قَوْلُهُ (حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَنَّثَهُ بِتَأْوِيلِ الْخِصَالِ (عَنْ عُمُرِهِ) بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الْمِيمُ أَيْ عَنْ مُدَّةِ أَجَلِهِ (فِيمَا أَفْنَاهُ) أَيْ صَرَفَهُ (وَعَنْ شَبَابِهِ) أَيْ قُوَّتِهِ فِي وَسَطِ عُمُرِهِ (فِيمَا أَبْلَاهُ) أَيْ ضَيَّعَهُ وَفِيهِ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ وَإِشَارَةٌ إِلَى الْمُسَامَحَةِ فِي طَرَفَيْهِ مِنْ حَالِ صِغَرِهِ وَكِبَرِهِ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ فَإِنْ قُلْتَ هَذَا دَاخِلٌ فِي الْخَصْلَةِ الْأُولَى فَمَا وَجْهُهُ قُلْتُ الْمُرَادُ سُؤَالُهُ عَنْ قُوَّتِهِ وَزَمَانِهِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ مِنْهُ عَلَى أَقْوَى الْعِبَادَةِ (وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ) أَيْ أَمِنْ حَرَامٍ أَوْ حَلَالٍ (وَفِيمَا أَنْفَقَهُ) أي طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ (وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ) قال القارىء لَعَلَّ الْعُدُولَ عَنِ الْأُسْلُوبِ لِلتَّفَنُّنِ فِي الْعِبَارَةِ الْمُؤَدِّيَةِ لِلْمَطْلُوبِ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ إِنَّمَا غَيَّرَ السُّؤَالَ فِي الْخَصْلَةِ الْخَامِسَةِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ وَعَنْ عَمَلِهِ مَاذَا عَمِلَ بِهِ
لِأَنَّهَا أَهَمُّ شَيْءٍ وَأَوْلَاهُ وَفِيهِ إِيذَانٌ بِأَنَّ الْعِلْمَ مُقَدِّمَةُ الْعَمَلِ وهو لا تعتد بِهِ لَوْلَا الْعَمَلُ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَضَعِيفٌ لِأَنَّ فِي سَنَدِهِ حُسَيْنُ بْنُ قَيْسٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ كَمَا عَرَفْتَ وَضَعَّفَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي بَرْزَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ كَذَا فِي الْمِشْكَاةِ
[٢٤١٧] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ الدَّارِمِيُّ صَاحِبُ الْمُسْنَدِ (أَخْبَرَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ) الشَّامِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ يُكْنَى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَيُلَقَّبُ شَاذَانُ ثِقَةٌ من التاسعة
قوله (وعن جسمه فيم أَبْلَاهُ) كَأَنَّهُ مِنْ بَلِيَ الثَّوْبُ وَأَبْلَاهُ كَانَ الشَّبَابُ فِي قُوَّتِهِ كَالثَّوْبِ الْجَدِيدِ فَلَمَّا وَلَّى الشَّبَابُ وَضَعُفَ الْبَدَنُ فَكَأَنَّمَا بَلِيَ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ وَأَقَرَّ تَصْحِيحَ التِّرْمِذِيِّ (هُوَ مَوْلَى أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُرَيْجٍ بِجِيمَيْنِ وَرَاءٍ مُصَغَّرًا بَصْرِيٌّ صَدُوقٌ رُبَّمَا وَهَمَ مِنَ الْخَامِسَةِ (وَأَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ اسْمُهُ نَضْلَةُ بْنُ عُبَيْدٍ) صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَغَزَا سَبْعَ غَزَوَاتٍ ثُمَّ نَزَلَ الْبَصْرَةَ وَغَزَا خُرَاسَانَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ عَلَى الصَّحِيحِ
[٢٤١٨] قَوْلُهُ (أَتَدْرُونَ) أَيْ أَتَعْلَمُونَ وَهَذَا سُؤَالُ إِرْشَادٍ لَا اسْتِعْلَامٍ
وَلِذَلِكَ قَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ كَذَا وَكَذَا (فِينَا) أَيْ فِيمَا بَيْنَنَا (مَنْ لَا دِرْهَمَ) أَيْ مِنْ نَقْدٍ (لَهُ) أَيْ مِلْكًا (وَلَا مَتَاعَ) أَيْ مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ النَّقْدُ وَيُتَمَتَّعُ بِهِ مِنَ الْأَقْمِشَةِ وَالْعَقَارِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْعَبِيدِ وَالْمَوَاشِي وَأَمْثَالِ ذَلِكَ
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ أَجَابُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِحَسَبِ عُرْفِ أَهْلِ الدُّنْيَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُمْ فِينَا غَفَلُوا عَنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ وَكَانَ حَقُّهُمْ أَنْ يَقُولُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ
لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرُوهُ كَانَ وَاضِحًا عِنْدَهُ ﷺ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُفْلِسُ) أَيِ الْحَقِيقِيُّ أَوِ الْمُفْلِسُ فِي الْآخِرَةِ (مِنْ أُمَّتِي) أَيْ أُمَّةِ الْإِجَابَةِ وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا فِي الدُّنْيَا بِالدِّرْهَمِ وَالْمَتَاعِ (مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ) أَيْ مَقْبُولَاتٍ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ مَصْحُوبًا بِهَا (وَيَأْتِي) أَيْ وَيَحْضُرُ أَيْضًا (قَدْ شَتَمَ هَذَا) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ قَدْ شَتَمَ هذا (وقذف هذا) أي بالزنى وَنَحْوِهِ (وَأَكَلَ مَالَ هَذَا) أَيْ بِالْبَاطِلِ (وَسَفَكَ دَمَ هَذَا) أَيْ
أَرَاقَ دَمَ هَذَا بِغَيْرِ حَقٍّ (وَضَرَبَ هَذَا) أَيْ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ أَوْ زِيَادَةً عَلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ وَالْمَعْنَى جَمَعَ بَيْنَ تِلْكَ الْعِبَادَاتِ وَهَذِهِ السَّيِّئَاتِ (فَيَقْعُدُ) أَيِ الْمُفْلِسُ (فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ) أَيْ يَأْخُذُ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ قِصَاصًا
قَالَ النَّوَوِيُّ يَعْنِي حَقِيقَةَ الْمُفْلِسِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ
وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ مَالٌ وَمَنْ قَلَّ مَالُهُ فَالنَّاسُ يُسَمُّونَهُ مُفْلِسًا وَلَيْسَ هَذَا حَقِيقَةَ الْمُفْلِسِ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ يَزُولُ وَيَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِ وَرُبَّمَا انْقَطَعَ بِيَسَارٍ يَحْصُلُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ بِخِلَافِ ذَلِكَ الْمُفْلِسِ فَإِنَّهُ يَهْلَكُ الْهَلَاكَ التَّامَّ
قَالَ الْمَازِرِيُّ زَعَمَ بَعْضُ الْمُبْتَدِعَةِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) وَهُوَ بَاطِلٌ وَجَهَالَةٌ بَيِّنَةٌ لِأَنَّهُ إِنَّمَا عُوقِبَ بِفِعْلِهِ وَوِزْرِهِ فَتَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ حُقُوقٌ لِغُرَمَائِهِ فَدُفِعَتْ إِلَيْهِمْ مِنْ حَسَنَاتِهِ فَلَمَّا فَرَغَتْ حَسَنَاتُهُ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ خُصُومِهِ فَوُضِعَتْ عَلَيْهِ
فَحَقِيقَةُ الْعُقُوبَةِ مسبة عَنْ ظُلْمِهِ وَلَمْ يُعَاقَبْ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ مِنْهُ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
[٢٤١٩] قَوْلُهُ (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ النُّونِ مُصَغَّرًا الْغَنَوِيِّ أَبِي أُسَامَةَ الْجَزَرِيِّ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ
قَوْلُهُ (كَانَتْ لِأَخِيهِ) أَيْ فِي الدِّينِ (عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَيُفْتَحُ اسْمُ مَا أَخَذَهُ الظَّالِمُ أَوْ تَعَرَّضَ لَهُ (فِي عِرْضٍ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ هُوَ مَوْضِعُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ مِنَ الْإِنْسَانِ سَوَاءٌ كَانَ فِي نَفْسِهِ أَوْ سَلَفِهِ أَوْ مَنْ يَلْزَمُهُ أَمْرُهُ
وَقِيلَ هُوَ جَانِبُهُ الَّذِي يَصُونَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَنَسَبِهِ وَحَسَبِهِ وَيُحَامِي عَنْهُ أَنْ يُنْتَقَصَ وَيُثْلَبَ
وَقِيلَ نَفْسُهُ وَبَدَنُهُ لَا غَيْرُ (فَجَاءَهُ) أَيْ جَاءَ الظَّالِمُ الْمَظْلُومَ (فَاسْتَحَلَّهُ)
قَالَ فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ تَحَلَّلْتَهُ وَاسْتَحْلَلْتَهُ إِذَا سَأَلْتَهُ أَنْ يَجْعَلَكَ فِي حِلٍّ (قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ) قَالَ الْمُنَاوِيُّ
أَيْ تُقْبَضَ رُوحُهُ (وَلَيْسَ ثَمَّ) أَيْ هُنَاكَ يَعْنِي فِي الْقِيَامَةِ (دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ) يقضي بِهِ (فَإِنْ كَانَتْ لَهُ
حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ حَسَنَاتِهِ) أَيْ فَيُوَفَّى مِنْهَا لِصَاحِبِ الْحَقِّ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ) أَوْ لَمْ تَفِ بِمَا عَلَيْهِ (حَمَلُوا عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ) أَيْ أَلْقَى أَصْحَابُ الْحُقُوقِ مِنْ ذُنُوبِهِمْ بِقَدْرِ حُقُوقِهِمْ ثُمَّ يُقْذَفُ فِي النَّارُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
[٢٤٢٠] قَوْلُهُ (لَتُؤَدَّنَّ) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُشَدَّدَةِ
قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ هو على بناء المجهول والحقوق مَرْفُوعٌ هَذِهِ هِيَ الرِّوَايَةُ الْمُعْتَدُّ بِهَا وَيَزْعُمُ بَعْضُهُمْ ضَمَّ الدَّالَ وَنَصْبَ الْحُقُوقِ وَالْفِعْلُ مُسْنَدٌ إِلَى الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهِ وَالصَّحِيحُ مَا قَدَّمْنَاهُ انْتَهَى (حَتَّى تُقَادَ الشَّاةُ الْجَلْحَاءُ) بِالْمَدِّ هِيَ الْجَمَّاءُ الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا (مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ) أَيِ الَّتِي لَهَا قَرْنٌ
قَالَ النَّوَوِيُّ الْجَلْحَاءُ بِالْمَدِّ هِيَ الْجَمَّاءُ الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا وَالْقَرْنَاءُ ضِدُّهَا وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِحَشْرِ الْبَهَائِمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِعَادَتِهَا كَمَا يُعَادُ أَهْلِ التَّكْلِيفِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ وَالْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينِ وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةٌ
وَعَلَى هَذَا تَظَاهَرَتْ دَلَائِلُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ قَالَ تَعَالَى ﷻ وَلَا إِلَهَ غيره (وإذا الوحوش حشرت) وَإِذَا وَرَدَ لَفْظُ الشَّرْعِ وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ إِجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ شَرْعٌ وَلَا عَقْلٌ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ
قَالُوا وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْحَشْرِ وَالْإِعَادَةِ فِي الْقِيَامَةِ الْمُجَازَاةُ وَالْعِقَابُ وَالثَّوَابُ
وَأَمَّا الْقِصَاصُ مِنَ الْقَرْنَاءِ لِلْجَلْحَاءِ فَلَيْسَ مِنْ قِصَاصِ التَّكْلِيفِ بَلْ هُوَ قِصَاصُ مُقَابَلَةٍ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ) أَخْرَجَ حَدِيثَهُمَا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وأخرجه مسلم