهِيَ حَظُّ فَقِيرٍ وَمِسْكِينٍ غَالِبًا وَالدَّيْنُ حَظُّ غَرِيمٍ يَطْلُبُ بِقُوَّةٍ وَلَهُ مَقَالٌ كَمَا صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ مَقَالًا
وَأَيْضًا فَالْوَصِيَّةُ يُنْشِئُهَا الْمُوصِي مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فَقُدِّمَتْ تَحْرِيضًا عَلَى الْعَمَلِ بِهَا بِخِلَافِ الدَّيْنِ انْتَهَى
وَحَدِيثُ عَلِيٍّ الْمَذْكُورُ ضَعِيفٌ
قَالَ فِي النَّيْلِ قَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ سَلَامُ اللَّهِ وَرِضْوَانُهُ قَالَ قَضَى مُحَمَّدٌ أَنَّ الدَّيْنَ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ وأنتم تقرأون الْوَصِيَّةَ قَبْلَ الدَّيْنِ وَالْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ إِسْنَادُهُ ضَعِيفًا لَكِنَّهُ مُعْتَضِدٌ بِالِاتِّفَاقِ الَّذِي سَلَفَ انْتَهَى
٧ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ أَوْ يَعْتِقُ عِنْدَ الْمَوْتِ)
قَوْلُهُ [٢١٢٣] (عَنْ أَبِي حَبِيبَةَ الطَّائِيِّ) قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ رَوَى عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ حَدِيثَ مَثَلُ الَّذِي يُهْدِي وَيُعْتِقُ عِنْدَ الْمَوْتِ إِلَخْ وَعَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ غَيْرُهُ وَذَكَرَهُ بن حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ انْتَهَى
وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ
قَوْلُهُ (أَمَّا أَنَا فَلَوْ كُنْتُ لَمْ أَعْدِلْ بِالْمُجَاهِدِينَ) أَيْ لَمْ أُسَاوِ بِهِمُ الْفُقَرَاءَ أَوِ الْمَسَاكِينَ وَغَيْرَهُمْ
وَالْمَعْنَى لَوْ كُنْتُ أَنَا مُوصِيًا لَمْ أُوصِ إِلَّا لِلْمُجَاهِدِينَ (مَثَلُ الَّذِي يُعْتِقُ) وَفِي رِوَايَةٍ يَتَصَدَّقُ (عِنْدَ الْمَوْتِ) أَيْ عِنْدَ احْتِضَارِهِ
وَفِي الْمِشْكَاةِ مَثَلُ الَّذِي يَتَصَدَّقُ عِنْدَ مَوْتِهِ يُعْتِقُ (كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي إِذَا شَبِعَ) قَالَ الطِّيبِيُّ فِي هَذَا الْإِهْدَاءِ نَوْعُ اسْتِخْفَافٍ بِالْمُهْدَى إِلَيْهِ انْتَهَى
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ مَرْتَبَةٌ نَاقِصَةٌ لِأَنَّ التَّصَدُّقَ وَالْإِعْتَاقَ حَالَ الصِّحَّةِ أَفْضَلُ كَمَا أَنَّ السَّخَاوَةَ عند المجاعة أكمل قاله القارىء
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا لَأَنْ يَتَصَدَّقَ الْمَرْءُ فِي حَيَاتِهِ بِدِرْهَمٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِائَةٍ عِنْدَ مَوْتِهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِي سَنَدِهِ شُرَحْبِيلُ بْنُ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ لَا يُحْتَجُّ بحديثه
٨ - قَوْلُهُ [٢١٢٤] (أَنَّ بَرِيرَةَ) بِوَزْنِ عَظِيمَةٍ هِيَ مَوْلَاةٌ لِعَائِشَةَ تَقَدَّمَ تَرْجَمَتُهَا فِي بَابِ اشْتِرَاطِ الْوَلَاءِ وَالزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الْبُيُوعِ (تَسْتَعِينُ عَائِشَةَ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ) أَيْ أَدَّتْ (مِنْ كِتَابَتِهَا) أَيْ مِنْ بَدَلِ كِتَابَتِهَا (ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ) الْمُرَادُ بِهِ مَوَالِيهَا (فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ) ظَاهِرُهُ أَنَّ عَائِشَةَ طَلَبَتْ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهَا إِذَا بَذَلَتْ جَمِيعَ مَالِ الْكِتَابَةِ وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ إِذْ لَوْ وَقَعَ لَكَانَ اللَّوْمُ بِطَلَبِهَا وَلَاءَ مَنْ أَعْتَقَهَا غَيْرُهَا وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظٍ يُزِيلُ الْإِشْكَالَ فَقَالَ إِنْ أَعَدَّهَا لَهُمْ عُدَّةً وَاحِدَةً وَأَعْتَقَكِ وَيَكُونُ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ وُهَيْبٌ عَنْ هِشَامٍ فَعُرِفَ بِذَلِكَ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَهَا شِرَاءً صَحِيحًا ثُمَّ تُعْتِقَهَا إِذِ الْعِتْقُ فَرْعُ ثُبُوتِ الْمِلْكِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي كَذَا فِي النَّيْلِ (فَذَكَرْتُ ذَلِكَ) أَيِ الَّذِي قَالَتْهُ عَائِشَةُ (فَأَبَوْا) أَيِ امْتَنَعُوا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لِعَائِشَةَ (إِنْ شَاءَتْ) أَيْ عَائِشَةُ (أَنْ تحتسب) هو مِنَ الْحِسْبَةِ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ تَحْتَسِبَ الْأَجْرَ عِنْدَ اللَّهِ (وَيَكُونَ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى تَحْتَسِبَ (لَنَا وَلَاؤُكِ) لَا لَهَا (فَذَكَرَتْ) أَيْ عَائِشَةُ (ابتاعي فأعتقي) هو كقوله في حديث بن عُمَرَ لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ (فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) فِيهِ إِثْبَاتُ الْوَلَاءِ لِلْمُعْتِقِ وَنَفْيُهُ عَمَّا عَدَاهُ كَمَا تَقْضِيهِ إِنَّمَا الْحَصْرِيَّةُ وَاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا وَلَاءَ لِمَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ أَوْ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مُخَالَفَةٌ خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَلَا لِلْمُلْتَقِطِ خِلَافًا لِإِسْحَاقَ (ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ (مَا بَالُ أَقْوَامٍ) أَيْ مَا حَالُهُمْ (لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ) أَيْ فِي حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي كتبه على عباده وشرعه لهم قال بن خُزَيْمَةَ أَيْ لَيْسَ فِي حُكْمِ اللَّهِ
جَوَازُهَا أَوْ وُجُوبُهَا لَا أَنَّ كُلَّ مَنْ شَرَطَ شَرْطًا لَمْ يَنْطِقْ بِهِ الْكِتَابُ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ قَدْ يُشْتَرَطُ فِي الْبَيْعِ الْكَفِيلُ فَلَا يَبْطُلُ الشَّرْطُ وَيُشْتَرَطُ فِي الثَّمَنِ شُرُوطٌ مِنْ أَوْصَافِهِ أَوْ نُجُومِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَبْطُلُ فَالشُّرُوطُ الْمَشْرُوعَةُ صَحِيحَةٌ وَغَيْرُهَا بَاطِلٌ (فَلَيْسَ لَهُ) أَيْ ذَلِكَ الشَّرْطُ أَيْ لَا يَسْتَحِقُّهُ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مَنْ شَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ (وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ) ذَكَرَ الْمِائَةَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْكَثْرَةِ لَا أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ بِعَيْنِهِ هُوَ الْمُرَادُ
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدِ اسْتَنْبَطَ أَهْلُ العلم منه فوائد كثيرة
قال بن بَطَّالٍ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي تَخْرِيجِ الْوُجُوهِ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ حَتَّى بَلَغُوهَا نَحْوَ مِائَةِ وَجْهٍ
وقال النووي صنف فيه بن خزيمة وبن جَرِيرٍ تَصْنِيفَيْنِ كَبِيرَيْنِ أَكْثَرَ فِيهِمَا مِنَ اسْتِنْبَاطِ الْفَوَائِدِ مِنْهَا فَذَكَرَ أَشْيَاءَ
قَالَ الْحَافِظُ وَلَمْ أقف على تصنيف بن خزيمة ووقفت على كلام بن جَرِيرٍ مِنْ كِتَابِهِ تَهْذِيبِ الْآثَارِ وَلَخَّصْتُ مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ بَلَّغَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْفَوَائِدَ مِنْ حَدِيثِ بَرِيرَةَ إِلَى أَرْبَعِمِائَةٍ أَكْثَرُهَا مُسْتَبْعَدٌ مُتَكَلَّفٌ كَمَا وَقَعَ نَظِيرُ ذَلِكَ لِلَّذِي صَنَّفَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ فَبَلَغَ بِهِ أَلْفَ فَائِدَةٍ وَفَائِدَةٍ انْتَهَى
وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ كَثِيرًا مِنْ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ وَفِي كِتَابِ النِّكَاحِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي بَابِ ذِكْرِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي الْمَسْجِدِ
وَفِي الزَّكَاةِ فِي بَابِ الصَّدَقَةِ عَلَى مَوَالِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي الْعِتْقِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْهِبَةِ وَالْبُيُوعِ وَالْفَرَائِضِ وَالطَّلَاقِ وَالشُّرُوطِ وَالْأَطْعِمَةِ وَكَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ وَأَخْرَجَهُ فِي الطَّلَاقِ مِنْ حَدِيثِ بن عباس وفي الفرائض من حديث بن عُمَرَ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ طَرَفًا مِنْهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي بَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَعَ النِّسَاءِ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَفِي بَابِ إِذَا اشْتَرَطَ فِي الْبَيْعِ شُرُوطًا مِنْ حَدِيثِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْعِتْقِ وَالنَّسَائِيُّ فِي الْبُيُوعِ وفي العتق والفرائض وفي الشروط وبن ماجه في العتق
٢٩ - كتاب الولاء والهبة
الخ الْوَلَاءُ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ حَقُّ مِيرَاثِ الْمُعْتِقِ بِالْكَسْرِ من المعتق بالفتح
(بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ)
قَوْلُهُ [٢١٢٥] (الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْطَى الثَّمَنَ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ لِمَنْ أَعْطَى الْوَرِقَ
قَالَ الْحَافِظُ أَيْ أَعْطَى الثَّمَنَ وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالْوَرِقِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ (أَوْ لِمَنْ وَلِيَ النِّعْمَةَ) أَيْ نِعْمَةَ الْعِتْقِ
قَالَ الْحَافِظُ مَعْنَى قَوْلِهِ وَلِيَ النِّعْمَةَ أَعْتَقَ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ وَوَلِيَ النِّعْمَةَ بِوَاوِ الْعَطْفِ وَلَفْظَةُ أَوْ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ هَذِهِ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي
وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ مَنِ اشترى العبد وأعتقه فولاؤه له
قال بن بَطَّالٍ هَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّ الْوَلَاءَ لِكُلِّ مُعْتَقٍ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُجْمَعٌ عليه
قوله (وفي الباب عن بن عمر وأبي هريرة) أما حديث بن عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
قَوْلُهُ (وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ والنسائي
قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ) قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ثُبُوتِ الْوَلَاءِ لِمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَأَنَّهُ يَرِثُ بِهِ وَأَمَّا الْعَتِيقُ فَلَا يَرِثُ سَيِّدَهُ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ يَرِثُهُ كَعَكْسِهِ انْتَهَى
(بَاب مَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وهبته)
قوله [٢١٢٦] (نهى عن بيع الولاء وهبته) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ كَرَاهِيَةِ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ مِنْ أَبْوَابِ الْبُيُوعِ وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ شَرْحُهُ
قَوْلُهُ (وَيُرْوَى عَنْ شُعْبَةَ قَالَ لَوَدِدْتُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ حِينَ يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَذِنَ لِي إِلَخْ) الظَّاهِرُ أَنَّ سَبَبَ وُدِّهِ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدِ اشْتَهَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ حَتَّى قَالَ مُسْلِمٌ لَمَّا أَخْرَجَهُ فِي صَحِيحِهِ النَّاسُ كُلُّهُمْ عِيَالٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ انْتَهَى
وَقَدِ اعْتَنَى أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ بِجَمِيعِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ فَأَوْرَدَهُ عَنْ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ نَفْسًا مِمَّنْ حَدَّثَ بِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ (وَرَوَى يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ بن عمر) وصله بن مَاجَهْ وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ فَقَدْ تَابَعَهُ أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صحيحه من
طَرِيقِهِمَا لَكِنْ قَرَنَ كُلٌّ مِنْهُمَا نَافِعًا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ كَذَا فِي الْفَتْحِ
(بَاب مَا جَاءَ فِي من تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ أَوْ ادَّعَى)
إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ قَوْلُهُ [٢١٢٧] (مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِنْدَنَا شَيْئًا نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابَ اللَّهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ) أَيْ غَيْرَهُمَا وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا تَصْرِيحٌ مِنْ عَلِيٍّ ﵁ بِإِبْطَالِ مَا تَزْعُمُهُ الرَّافِضَةُ وَالشِّيعَةُ وَيَخْتَرِعُونَهُ مِنْ قَوْلِهِمْ إِنَّ عَلِيًّا ﵁ أَوْصَى إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أَسْرَارِ الْعِلْمِ
وَقَوَاعِدِ الدِّينِ وَكُنُوزِ الشَّرِيعَةِ وَإِنَّهُ ﷺ خَصَّ أَهْلَ الْبَيْتِ بِمَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ وَهَذِهِ دَعَاوَى بَاطِلَةٌ وَاخْتِرَاعَاتٌ فَاسِدَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا وَيَكْفِي فِي إِبْطَالِهَا قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ هَذَا انْتَهَى (صَحِيفَةٌ) بَدَلٌ مِنْ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ (فِيهَا أَسْنَانُ الْإِبِلِ) أَيْ بَيَانُ أَسْنَانِهَا (وَأَشْيَاءُ مِنَ الْجِرَاحَاتِ) أَيْ مِنْ أَحْكَامِهَا (فَقَدْ كَذَبَ) خَبَرٌ لِقَوْلِهِ مَنْ زَعَمَ (وَقَالَ) أَيْ عَلِيٌّ (فِيهَا) أَيْ فِي الصَّحِيفَةِ (الْمَدِينَةُ حَرَمٌ) بِفَتْحَتَيْنِ (مَا بَيْنَ عَيْرٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتَ جَبَلٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ (إِلَى ثَوْرٍ) بِفَتْحِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ ثَوْرٌ جَبَلٌ بِالْمَدِينَةِ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ وَأَمَّا قَوْلُ عُبَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَكَابِرِ الْأَعْلَامِ إِنَّ هَذَا تَصْحِيفٌ وَالصَّوَابُ إِلَى أُحُدٍ لأن ثورا إنما هو بمكة تغير جَيِّدٍ لِمَا أَخْبَرَنِي الشُّجَاعُ الْبَعْلِيُّ الشَّيْخُ الزَّاهِدُ عَنِ الْحَافِظِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ السَّلَامِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ حِذَاءَ أُحُدٍ جَانِحًا إِلَى وَرَائِهِ جَبَلٌ صَغِيرٌ يُقَالُ لَهُ ثَوْرٌ وَتَكَرَّرَ سُؤَالِي عَنْهُ طَوَائِفَ مِنَ الْعَرَبِ الْعَارِفِينَ بِتِلْكَ الْأَرْضِ فَكُلٌّ أَخْبَرَ أَنَّ اسْمَهُ ثَوْرٌ وَلَمَّا كَتَبَ إِلَى الشَّيْخِ عَفِيفِ الدِّينِ الْمَطَرِيِّ عَنْ وَالِدِهِ الْحَافِظِ الثِّقَةِ قَالَ إِنَّ خَلْفَ أُحُدٍ عَنْ شِمَالَيْهِ جَبَلًا صَغِيرًا مُدَوَّرًا يُسَمَّى ثَوْرًا يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ انْتَهَى مَا فِي الْقَامُوسِ
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي الْأَحْكَامِ بَعْدَ حِكَايَةِ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدٍ وَمَنْ تَبِعَهُ قَدْ أَخْبَرَنِي الثِّقَةُ الْعَالِمُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ السَّلَامِ الْبَصْرِيُّ أَنَّ حِذَاءَ أُحُدٍ عَنْ يَسَارِهِ جَانِحًا إِلَى وَرَائِهِ جَبَلٌ صَغِيرٌ فَذَكَرَ مِثْلَ مَا فِي الْقَامُوسِ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَدِينَةَ حَرَمٌ كَحَرَمِ مَكَّةَ
وَفِي هَذَا أَحَادِيثُ عَدِيدَةٌ مَرْوِيَّةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَذَكَرَهَا صَاحِبُ الْمُنْتَقَى
قَالَ
الشَّوْكَانِيُّ اسْتَدَلَّ بِمَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ تَحْرِيمِ شَجَرِ الْمَدِينَةِ وَخَبْطِهِ وَعَضُدِهِ وَتَحْرِيمِ صَيْدِهَا وَتَنْفِيرِهِ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالْهَادِي وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلْمَدِينَةِ حَرَمًا كَحَرَمِ مَكَّةَ يَحْرُمُ صَيْدُهُ وَشَجَرُهُ
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ فَإِنْ قَتَلَ صَيْدًا أَوْ قَطَعَ شَجَرًا فَلَا ضَمَانَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلنُّسُكِ فَأَشْبَهَ الْحِمَى
وَقَالَ بن أبي ذئب وبن أَبِي لَيْلَى يَجِبُ فِيهِ الْجَزَاءُ كَحَرَمِ مَكَّةَ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالنَّاصِرُ إِلَى أَنَّ حَرَمَ الْمَدِينَةِ لَيْسَ بِحَرَمٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَلَا تَثْبُتُ لَهُ الْأَحْكَامُ مِنْ تَحْرِيمِ قَتْلِ الصَّيْدِ وَقَطْعِ الشَّجَرِ وَالْأَحَادِيثُ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ أَوْ أَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْحِلِّ انْتَهَى (فَمَنْ أَحْدَثَ) أَيْ أَظْهَرَ فِي الْمَدِينَةِ (حَدَثًا) بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْأَمْرُ الْحَادِثُ الْمُنْكَرُ الَّذِي لَيْسَ بِمَعْنَاهُ وَلَا مَعْرُوفٌ فِي السُّنَّةِ (أَوْ آوَى) بِالْمَدِّ وَيُقْصَرُ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَوَى فَآوَى بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُمَا لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ يُقَالُ أَوَيْتُ إِلَى الْمَنْزِلِ وَآوَيْتُ غَيْرِي وَأَوَيْتُهُ
وأنكر بعضهم المقصوري الْمُتَعَدِّيَ
وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ هِيَ لُغَةٌ فَصِيحَةٌ وَمُحْدِثًا بكسر الذال وَفَتْحِهَا عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ فَمَعْنَى الْكَسْرِ مَنْ نَصَرَ جَانِبًا وَآوَاهُ وَأَجَارَهُ مِنْ خَصْمِهِ وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ وَمَعْنَى الْفَتْحِ هُوَ الْأَمْرُ الْمُبْتَدَعُ نَفْسُهُ وَيَكُونُ مَعْنَى الْإِيوَاءِ فِيهِ الْمَرْضِيَّ بِهِ وَالصَّبْرَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إِذَا رَضِيَ بِبِدْعَتِهِ وَأَقَرَّ فَاعِلَهُ عَلَيْهَا وَلَمْ يُنْكِرْهَا فقد آواه قاله العيني
وقال القارىء بِكَسْرِ الدَّالِ عَلَى الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ أَيْ مُبْتَدِعًا وَقِيلَ أَيْ جَانِبًا إِلَى آخِرِ مَا قَالَهُ الْعَيْنِيُّ (فَعَلَيْهِ) أَيْ فَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا (لَعْنَةُ اللَّهِ) أَيْ طَرْدُهُ وَإِبْعَادُهُ
قَالَ عِيَاضٌ اسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ فِي الْمَدِينَةِ مِنَ الْكَبَائِرِ وَالْمُرَادُ بِلَعْنَةِ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِبْعَادِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
قَالَ وَالْمُرَادُ بِاللَّعْنِ هُنَا الْعَذَابُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ عَلَى ذَنْبِهِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ وَلَيْسَ هُوَ كَلَعْنِ الْكَافِرِ (وَالْمَلَائِكَةِ) أَيْ دُعَاؤُهُمْ عَلَيْهِ بِالْبُعْدِ عَنْ رَحْمَتِهِ (وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) أَيْ مِنْ هَذَا الْحَدَثِ وَالْمُؤَدِّي أَوْ هُمَا دَاخِلَانِ أَيْضًا لِأَنَّهُمَا مِمَّنْ يَقُولَ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ وَالظُّلْمُ هُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ (لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا
وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِهِمَا فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ الصَّرْفُ الفريضة والعدل النافلة ورواه بن خُزَيْمَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الثَّوْرِيِّ وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ بِالْعَكْسِ
وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ الصَّرْفُ التَّوْبَةُ وَالْعَدْلُ الْفِدْيَةُ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ قَالَ عِيَاضٌ مَعْنَاهُ لَا يُقْبَلُ قَبُولَ رِضًا وَإِنْ قُبِلَ قَبُولَ جَزَاءٍ وَقِيلَ يَكُونُ الْقَبُولُ هُنَا بِمَعْنَى تَكْفِيرِ الذَّنْبِ بِهِمَا وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَى الْفِدْيَةِ أَنَّهُ لَا يَجِدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِدًى يَفْتَدِي بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنَ الْمُذْنِبِينَ بِأَنْ يَفْدِيَهُ مِنَ النَّارِ بِيَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ (وَمَنِ ادَّعَى) أَيِ انْتَسَبَ (أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ) بِأَنْ يَقُولَ عَتِيقٌ لِغَيْرِ مُعْتِقِهِ
أَنْتَ مَوْلَايَ وَلَكَ وَلَائِي
قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ وَلَاءَ الْعِتْقِ لِعَطْفِهِ عَلَى قَوْلِهِ مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِالْوَعِيدِ فَإِنَّ الْعِتْقَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ فَإِذَا نُسِبَ إِلَى غَيْرِ مَنْ هُوَ لَهُ كَانَ كَالدَّعِيِّ الَّذِي تَبَرَّأَ عَمَّنْ هُوَ مِنْهُ وَأَلْحَقَ نَفْسَهُ بِغَيْرِهِ فَيَسْتَحِقُّ بِهِ الدُّعَاءَ عَلَيْهِ بِالطَّرْدِ وَالْإِبْعَادِ عَنِ الرَّحْمَةِ انْتَهَى
وَهَذَا صَرِيحٌ فِي غِلَظِ تَحْرِيمِ انْتِمَاءِ الْإِنْسَانِ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوِ انْتِمَاءِ الْعَتِيقِ إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ كُفْرِ النِّعْمَةِ وَتَضْيِيعِ حُقُوقِ الْإِرْثِ وَالْوَلَاءِ وَالْعَقْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَالْعُقُوقِ (وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ عَهْدُهُمْ وَأَمَانُهُمْ (وَاحِدَةٌ) أَيْ أَنَّهَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَرَاتِبِ وَلَا يَجُوزُ نَقْضُهَا لِتَفَرُّدِ الْعَاقِدِ بِهَا (يَسْعَى بِهَا) أَيْ يَتَوَلَّاهَا وَيَلِي أَمْرَهَا (أَدْنَاهُمْ) أَيْ أَدْنَى الْمُسْلِمِينَ مَرْتَبَةً
والْمَعْنَى أَنَّ ذِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ صَدَرَتْ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرَ شَرِيفٍ أَوْ وَضِيعٍ فَإِذَا أَمَّنَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَافِرًا وَأَعْطَاهُ ذِمَّةً لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ نَقْضُهُ فَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْحَجِّ وَفِي الْجِزْيَةِ وَفِي الْفَرَائِضِ وَفِي الِاعْتِصَامِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الْحَجِّ (وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ الْحَافِظُ هَذِهِ رِوَايَةُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ عَنْهُ وَخَالَفَهُمْ شُعْبَةُ فَرَوَاهُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ سُوَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ الثَّوْرِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ
(بَاب مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَنْتَفِي مِنْ وَلَدِهِ)
أَيْ بِالتَّعْرِيضِ وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ فِي الطَّلَاقِ عَلَى حديث الباب إذا عرض بنفي الولد
قَوْلُهُ [٢١٢٨] (جَاءَ رَجُلٌ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ
قَالَ الْحَافِظُ وَاسْمُ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ ضَمْضَمُ بْنُ قَتَادَةَ (إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ) زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ أَيِ اسْتَنْكَرْتُهُ بِقَلْبِي وَلَمْ يُرِدْ أَنَّهُ أَنْكَرَ كَوْنَهُ ابْنَهُ بِلِسَانِهِ
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِمُسْلِمٍ وَهُوَ حِينَئِذٍ يَعْرِضُ بِأَنْ يَنْفِيَهُ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْقَذْفِ لَيْسَ قَذْفًا وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ
وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِذَلِكَ وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ إِذَا كَانَ مَفْهُومًا وَأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ أَنَّ التَّعْرِيضَ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْقَذْفُ عِنْدَهُمْ هُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْقَذْفُ كَمَا يُفْهَمُ مِنَ التَّصْرِيحِ وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِدَفْعِ ذَلِكَ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَمْ يُرِدْ قَذْفًا بَلْ جَاءَ سَائِلًا مُسْتَفْتِيًا عَنِ الْحُكْمِ لِمَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الرِّيبَةِ فَلَمَّا ضَرَبَ لَهُ الْمَثَلَ أَذْعَنَ كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَالَ حُمْرٌ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ جَمْعُ أَحْمَرَ (فَهَلْ فِيهَا أَوْرَقُ) قَالَ الْحَافِظُ الْأَوْرَقُ الَّذِي فِيهِ سَوَادٌ لَيْسَ بِحَالِكٍ بَلْ يَمِيلُ إِلَى الْغَبَرَةِ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْحَمَامَةِ وَرْقَاءُ (إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ جَمْعُ أَوْرَقَ (أَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ) أَيْ مِنْ أَيْنَ أَتَاهَا اللَّوْنُ الَّذِي خَالَفَهَا هَلْ هُوَ بِسَبَبِ فَحْلٍ مِنْ غَيْرِ لَوْنِهَا طَرَأَ عَلَيْهَا أَوْ لِأَمْرٍ آخَرَ (لَعَلَّ عِرْقًا) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ (نَزَعَهَا) الْمَعْنَى يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي أُصُولِهَا مَنْ هُوَ بِاللَّوْنِ الْمَذْكُورِ فَاجْتَذَبَهُ إِلَيْهِ فَجَاءَ عَلَى لَوْنِهِ
وَالْمُرَادُ بِالْعِرْقِ الْأَصْلُ مِنَ النَّسَبِ شَبَّهَهُ بِعِرْقِ الشَّجَرَةِ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فُلَانٌ عَرِيقٌ فِي الْأَصَالَةِ أَيْ إِنَّ أَصْلَهُ مُتَنَاسِبٌ وَكَذَا مُعْرِقٌ فِي الْكَرَمِ أَوِ اللُّؤْمِ وَأَصْلُ النَّزْعِ الْجَذْبُ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْمَيْلِ (قَالَ فَهَذَا) أَيِ الْغُلَامُ الْأَسْوَدُ (لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ) أَيْ لَعَلَّهُ فِي أُصُولِكَ أَوْ فِي أُصُولِ امْرَأَتِكَ مَنْ يَكُونُ فِي لَوْنِهِ أَسْوَدُ فَأَشْبَهَهُ وَاجْتَذَبَهُ إِلَيْهِ وَأَظْهَرَ لَوْنَهُ عَلَيْهِ زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ لَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ الزَّوْجَ وَإِنْ خَالَفَ لَوْنُهُ لَوْنَهُ حَتَّى لَوْ كَانَ الْأَبُ أَبْيَضَ وَالْوَلَدُ أَسْوَدَ أَوْ عَكْسَهُ لَحِقَهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ نَفْيُهُ بِمُجَرَّدِ الْمُخَالَفَةِ فِي اللَّوْنِ وَكَذَا لَوْ كَانَ الزَّوْجَانِ أَبْيَضَيْنِ فَجَاءَ الْوَلَدُ أَسْوَدَا وَعَكْسُهُ الِاحْتِمَالُ أَنَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ مِنْ أَسْلَافِهِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وبن ماجه
٥ - (بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقَافَةِ)
الْقَافَةُ جَمْعُ قَائِفٍ قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ الْقَائِفُ الَّذِي يَتَتَبَّعُ الْآثَارَ وَيَعْرِفُهَا وَيَعْرِفُ شَبَهَ الرَّجُلِ بِأَخِيهِ وَأَبِيهِ وَالْجَمْعُ الْقَافَةُ يُقَالُ فُلَانٌ يَقُوفُ الْأَثَرَ وَيَقْتَافُهُ قِيَافَةً مِثْلُ قَفَا الْأَثَرَ وَاقْتَفَاهُ انْتَهَى
قَوْلُهُ [٢١٢٩] (دَخَلَ عَلَيْهَا مَسْرُورًا) أَيْ فَرْحَانًا (تَبْرُقُ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ أَيْ تُضِيءُ وَتَسْتَنِيرُ مِنَ السُّرُورِ وَالْفَرَحِ (أَسَارِيرُ وَجْهِهِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْأَسَارِيرُ الْخُطُوطُ الَّتِي تَجْتَمِعُ فِي الْجَبْهَةِ وَتَتَكَسَّرُ وَاحِدُهَا سُرٌّ أَوْ سُرَرٌ وَجَمْعُهَا أَسْرَارٌ وَأَسِرَّةٌ وَجَمْعُ الْجَمْعِ أَسَارِيرُ انْتَهَى (أَلَمْ تَرَيْ) بِحَذْفِ النُّونِ أَيْ أَلَمْ تَعْلَمِي يَعْنِي هَذَا مِمَّا يَتَعَيَّنُ أَنْ تَعْلَمِي فَاعْلَمِي (مُجَزِّزًا) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ الثَّقِيلَةِ وَحُكِيَ فَتْحُهَا وَبَعْدَهَا زَايٌ أُخْرَى هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ثُمَّ زاي وهو بن الْأَعْوَرِ بْنُ جَعْدَةَ الْمُدْلِجِيُّ نِسْبَةً إِلَى مُدْلِجِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ كِنَانَةَ وَكَانَتِ الْقِيَافَةُ فِيهِمْ وَفِي بَنِي أَسَدٍ وَالْعَرَبُ تَعْتَرِفُ لَهُمْ بِذَلِكَ وَلَيْسَ ذَلِكَ خَاصًّا بِهِمْ عَلَى الصَّحِيحِ
وَقَدْ أَخْرَجَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ فِي الْفَرَائِضِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى سَعِيدِ بْنِ المسيب أن عمر كان فائقا أَوْرَدَهُ فِي قِصَّتِهِ وَعُمَرُ قُرَشِيٌّ لَيْسَ مُدْلِجِيًّا وَلَا أَسَدِيًّا لَا أَسَدَ قُرَيْشٍ وَلَا أَسَدَ خزيمة وكان مجززا عارفا بالقيافة وذكره بن يُونُسَ فِيمَنْ شَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ وَقَالَ لَا أَعْلَمُ لَهُ رِوَايَةً كَذَا فِي الْفَتْحِ (نَظَرَ آنِفًا) بِالْمَدِّ وَيَجُوزُ الْقَصْرُ أَيْ قَرِيبًا أَوْ أَقْرَبَ وَقْتٍ (فَقَالَ) أَيْ مُجَزِّزٌ الْمُدْلِجِيُّ (هَذِهِ الْأَقْدَامُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ وَكَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَقْدَحُ فِي نَسَبِ أُسَامَةَ لِكَوْنِهِ أَسْوَدَ شَدِيدَ السَّوَادِ وَكَانَ زَيْدٌ أَبْيَضَ
كَذَا قَالَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ فَلَمَّا قَضَى هَذَا الْقَائِفُ بِإِلْحَاقِ نَسَبِهِ مَعَ اخْتِلَافِ اللَّوْنِ وَكَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَعْتَمِدُ قَوْلَ الْقَائِفِ فَرِحَ النَّبِيُّ ﷺ لِكَوْنِهِ زَاجِرًا لَهُمْ عَنِ الطَّعْنِ فِي النَّسَبِ
قَالَ الْقَاضِي قَالَ غَيْرُ أَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ كَانَ زَيْدٌ أَزْهَرَ اللَّوْنِ وَأُمُّ أُسَامَةَ هِيَ أُمُّ أَيْمَنَ وَاسْمُهَا بَرَكَةٌ وَكَانَتْ حَبَشِيَّةً سَوْدَاءَ انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَالَ عِيَاضٌ لَوْ صَحَّ أَنَّ أُمَّ أَيْمَنَ كَانَتْ سَوْدَاءَ لَمْ يُنْكِرُوا سَوَادَ ابْنِهَا أُسَامَةَ لِأَنَّ السَّوْدَاءَ قَدْ تَلِدُ مِنَ الْأَبْيَضِ أَسْوَدَ
قَالَ الْحَافِظُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ صَافِيَةً فَجَاءَ أُسَامَةُ شَدِيدَ السَّوَادِ فَوَقَعَ الْإِنْكَارُ لِذَلِكَ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمَنَاقِبِ
وَالْفَرَائِضِ وَمُسْلِمٌ فِي النِّكَاحِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ فِي الطَّلَاقِ
قَوْلُهُ (وَقَدْ غَطَّيَا) مِنَ التَّغْطِيَةِ أي سترا (رؤوسهما) أَيْ بِقَطِيفَةٍ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (وَبَدَتْ) أَيْ ظَهَرَتْ
قَالَ الْحَافِظُ وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ دَفْعُ تَوَهُّمِ مَنْ يَقُولُ لَعَلَّهُ حَابَاهُمَا بِذَلِكَ لِمَا عَرَفَ مِنْ كَوْنِهِمْ كَانُوا يَطْعَنُونَ فِي أُسَامَةَ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي إِقَامَةِ أَمْرِ الْقَافَةِ) قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي الْعُمْدَةِ
فِي الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ الْحُكْمِ بِالْقَافَةِ وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ عُمَرَ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ الْحُكْمُ بِهَا بَاطِلٌ لِأَنَّهَا حَدْسٌ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ حُجَّةٌ فِي إِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِهَا لِأَنَّ أُسَامَةَ قَدْ كَانَ ثَبَتَ نَسَبُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَحْتَجِ الشَّارِعُ فِي إِثْبَاتِ ذَلِكَ إِلَى قَوْلِ أَحَدٍ وَإِنَّمَا تَعَجَّبَ مِنْ إِصَابَةِ مُجَزِّزٍ كَمَا يَتَعَجَّبُ مِنْ ظَنِّ الرَّجُلِ الَّذِي يُصِيبُ ظَنُّهُ حَقِيقَةَ الشَّيْءِ الَّذِي ظَنَّهُ وَلَا يَجِبُ الْحُكْمُ بِذَلِكَ
وَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَاطَ بِذَلِكَ إِثْبَاتَ مَا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ علم انْتَهَى
وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ ص ٤١٢ ج ٦ وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ حَدِيثَ مُجَزِّزٍ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَعْرِفُ الْقَائِفُ بِزَعْمِهِ أَنَّ هَذَا الشَّخْصَ مِنْ مَاءِ ذَاكَ لَا أَنَّهُ طَرِيقٌ شَرْعِيٌّ فَلَا يُعْرَفُ إِلَّا بِالشَّرْعِ فَيُجَابُ بِأَنَّ فِي اسْتِبْشَارِهِ ﷺ مِنَ التَّقْرِيرِ مَا لَا يُخَالِفُ فِيهِ مُخَالِفٌ وَلَوْ كَانَ مِثْلُ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ لَقَالَ لَهُ إِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ
لَا يُقَالُ إِنَّ أُسَامَةَ قَدْ ثَبَتَ فِرَاشُ أَبِيهِ شَرْعًا وَإِنَّمَا لَمَّا وَقَعَتِ الْقَالَةُ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ اللَّوْنِ وَكَانَ قَوْلُ الْمُدْلِجِيَّ الْمَذْكُورُ دَافِعًا لَهَا لِاعْتِقَادِهِمْ فِيهِ الْإِصَابَةُ وَصِدْقُ الْمَعْرِفَةِ اسْتَبْشَرَ ﷺ بِذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِمِثْلِ هَذَا التَّقْرِيرِ عَلَى إِثْبَاتِ أَصْلِ النَّسَبِ لِأَنَّا نَقُولُ لَوْ كَانَتِ الْقَافَةُ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهَا إِلَّا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ مَعَ مِثْلِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَالُوا مَقَالَةَ السُّوءِ لَمَا قَرَّرَهُ ﷺ عَلَى قَوْلِهِ هَذِهِ الْأَقْدَامُ بَعْضُهَا مِنْ بعض وهو في قوة هذا بن هَذَا فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ تَقْرِيرٌ لِلْإِلْحَاقِ بِالْقَافَةِ مُطْلَقًا لَا إِلْزَامٌ لِلْخَصْمِ بِمَا يَعْتَقِدُهُ وَلَا سِيَّمَا النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ إِنْكَارُ كَوْنِهَا طَرِيقًا يَثْبُتُ بِهَا النَّسَبُ حَتَّى يَكُونَ تَقْرِيرُهُ لِذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّقْرِيرِ عَلَى مَعْنَى كَافِرٍ إِلَى كُنْيَةٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا عُرِفَ مِنْهُ ﷺ
إِنْكَارُهُ قَبْلَ السُّكُوتِ عَنْهُ
وَقَدْ أَطَالَ الْحَافِظُ بن القيم الكلام في إثبات الْحُكْمِ بِالْقَافَةِ فِي زَادِ الْمَعَادِ وَقَالَ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عُمَرَ فِي امْرَأَةٍ وَطِئَهَا رَجُلَانِ فِي طُهْرٍ فَقَالَ الْقَائِفُ قَدِ اشْتَرَكَا فِيهِ جَمِيعًا فَجَعَلَهُ بَيْنَهُمَا قَالَ الشَّعْبِيُّ وَعَلِيٌّ يَقُولُ هُوَ ابْنُهُمَا وَهُمَا أَبَوَاهُ يَرِثَانِهِ ذَكَرَهُ سَعِيدٌ أَيْضًا
وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي طُهْرِ امْرَأَةٍ فَحَمَلَتْ فَوَلَدَتْ غُلَامًا يُشْبِهُهُمَا فَرَفَعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَدَعَا الْقَافَةَ فَنَظَرُوا فَقَالُوا نَرَاهُ يُشْبِهُهُمَا فَأَلْحَقَهُ بِهِمَا وَجَعَلَهُ يَرِثُهُمَا وَيَرِثَانِهِ وَلَا يُعْرَفُ قَطُّ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ خَالَفَ عُمَرَ وَعَلِيًّا ﵄ فِي ذَلِكَ بَلْ حَكَمَ عُمَرُ بِهَذَا فِي الْمَدِينَةِ وَبِحَضْرَةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَلَمْ يُنْكِرْ مِنْهُمْ مُنْكِرٌ
(بَاب فِي حَثِّ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى التهادي)
الْهَدِيَّةِ كَغَنِيَّةِ مَا أُتْحِفَ بِهِ
قَوْلُهُ [٢١٣٠] (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ) بِفَتْحِ السِّينِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ وَالِدُ السُّدُوسِيِّ الْعَنْبَرِيُّ أَبُو الْخَطَّابِ الْبَصْرِيُّ الْمَكْفُوفُ صَدُوقٌ رُمِيَ بِالْقَدَرِ مِنَ التَّاسِعَةِ (عَنْ سَعِيدٍ) هو بن أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ
قَوْلُهُ (تَهَادَوْا) بِفَتْحِ الدَّالِ أَمْرٌ مِنَ التَّهَادِي بِمَعْنَى الْمُهَادَاةِ أَيْ لِيُعْطِ الْهَدِيَّةَ وَيُرْسِلُهَا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ (فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ غِشَّهُ وَوَسَاوِسَهُ وَقِيلَ الْحِقْدُ وَالْغَيْظُ وَقِيلَ الْعَدَاوَةُ وَقِيلَ أَشَدُّ الْغَضَبِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (وَلَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا) قَالَ الْكَرْمَانِيُّ لِجَارَتِهَا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ هَدِيَّةً مُهْدَاةً لِجَارَتِهَا (وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاةٍ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ نَصِيفَهُ أَوْ بَعْضَهُ كَقَوْلِهِ ﷺ اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ وَالْفِرْسِنُ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ وَآخِرُهُ نُونٌ هُوَ عَظْمٌ قَلِيلُ اللَّحْمِ وَهُوَ لِلْبَعِيرِ مَوْضِعُ الْحَافِرِ لِلْفَرَسِ وَيُطْلَقُ عَلَى الشَّاةِ مَجَازًا وَنُونُهُ زَائِدَةٌ وَقِيلَ أَصْلِيَّةٌ وَأُشِيرَ بِذَلِكَ إِلَى الْمُبَالَغَةِ فِي إِهْدَاءِ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ وَقَبُولِهِ لَا إِلَى حَقِيقَةِ الْفِرْسِنِ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ الْعَادَةُ بِإِهْدَائِهِ أَيْ لَا تَمْنَعُ جَارَةٌ مِنَ الْهَدِيَّةِ
لِجَارَتِهَا الْمَوْجُودَ عِنْدَهَا لِاسْتِقْلَالِهِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تَجُودَ لَهَا بِمَا تَيَسَّرَ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الْعَدَمِ وَذَكَرَ الْفِرْسِنَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ إِنَّمَا وَقَعَ لِلْمُهْدَى إِلَيْهَا وَأَنَّهَا لَا تَحْتَقِرُ مَا يُهْدَى إِلَيْهَا وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا وَحَمْلُهُ عَلَى الْأَعَمِّ مِنْ ذَلِكَ أَوْلَى
وَفِي الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى التَّهَادِي وَلَوْ بِالْيَسِيرِ لِمَا فِيهِ مِنَ اسْتِجْلَابِ الْمَوَدَّةِ وَإِذْهَابِ الشَّحْنَاءِ وَلِمَا فِيهِ مِنَ التَّعَاوُنِ عَلَى أَمْرِ الْمَعِيشَةِ وَالْهَدِيَّةُ إِذَا كَانَتْ يَسِيرَةً فَهِيَ أَدَلُّ عَلَى الْمَوَدَّةِ وَأَسْقَطُ لِلْمُؤْنَةِ وَأَسْهَلُ عَلَى الْمُهْدِي لِإِطْرَاحِ التَّكَلُّفِ وَالْكَثِيرُ قَدْ لَا يَتَيَسَّرُ كُلَّ وَقْتٍ وَالْمُوَاصَلَةُ بِالْيَسِيرِ تَكُونُ كَالْكَثِيرِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (أَبُو مَعْشَرٍ اسْمُهُ نَجِيحٌ إِلَخْ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ نَجِيحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السِّنْدِيُّ الْمَدَنِيُّ أَبُو مَعْشَرٍ وَهُوَ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ضَعِيفٌ مِنَ السَّادِسَةِ أَسَنَّ وَاخْتَلَطَ مَاتَ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ وَيُقَالُ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ الْهِلَالِ انْتَهَى
وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ في أول الهبة من طريق بن أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمْ يَقُلْ عَنْ أَبِيهِ وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصدر الحديث
وقال غريب وأبو معشر يضعف
وَقَالَ الطَّرْقِيُّ إِنَّهُ أَخْطَأَ فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ كَذَا قَالَ وَقَدْ تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدٍ وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ نَعَمْ مَنْ زَادَ فِيهِ عَنْ أَبِيهِ أَحْفَظُ وَأَضْبَطُ فَرِوَايَتُهُمْ أَوْلَى انْتَهَى
(بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ)
قَوْلُهُ [٢١٣١] (مَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا إِلَخْ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ الرُّجُوعِ في الهبة
وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَبَوَّبَ الْبُخَارِيُّ بَابَ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ وَصَدَقَتِهِ وَقَدِ اسْتَثْنَى الْجُمْهُورُ مَا يَأْتِي عَنِ الْهِبَةِ لِلْوَلَدِ وَنَحْوِهِ وَذَهَبَتِ الْهَادَوِيَّةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ إلى حل الرجوع في الهبة دون الصَّدَقَةِ إِلَّا الْهِبَةَ لِذِي رَحِمٍ قَالُوا وَالْحَدِيثُ الْمُرَادُ بِهِ التَّغْلِيظُ فِي الْكَرَاهَةِ
قَالَ الطَّحَاوِيُّ قَوْلُهُ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ وَإِنِ اقْتَضَى التَّحْرِيمَ لَكِنَّ الزِّيَادَةَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ كَالْكَلْبِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّحْرِيمِ لِأَنَّ الْكَلْبَ غَيْرُ مُتَعَبِّدٍ فَالْقَيْءُ لَيْسَ حَرَامًا عَلَيْهِ وَالْمُرَادُ التَّنَزُّهُ عَنْ فِعْلٍ يُشْبِهُ فِعْلَ الْكَلْبِ وتُعُقِّبَ بِاسْتِبْعَادِ التَّأْوِيلِ وَمُنَافَرَةِ سِيَاقِ الْحَدِيثِ لَهُ وَعُرْفُ الشَّرْعِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ الزَّجْرُ الشَّدِيدُ كَمَا وَرَدَ النَّهْيُ فِي الصَّلَاةِ عَنْ إِقْعَاءِ الْكَلْبِ وَنَقْرِ الْغُرَابِ وَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ وَنَحْوِهِ وَلَا يُفْهَمُ مِنَ الْمَقَامِ إِلَّا التَّحْرِيمُ وَالتَّأْوِيلُ الْبَعِيدُ لا يلتفت إليه
وحديث بن عُمَرَ الْمَذْكُورُ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه عن بن عَبَّاسٍ وَأَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عن بن عَبَّاسٍ) تَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ آنِفًا (وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمرو) أخرجه النسائي وبن مَاجَهْ
قَوْلُهُ [٢١٣٢] (لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ إِلَخْ) هَذَا ظَاهِرٌ فِي تَحْرِيمِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ مَجَازٌ عَنْ الْكَرَاهَةِ الشَّدِيدَةِ صَرْفٌ لَهُ عَنْ ظَاهِرِهِ (ثُمَّ يَرْجِعَ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى يُعْطِي (فِيهَا) أَيْ فِي عَطِيَّتِهِ (إِلَّا الْوَالِدَ) بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ (فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَهُ لِابْنِهِ وَكَذَلِكَ الْأُمُّ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ فَرَّقُوا بَيْنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ فَقَالُوا لِلْأُمِّ أَنْ تَرْجِعَ إِنْ كَانَ الْأَبُ حَيًّا دُونَ مَا إِذَا مَاتَ وَقَيَّدُوا رُجُوعَ الْأَبِ بِمَا إِذَا كَانَ الِابْنُ الْمَوْهُوبُ لَهُ لَمْ يَسْتَحْدِثْ دَيْنًا أَوْ يَنْكِحَ وَبِذَلِكَ قَالَ إِسْحَاقُ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ مُطْلَقًا
وَقَالَ أَحْمَدُ لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ مُطْلَقًا
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ إِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ صَغِيرًا لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ وَكَذَا إِنْ كَانَ كَبِيرًا وَقَبَضَهَا قَالُوا وَإِنْ كَانَتِ الْهِبَةُ لِزَوْجٍ مِنْ زَوْجَتِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ لِذِي رَحِمٍ لَمْ يَجُزِ الرُّجُوعُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَوَافَقَهُمْ إِسْحَاقُ فِي ذِي الرَّحِمِ وَقَالَ لِلزَّوْجَةِ أَنْ تَرْجِعَ بِخِلَافِ الزَّوْجِ وَالِاحْتِجَاجُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ يَطُولُ
وَيُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْوَلَدَ وَمَالَهُ لِأَبِيهِ
فَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ رُجُوعًا وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ رُجُوعًا فَرُبَّمَا اقْتَضَتْهُ مَصْلَحَةُ التَّأْدِيبِ وَنَحْوُ ذَلِكَ كَذَا فِي الْفَتْحِ (وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ) أَيْ لِغَيْرِ وَلَدِهِ (أَكَلَ) أَيِ اسْتَمَرَّ عَلَى الْمُوكَلِ كُلَّ شَيْءٍ (حَتَّى إِذَا شَبِعَ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وأبو داود والنسائي وبن ماجه وبن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ
قَوْلُهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَحِلُّ لِمَنْ وَهَبَ هِبَةً أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدَ إِلَخْ) هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَاللَّهُ أعلم
٣٠ - كتاب القدر
الْقَدَرُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ عِبَارَةٌ عَمَّا قَضَاهُ اللَّهُ وَحَكَمَ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ وَهُوَ مَصْدَرُ قَدَرَ يَقْدِرُ قَدَرًا وَقَدْ تُسَكَّنُ دَالُهُ
(باب ما جاء من التَّشْدِيدِ فِي الْخَوْضِ فِي الْقَدَرِ)
قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ فَرْضٌ لَازِمٌ وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَالِقُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا وَكَتَبَهَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ وَالْكُلُّ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ غَيْرَ أَنَّهُ يَرْضَى الْإِيمَانَ وَالطَّاعَةَ وَوَعَدَ عَلَيْهِمَا الثَّوَابَ وَلَا يَرْضَى الْكُفْرَ وَالْمَعْصِيَةَ وَأَوْعَدَ عَلَيْهِمَا الْعِقَابَ
وَالْقَدَرُ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ مَلَكًا مُقَرَّبًا وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا وَلَا يَجُوزُ الْخَوْضُ فِيهِ وَالْبَحْثُ عَنْهُ بِطَرِيقِ الْعَقْلِ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ فَجَعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةً خَلَقَهُمْ لِلنَّعِيمِ فَضْلًا وَفِرْقَةً لِلْجَحِيمِ عَدْلًا
وَسَأَلَ رَجُلٌ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَقَالَ أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ قَالَ طَرِيقٌ مُظْلِمٌ لَا تَسْلُكْهُ وَأَعَادَ السُّؤَالَ فَقَالَ بَحْرٌ عَمِيقٌ لَا تَلِجْهُ وَأَعَادَ السُّؤَالَ فَقَالَ سِرُّ اللَّهِ قَدْ خَفِيَ عَلَيْكَ فَلَا تَفْتِشْهُ
وَلِلَّهِ دَرُّ مَنْ قَالَ تَبَارَكَ مَنْ أَجْرَى الْأُمُورَ بِحُكْمِهِ كَمَا شَاءَ لَا ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا فَمَا لَكَ شَيْءٌ غَيْرُ مَا اللَّهُ شَاءَهُ فَإِنْ شِئْتَ طِبْ نَفْسًا وَإِنْ شِئْتَ مت كظما
قَوْلُهُ [٢١٣٣] (وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ) أَيْ حَالَ كَوْنِنَا نَتَبَاحَثُ (فِي الْقَدَرِ) أَيْ فِي شَأْنِهِ فَيَقُولُ بَعْضُنَا إِذَا كَانَ الْكُلُّ بِالْقَدَرِ فَلِمَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ كَمَا قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْآخَرُ يَقُولُ فَمَا الْحِكْمَةُ فِي تَقْدِيرِ بَعْضٍ لِلْجَنَّةِ وَبَعْضٍ لِلنَّارِ فَيَقُولُ الْآخَرُ لِأَنَّ لَهُمْ فِيهِ نَوْعَ اخْتِيَارٍ كَسَبِيٍّ
فَيَقُولُ الْآخَرُ مَنْ أَوْجَدَ ذَلِكَ الِاخْتِيَارَ وَالْكَسْبَ وَأَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ (فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ) أَيْ نِهَايَةَ الِاحْمِرَارِ (حَتَّى) أَيْ حتى صار من شدة حمرته (كأنما فقىء) بصيغة المجهول أي شق أوعصر (فِي وَجْنَتَيْهِ) أَيْ خَدَّيْهِ (الرُّمَّانُ) أَيْ حَبُّهُ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ مَزِيدِ حُمْرَةِ وَجْهِهِ الْمُنْبِئَةِ عَنْ مَزِيدِ غَضَبِهِ وَإِنَّمَا غَضِبَ لِأَنَّ الْقَدَرَ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى وَطَلَبُ سِرِّهِ مَنْهِيٌّ وَلِأَنَّ مَنْ يَبْحَثُ فِيهِ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَصِيرَ قَدَرِيًّا أَوْ جَبْرِيًّا وَالْعِبَادُ مَأْمُورُونَ بِقَبُولِ مَا أَمَرَهُمُ الشَّرْعُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْلُبُوا سِرَّ مَا لَا يَجُوزُ طَلَبُ سِرِّهِ (أَبِهَذَا) أَيْ بِالتَّنَازُلِ فِي الْقَدَرِ وَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ لِلْإِنْكَارِ وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ لِمَزِيدِ الِاهْتِمَامِ (أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ) أَمْ مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنَى بَلْ وَالْهَمْزَةُ وَهِيَ لِلْإِنْكَارِ أَيْضًا تَرَقِّيًا مِنَ الْأَهْوَنِ إلى الأغلظ وإنكارا غب إنكار قاله القارىء (إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) أَيْ مِنَ الْأُمَمِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوَابًا عَمَّا اتُّجِهَ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا لِمَ تُنْكِرْ هَذَا الْإِنْكَارَ الْبَلِيغَ (حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ وَإِهْلَاكَهُمْ كَانَ مِنْ غَيْرِ إِمْهَالٍ فَفِيهِ زِيَادَةُ وَعِيدٍ (عَزَمْتُ) أَيْ أَقْسَمْتُ أَوْ أَوْجَبْتُ (عَلَيْكُمْ) قِيلَ أَصْلُهُ عَزَمْتُ بِإِلْقَاءِ الْيَمِينِ وَإِلْزَامِهَا عَلَيْكُمْ (أَلَّا تَنَازَعُوا) بِحَذْفِ إحدى التائين (فِيهِ) أَيْ فِي الْقَدَرِ لَا تَبْحَثُوا فِيهِ بعد هذا
قال بن الملك إن هذه يمتنع كَوْنَهَا مَصْدَرِيَّةً وَزَائِدَةً لِأَنَّ جَوَابَ الْقَسَمِ لَا يَكُونُ إِلَّا جُمْلَةً وَأَنْ لَا تُزَادَ مَعَ لَا فَهِيَ إِذًا مُفَسِّرَةٌ كأَقْسَمْتُ أَنْ لَا ضَرَبْتُ وَتَنَازَعُوا جُزِمَ بِلَا النَّاهِيَةِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ لِأَنَّهَا مَعَ اسْمِهَا وَخَبَرِهَا سَدَّتْ مَسَدَّ الْجُمْلَةِ كَذَا قَالَهُ زَيْنُ العرب
قوله (وفي الباب عن عمرو وعائشة وأنس) أما حديث عمرو فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ وَلَا تُفَاتِحُوهُمْ وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ
وَأَمَّا حديث عائشة فأخرجه بن ماجه
وأما حديث أنس فأخرجه الترمذي وبن ماجه
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) فِي سَنَدِهِ صَالِحُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ وَادِعٍ الْمُرِّيُّ أَبُو بِشْرٍ الْبَصْرِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ
وَقَالَ الذَّهَبِيُّ ضَعَّفُوهُ وَلَمْ يُخْرِجْ لَهُ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ فيها سوى الترمذي وروى بن ماجه نحوه عن بن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ
ويؤيده حديث بن مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ بِلَفْظِ إِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ فَأَمْسِكُوا وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا حَدِيثُ ثَوْبَانَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ بِلَفْظِ اجْتَمَعَ أَرْبَعُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ يَنْظُرُونَ فِي الْقَدَرِ الْحَدِيثَ
وفي الباب عن بن عباس عند بن جَرِيرٍ بِلَفْظِ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَسَمِعَ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ يَذْكُرُونَ الْقَدَرَ الْحَدِيثُ
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَوَاثِلَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ وَأَنَسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ (وَصَالِحٌ الْمُرِّيُّ لَهُ غَرَائِبُ يَتَفَرَّدُ بِهَا) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ صَالِحُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ وَادِعٍ الْمُرِّيُّ بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَبُو الْبِشْرِ الْبَصْرِيُّ الْقَاصُّ الزاهد ضعيف من السابعة
قَوْلُهُ [٢١٣٤] (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ) الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ (أَخْبَرَنَا أَبِي) أَيْ سُلَيْمَانُ بْنُ طَرْخَانَ التَّيْمِيُّ أَبُو الْمُعْتَمِرِ الْبَصْرِيُّ نَزَلَ فِي التَّيْمِ فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ ثِقَةٌ عَابِدٌ
قَوْلُهُ (احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى) أَيْ تَحَاجَّا وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ قَالَ قَالَ مُوسَى يَا رَبِّ أَرِنَا آدَمَ الَّذِي أَخْرَجَنَا وَنَفْسَهُ مِنَ الْجَنَّةِ فَأَرَاهُ اللَّهُ آدَمَ فَقَالَ أَنْتَ أَبُونَا الْحَدِيثُ
قِيلَ هَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الدُّنْيَا
قَالَ الْحَافِظُ فِيهِ نَظَرٌ فَلَيْسَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ عِنْدَ اللَّهِ صَرِيحًا فِي أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّ الْعِنْدِيَّةَ عندية اختصاص وتشريف لا عندية مكان فيحتمل وُقُوعُ ذَلِكَ فِي كُلٍّ مِنَ الدَّارَيْنِ
وَقَدْ وَرَدَتِ الْعِنْدِيَّةُ فِي الْقِيَامَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ وَفِي الدُّنْيَا بِقَوْلِهِ ﷺ أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي انْتَهَى
وَقَدْ بَوَّبَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بَابٌ تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ الْحَافِظُ الَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمَحَ فِي التَّرْجَمَةِ بِمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طَرِيقِ الْحَدِيثِ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى عِنْدَ رَبِّهِمَا الْحَدِيثَ (فَقَالَ مُوسَى) جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِمَعْنَى مَا قَبْلَهَا (يَا آدَمُ أَنْتَ الَّذِي خلقك الله بيده) قال القارىء أَيْ بِقُدْرَتِهِ قُلْتُ لَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ وَقَدْ
تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا فِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ
قَالَ وَخَصَّهُ بِالذِّكْرِ إِكْرَامًا وَتَشْرِيفًا وَأَنَّهُ خَلَقَهُ إِبْدَاعًا مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ أَبٍ وَأُمٍّ (وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ) الْإِضَافَةُ لِلتَّشْرِيفِ وَالتَّخْصِيصِ أَيْ مِنَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ مَخْلُوقٌ وَلَا يَدَ لِأَحَدٍ فِيهِ (أَغْوَيْتَ النَّاسَ) قَالَ الْحَافِظُ مَعْنَى أَغْوَيْتَ كُنْتَ سَبَبًا لِغَوَايَةِ مَنْ غَوَى مِنْهُمْ وَهُوَ سَبَبٌ بَعِيدٌ إِذْ لَوْ لَمْ يَقَعِ الْأَكْلُ مِنَ الشَّجَرَةِ لَمْ يَقَعِ الْإِخْرَاجُ مِنَ الْجَنَّةِ وَلَوْ لَمْ يَقَعِ الْإِخْرَاجُ مَا تَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الشَّهَوَاتُ وَالشَّيْطَانُ الْمُسَبَّبُ عَنْهُمَا الْإِغْوَاءُ وَالْغَيُّ ضِدُّ الرُّشْدِ وَهُوَ الِانْهِمَاكُ فِي غَيْرِ الطَّاعَةِ وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى مُجَرَّدِ الْخَطَأِ يُقَالُ غَوَى أَيْ أَخْطَأَ صَوَابَ مَا أُمِرَ بِهِ (وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ) أَيْ خَطِيئَتُكَ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْكَ (فَقَالَ آدَمُ أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ) أَيِ اخْتَارَكَ بِتَكْلِيمِهِ إِيَّاكَ (كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) أَيْ قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً
قَالَ الْحَافِظُ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ (يَعْنِي الرِّوَايَةَ الَّتِي لَيْسَتْ مُقَيَّدَةً بِأَرْبَعِينَ سَنَةً) وَبَيْنَ الرِّوَايَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً حَمْلُهَا عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابَةِ وَحَمْلُ الْأُخْرَى عَلَى مَا يتعلق بالعلم وقال بن التِّينِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَرْبَعِينَ سَنَةً مَا بَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خليفة إِلَى نَفْخِ الرُّوحِ فِي آدَمَ وَأَجَابَ غَيْرُهُ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْمُدَّةِ وَقْتُ الْكِتَابَةِ فِي الْأَلْوَاحِ وَآخِرُهَا ابْتِدَاءُ خَلْقِ آدَمَ (فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى) بِرَفْعِ آدَمَ عَلَى أَنَّهُ الْفَاعِلُ أَيْ غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ يُقَالُ حَاجَجْتُ فُلَانًا فَحَجَجْتُهُ مِثْلُ خَاصَمْتُهُ فخصمته
قال بن عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ جَسِيمٌ لِأَهْلِ الْحَقِّ فِي إِثْبَاتِ الْقَدَرِ وَأَنَّ اللَّهَ قَضَى أَعْمَالَ الْعِبَادِ فَكُلُّ أَحَدٍ يَصِيرُ لِمَا قُدِّرَ لَهُ بِمَا سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ فَإِنْ قِيلَ فَالْعَاصِي مِنَّا لَوْ قَالَ هَذِهِ الْمَعْصِيَةَ قَدَّرَهَا اللَّهُ عَلَيَّ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ اللَّوْمُ وَالْعُقُوبَةُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِيمَا قَالَهُ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْعَاصِيَ بَاقٍ فِي دَارِ التَّكْلِيفِ جَارٍ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُكَلَّفِينَ مِنَ الْعُقُوبَةِ وَاللَّوْمِ وَالتَّوْبِيخِ وَغَيْرِهَا وَفِي لَوْمِهِ وَعُقُوبَتِهِ زَجْرٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى الزَّجْرِ مَا لَمْ يَمُتْ فَأَمَّا آدَمُ فَمَيِّتٌ خَارِجٌ عَنْ دَارِ التَّكْلِيفِ وَعَنِ الْحَاجَةِ إِلَى الزَّجْرِ فَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ لَهُ فَائِدَةٌ بَلْ فِيهِ إِيذَاءٌ وَتَخْجِيلٌ كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ وَجُنْدُبٍ) أَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَبُو عَوَانَةَ وَأَمَّا حَدِيثُ جُنْدُبٍ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا
(بَاب مَا جَاءَ فِي الشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ)
قَوْلُهُ [٢١٣٥] (أَمْرٌ مُبْتَدَعٌ أَوْ مُبْتَدَأٌ) لَفَظَّةُ أَوْ للشك من الراوي والمعنى أن ما نعمل هَلْ هُوَ أَمْرٌ مُسْتَأْنَفٌ لَمْ يَسْبِقْ بِهِ قَدَرٌ وَلَا عِلْمٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا يَعْلَمُهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ (أَوْ فِيمَا قَدْ فُرِغَ مِنْهُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (قَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (فِيمَا قَدْ فُرِغَ مِنْهُ) أَيْ قَدْ فَرَغَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ (وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ) أَيْ كُلٌّ مُوَفَّقٌ وَمُهَيَّأٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ يَعْنِي لِأَمْرٍ قُدِّرَ ذَلِكَ الْأَمْرُ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ (أَمَّا مَنْ كَانَ) أَيْ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَوْ كِتَابِهِ أَوْ آخِرِ أَمْرِهِ وَخَاتِمَةِ عَمَلِهِ (مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ) أَيِ الْإِيمَانِ فِي الدُّنْيَا وَالْجَنَّةِ فِي الْعُقْبَى (فَإِنَّهُ يَعْمَلُ لِلسَّعَادَةِ) وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ (وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ) وَهُوَ ضِدُّ السَّعَادَةِ (فَإِنَّهُ يَعْمَلُ لِلشَّقَاءِ) وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَلِيٍّ وَحُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ وَأَنَسٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ)
أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَمَّا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ السِّينِ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
وَأَمَّا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَالْفِرْيَابِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ كَمَا فِي الْفَتْحِ
قَوْلُهُ [٢١٣٦] (بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ) وَفِي رِوَايَةٍ كُنَّا فِي جِنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ (وَهُوَ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَمَعَهُ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الْأَرْضِ
قَالَ الْحَافِظُ وَفِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ عَصًا أَوْ قَضِيبٌ يُمْسِكُهُ الرَّئِيسُ لِيَتَوَكَّأَ عَلَيْهِ وَيَدْفَعُ بِهِ عَنْهُ وَيُشِيرُ بِهِ لِمَا يُرِيدُ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُحْمَلُ تَحْتَ الْخَصْرِ غَالِبًا لِلِاتِّكَاءِ عَلَيْهَا انْتَهَى
قَالَ فِي الْمَجْمَعِ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِقَضِيبٍ أَيْ يَضْرِبُ الْأَرْضَ بِطَرَفِهِ وَهُوَ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهَا بِطَرَفِهِ فِعْلَ الْمُفَكِّرِ الْمَهْمُومِ (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا قَدْ عُلِمَ قَالَ وَكِيعٌ إِلَّا قَدْ كُتِبَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ فِيهِمَا (مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ أَوْ مِنَ الْجَنَّةِ
قَالَ الْحَافِظُ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ مَا قَدْ يُشْعِرُ بِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْوَاوِ وَلَفْظُهُ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا تقدم من حديث بن عُمَرَ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ مَقْعَدَيْنِ وَفِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ إِلَّا كُتِبَ مَكَانَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ (أَفَلَا نَتَّكِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) الْفَاءُ مُعَقِّبَةٌ لِشَيْءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَفَلَا نَتَّكِلُ وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ أَيْ نَعْتَمِدُ عَلَى مَا قُدِّرَ عَلَيْنَا (قَالَ لَا) أَيْ لَا تَتَّكِلُوا
وَحَاصِلُ السُّؤَالِ أَلَّا نَتْرُكَ مَشَقَّةَ الْعَمَلِ فَإِنَّا سَنَصِيرُ إِلَى مَا قُدِّرَ عَلَيْنَا وَحَاصِلُ الْجَوَابِ لَا مَشَقَّةَ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ وَهُوَ يَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ الْجَوَابُ مِنَ الْأ