تحفة الأحوذي · المباركفوري · ج7 ص372١٧ - (بَاب فِي الِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ)
ﷺ [٢٦٧٩] قَوْلُهُ (اتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ) أَيْ مُدَّةَ تَرْكِي إِيَّاكُمْ مِنَ التَّكْلِيفِ (فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) أَيْ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى (بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ) كَسُؤَالِ الرُّؤْيَةِ وَالْكَلَامِ وَقَضِيَّةِ الْبَقَرَةِ (وَاخْتِلَافِهِمْ) عُطِفَ عَلَى الْكَثْرَةِ لَا عَلَى السُّؤَالِ لِأَنَّ نَفْسَ الِاخْتِلَافِ مُوجِبٌ لِلْهَلَاكِ مِنْ غَيْرِ الْكَثْرَةِ (عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ) يَعْنِي إِذَا أَمَرَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ بَعْدَ السُّؤَالِ أَوْ قَبْلَهُ وَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِمْ فَهَلَكُوا وَاسْتَحَقُّوا الْإِهْلَاكَ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فاتوا منه اسْتَطَعْتُمْ
هَذَا مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ الْمُهِمَّةِ وَمِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ الَّتِي أُعْطِيَهَا ﷺ وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا لَا يُحْصَى مِنَ الْأَحْكَامِ كَالصَّلَاةِ بِأَنْوَاعِهَا فَإِذَا عَجَزَ عَنْ بَعْضِ أَرْكَانِهَا أَوْ بَعْضِ شُرُوطِهَا أَتَى بِالْبَاقِي وَإِذَا عَجَزَ عَنْ بَعْضِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْلِ غَسَلَ الْمُمْكِنَ وَإِذَا وَجَدَ بَعْضَ مَا يَكْفِيهِ مِنَ الْمَاءِ لِطَهَارَتِهِ أَوْ لِغَسْلِ النَّجَاسَةِ فَعَلَ الْمُمْكِنَ وَأَشْبَاهُ هَذَا غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ فَهُوَ عَلَى إِطْلَاقِهِ فَإِنْ وُجِدَ عُذْرٌ يُبِيحُهُ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ أَوْ شُرْبِ الْخَمْرِ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ أَوِ التَّلَفُّظِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ إِذَا أُكْرِهَ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهَذَا لَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْهُ فِي هَذَا الْحَالِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ
٨ - (بَاب مَا جَاءَ فِي عالم المدينة)
[٢٦٨٠] قوله (عن أبي هريرة رِوَايَةً) بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى رَسُولِ
اللَّهِ ﷺ وَإِلَّا لَكَانَ مَوْقُوفًا (يُوشِكُ) بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحُ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ أَيْ يَقْرُبُ (أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ) هُوَ فِي مَحَلِّ الرفع اسم ليوشك ولا حاجة إلى الخير لِاشْتِمَالِ الِاسْمِ عَلَى الْمُسْنَدِ وَالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ (أَكْبَادَ الْإِبِلِ) أَيِ الْمُحَاذِيَ لِأَكْبَادِهَا يَعْنِي يَرْحَلُونَ وَيُسَافِرُونَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ إِسْرَاعِ الْإِبِلِ وَإِجْهَادِهَا فِي السَّيْرِ
قَالَ الطِّيبِيُّ ضَرْبُ أَكْبَادِ الْإِبِلِ كِنَايَةٌ عَنِ السَّيْرِ السَّرِيعِ لِأَنَّ مَنْ أَرَادَ ذَلِكَ يَرْكَبُ الْإِبِلَ وَيَضْرِبُ عَلَى أَكْبَادِهَا بِالرِّجْلِ وَفِي إِيرَادِ هَذَا الْقَوْلِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ طَلَبَةَ الْعِلْمِ أَشَدُّ النَّاسِ حِرْصًا وَأَعَزُّهُمْ مَطْلَبًا لِأَنَّ الْجِدَّ فِي الطَّلَبِ إِنَّمَا يَكُونُ بِشِدَّةِ الْحِرْصِ وَعِزَّةِ الْمَطْلَبِ وَالْمَعْنَى قَرُبَ أَنْ يَأْتِيَ زَمَانٌ يَسِيرُ النَّاسُ سَيْرًا شَدِيدًا فِي الْبُلْدَانِ الْبَعِيدَةِ (يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ) حَالٌ أَوْ بَدَلٌ (فَلَا يَجِدُونَ أَحَدًا) أَيْ فِي الْعَالَمِ (أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ) قِيلَ هَذَا فِي زَمَانِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَتِ الْعُلَمَاءُ الْفُحُولُ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ أَكْثَرَ مَا كَانُوا بِالْمَدِينَةِ فَالْإِضَافَةُ لِلْجِنْسِ
قَوْلُهُ (قَالَ فِي هَذَا مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ) قَوْلُهُ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ هَذَا (إِنَّهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) يَعْنِي إِمَامَ دَارِ الْهِجْرَةِ ﵀ (هُوَ الْعُمَرِيُّ الزَّاهِدُ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) كَذَا فَسَّرَ التِّرْمِذِيُّ الْعُمَرِيَّ الزَّاهِدَ بِعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَقَدْ صَرَّحَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ بِأَنَّ الْعُمَرِيَّ الزَّاهِدَ هُوَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ فِي تَرْجَمَتِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عبد العزيز بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيُّ الْعُمَرِيُّ الزَّاهِدُ الْمَدَنِيُّ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا لَمَّا اسْتَعْمَلَ عَلِيًّا عَلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ قَدِّمِ الْوَضِيعَ قَبْلَ الشَّرِيفِ
قَدِّمِ الضَّعِيفَ قَبْلَ الْقَوِيِّ وَعَنْ أَبِيهِ وَغَيْرِهِ وَعَنِ بن عيينة وغيره قال النسائي ثقة وذكره بن حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَقَالَ كَانَ مِنْ أَزْهَدْ أَهْلِ زَمَانِهِ وَأَشَدِّهِمْ تَخَلِّيًا لِلْعِبَادَةِ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ أربع وثمانين ومائة
وقال بن سَعْدٍ كَانَ عَابِدًا نَاسِكًا عَالِمًا
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ سمعت إسحاق يقول سمعت بن عُيَيْنَةَ يَقُولُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الابل
الحديث هو العمري
وقال بن أبي خثيمة