وَالْمَنْزِلَةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَنِعَمِهِ فِي الْآخِرَةِ حَتَّى يُرَى عَلَيْهِ رَوْنَقُ الرَّخَاءِ وَالنِّعْمَةِ ثُمَّ قِيلَ إِنَّهُ إِخْبَارٌ يَعْنِي جَعَلَهُ ذَا نَضْرَةٍ وَقِيلَ دُعَاءٌ لَهُ بِالنَّضْرَةِ وَهِيَ الْبَهْجَةُ وَالْبَهَاءُ فِي الْوَجْهِ مِنْ أَثَرِ النِّعْمَةِ (فَحَفِظَهُ) أَيْ بِالْقَلْبِ أَوْ بِالْكِتَابَةِ (فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ) أَيْ عِلْمٍ (إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ) أَيْ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ قَدْ يَكُونُ فَقِيهًا وَلَا يَكُونُ أَفْقَهَ فَيَحْفَظُهُ وَيُبَلِّغُهُ إِلَى مَنْ هو أفقه منه فيستنبط منه مالا يَفْهَمُهُ الْحَامِلُ أَوْ إِلَى مَنْ يَصِيرُ أَفْقَهَ مِنْهُ إِشَارَةٌ إِلَى فَائِدَةِ النَّقْلِ وَالدَّاعِي إِلَيْهِ
قَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ صِفَةٌ لِمَدْخُولِ رُبَّ اسْتَغْنَى بِهَا عَنْ جَوَابِهَا أَيْ رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ أَدَّاهُ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ (وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ) بَيَّنَ بِهِ أَنَّ رَاوِيَ الْحَدِيثِ لَيْسَ الْفِقْهُ مِنْ شَرْطِهِ إِنَّمَا شَرْطُهُ الْحِفْظُ وَعَلَى الْفَقِيهِ التَّفَهُّمُ وَالتَّدَبُّرُ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ
[٢٦٥٧] قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَنَسٍ
أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَمَّا حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ وَأَمَّا حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ فأخرجه أحمد وبن مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ وأَمَّا حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ فَأَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ وَأَمَّا حديث أنس فأخرجه بن مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو داود وبن مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ وَنَقَلَ الْمُنْذِرِيُّ تَحْسِينَ التِّرْمِذِيِّ فَأَقَرَّهُ
[٢٦٥٨] قَوْلُهُ (سَمِعَ مِنَّا شيئا) وفي رواية بن مَاجَهْ حَدِيثًا بَدَلَ شَيْئًا
قَالَ الطِّيبِيُّ يَعُمُّ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ الصَّادِرَةَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ ﵃ يَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ الْجَمْعِ فِي مِنَّا
قُلْتُ الظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّ الْمَعْنَى مَنْ سَمِعَ مِنِّي أَوْ مِنْ أَصْحَابِي حَدِيثًا مِنْ أَحَادِيثِي فَبَلَّغَهُ إِلَخْ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ) أَيْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ وَخَصَّ مُبَلِّغَ الْحَدِيثِ كما
سَمِعَهُ بِهَذَا الدُّعَاءِ لِأَنَّهُ سَعَى فِي نَضَارَةِ الْعِلْمِ وَتَجْدِيدِ السُّنَّةِ فَجَازَاهُ بِالدُّعَاءِ بِمَا يُنَاسِبُ حَالَهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شَرَفِ الْحَدِيثِ وَفَضْلِهِ وَدَرَجَةِ طُلَّابِهِ حَيْثُ خَصَّهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِدُعَاءٍ لَمْ يُشْرِكْ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَّةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ وَحِفْظِهِ وَتَبْلِيغِهِ فَائِدَةٌ سِوَى أَنْ يَسْتَفِيدَ بَرَكَةَ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الْمُبَارَكَةِ لَكَفَى ذَلِكَ فَائِدَةً وغنما وجل من الدَّارَيْنِ حَظًّا وَقَسَمًا
وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ اخْتُلِفَ فِي نَقْلِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى وَإِلَى جَوَازِهِ ذَهَبَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَقَالَ مُجَاهِدٌ انْقُصْ مِنَ الْحَدِيثِ مَا شِئْتَ وَلَا تَزِدْ وَقَالَ سُفْيَانُ إِنْ قُلْتُ حَدَّثْتُكُمْ كَمَا سَمِعْتُ فَلَا تُصَدِّقُونِي فَإِنَّمَا هُوَ الْمَعْنَى وَقَالَ وَكِيعٌ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَعْنَى وَاسِعًا فَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ وَقَالَ أيوب عن بن سِيرِينَ كُنْتُ أَسْمَعُ الْحَدِيثَ عَنْ عَشَرَةٍ وَاللَّفْظُ مُخْتَلِفٌ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى اتِّبَاعِ اللفظ منهم بن عمر وهو قول القاسم بن محمد وبن سيرين ومالك بن أنس وبن عُيَيْنَةَ
وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ الرِّوَايَةُ بِالْمَعْنَى حَرَامٌ عِنْدَ جَمَاعَاتٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَجَائِزَةٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَالْأَوْلَى اجْتِنَابُهَا انْتَهَى
قُلْتُ مَسْأَلَةُ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى مَبْسُوطَةٌ فِي كُتُبِ أُصُولِ الْحَدِيثِ عَلَيْكَ أَنْ تراجعها (فرب) للتقليل وَقَدْ تَرِدُ لِلتَّكْثِيرِ (مُبَلَّغٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَأَوْعَى نَعْتٌ لَهُ وَالَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ رُبَّ مَحْذُوفٌ وَتَقْدِيرُهُ يُوجَدُ أَوْ يَكُونُ وَيَجُوزُ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ فِي أَنَّ رُبَّ اسْمٌ أَنَّ تَكُونُ هِيَ مُبْتَدَأٌ وَأَوْعَى الْخَبَرُ فَلَا حَذْفَ وَلَا تَقْدِيرَ وَالْمُرَادُ رُبَّ مُبَلَّغٍ عَنِّي أَوْعَى أَيْ أَفْهَمُ لِمَا أَقُولُ مِنْ سَامِعٍ مِنِّي وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مِنْدَهْ فِي رِوَايَتِهِ من طريق هوذة عن بن عَوْنٍ وَلَفْظُهُ فَإِنَّهُ عَسَى أَنَّ بَعْضَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ أَوْعَى لِمَا أَقُولُ مِنْ بَعْضِ مَنْ شَهِدَ
قَوْلُهُ (قَوْلُهُ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وبن ماجة وبن حبان
قال المناوي وإسناده صحيح
(بَاب مَا جَاءَ فِي تَعْظِيمِ الْكَذِبِ عَلَى رسول الله)
ﷺ [٢٦٥٩] قوله (أخبرنا عاصم) هو بن بَهْدَلَةَ (عَنْ زِرِّ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وهو بن حبيش (عن عبد الله) هو بن مسعود