HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٨٢

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَصْرِيُّ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنِ الْمُغِيرَةِ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ رَجُلٍ - حَتَّى رَدَّهُ إِلَى الْمُغِيرَةِ، قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَلَا أَحْفَظُ حَدِيثَ ذَا مِنْ حَدِيثِ ذَا - أَنَّ الْمُغِيرَةَ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَقَرَعَ ظَهْرِي بِعَصًا كَانَتْ مَعَهُ، فَعَدَلَ وَعَدَلْتُ مَعَهُ حَتَّى أَتَى كَذَا وَكَذَا مِنَ الْأَرْضِ فَأَنَاخَ، ثُمَّ انْطَلَقَ، قَالَ: فَذَهَبَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَمَعَكَ مَاءٌ؟ وَمَعِي سَطِيحَةٌ لِي فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ، وَذَهَبَ لِيَغْسِلَ ذِرَاعَيْهِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، وَذَكَرَ مِنْ نَاصِيَتِهِ شَيْئًا وَعِمَامَتِهِ شَيْئًا. قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: لَا أَحْفَظُ كَمَا أُرِيدُ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ قَالَ: حَاجَتَكَ! قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَيْسَتْ لِي حَاجَةٌ، فَجِئْنَا وَقَدْ أَمَّ النَّاسَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَقَدْ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَذَهَبْتُ لِأُوذِنَهُ فَنَهَانِي، فَصَلَّيْنَا مَا أَدْرَكْنَا، وَقَضَيْنَا مَا سُبِقْنَا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيح
  • زبير علي زئي:إسناده صحيح
ج ١ ص ٦٣

سلسلة الرواة

ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢ ص٣٤٤
٦٦ - صِفَةِ الْوُضُوءِ - غَسْلُ الْكَفَّيْنِ ولما بين المصنف في البابين المتقدمين كمية الوضوء، شرع يبين كفيته بقوله «صفة الوضوء». والصفة: من الوصف كالعدة من الوَعْد، يقال: وصفته وصفا من باب وعد: نَعَتُّهُ بما فيه، ويقال: هو مأخوذ من قولهم: وصف الثوبُ الجسمَ: إذا أظهر حاله وَبَيَّنَ هيئته. ويقال: الصفة إنما هي بالحال المنتقلة، والنعت بما كان في خَلْق، أو خُلُق، أفاده في المصباح. ثم بدأ من صفة الوضوء بغسل الكفين: لأنه مبدأ المغسولات، قال في المصباح: الكَفُّ من الإنسان وغيره: أنثى، قال ابن الأنباري: وزعم من لا يوثق به أن الكف مذكر، ولا يعرف تذكيرها من يوثق بعلمه، وأما قولهم: كف مُخَضَّب فعلى معنى ساعد مخضب، وجمعها كُفُوف وأكُفّ مثل فلس، وفلوس، وأفلس، قال الأزهري: الكف الراحة مع الأصابع، سميت بذلك لأنها تكف الأذى عن البدن اهـ. ٨٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَصْرِيُّ، عَنْ بِشْرِ بْنِ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ رَجُلٍ، حَتَّى رَدَّهُ إِلَى الْمُغِيرَةِ، قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: وَلَا أَحْفَظُ حَدِيثَ ذَا مِنْ حَدِيثِ ذَا، أَنَّ الْمُغِيرَةَ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي سَفَرٍ، فَقَرَعَ ظَهْرِي بِعَصًا كَانَتْ مَعَهُ، فَعَدَلَ وَعَدَلْتُ مَعَهُ، حَتَّى أَتَى كَذَا وَكَذَا مِنَ الأَرْضِ، فَأَنَاخَ ثُمَّ انْطَلَقَ، قَالَ: فَذَهَبَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: «أَمَعَكَ مَاءٌ». وَمَعِي سَطِيحَةٌ لِي، فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَفْرَغْتُ عَلَيْهِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ، وَذَهَبَ لِيَغْسِلَ ذِرَاعَيْهِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الْكُمَّيْنِ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، وَذَكَرَ مِنْ نَاصِيَتِهِ شَيْئًا، وَعِمَامَتِهِ شَيْئًا. قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: لا أَحْفَظُ كَمَا أُرِيدُ. ثُمَّ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «حَاجَتَكَ؟». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَيْسَتْ لِي حَاجَةٌ، فَجِئْنَا وَقَدْ أَمَّ النَّاسَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَقَدْ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَذَهَبْتُ لأُوذِنَهُ فَنَهَانِي، فَصَلَّيْنَا مَا أَدْرَكْنَا وَقَضَيْنَا مَا سُبِقْنَا. رجال الإسناد سبعة ١ - (محمَّد بن إبراهيم) بن صُدْران بضم المهملة الأولى، الأزدي السَّليمي بتحتانية بعد اللام المكسورة، أبو جعفر المؤذن، يروي عن المعتمر، ويزيد بن زريع، وطائفة، وعنه أبو داود، والترمذي، والنسائي وخلق، وثقه أبو داود، قال ابن أبي عاصم: مات سنة ٢٤٧، من [١٠] (البصري) نسبة إلى البصرة البلدة المعروفة. قال في المصباح: البَصْرة وزان تمرة، الحجارة الرِّخْوة، وقد تحذف الهاء مع فتح الباء وكسرها، وبها سميت البلدة المعروفة، وأنكر الزجاج فتح الباء مع الحذف، ويقال في النسبة بصري بالوجهين، وهي مُحدَثة إسلامية، بنيت في خلافة عمر ﵁، سنة ثماني عشرة من الهجرة بعد وقف السواد، ولهذا دخلت في حده، دون حكمه. اهـ. ٢ - (بشر بن المفضل) بن لاحق الرَّقَاشي -بفتح الراء والقاف المخففة نسبة إلى رَقَاش بنت قيس بن ثعلبة- مولاهم أبو إسماعيل البصري العابد، أحد الحفاظ الأعلام، عن يحيى بن سعيد، وحميد، وسهيل، وداود بن أبي هند، وخلق، وعنه أحمد، وإسحاق، ومسدد، وعمرو بن علي، قال أحمد: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، وقال ابن المديني: كان يصلي كل يوم أربعمائة ركعة، ويصوم يوما ويفطر يوما، قال ابن سعد: كان عثمانيا، توفي سنة ١٨٧، أخرج له الجماعة ثقة ثبت عابد من الثامنة. ٣ - (ابن عون) هو عبد الله بن عون بن أرطبان -بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الطاء- المزني مولاهم أبو عون الخَرَّاز بفتح المعجمة والمهملة البصري أحد الأعلام. عن عطاء، ومجاهد، وسالم، والحسن، والشعبي، وخلق، وعنه شعبة، والثوري، وابن علية، ويحيى القطان، وخلائق، قال ابن مهدي: ما أحد أعلم بالسنة بالعراق من ابن عون وقال روح بن عبادة: ما رأيت أعبد منه، قال يحيى القطان: مات سنة ١٥١، أخرج له الجماعة ثقة فاضل من السادسة. ٤ - (عامر الشعبي) بن شَرَاحيل الحميري، أبو عمرو الكوفي الإمام العلم، ولد لست سنين خلت من خلافة عمر، روى عنه، وعن علي، وابن مسعود، ولم يسمع منهم، وعن أبي هريرة، وعن عائشة، وجرير، وابن عباس، وخلق. قال: أدركت خمسمائة من الصحابة. وعنه ابن سيرين، والأعمش، وشعبة، وجابر الجعفي، وخلق، قال أبو مجْلَز: ما رأيت فيهم أفقه من الشعبي، وقال العجلي: مرسل الشعبي صحيح، وقال ابن عيينة: كانت الناس تقول: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، قال الشعبي: ما كتبت سوداء في بيضاء، قال يحيى بن بكير: توفي سنة ١٠٣، أخرج له الجماعة ثقة مشهور فقيه فاضل من الثالثة. والشعبي: نسبة إلى شعب بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة بطن من همدان قاله في اللباب. ٥ - (عروة بن المغيرة) أبو يعفور الثقفي الكوفي ثقة [٣] تقدم في ٦٣/ ٧٩. ٦ - (عن المغيرة) بن شعبة الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ١٦/ ١٧. ٧ - (محمَّد بن سيرين) البصري الإمام العلم المشهور ثقة ثبت [٣] تقدم في ٤٦/ ٥٧. لطائف الإسناد منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وهم ما بين بصريين، وهم الثلاثة الأولون، وابن سيرين، وكوفيين، وهم الباقون. وفيه رواية تابعي، عن تابعي. تنبيه: قوله: وعن محمَّد بن سيرين عطف على عامر الشعبي، يعني أن ابن عون يروي عن شيخين: الشعبي وابن سيرين، ويروي ابن سيرين عن رجل، ولم يسمه، وقوله: حتى رده يعني حتى رد ابن سيرين الحديث الذي أخذه عن رجل إلى المغيرة بن شعبة. وقوله: قال ابن عون: ولا أحفظ حديث ذا، من حديث ذا، أي لا أمَيِّز حديث أحدهما من حديث الآخر، بل حفظته مجموعا. فإن قلت: طريق ابن سيرين فيها عن رجل وهو مبهم، فيكون الحديث ضعيفا، قلت: الحديث صحيح، متصل من طريق الشعبي، وغيره، فلا يضره الإبهام الواقع في سند ابن سيرين. ورواية محمَّد بن سيرين أخرجها البغوي في شرح السنة مختصرة، وسَمَّى الرجل عمرو بن وهب الثقفي، ونصُّهُ من طريق الشافعي: أنا يحيى بن حسان، عن حماد بن زيد، وابن علية عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عمرو بن وهب الثقفي، عن المغيرة بن شعبة، أن النبي - ﷺ - «توضأ فمسح بناصيته، وعلى عمامته وخفيه» هذا حديث صحيح أخرجه مسلم من وجه آخر عن المغيرة بن شعبة، وأخرجه محمَّد (يعني البخاري) من رواية عمرو بن أمية، عن النبي - ﷺ - اهـ شرح السنة جـ ١/ ص ٤٥١. لكن ذكر ابن أبي حاتم في العلل ما نصه: سألت أبي، وأبا زرعة عن حديث رواه ابن المبارك عن عوف، وهشام عن محمَّد بن سيرين، قال: أخبرنا عمرو بن وهب، أن المغيرة ابن شعبة حدثه عن النبي - ﷺ - في المسح على الخفين. فقال أبي: رواه أيوب السختياني من رواية حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمَّد، عن أبي عبد الله، عن عمرو بن وهب، عن المغيرة، عن النبي - ﷺ -. وقال أبو زرعة: رواه بعض أصحاب ابن عون، عن ابن عون، عن محمَّد، عن عمرو بن وهب، عن رجل عن آخر، عن المغيرة، عن النبي - ﷺ -، قلت لأبي زرعة: أيهما الصحيح؟، قال: عمرو عن رجل، عن آخر، عن المغيرة اهـ جـ ١/ ص ١٤. والحاصل أن طريق ابن سيرين فيها اختلاف، ورجح البغوي صحتها، وسمى المبهم عمرو بن وهب، وعلى هذا فقد زال الإبهام، عن السند الذي ذكره المصنف. لكن ظاهر عبارة المصنف توهم أن ابن سيرين رواه عن رجل، عن آخر، لأن قوله: حتى رده إلى المغيرة، يرشد إليه، فيكون موافقا لقول أبي زرعة ﵀، فليتأمل. قلت: لكن المصنف أخرج رواية ابن سيرين من طريق يونس بن عبيد، عنه قال: أخبرني عمرو بن وهب الثقفي، قال: سمعت المغيرة بن شعبة، فبين المبهم هنا أنه عمرو بن وهب، وأن عمرا سمع الحديث من المغيرة بن شعبة نفسه، فزال الانقطاع وصح الحديث ولله الحمد، وسيأتي في الحديث ١٠٩ «باب كيف المسح على العمامة»، والله أعلم. شرح الحديث (عن المغيرة) ﵁ أنه (قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر) وقد تقدم في الحديث ٧٩ أنها غزوة تبوك (فقرع ظهري بعصا) أي ضربه بها، وليس المراد الضرب الشديد، بل وضع العصا للإعلام، قاله السندي، وكان ذلك قبل الفجر، كما وقع في رواية أبي داود، ويرشد إليه ما يأتي للمصنف (فعدل) أي مال - ﷺ - عن الطريق، إلى ناحية ليقضي حاجته (فعدلت معه) امتثالا لأمره، وفي رواية لابن سعد، «فتبعته بماء بعد الفجر»، ولا تنافي بين هذا، وما تقدم، لحمل ما تقدم على الصلاة يعني أن خروجه كان بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الفجر (حتي أتى كذا وكذا من الأرض) غاية للعدول، أي مال عن الطريق ذاهبا إلى جهة، حتى أتَي مكانا من الأمكنة (فأناخ) أي أبرك ناقته، يقال: أنخت البعير، فاستناخ، ونوّخته فتنوخ، وأناخ الإبل: أبركها، واستناخت بركت، قاله في اللسان. (ثم انطلق) أي ذهب - ﷺ - لقضاء حاجته (قال) المغيرة موضحا لقوله: انطلق بالفاء التفصيلية (فذهب حتى توارى عني) أي اختفى، وهذه الجملة تفصيل لقوله «ثم انطلق»، فالفاء تفصيلية كما في قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] (ثم جاء) بعد قضاء حاجته، ففي رواية الشيخين، فانطلق حتى توارى عني ثم قضى حاجته (فقال: أمعك ماء؟ ومعي سطيحة لي) أي مزادة، قال في النهاية: السطيحة من المزادة ما كان من جلدين، قوبل أحدهما بالآخر، فسطح عليه، وتكون صغيرة وكبيرة، وهي من أواني المياه اهـ زهر جـ ١/ ص ٦٤. وفي رواية أحمد: أن الماء أخذه المغيرة من أعرابية صبته له من قربة، من جلد ميتة، فقال له - ﷺ -: «سَلْها، فإن كانت دبغتها، فهو طهورها» فقالت: إي والله دبغتها. قال في المنهل: ودلت رواية أحمد هذه على قبول خبر الواحد في الأحكام، ولو امرأة، سواء أكان مما تعم به البلوى أم لا، لقبول خبر الأعرابية اهـ جـ ٢/ ص ١٠٣. (فأتيته بها) أي بتلك السطيحة (فأفرغت عليه) من مائها (فغسل يديه) أي كفيه كما في رواية أبي داود، وهو المطابق للترجمة (ووجهه وذهب ليغسل ذراعيه) أي قصد: يقال: ذهب مذهب فلان، قصد قصده، وطريقته، قاله في المصباح. والمعنى: أراد النبي - ﷺ - غسل ذراعيه (وعليه جبة شامية) جملة حالية: أي والحال أن على النبي - ﷺ - جبة شامية، والجبة بالضم: ضرب من مقطعات الثياب تلبس، وجمعها جُبَب أي بالضم، وجبَاب أي بالكسر، والجبة من أسماء الدرع، قاله في اللسان. وقوله شامية: أي منسوبة إلى الشام البلد المعروف، لأنها تعمل فيه، وهكذا في رواية البخاري جبة شامية، وفي رواية لأبي داود: وعليه جبة من صوف من جباب الروم (ضيقة الكمين) تثينة كم بضم الكاف وتشديد الميم، معروف، جمعه أكمام وكمَمَة مثال عنبة، قاله في المصباح. (فأخرج يده من تحت الجبة) لعدم تمكنه من حسر ذراعيه، كما بينته رواية أبي داود: «ثم حسر عن ذراعيه، فضاق كُمَّا جبته، فأدخل يديه فأخرجهما من تحت الجبة فغسلهما إلى المرفق» (فغسل وجهه وذراعيه) وهذه الجملة بيان للأولى، فكأنه قال: فانتهى غسله على الوجه والذراعين، وأما ما بعد ذلك فهو مسح. (وذكر) المغيرة بن شعبة أنه - ﷺ - مسح (من ناصيته شيئا) من (عمامته شيئا) أي ذكر أنه مسح على شيء من ناصيته، وشيء من عمامته (قال) عبد الله (ابن عون: لا أحفظ كما أريد) أي لا أحفظ الحديث في الناصية والعمامة على الوجه الذي أريده، بل الذي أتذكر منه ذكرُ شيء من ناصيته، وشيء من عمامته، ولكن غيره حفظ ذلك، وبينه كما سيأتي في «بابُ كيف المسح على العمامة» عن يونس بن عبيد، عن ابن سيرين، قال: أخبرني عمرو بن وهب الثقفي، قال: سمعت المغيرة بن شعبة فذكر الحديث وفيه «فتوضأ ومسح بناصيته وجانبي عمامته» الحديث. (ثم مسح على خفيه) وفيه دلالة على مشروعية المسح على الخفين، وسيأتي تحقيقه في بابه إن شاء الله تعالى (ثم قال: حاجتك) بالنصب مفعولا لفعل محذوف، أي اقض حاجتك من البول والغائط، قال المغيرة: (قلت يا رسول الله ليست لي حاجة) يريد - ﷺ - بذلك أن ينتظره حتى يقضي حاجته من البول والغائط. وفيه كمال شفقته - ﷺ -، قال (فجئنا وقد أمَّ الناسَ عبدُ الرحمن بن عوف) وفي رواية أبي داود «ثم ركب، فأقبلنا نسير حتى نجد الناسَ في الصلاة قد قدَّموا عبد الرحمن بن عوف». وهو عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة القرشي الزهري أحد العشرة، أسلم قديما، ومناقبه شهيرة مات سنة ٣٢، وقيل غير ذلك اهـ «ت». وفي الخلاصة: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن الحارث ابن زهرة بن كلاب بن مرة الزهري، أبو محمَّد المدني، شهد بدرا، والمشاهد، له خمسة وستون حديثا، اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بخمسة، وهو أحد العشرة، وهاجر الهجرتين، وأحد الستة، وعنه بنوه إبراهيم، وحميد، وأبو سلمة، ومصعب، وغيرهم، قال الزهري: تصدق على عهد النبي - ﷺ - بأربعة آلاف، ثم بأربعين ألفا، ثم حمل على خمسمائة فرس، ثم على خمسمائة راحلة، وأوصى لنساء النبي - ﷺ - بحديقة قومت بأربعمائة ألف، قال خليفة: مات سنة ٣٢، وقيل ٣، ودفن بالبقيع، وزاد بعضهم وهو ابن ٧٥ سنة، أخرج له الجماعة اهـ. (وقد صلى بهم ركعة من صلاة الصبح) قال المغيرة (فذهبت لأوذنه) أي لأعلمه بحضور النبي - ﷺ -، لئلا يصلي خلفه، وقد قال الله تعالى ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: آية ١] (فنهاني) - ﷺ - عن ذلك، وفي رواية ابن سعد «فانتهينا إلى عبد الرحمن، وقد ركع ركعة فسبح الناس له حين رأوا رسول الله - ﷺ -، حتى كادوا يفتنون، فجعل عبد الرحمن يريد أن ينكص، فأشار إليه - ﷺ - أن أثبت» (فصلينا ما أدركنا) مع الناس وهي الركعة الثانية (وقضينا ما سُبقْنا) بعد ما سلم عبد الرحمن، ففي رواية المصنف الآتية في باب «كيف المسح على العمامة» «فلما سلم ابن عوف قام النبي - ﷺ - فقضى ما سبق به». وفي رواية مسلم: «فلما سلم عبد الرحمن بن عوف، قام رسول الله - ﷺ - يتم صلاته، فأفزع ذلك المسلمين، فأكثروا التسبيح، فلما قضى النبي - ﷺ - صلاته أقبل عليهم، ثم قال: أحسنتم، أو قال: قد أصبتم، يغبطهم أن صلُّوا الصلاةَ لوقتها». فإن قيل: كيف قام عبد الرحمن في صلاته، وتأخر أبو بكر حين مجيء النبي - ﷺ - إلى الصلاة كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عائشة ﵂؟. أجيب: بأن عبد الرحمن كان قد ركع ركعة، فترك النبي - ﷺ - التقدم لئلا يختلَّ ترتيبُ الصلاة في حق المأمومين، بخلاف قصة أبي بكر، فإنه لم يركع ركعة، وقت مجيئه - ﷺ -، أو بأنه - ﷺ - أراد أن يبين لهم حكم قضاء المسبوق، بفعله كما بينه بقوله. ولا يقال: إنه - ﷺ - أشار إلى كل من الصديق، وابن عوف بعدم التأخر فلم تأخر الصديق، دون ابن عوف، لأن أبا بكر فهم أن سلوك الأدب أولى من امتثال الأمر الذي ليس للوجوب، بخلاف عبد الرحمن، فإنه فهم أن امتثال الأمر أولى، ولا شك أن الأول أكمل. وقد يقال: إن أبا بكر بلغ من الفرح بشفاء رسول الله - ﷺ - مبلغًا لم يملك نفسه معه عن التأخر، قاله في المنهل جـ ١/ ص ١٠٦. والله أعلم، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بحديث الباب الأولى: في درجته: حديث الباب متفق عليه. الثانية: فيمن أخرجه: أخرجه الستة إلا الترمذي. فأخرجه المصنف: فيما تقدم عن سليمان بن داود الحراني، والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن وهب، عن مالك، ويونس، وعمرو بن الحارث، ثلاثتهم عن الزهري، عن عباد بن زياد، عن عروة ابن المغيرة، عن أبيه المغيرة بن شعبة، إلا أن مالكا لم يذكر عروة. وهنا عن محمَّد بن إبراهيم بن صُدْران، عن بشْر بن المُفَضَّل، عن ابن عون، عن الشعبي، عن عروة، عن المغيرة، وهو أتم. وفي الباب ٩٦: في الحديث [٧] عن قتيبة عن الليث، عن يحيى بن سعيد، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع بن جبير، عن عروة بن المغيرة، عن أبيه، مختصرا، وفي الكبرى ١٠٨ الحديث١، عن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد، عن عمه، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، و١٠٨/ ٢ عن إبراهيم بن الحسين، عن حجاج بن محمَّد، عن ابن جريج، كلاهما عن الزهري. وأخرجه البخاري في الطهارة ٣٦/ ٢ عن عمرو بن علي، عن عبد الوهاب الثقفي و٥٠/ ٢ عن عمرو بن خالد، عن الليث كلاهما عن يحيى بن سعيد وفي المغازي ٨٢/ ١ عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عبد العزيز بن أبي سلمة كلاهما عن سعد بن إبراهيم، عن نافع، عن جبير بن مطعم عنه به. وفي الطهارة أيضا (٥١) وفي اللباس (١١) عن أبي نعيم، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عنه به. ومسلم في الطهارة ٢٢/ ٥ عن قتيبة، و٢٢/ ٢٥ عن محمَّد بن رمح كلاهما عن الليث، عن يحيى بن سعيد به، و٢٢/ ٦ عن محمَّد بن المثنى، عن عبد الوهاب الثقفي، به، و٢٢/ ١٠ عن محمَّد بن عبد الله ابن نمير، عن أبيه، عن زكريا بن أبي زائدة به. و٢٢/ ١١ عن محمَّد بن حاتم، عن إسحاق بن منصور السَّلُولي، عن عمر بن أبي زائدة عن الشعبي به مختصرا، وفي الصلاة عن محمَّد بن رافع، وحسن الحلواني كلاهما عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن الزهري، عن عباد بن زياد، عنه به زاد قصة الصلاة خلف عبد الرحمن بن عوف. وأبو داود في الطهارة ٥٩/ ١ عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب، عن يونس عن الزهري، ولم يذكر قصة الصلاة خلف عبد الرحمن بن عوف . و٥٩/ ٣، عن مسدد، عن عيسى بن يونس، عن أبيه، عن الشعبي به، وابن ماجه في الطهارة ٨٤/ ٣، عن محمَّد بن رمح به، اهـ تحفة الأشراف. وأخرجه أحمد، ومالك، والبيهقي. المسألة الثالثة: في فوائد هذا الحديث: يستفاد منه ما ترجم له المصنف، وهو غسل الكفين، وموضع الاستدلال منه قوله «فغسل يديه» وفي رواية أبي داود «كفيه» وهي أصرح. وفيه من الفوائد أيضًا: الإبعاد عند قضاء الحاجة، والتواري عن الأعين، واستحباب الدوام على الطهارة، ولأمره - ﷺ - المغيرة أن يتبعه بالماء، مع أنه لم يستنج به، وإنما توضأ به حين رجع. وفيه جواز الاستعانة، وغسل ما يصيب اليد من الأذى عند الاستجمار، وأنه لا يكفي إزالته بغير الماء، والاستعانة على إزالة الرائحة بالتراب، ونحوه، وقد يستنبط منه أن ما انتشر عن المعتاد لا يزال إلا بالماء، وفيه الانتفاع بجلود الميتة، إذا دبغت، والانتفاع بثياب الكفار حتى تتحقق نجاستها، لأنه - ﷺ - لبس الجبة الرومية، ولم يستفصل. واستدل به القرطبي على أن الصوف لا ينجس بالموت لأن الجبة كانت شامية، وكانت الشام إذ ذاك دار كفر، ومأكول أهلها الميتات، كذا قال، وفيه الرد على من زعم أن المسح على الخفين منسوخ بآية الوضوء التي في المائدة لأنها نزلت في غزوة المريسيع، وكانت هذه القصة في غزوة تبوك، وهي بعدها باتفاق. وسيأتي حديث جوير البجلي في معنى ذلك، وفيه التشمير في السفر، ولبس الثياب الضيقة فيه، لكونه أعون على ذلك، وفيه المواظبة على سنن الوضوء حتى في السفر، وفيه قبول خبر الواحد في الأحكام، ولو كانت امرأة، سواء كان ذلك فيما تعم به البلوى أم لا؟ لأنه - ﷺ - قبل خبر الأعرابية كما تقدم. وفيه أن الاقتصار على غسل معظم المفروض غسله لا يجزئ لإخراجه - ﷺ - يديه من تحت الجبة، ولم يكتف فيما بقي منها بالمسح عليه، وقد يستدل به على من ذهب إلى وجوب تعميم مسح الرأس لكونه كمل بالمسح على العمامة، ولم يكتف بالمسح على ما بقي من ذراعيه اهـ فتح جـ ١/ ص ٣٦٨. قال الجامع عفا الله عنه: وفيه نظر بل هو ظاهر لمن يستدل به على وجوب التعميم، غايته أنه عمم الرأس حيث كمَّل على العمامة، والحاصل أن التعميم واجب ولكن لا يجب على الشعر فقط، بل على الرأس، وما عليه من العمامة ونحوها، وسيأتي تحقيق المسألة في «باب مسح الرأس» إن شاء الله تعالى. وفيه مشروعية خدمة من يستحق الخدمة، واقتداء الفاضل بالمفضول وجواز صلاة النبي - ﷺ - خلف بعض أمته، وبيان حال المسبوق، وأنه يصلي مع الإمام ما أدركه، ثم يصلي ما بقي عليه بعد سلام الإمام، ولا يسقط ذلك عنه، وطلب اتباع المسبوق للإمام في ركوعه وسجوده وجلوسه، وإن لم يكن موضع جلوس للمأموم، وأن المأموم إنما يفارق الإمام بعد سلام الإمام، وأن الأفضل تقديم الصلاة في أول الوقت حيث إنهم فعلوها في أول الوقت، ولم ينتظروا رسول الله - ﷺ -، ومَدَحَهم على ذلك، وأن من بادر إلى الطاعة يُشكر، وأنه يُطلب من الجماعة أن يقدموا أحدهم يصلي بهم إذا تأخر الإمام الراتب عن أول الوقت. وفيه فضل عبد الرحمن بن عوف ﵁، حيث قدموه للصلاة بهم. قاله في المنهل جـ ٢/ ص ١٠٧. والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
مصادر المؤلف (١)

١. هكذا قال المزي، قال الحافظ في النكت: بل ذكرها فيه من هذا الوجه.