أَمْرُ الرَّاكِبِ فَلِأَنَّ لَهُ مَزِيَّةً عَلَى الْمَاشِي فَعَوَّضَ الْمَاشِيَ بِأَنْ يَبْدَأَهُ الرَّاكِبُ بِالسَّلَامِ احْتِيَاطًا عَلَى الرَّاكِبِ مِنَ الزَّهْوِ أَنْ لَوْ حَازَ الْفَضِيلَتَيْنِ وَأَمَّا الْمَاشِي فَلِمَا يَتَوَقَّعُ الْقَاعِدُ مِنْهُ مِنَ الشَّرِّ وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ رَاكِبًا فَإِذَا ابْتَدَأَ بِالسَّلَامِ أَمِنَ مِنْهُ ذَلِكَ وَأَنِسَ إِلَيْهِ أَوْ لِأَنَّ فِي التَّصَرُّفِ فِي الْحَاجَاتِ امْتِهَانًا فَصَارَ لِلْقَاعِدِ مَزِيَّةٌ فَأُمِرَ بِالِابْتِدَاءِ أَوْ لِأَنَّ الْقَاعِدَ يَشُقُّ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ الْمَارِّينَ مَعَ كَثْرَتِهِمْ فَسَقَطَتِ الْبُدَاءَةُ عَنْهُ لِلْمَشَقَّةِ بِخِلَافِ الْمَارِّ فَلَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ وَأَمَّا الْقَلِيلُ فَلِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ أو لأن الجماعة لو ابتدأوا لَخِيفَ عَلَى الْوَاحِدِ الزَّهْوُ فَاحْتِيطَ لَهُ وَلَمْ يَقَعْ تَسْلِيمُ الصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَكَأَنَّهُ لِمُرَاعَاةِ السِّنِّ فَإِنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ فِي الشَّرْعِ فَلَوْ تَعَارَضَ الصِّغَرُ الْمَعْنَوِيُّ وَالْحِسِّيُّ كَأَنْ يَكُونَ الْأَصْغَرُ أَعْلَمَ مَثَلًا فِيهِ نَظَرٌ وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا وَالَّذِي يَظْهَرُ اعْتِبَارُ السِّنِّ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ كَمَا تُقَدَّمُ الحقيقة على المجاز
ونقل بن دقيق العيد عن بن رُشْدٍ أَنَّ مَحَلَّ الْأَمْرِ فِي تَسْلِيمِ الصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ إِذَا الْتَقَيَا فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَاكِبًا وَالْآخَرُ مَاشِيًا بَدَأَ الرَّاكِبُ وَإِنْ كَانَا رَاكِبَيْنِ أَوْ مَاشِيَيْنِ بَدَأَ الصَّغِيرُ انْتَهَى مَا فِي الْفَتْحِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ وَفُضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَجَابِرٍ) أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ فَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ بِلَفْظِ يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الرَّاجِلِ وَالرَّاجِلُ عَلَى الْجَالِسِ وَالْأَقَلُّ عَلَى الْأَكْثَرِ فَمَنْ أَجَابَ كَانَ لَهُ وَمَنْ لَمْ يُجِبْ فَلَا شَيْءَ لَهُ كَذَا فِي الْفَتْحِ وَأَمَّا حَدِيثُ فُضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ (هَذَا حَدِيثٌ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ التِّرْمِذِيِّ (وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ إِلَخْ) فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ مُنْقَطِعٌ
[٢٧٠٥] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْجَنْبِيِّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ الْهَمْدَانِيُّ الْمُرَادِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ
قَوْلُهُ (وَالْمَاشِي عَلَى الْقَائِمِ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَائِمِ الْمُسْتَقِرُّ فِي مَكَانِهِ سَوَاءٌ كَانَ جَالِسًا أَوْ وَاقِفًا أَوْ مُضْطَجِعًا
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ والنسائي وبن حبان في صحيحه قَوْلُهُ (وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ) قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا الْأَدَبُ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا تَلَاقَى اثْنَانِ فِي طَرِيقٍ أَمَّا إِذَا وَرَدَ عَلَى قُعُودٍ أو قاعد فإن لوارد يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ بِكُلِّ حَالٍ سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا
قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ
٥ - (باب ما جاء التسليم عند القيام والقعود)
[٢٧٠٦] قَوْلُهُ (إِذَا انْتَهَى) أَيْ جَاءَ وَوَصَلَ (فَإِنْ بَدَا) بِالْأَلِفِ أَيْ ظَهَرَ (ثُمَّ إِذَا قَامَ) أَيْ بَعْدَ أَنْ يَجْلِسَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ وَلَوْ لَمْ يَجْلِسْ (فَلَيْسَتِ الْأُولَى) أَيِ التَّسْلِيمَةُ الْأُولَى (بِأَحَقَّ) أَيْ بِأَوْلَى وَأَلْيَقَ (مِنَ الْآخِرَةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ كَمَا أَنَّ التَّسْلِيمَةَ الْأُولَى إِخْبَارٌ عن
سَلَامَتِهِمْ مِنْ شَرِّهِ عِنْدَ الْحُضُورِ فَكَذَلِكَ الثَّانِيَةُ إِخْبَارٌ عَنْ سَلَامَتِهِمْ مِنْ شَرِّهِ عِنْدَ الْغَيْبَةِ وَلَيْسَتِ السَّلَامَةُ عِنْدَ الْحُضُورِ أَوْلَى مِنَ السَّلَامَةِ عِنْدَ الْغَيْبَةِ بَلِ الثَّانِيَةُ أَوْلَى انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْجَمَاعَةِ رَدُّ السَّلَامِ عَلَى الَّذِي يُسَلِّمُ عَلَى الْجَمَاعَةِ عِنْدَ الْمُفَارَقَةِ
قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَأَبُو سَعِيدٍ الْمُتَوَلِّي جَرَتْ عَادَةُ بَعْضِ النَّاسِ بِالسَّلَامِ عِنْدَ الْمُفَارَقَةِ وَذَلِكَ دُعَاءٌ يُسْتَحَبُّ جَوَابُهُ وَلَا يَجِبُ لِأَنَّ التَّحِيَّةَ إِنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ اللِّقَاءِ لَا عِنْدَ الِانْصِرَافِ وَأَنْكَرَهُ الشَّاشِيُّ وَقَالَ إِنَّ السَّلَامَ سُنَّةٌ عِنْدَ الِانْصِرَافِ كَمَا هُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ اللِّقَاءِ فَكَمَا يَجِبُ الرَّدُّ عِنْدَ اللِّقَاءِ كَذَلِكَ عِنْدَ الِانْصِرَافِ
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وبن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ (وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ بن عَجْلَانَ أَيْضًا عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ وَمِنَ الطَّرِيقِ السَّابِقِ أَيْضًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَلْخِيصِ السُّنَنِ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ وَصْفِ الصَّلَاةِ وَسَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ قَدْ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ