تحفة الأحوذي · المباركفوري · ج9 ص170نشرك أي بعد اليوم قل يامحمد لِلنَّاسِ أُوحِيَ إِلَيَّ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَنْ يُخْبِرَ قَوْمَهُ بِوَاقِعَةِ الْجِنِّ وَيُظْهِرَهَا لَهُمْ لِيَعْرِفُوا بِذَلِكَ وَأَنَّكَ مَبْعُوثٌ إِلَى الْجِنِّ كَالْإِنْسِ وَلِتَعْلَمَ قُرَيْشٌ أَنَّ الْجِنَّ مَعَ تَمَرُّدِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ وَعَرَفُوا إِعْجَازَهُ آمَنُوا بِهِ وَالْمَعْنَى أُخْبِرْتُ بِالْوَحْيِ مِنَ اللَّهِ أنه الضمير للشأن استمع أي لقراءئي (وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ) أَيْ لِقَوْلِهِمْ إنا سمعنا الخ وهذا كلام بن عَبَّاسٍ كَأَنَّهُ تَقَرَّرَ فِيهِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَوَّلًا أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَجْتَمِعْ بِهِمْ وَإِنَّمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ بِأَنَّهُمُ اسْتَمَعُوا وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالوا أنصتوا الْآيَةَ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ ذِكْرِ اجتماعه بهم حين استمعوا أن لا يكون اجتمع بهم بعد ذلك وحديث بن عَبَّاسٍ هَذَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لبدا بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْبَاءِ جَمْعُ لِبْدَةٍ بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ نَحْوَ قِرْبَةٍ وَقِرَبٍ وَاللِّبْدَةُ وَاللِّبَدُ الشَّيْءُ الْمُلَبَّدُ أَيِ الْمُتَرَاكِمُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ وبه سمي اللبد الذي يفرش لتراكم صرفه (قال) أي بن عَبَّاسٍ (لَمَّا رَأَوْهُ يُصَلِّي) أَيْ بِسَبَبِ أَنْ رَأَى الْجِنُّ النَّبِيَّ ﷺ حَالَ كَوْنِهِ يُصَلِّي (تَعَجَّبُوا مِنْ طَوَاعِيَةِ أَصْحَابِهِ لَهُ) أَيْ مِنَ انْقِيَادِهِمْ لَهُ وَالطَّوَاعِيَةُ الطَّاعَةُ لما قام عبد الله أَيِ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُوهُ أَيْ يُصَلِّي وَيَتْلُو الْقُرْآنَ كَادُوا يَكُونُونَ أَيْ أَصْحَابُهُ ﷺ عَلَيْهِ لِبَدًا أي مجتمعين عليه
وحديث بن عَبَّاسٍ هَذَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحاكم وبن جرير في تفسيره
وروي عن بن عَبَّاسٍ قَوْلٌ آخَرُ وَهُوَ مَا رَوَى الْعَوْفِيُّ عَنْهُ يَقُولُ لَمَّا سَمِعُوا النَّبِيَّ ﷺ يَتْلُو الْقُرْآنَ كَادُوا يَرْكَبُونَهُ مِنَ الْحِرْصِ لَمَّا سَمِعُوهُ يَتْلُو الْقُرْآنَ وَدَنَوْا مِنْهُ فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ حَتَّى أَتَاهُ الرَّسُولُ يُقْرِئُهُ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجن يستمعون القرآن
أخرجه بن جرير وبن مَرْدَوَيْهِ
[٣٣٢٤] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى) الظَّاهِرُ أَنَّهُ الْإِمَامُ الذُّهْلِيُّ (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الضبي
الْفِرْيَابِيُّ (أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) السَّبِيعِيُّ
قَوْلُهُ (زَادُوا فِيهَا) أَيْ فِي الْكَلِمَةِ الْمَسْمُوعَةِ (تِسْعًا) أَيْ تِسْعَ كَلِمَاتٍ وَالْمُرَادُ التَّكْثِيرُ لَا التَّحْدِيدُ فَفِي رِوَايَةٍ عَشْرًا وَفِي رِوَايَةٍ أَضْعَافًا (فَأَمَّا الْكَلِمَةُ) أَيِ الْمَسْمُوعَةُ (مُنِعُوا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَالضَّمِيرُ لِلْجِنِّ (مَقَاعِدَهُمْ) جَمْعُ مَقْعَدٍ اسْمُ مَكَانٍ أَيْ مِنَ الصُّعُودِ إِلَيْهَا وَالْقُعُودِ فِيهَا وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ كَانَ أَحَدُهُمْ لَا يَأْتِي مَقْعَدَهُ إِلَّا يُرْمَى بِشِهَابٍ يَحْرِقُ مَا أَصَابَ (وَلَمْ تَكُنِ النُّجُومُ يُرْمَى بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ بِهَذِهِ الْكَثْرَةِ والشدة
قال بن قُتَيْبَةَ إِنَّ الرَّجْمَ كَانَ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلَ مَا كَانَ بَعْدَ مَبْعَثِهِ فِي شِدَّةِ الْحِرَاسَةِ وَكَانُوا يَسْتَرِقُونَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَلَمَّا بُعِثَ مُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ أَصْلًا
فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ حَمْلُ الْجِنِّ عَلَى الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ وَطَلَبِ السَّبَبِ إِنَّمَا كَانَ لِكَثْرَةِ الرَّجْمِ وَمَنْعِهِمْ عَنِ الِاسْتِرَاقِ بِالْكُلِّيَّةِ
وَقِيلَ كَانَتِ الشُّهُبُ قَبْلُ مَرْئِيَّةً وَمَعْلُومَةً لَكِنْ رَجْمُ الشَّيَاطِينِ وَإِحْرَاقُهُمْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا بَعْدَ نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ (فَبَعَثَ) أَيْ إِبْلِيسُ (أُرَاهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ رَاجِعُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ يُصَلِّي بَيْنَ جبلي نخلة (فلقوه) أي لقيت جنود إِبْلِيسَ (فَقَالَ) أَيْ إِبْلِيسُ لِجُنُودِهِ (هَذَا الْحَدَثُ الذي حدث في الأرض) أي هذا هو الْأَمْرُ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ والنسائي
٠ - باب وَمِنْ سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ مَكِّيَّةٌ وَهِيَ خَمْسٌ وَخَمْسُونَ آية [٣٣٢٥] قوله (عن أبي سلمة) هو بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ
قَوْلُهُ (وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ
أَيْ فِي حَالِ التَّحْدِيثِ عَنِ احْتِبَاسِ الْوَحْيِ عن النزول فإذا الملك جَاءَنِي بِحِرَاءٍ هُوَ جَبْرَائِيلُ حِينَ أَتَاهُ بِقَوْلِهِ اقرأ بإسم ربك الذي خلق ثُمَّ إِنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ هَذَا فَتْرَةٌ ثُمَّ نَزَلَ الْمَلَكُ بَعْدَ هَذَا جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ خَبَرٌ عَنِ الْمَلَكِ الَّذِي هُوَ مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ صِفَتُهُ فَجُثِثْتُ مِنْهُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ أُخْرَى سَاكِنَةٌ وفي رواية البخاري فجثثت بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ بَعْدَهَا مُثَلَّثَةٌ وَمَعْنَاهُمَا فَزِعْتُ وَرُعِبْتُ
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ جُئِثَ الرَّجُلُ إذا فزع فهو مجثوث قال الخليل والكسائي جثت وجثث فهو مجثوث وَمَجْثُوثٌ أَيْ مَذْعُورٌ فَزِعٌ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي أَيْ لُفُّونِي يُقَالُ زَمَّلَهُ فِي ثَوْبِهِ إِذَا لَفَّهُ فِيهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ دَثِّرُونِي وَصُبُّوا على ماءا بَارِدًا
قَالَ الْحَافِظُ وَكَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي الصَّبِّ بَعْدَ التَّدَثُّرِ طَلَبُ حُصُولِ السُّكُونِ لِمَا وَقَعَ فِي الْبَاطِنِ مِنَ الِانْزِعَاجِ أَوْ أَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الرِّعْدَةَ تَعْقُبُهَا الْحُمَّى وَقَدْ عُرِفَ مِنَ الطِّبِّ النَّبَوِيِّ مُعَالَجَتُهَا بِالْمَاءِ الْبَارِدِ يَا أَيُّهَا المدثر أَيِ النَّبِيُّ وَأَصْلُهُ الْمُتَدَثِّرُ أُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الدَّالِ أَيِ الْمُتَلَفِّفُ بِثِيَابِهِ عِنْدَ نُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا سَمَّاهُ مُدَّثِّرًا لِقَوْلِهِ ﷺ دثروني قم فأنذر أَيْ خَوِّفِ النَّاسَ وَحَذِّرْهُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا وَالْمَعْنَى قُمْ مِنْ مَضْجَعِكَ وَدِثَارِكَ وَقِيلَ قُمْ قِيَامَ عَزْمٍ وَاشْتَغِلْ بِالْإِنْذَارِ الذي تحملته وبعده وربك فكبر أَيْ عَظِّمْ رَبَّكَ عَمَّا يَقُولُهُ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ وثيابك فطهر أَيْ مِنَ النَّجَاسَاتِ وَالْمُسْتَقْذَرَاتِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَكُونُوا يَحْتَرِزُونَ عَنْهَا فَأُمِرَ ﷺ بِصَوْنِ ثِيَابِهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ وَغَيْرِهَا خلافا للمشركين وذكر في معناه وجود أخرى والرجز فاهجر أي اترك الأوثان ولا تقربها
وقال بن عَبَّاسٍ اتْرُكِ الْمَآثِمَ وَقِيلَ الشِّرْكَ وَالْمَعْنَى اتْرُكْ كُلَّ مَا أَوْجَبَ لَكَ الْعَذَابَ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا يَلْزَمُ تَلَبُّسُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ كَأَنَّهُ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنَّ تَطْهِيرَ الثِّيَابِ كَانَ مَأْمُورًا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ
قَالَهُ الْحَافِظُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ