٣ - (بَابُ مَا جَاءَ فِي شَأْنِ الْحَشْرِ)
الْحَشْرُ جَمْعٌ وَالْمُرَادُ بِهِ حَشْرُ الْأَمْوَاتِ مِنْ قُبُورِهِمْ وَغَيْرِهَا بَعْدَ الْبَعْثِ جَمِيعًا إِلَى الْمَوْقِفِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا
[٢٤٢٣] قَوْلُهُ (عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ) النَّخَعِيِّ الْكُوفِيِّ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ
قَوْلُهُ (يُحْشَرُ النَّاسُ) أَيْ يُبْعَثُونَ (حُفَاةً) بِضَمِّ الْحَاءِ جَمْعُ حَافٍ وَهُوَ الَّذِي لَا نَعْلَ لَهُ وَلَا خُفَّ (عُرَاةً) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ عَارٍ وَهُوَ مَنْ لَا سِتْرَ لَهُ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ يَعْنِي الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو داود وصححه بن حِبَّانَ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ دَعَا بِثِيَابٍ جُدُدٍ فَلَبِسَهَا وَقَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ إِنَّ الْمَيِّتَ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ بَعْضَهُمْ يُحْشَرُ عَارِيًا وَبَعْضُهُمْ كَاسِيًا أَوْ يُحْشَرُونَ كُلُّهُمْ عُرَاةً ثُمَّ يُكْسَى الْأَنْبِيَاءُ فَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ ﵊ أَوْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْقُبُورِ بِالثِّيَابِ الَّتِي مَاتُوا فِيهَا ثُمَّ تَتَنَاثَرُ عَنْهُمْ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْحَشْرِ فَيُحْشَرُونَ عُرَاةً ثُمَّ يَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ
وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ عَلَى الشُّهَدَاءِ لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ أَمَرَ أَنْ يُزَمَّلُوا فِي ثِيَابِهِمْ وَيُدْفَنُوا فِيهَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو سَعِيدٍ سَمِعَهُ فِي الشَّهِيدِ فَحَمَلَهُ عَلَى الْعُمُومِ
وَمِمَّنْ حَمَلَهُ على عمومه معاذ بن جبل
فأخرج بن أَبِي الدُّنْيَا بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ دَفَنَّا أُمَّ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ فَأَمَرَ بِهَا فَكُفِّنَتْ فِي ثِيَابٍ جُدُدٍ وَقَالَ أَحْسِنُوا أَكْفَانَ مَوْتَاكُمْ فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ فِيهَا
قَالَ وَحَمَلَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى الْعَمَلِ وَإِطْلَاقُ الثِّيَابِ عَلَى الْعَمَلِ وَقَعَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تعالى (ولباس التقوى ذلك خير) وقوله تعالى (وثيابك فطهر) عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ
قَالَ مَعْنَاهُ وَعَمَلَكَ فَأَخْلِصْهُ وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ رَفَعَهُ يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَرَجَّحَ الْقُرْطُبِيُّ الْحَمْلَ عَلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ وَيَتَأَيَّدُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كما خلقناكم أول مرة) وقوله تعالى
(كما بدأكم تعودون) وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ (كَمَا بدأنا أول خلق نعيده) عَقِبَ قَوْلِهِ حُفَاةً عُرَاةً قَالَ فَيُحْمَلُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ عَلَى الشُّهَدَاءِ لِأَنَّهُمْ يُدْفَنُونَ بِثِيَابِهِمْ فَيُبْعَثُونَ فِيهَا تَمْيِيزًا لَهُمْ عن غيرهم
وقد نقله بن عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَذَا فِي الْفَتْحِ (غُرْلًا) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ جَمْعُ أَغْرَلَ وَهُوَ الْأَقْلَفُ وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ وَهُوَ مَنْ بَقِيَتْ غِرْلَتُهُ وَهِيَ الْجِلْدَةُ الَّتِي يَقْطَعُهَا الْخَاتِنُ مِنَ الذَّكَرِ (ثُمَّ قَرَأَ) أَيِ اسْتِشْهَادًا وَاعْتِضَادًا (كما بدأنا أول خلق نعيده) الْكَافُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ نُعِيدُهُ أَيْ نُعِيدُ الْخَلْقَ إِعَادَةً مِثْلَ الْأَوَّلِ
وَالْمَعْنَى بَدَأْنَاهُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا كَذَا نعيدهم يوم القيامة (وعدا علينا) أَيْ لَازِمًا لَا يَجُوزُ الْخُلْفُ فِيهِ (إِنَّا كنا فاعلين) أَيْ مَا وَعَدْنَاهُ وَأَخْبَرْنَا بِهِ لَا مَحَالَةَ (وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى مِنَ الْخَلَائِقِ إِبْرَاهِيمُ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْخَلَائِقِ مَنْ عَدَا نَبِيَّنَا ﷺ فَلَمْ يَدْخُلْ هُوَ فِي عُمُومِ خِطَابِ نَفْسِهِ
وَتَعَقَّبَهُ تِلْمِيذُهُ الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا فِي التَّذْكِرَةِ فَقَالَ هَذَا حَسَنٌ لَوْلَا مَا جَاءَ مِنْ حديث علي يعني الذي أخرجه بن الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ خَلِيلُ اللَّهِ ﵇ قِبْطِيَّتَيْنِ ثُمَّ يُكْسَى مُحَمَّدٌ ﷺ حُلَّةَ حِيرَةٍ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ
قَالَ الْحَافِظُ كَذَا وَرَدَ مُخْتَصَرًا مَوْقُوفًا
وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مُطَوَّلًا مَرْفُوعًا
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ بن عَبَّاسٍ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ وَزَادَ وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى مِنَ الْجَنَّةِ إِبْرَاهِيمُ يُكْسَى حُلَّةً مِنَ الْجَنَّةِ وَيُؤْتَى بِكُرْسِيٍّ فَيُطْرَحُ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ ثُمَّ يُؤْتَى بِي فَأُكْسَى حُلَّةً مِنَ الْجَنَّةِ لَا يَقُومُ لَهَا الْبَشَرُ
ثُمَّ يُؤْتَى بِكُرْسِيٍّ فَيُطْرَحُ عَلَى سَاقِ الْعَرْشِ وَهُوَ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ
وَفِي مُرْسَلِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عِنْدَ جَعْفَرٍ الْفِرْيَابِيِّ يُحْشَرُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَرَى خَلِيلِي عُرْيَانَا فَيُكْسَى إِبْرَاهِيمُ ثَوْبًا أَبْيَضَ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى قِيلَ الْحِكْمَةُ فِي كَوْنِ إِبْرَاهِيمَ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى أَنَّهُ جُرِّدَ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ
وَقِيلَ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنِ اسْتَنَّ التَّسَتُّرَ بِالسَّرَاوِيلِ
وَقَدْ أخرج بن مِنْدَهْ مِنْ حَدِيثِ حَيْدَةَ رَفَعَهُ قَالَ أَوَّلُ من يكسى إبراهيم يقول الله أكسو خَلِيلِي لِيَعْلَمَ النَّاسُ الْيَوْمَ فَضْلَهُ عَلَيْهِمْ
قَالَ الْحَافِظُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَخْصِيصِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ بِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ نَبِيِّنَا ﵊ مُطْلَقًا انْتَهَى (وَيُؤْخَذُ مِنْ أَصْحَابِي بِرِجَالٍ ذَاتِ الْيَمِينِ وَذَاتِ الشِّمَالِ) أَيْ إِلَى جَانِبِ الْيَمِينِ وَإِلَى جَانِبِ الشِّمَالِ قَالَ الْحَافِظُ وَبَيَّنَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَوْضِعَ وَلَفْظُهُ لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي الْحَوْضَ حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمُ اخْتَلَجُوا دُونِي الْحَدِيثَ
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ليذادن رجال عن حوض كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ أُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمَّ (فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي) أَيْ هَؤُلَاءِ أَصْحَابِي
وَلِأَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ رَفَعَهُ لَيَرِدَّنَ عَلَى الْحَوْضِ رِجَالٌ مِمَّنْ صَحِبَنِي وَرَآنِي
وَسَنَدُهُ حَسَنٌ
وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ نحوه قاله