قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ)
[٣٣٦٠] قَوْلُهُ بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ أَيْ لَمَّا عُرِجَ بِهِ ﷺ إِلَى السَّمَاءِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قِبَابُ الدُّرِّ الْمُجَوَّفِ قَالَ هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَهُ اللَّهُ إِشَارَةً إلى قوله تعالى إنا أعطيناك الكوثر ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ أَيْ ضَرَبَ الْمَلَكُ بِيَدِهِ وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ فَأَهْوَى الْمَلَكُ بِيَدِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْ طِينِهِ مِسْكًا أَذْفَرَ ثُمَّ رُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى أَيْ قُرِّبَتْ وَكُشِفَتْ وَعُرِضَتْ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
[٣٣٦١] قَوْلُهُ حَافَتَاهُ مِنْ ذَهَبٍ لَا تَخَالُفَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ لِأَنَّ حَافَّتَيْهِ تَكُونَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَأَمَّا الْقِبَابُ مِنَ اللُّؤْلُؤِ فَتَكُونُ مَبْنِيَّةً عَلَيْهِمَا وَمَجْرَاهُ عَلَى الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ أَيْ جَرَيَانُ مَائِهِ عَلَيْهِمَا تُرْبَتُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ أَيْ تُرَابُهُ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْهُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وبن ماجة وبن أبي حاتم وبن جرير
٠ - باب وَمِنْ سُورَةِ الْفَتْحِ وَتُسَمَّى سُورَةَ النَّصْرِ أَيْضًا مدينة وهي ثلاث آيات [٣٣٦٢] قوله (حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ) بْنِ الْجَارُودِ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) اسْمُهُ جَعْفَرُ بْنُ
إياس
قوله (كان عمر) أي بن الْخَطَّابِ (يَسْأَلُنِي مَعَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ
وَفِي رِوَايَتِهِ فِي عَلَامَاتِ النبوة كان عمر بن الخطاب يدنى بن عَبَّاسٍ (فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) الزُّهْرِيُّ أَحَدُ الْمُبَشَّرَةِ (وَلَنَا بَنُونَ مِثْلُهُ) أَيْ مثل بن عَبَّاسٍ فِي السِّنِّ لَا فِي الْفَضْلِ وَالْقَرَابَةِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ (إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ) أَيْ مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ عَالِمٌ وَكَانَ ذَلِكَ بِبَرَكَةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ (فَسَأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الاية) أي فسأل عمر بن عَبَّاسٍ عَنْ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ (إِذَا جَاءَ نصر الله) أَيْ نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى أعدائه (إِنَّمَا هُوَ أَجَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ) أَيْ يَجِيءُ النَّصْرُ وَالْفَتْحُ وَدُخُولُ النَّاسِ فِي الدِّينِ عَلَامَةُ وَفَاةِ النبي ﷺ
أخير اللَّهُ رَسُولَهُ بِذَلِكَ (مَا أَعْلَمُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ (إِلَّا مَا تَعْلَمُ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ
وَفِي الْحَدِيثِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَتَأْثِيرٌ لِإِجَابَةِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُعَلِّمَهُ التَّأْوِيلَ وَيُفَقِّهَهُ فِي الدِّينِ وَفِيهِ جَوَازُ تَحْدِيثِ الْمَرْءِ عَنْ نَفْسِهِ بِمِثْلِ هَذَا لِإِظْهَارِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِعْلَامِ مَنْ لَا يَعْرِفُ قَدْرَهُ لِيُنْزِلَهُ مَنْزِلَتَهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الصَّالِحَةِ لَا لِلْمُفَاخَرَةِ وَالْمُبَاهَاةِ وَفِيهِ جَوَازُ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ بِمَا يُفْهَمُ مِنَ الْإِشَارَاتِ وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ رَسَخَتْ قَدَمُهُ فِي الْعِلْمِ وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ ﵁ أَوْ فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآنِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
قوله (أتسأله ولنا بن مِثْلُهُ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ
٩١ - باب ومن سورة تبت يدا وَتُسَمَّى سُورَةَ أَبِي لَهَبٍ أَيْضًا مَكِّيَّةٌ وَهِيَ خَمْسُ آيَاتٍ [٣٣٦٣] قَوْلُهُ (صَعِدَ) مِنَ التَّصْعِيدِ أَيْ رَقِيَ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ صَعِدَ فِي السُّلَّمِ كَسَمِعَ صُعُودًا وَصَعِدَ فِي الْجَبَلِ وَعَلَيْهِ تَصْعِيدًا رَقِيَ وَلَمْ يُسْمَعْ صَعِدَ فِيهِ يَا صَبَاحَاهُ هَذِهِ كَلِمَةٌ يَقُولُهَا الْمُسْتَغِيثُ وَأَصْلُهَا إِذَا صَاحُوا لِلْغَارَةِ لِأَنَّهُمْ أَكْثَرُ مَا كَانُوا يُغِيرُونَ بِالصَّبَاحِ وَيُسَمُّونَ يَوْمَ الْغَارَةِ يَوْمَ الصَّبَاحِ وَكَأَنَّ الْقَائِلَ يَا صَبَاحَاهُ يَقُولُ قَدْ غَشِينَا الْعَدُوَّ إِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ أَيْ قَبْلَ نُزُولِ عَذَابٍ عَظِيمٍ وَعِقَابٍ أَلِيمٍ وَالْمَعْنَى أَنَّكُمْ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي يَنْزِلْ عَلَيْكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ بَيْنَ يَدَيْ ظرف لغد نَذِيرٌ وَهُوَ بِمَعْنَى قُدَّامَ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَكُونُ قُدَّامَ أَحَدٍ يَكُونُ بَيْنَ الْجِهَتَيْنِ الْمُسَامِتَتَيْنِ لِيَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَفِيهِ تَمْثِيلٌ مَثَّلَ إِنْذَارَهُ لِقَوْمٍ بِعَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى النَّازِلِ عَلَى الْقَوْمِ بِنَذِيرِ قَوْمٍ يَتَقَدَّمُ جَيْشَ الْعَدُوِّ فَيُنْذِرُهُمْ أَرَأَيْتُمْ أَيْ أَخْبِرُونِي مُمَسِّيكُمْ أَوْ مُصَبِّحُكُمْ كِلَاهُمَا بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ مِنْ بَابِ تَفْعِيلٍ أَيْ مُغِيرُكُمْ فِي الْمَسَاءِ أَوِ الصَّبَاحِ (فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ) هُوَ بن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى وَأُمُّهُ خُزَاعِيَّةٌ وَكُنِيَ أَبَا لَهَبٍ إِمَّا لِابْنِهِ لَهَبٍ وَإِمَّا لِشِدَّةِ حُمْرَةِ وَجْنَتِهِ وَقَدْ أَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ قَالَ إِنَّمَا سُمِّيَ أَبَا لَهَبٍ لِأَنَّ وَجْهَهُ كَانَ يَتَلَهَّبُ مِنْ حُسْنِهِ انْتَهَى وَوَافَقَ ذَلِكَ مَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ مِنْ أَنَّهُ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ
وَلِهَذَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ بِكُنْيَتِهِ دُونَ اسْمِهِ وَلِكَوْنِهِ بِهَا أَشْهَرَ وَلِأَنَّ فِي اسْمِهِ إِضَافَةً إِلَى الصَّنَمِ وَمَاتَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ وَلَمْ يَحْضُرْهَا بَلْ أَرْسَلَ عَنْهُ بَدِيلًا فَلَمَّا بَلَغَهُ مَا جَرَى لِقُرَيْشٍ مَاتَ عَنْهَا (أَلِهَذَا) الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ (تَبًّا لَكَ) أَيْ خُسْرَانًا وَهَلَاكًا وَنَصَبَهُ بِعَامِلٍ مُضْمَرٍ
قَالَهُ الْقَاضِي فَهُوَ إِمَّا نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَرِ وَالْمَعْنَى تَبَّ تَبًّا أَوْ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ أَيْ أَلْزَمَكَ اللَّهُ هَلَاكًا وَخُسْرَانًا وَأَلْزَمَ تَبًّا تَبَّتْ أَيْ خسرت يدا أبي لهب أَيْ جُمْلَتُهُ وَعَبَّرَ عَنْهَا بِالْيَدَيْنِ مَجَازًا لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَفْعَالِ تُزَاوَلُ بِهِمَا وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ دُعَاءٌ
وَتَبَّ أَيْ خَسِرَ هُوَ وَهَذِهِ خَبَرٌ كَقَوْلِهِمْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ وَقَدْ هَلَكَ
وَلَمَّا خَوَّفَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْعَذَابِ فَقَالَ إِنْ كان ما يقول بن أَخِي حَقًّا أَفْتَدِي مِنْهُ بِمَالِي وَوَلَدِي نَزَلَ ما أغنى عنه ماله ما للنفي وما كسب مرفوع وما موصولة أو مصدرية أي ومكسو به أَوْ وَكَسْبُهُ أَيْ لَمْ يَنْفَعْهُ مَالُهُ الَّذِي وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ وَالَّذِي كَسَبَهُ بِنَفْسِهِ أَوْ ماله التالد والطارف وعن بن عَبَّاسٍ ﵄ مَا كَسَبَ وَلَدُهُ سيصلى أي سيدخل نارا ذات لهب أَيْ ذَاتَ تَوَقُّدٍ وَتَلَهُّبٍ وَامْرَأَتُهُ عَطْفٌ عَلَى ضَمِيرِ يَصْلَى سَوَّغَهُ الْفَصْلُ بِالْمَفْعُولِ وَصِفَتُهُ وَهِيَ أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ أُخْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ عَمَّةُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَكَانَتْ فِي نِهَايَةِ الْعَدَاوَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ قَرَأَ الْجُمْهُورُ حَمَّالَةُ بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ عَلَى أَنَّهَا جُمْلَةٌ مَسُوقَةٌ لِلْإِخْبَارِ بِأَنَّ امْرَأَةَ أَبِي لَهَبٍ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ وَأَمَّا عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ عَطْفِ وَامْرَأَتُهُ عَلَى الضَّمِيرِ فِي يَصْلَى فَيَكُونُ رَفْعُ حَمَّالَةَ عَلَى النَّعْتِ لِامْرَأَتِهِ وَالْإِضَافَةُ حَقِيقِيَّةٌ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْمُضِيِّ أَوْ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هِيَ حَمَّالَةٌ وَقَرَأَ عَاصِمٌ بِالنَّصْبِ عَلَى الذَّمِّ أَيْ أَعْنِي حَمَّالَةَ الْحَطَبِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنَ امْرَأَتِهِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ حَمَّالَةَ الحطب فَقِيلَ كَانَتْ تَحْمِلُ الشَّوْكَ وَالْحَسَكَ وَالْعِضَاهَ بِاللَّيْلِ فَتَطْرَحُهُ فِي طَرِيقِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ لِتُؤْذِيَهُمْ بِذَلِكَ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنِ بن عَبَّاسٍ وَقِيلَ كَانَتْ تَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ وَتَنْقُلُ الْحَدِيثَ وَتُلْقِي الْعَدَاوَةَ بَيْنَ النَّاسِ وَتُوقِدُ نَارَهَا كَمَا تُوقِدُ النَّارُ الْحَطَبَ يُقَالُ فُلَانٌ يَحْطِبُ عَلَى فلان إذا نم به في جيدها أي عنقها حبل من مسد أَيْ لِيفٍ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَكِينِ فِي حَمَّالَةِ الْحَطَبِ الَّذِي هُوَ نَعْتٌ لِامْرَأَتِهِ أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أَوْ خَبَرٌ ثَانٍ لِقَوْلِهِ وَامْرَأَتُهُ
قَالَ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى (فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ) قَالَ الْوَاحِدِيُّ الْمَسَدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْفَتْلُ يُقَالُ مَسَدَ الْحَبْلَ يَمْسُدُهُ مَسْدًا إِذَا أَجَادَ قتله وَحَبْلٌ مَمْدُودٌ إِذَا كَانَ مَجْدُولَ الْخَلْقِ وَالْمَسَدُ مَا مُسِدَ أَيْ فُتِلَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ فَيُقَالُ لِمَا فُتِلَ مِنْ جُلُودِ الْإِبِلِ وَمِنَ اللِّيفِ وَالْخُوصِ مَسَدٌ وَلِمَا فُتِلَ مِنَ الْحَدِيدِ أَيْضًا مَسَدٌ
إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ وُجُوهًا أَحَدُهَا فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِمَّا مُسِدَ مِنَ الْحِبَالِ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ تِلْكَ الْحُزْمَةَ مِنَ الشَّوْكِ وَتَرْبِطُهَا فِي جِيدِهَا كَمَا يَفْعَلُ الْحَطَّابُونَ
وَالْمَقْصُودُ بَيَانُ خَسَاسَتِهَا تَشْبِيهًا لَهَا بِالْحَطَّابَاتِ إِيذَاءً لَهَا وَلِزَوْجِهَا وَثَانِيهَا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّ حَالَهَا يَكُونُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا حِينَ كَانَتْ تَحْمِلُ الْحُزْمَةَ مِنَ الشَّوْكِ فَلَا تَزَالُ عَلَى ظَهْرِهَا حُزْمَةٌ مِنْ حَطَبِ النَّارِ مِنْ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ وَفِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ سَلَاسِلِ النَّارِ
فَإِنْ قِيلَ الْحَبْلُ الْمُتَّخَذُ مِنَ الْمَسَدِ كَيْفَ يَبْقَى أَبَدًا فِي النَّارِ قُلْنَا كَمَا يَبْقَى الْجِلْدُ وَاللَّحْمُ وَالْعَظْمُ أَبَدًا فِي النَّارِ
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ ذَلِكَ الْمَسَدُ يَكُونُ مِنَ الْحَدِيدِ وَظَنُّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْمَسَدَ لَا يَكُونُ مِنَ الْحَدِيدِ خَطَأٌ لِأَنَّ الْمَسَدَ هُوَ الْمَفْتُولُ سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الْحَدِيدِ أَوْ مِنْ غيره
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ والنسائي
٢ - بَاب وَمِنْ سُورَةِ
الْإِخْلَاصِ مَكِّيَّةٌ وَقِيلَ مَدَنِيَّةٌ وَهِيَ أَرْبَعُ أَوْ خَمْسُ آيَاتٍ [٣٣٦٤] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ) اسْمُهُ عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى
قَوْلُهُ (انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ مِنْ بَابِ نَصَرَ وَضَرَبَ أَيْ صِفْهُ لَنَا يُقَالُ نَسَبَ الرَّجُلَ إِذَا وَصَفَهُ وَذَكَرَ نَسَبَهُ (وَالصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يلد ولم يولد) قال الحافظ بن كَثِيرٍ قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ الصَّمَدُ هُوَ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ كَأَنَّهُ جَعَلَ مَا بَعْدَهُ تَفْسِيرًا لَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ لَمْ يلد ولم يولد وَهُوَ تَفْسِيرٌ جَيِّدٌ
وَحَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ صَرِيحٌ فِيهِ انْتَهَى
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ باب قوله الله الصمد وَالْعَرَبُ تُسَمِّي أَشْرَافَهَا الصَّمَدَ وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى سُؤْدُدُهُ انْتَهَى
قَالَ الْعَيْنِيُّ أَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَنَّ مَعْنَى الصَّمَدِ عِنْدَ الْعَرَبِ الشَّرَفُ وَلِهَذَا يُسَمُّونَ رُؤَسَاءَهُمُ الْأَشْرَافَ بِالصَّمَدِ وعن بن عَبَّاسٍ هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِيهِ أَنْوَاعُ الشَّرَفِ وَالسُّؤْدُدِ وَقِيلَ هُوَ السَّيِّدُ الْمَقْصُودُ فِي الْحَوَائِجِ تَقُولُ الْعَرَبُ صَمَدْتُ فُلَانًا أَصْمُدُهُ صَمْدًا بِسُكُونِ الْمِيمِ إِذَا قَصَدْتُهُ وَالْمَصْمُودُ صَمَدَ وَيُقَالُ بَيْتٌ مَصْمُودٌ وَمُصْمَدٌ إِذَا قَصَدَهُ النَّاسُ في حوائجهم انتهى
وقال الخازن قال بن عَبَّاسٍ الصَّمَدُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَوَجْهُ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ أَنَّ الصَّمَدَ الشَّيْءُ الْمُصْمَدُ الصُّلْبُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ رُطُوبَةٌ وَلَا رَخَاوَةٌ وَمِنْهُ يُقَالُ لِسَدَّادِ الْقَارُورَةِ الصِّمَادُ فَإِنْ فُسِّرَ الصَّمَدُ بِهَذَا كَانَ مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ وَيَتَعَالَى اللَّهُ ﷿ عَنْ صِفَاتِ الْجِسْمِيَّةِ وَقِيلَ وَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الصَّمَدَ الَّذِي لَيْسَ بِأَجْوَفَ مَعْنَاهُ هُوَ الَّذِي لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَهُوَ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَعَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ هُوَ صِفَةُ كَمَالٍ وَالْقَصْدُ بِقَوْلِهِ اللَّهُ الصمد التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى بِخِلَافِ مَنْ أَثْبَتُوا له الإلهية وإليه الإشارة بقوله تعالى ما المسيح بن مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي أَفْرَادِهِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ الصَّمَدُ هُوَ السَّيِّدُ الذي انتهى سؤدده وهي رواية عن بن عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي كَمُلَ فِيهِ جَمِيعُ أَوْصَافِ السُّؤْدُدِ وَقِيلَ هُوَ السَّيِّدُ الْمَقْصُودُ فِي جَمِيعِ الْحَوَائِجِ الْمَرْغُوبِ إِلَيْهِ فِي الرَّغَائِبِ الْمُسْتَعَانُ بِهِ عِنْدَ
الْمَصَائِبِ وَتَفْرِيجِ الْكُرَبِ وَقِيلَ هُوَ الْكَامِلُ فِي جَمِيعِ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَتِلْكَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ الْمُتَنَاهِي فِي السُّؤْدُدِ وَالشَّرَفِ وَالْعُلُوِّ وَالْعَظَمَةِ وَالْكَمَالِ وَالْكَرَمِ وَالْإِحْسَانِ وَقِيلَ الصَّمَدُ الدَّائِمُ الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ خَلْقِهِ وَقِيلَ الصَّمَدُ الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ أَحَدٌ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَقِيلَ هُوَ الَّذِي لَا تَعْتَرِيهِ الْآفَاتُ وَلَا تُغَيِّرُهُ الْأَوْقَاتُ وَقِيلَ هُوَ الَّذِي لَا عَيْبَ فِيهِ وَقِيلَ الصَّمَدُ هُوَ الْأَوَّلُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ زَوَالٌ وَالْآخِرُ الَّذِي لَيْسَ لِمُلْكِهِ انْتِقَالٌ وَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ لَفْظُ الصَّمَدِ عَلَى كُلِّ مَا قِيلَ فِيهِ لِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لَهُ فَعَلَى هَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْوُجُودِ صَمَدٌ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى الْعَظِيمِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَأَنَّهُ اسْمٌ خَاصٌّ بِاللَّهِ تَعَالَى انْفَرَدَ بِهِ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتُ الْعُلْيَا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ انْتَهَى مَا فِي الْخَازِنِ مُخْتَصَرًا (لِأَنَّهُ
لَيْسَ شَيْءٌ يُولَدُ إِلَّا سَيَمُوتُ الخ) هذا دليل ل