HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٨٤

أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَبَانَ قَالَ: «رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ تَوَضَّأَ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَيْءٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص36
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ١ ص ٦٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢ ص٣٦٦
٦٨ - الْمَضْمَضَة وَالاِسْتِنْشَاقُ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية المضمضة، والاستنشاق في الوضوء. والمضمضة: تحريك الماء في الفم. قال في اللسان: ومَضْمَضَ إناءه أي بالضاد المعجمة ومَصْمَصَه أي بالصاد المهملة: إذا حركه، وقيل: إذا غسله، وتمضمض في وضوئه، والمضمضة: تحريك الماء في الفم، ومضمض الماء في فيه حركه، وتمضمض به، اهـ. وفي المصباح: ومضمضت الماء في فمي: حركته بالإدارة فيه، وتمضمضت بالماء: فعلت ذلك، قال الفارابي: والمضمضة صوت الحية ونحوها، ويقال هو تحريكها لسانها اهـ. والاستنشاق: جعل الماء في الأنف، وجذبه بالنَّفَس لينزل ما في الأنف، من استنشقتُ الريحَ شَمَمْتُها، فكأن الماء مجعول للاشتمام مجازا، والفقهاء يقولون: استنشقت بالماء بزيادة الباء. أفاده في المصباح. وفي اللسان: النَّشْق: صَبُّ سَعُوط في الأنف، قال ابن سيدَهْ: النَّشُوق، سَعُوط يُجعَل أو يصب في المنخرين، تقول: أنشقته إنشاقا، وفي الحديث «أنه كان يستنشق في وضوئه ثلاثا في كل مرة يستنثر أي يبلغ الماء خياشيمه، وهو من استنشاق الريح: إذا شممتها مع قوة اهـ. ٨٤ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَبَانَ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ تَوَضَّأَ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا، فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هذا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَيْءٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». رجال الإسناد: سبعة ١ - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي، راوية ابن المبارك ثقة [١٠] تقدم في ٤٥/ ٥٥. ٢ - (عبد الله) بن المبارك بن واضح الحنظلي المروزي ثقة حجة [٨] تقدم في ٣٢/ ٣٦. ٣ - (معمر) بن راشد أبو عروة البصري، نزيل اليمن ثقة ثبت [٧] تقدم في ١٠/ ١٠. ٤ - (الزهري) محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب، أبو بكر المدني ثقة حجة [٤] تقدم في ١/ ١. ٥ - (عطاء بن يزيد الليثي) الجُندَعي -بضم الجيم، وسكون النون، وفتح الدال- أبو محمَّد المدني، نزيل الشام، عن تميم الداري، وأبي أيوب، وأبي هريرة، وعنه أبو صالح السمان، وسهيل بن أبي صالح، والزهري، وثقه النسائي قال عمرو بن علي: مات سنة ١٠٥، وقال ابن سعد سنة، ٩، وقد جاوز، ٨٠ سنة أخرج له الجماعة، وفي «ت» ثقة من الثالثة. ٦ - (حُمران بن أبان) مولى عثمان كان من النمر بن قاسط سبي بعين التمر، فابتاعه عثمان من المُسَيَّب بن نَجَبَةَ، فأعتقه. أدرك أبا بكر، وعمر، وروى عن عثمان، ومعاوية، وعنه أبو وائل شقيق بن سلمة، وهو من أقرانه، وأبو صخرة جامع بن شداد، وعروة ابن الزبير، ومعاذ بن عبد الرحمن التيمي، وعطاء بن يزيد الليثي، وأبو التياح، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وبيان بن بشر البجلي، وغيرهم. قال معاوية بن صالح، عن يحيى بن معين: حمران من تابعي أهل المدينة ومحدثيهم، وقال ابن سعد: نزل البصرة وادعى ولده في النمر بن قاسط، وكان كثير الحديث، ولم أرهم يحتجون بحديثه، وحكى قتادة أنه كان يصلي الصبح مع عثمان، فإذا أخطأ فتح عليه، وحكى الليث بن سعد أن عثمان أسرَّ إليه سرًّا، فأخبر به عبد الرحمن بن عوف، فاستأمن له عبد الرحمن عثمان، وأخبره بما أخبر به، فغضب عليه عثمان ونفاه، وذكره في تسمية عمال عثمان، فقال: وحاجبه حمران، وقال في موضع آخر: مات بعده سنة ٧٥. قال الحافظ: أورد ابن عبد البر نسبه إلى النمر بن قاسط، في ترجمة هشام بن عروة من التمهيد، وقال: إنه ابن عم صهيب بن سنان، يلتقي معه في خالد بن عبد عمرو، قال: وكان حمران أحد العلماء الجلة أهل الوجاهة والرأي والشرف، وروينا بسند صحيح عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن المسْوَر أن عثمان، مرض فكتب العهد لعبد الرحمن بن عوف، ولم يُطلع على ذلك إلا حمران، ثم أفاق عثمان، فأطلع حمرانُ عبدَ الرحمن على ذلك، فبلغ عثمان فغضب عليه فنفاه، وذكره ابن حبان في الثقات، وأرخ ابن قانع وفاته سنة ٧٦، وابن جرير الطبري سنة، ٧١، أخرج له الجماعة اهـ تهذيب التهذيب، وفي «ت» ثقة من الثانية. ٧ - (عثمان بن عفان) بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي، أبو عمرو المدني ذو النورين، وأمير المؤمنين، ومجهز جيش العسرة، وأحد العشرة، وأحد الستة، هاجر الهجرتين، له مائة وستة وأربعون حديثا، اتفقا على ثلاثة وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بخمسة. وعنه أبناؤه: أبان، وسعيد، وعمرو، وأنس، ومروان بن الحكم، وخلق. غاب عن بدر لتمريض ابنة النبي - ﷺ -، فضرب له النبي - ﷺ - بسهم، قال ابن عمر: كنا نقول على عهد رسول الله - ﷺ -: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، وقال ابن سيرين: كان يحيى الليل كله بركعة، قتل في سابع ذي الحجة يوم الجمعة سنة خمس وثلاثين، قال عبد الله بن سلام: لقد فتح الناس على أنفسهم بقتل عثمان باب فتنة لا يغلق إلى يوم القيامة، ﵁، روى له الجماعة. لطائف الإسناد منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، وهم ما بين مروزين وهما شيخه، وعبد الله، ويمني وهو معمر، ومدنيين، وهم الباقون، وفيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم من بعض، الزهري، وعطاء، وحمران، وهي من رواية الأقران، وفيه الإخبار، والإنباء، والعنعنة، والقول. شرح الحديث (عن حمران) بضم الحاء المهملة وسكون الميم غير منصرف للعلمية وزيادة الألف والنون (بن أبان) اختلفوا في صرفه وعدمه، والجمهور على صرفه، فمن صرفه جعل الهمزة أصلية فوزنه فَعَال، ومن منعه جعلها زائدة فوزنه أفعل، أفاده النووي. وفي المصباح: هو في تقدير أفعل لكنه أعل بالنقل، ولم يعتد بالعارض، فلا ينصرف، وبعض العرب يعتد بالعارض، فيصرفه، لأنه لم يبق فيه إلا العلمية، ومنهم من يقول وزنه فعال فيكون مصروفا على قولهم اهـ باختصار. أنه (قال: رأيت عثمان بن عفان) ﵁ (توضأ) جملة حالية بتقدير «قد» عند البصريين، كما في قوله تعالى ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: آية ٩٠] ولفظة «رأيت» بمعنى أبصرت فلذلك اكتفت بمفعول واحد، وهو عثمان (فأفرغ) أي الماء، والفاء فيه فاء التفسير والتفصيل، فإن قوله «توضأ» مجمل فصله بقوله «فأفرغ» (على يديه) أي كفيه، كما في رواية البخاري «فأفرغ على كفيه»، ويؤخذ منه الإفراغ عليهما معا، وفي رواية «أفرغ بيده اليمنى على اليسرى» قاله في المنهل جـ ٢/ ص ٥ (ثلاثا) منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف أي إفراغا ثلاثا قاله العيني (فغسلهما) أي يديه معا على ما هو الظاهر. ويحتمل أنه غسل كل واحدة منهما على حدة، قال ابن دقيق العيد: قوله «غسلهما» قدر مشترك بين كونه غسلهما مجموعتين، أو متفرقتين، والفقهاء اختلفوا أيهما أفضل، قاله في المنهل جـ ٢/ ص ٥. (ثم تمضمض) تقدم الكلام عليه في أول الباب، وقال في الفتح: أصل المضمضة في اللغة التحريك، ثم اشتهر استعماله في وضع الماء في الفم وتحريكه، وأما معناه في الوضوء الشرعي، فأكمله أن يضع الماء في الفم ثم يديره، ثم يمجه، انتهي. وقال في المنهل: والمبالغة فيه سنة، وأقلها أن يجعل الماء في فمه، ولا يشترط إدارته على المشهور الذي قاله الجمهور. وقال النووي: قال جماعة من أصحابنا تشترط إدارته، قال ابن دقيق العيد: قال بعض الفقهاء: المضمضة أن يجعل الماء في فيه، ثم يمجه، فأدخل المج في حقيقة المضمضة، فعلى هذا لو ابتلع الماء لم يكن مؤديا للسنة، وهذا الذي يكثر في أفعال المتوضئين أعني الجعل والمجّ، ويمكن أن يكون ذكر ذلك بناء على أنه الأغلب والعادة، لا أنه يتوقف تأدية السنة على مجه اهـ (واستنشق) أي جعل الماء في أنفه، وجذبه بنفسه، لينزل ما فيه من الأوساخ، وليس في هذه الرواية ذكر العدد، وثبتت في رواية أبي داود وغيره. وقال العيني: وليس في طرق هذا الحديث تقييد المضمضة، والاستنشاق بعدد غير طريق يونس، عن الزهري فيما ذكره ابن المنذر، وكذا فيما ذكره أبو داود من وجهين آخرين عن عثمان ﵁، فإن في إحداهما، فتمضمض ثلاثا، واستنثر ثلاثا، وفي الآخر «ثم تمضمض، واستنشق ثلاثا اهـ جـ ٢/ ص ٣٠٠. (ثم غسل وجهه ثلاثا) عطف بكلمة«ثم»، لأنها تقتضي الترتيب والمهلة، قاله العيني. وحد الوجه من منابت شعر الرأس المعتاد إلى أسفل الذقن طولا، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضا، وغسلُهُ فرض بالنص بلا خلاف، والتثليث قام الإجماع على سنيته. والحكمة في تأخير غسل الوجه عن المضمضة، والاستنشاق اعتبار أوصاف الماء، لأن اللون يدرك بالبصر، والطعم يدرك بالفم، والريح يدرك بالأنف، فقدم الأقوى منها، وهو الطعم، ثم اللون، قاله اليدر العيني. (ثم غسل يديه) وتقدم وجه العطف بثم، واليدين تثينة يد، قال في المصباح: واليد مؤنثة، وهي من المنكب إلى أطراف الأصابع، ولامها محذوفة، وهي ياء، والأصل يدي، قيل: بفتح الدال، وقيل: بسكونها اهـ لكن سقط ما وراء المرفق بالنص، وقوله (اليمنى) بدل تفصيل من يديه، مؤنث اليمين ضد اليسار، وأنثه لأن اليد مؤنثة (إلى المرفق) بفتح الميم وكسر الفاء، وعكسه لغتان، وهو موصل الذراع بالعضد. ولا خلاف في وجوب غسل اليدين للنص، والجمهور على «وجوب غسل المرفق، وخالف في ذلك زفر من الحنفية، وداود الظاهري، ويأتي تحقيق المسألة في المسائل آخر الباب إن شاء الله تعالى (ثلاثا) أي غسلا ثلاثا (ثم اليسرى مثل ذلك) أي ثلاثا (ثم مسح برأسه) بزيادة الباء، وفي رواية للبخاري»رأسه«بلا باء، وهي رواية أبي داود. قال القرطبي: الباء للتعدية يجوز حذفها، وإثباتها، وقال في الفتح: دخلت الباء لتفيد معنى آخر، وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولا به والمسح لغة لا يقتضي ممسوحا به، فلو قال«وامسحوا رؤسكم» لأجزأ المسح باليد بغير ماء، فكأنه قال: وامسحوا برؤسكم الماء فهو على القلب، والتقدير امسحوا رؤسكم بالماء اهـ. والمسح لغة: إمرار اليد على الشيء، قال في المصباح: مسحتُ الشيء بالماء مسحا: أمررت اليد عليه، قال أبو زيد: المسح في كلام العرب يكون مسحا، وهو إصابة الماء، ويكون غسلا يقال: مسحت يدي بالماء إذا غسلتها، وتمسحت بالماء إذا اغتسلت، فالمسح مشترك بين معنيين. اهـ بحذف. ثم إن ظاهر الحديث: يدل على أنه مسح جميع الرأس، لأن اسم الرأس حقيقة في العضو كله وسيأتي تحقيق المسألة في المسائل الآتية آخر الباب إن شاء الله تعالى. (ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثا) والقدم مؤنثة، لذا أنث اليمنى، وتصغر على قُدَيمة وجمعها أقْدَام مثل سَبَب وأسباب، أفاده في المصباح. قال ابن دقيق العيد: قوله: «ثلاثا»، يدل على استحباب التكرار في غسل الرجل ثلاثا، وبعض الفقهاء لا يرى هذا العدد في الرجل كما في غيرها من الأعضاء، وقد ورد في الروايات «فغسل رجليه، حتى أنقاهما» ولم يذكر عددا، فاستدل به لهذا المذهب، وأكد من جهة المعنى بأن الرجل لقربها من الأرض في المشي عليها تكثر فيها الأوساخ والأدْرَان، فيُحَال الأمر فيه على مجرد الإنقاء من غير اعتبار العدد، والرواية التي فيها ذكر العدد زائدة على الرواية التي لم يذكر فيها، فالأخذ بها متعين، والمعنى المذكور لا ينافي اعتبار العدد، فليعمل بما دل عليه لفظ الحديث اهـ إحكام الأحكام جـ ١ ص ١٨٣ - ١٨٤. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ابن دقيق العيد أخيرا نهاية التحقيق، والقول المخالف له بعيد عن الصواب سَحيق، والله أعلم. (ثم) غسل قدمه (اليسرى مثل ذلك) أي ثلاثا (ثم قال) عثمان ﵁ (رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ) جملة حالية، لأن «رأى» بصرية كما مر (نحو وضوئي) أي مثله في الكيفيات المذكورة (ثم قال) - ﷺ - (من توضأ نحو وضوئي هذا) قال النووي: إنما قال «نحو وضوئي» ولم يقل مثل، لأن حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره، ورده العيني بأنه جاء في رواية البخاري في الرقاق «من توضأ مثل هذا الوضوء» وجاء في رواية مسلم أيضا «من توضأ مثل وضوئي هذا» وكل واحد من لفظ «نحو» ومثل من أدوات التشبيه، والتشبيه لا عموم له، سواء قال نحو وضوئي هذا، أو مثل وضوئي، فلا يلزم ما ذكره. وقال الحافظ بعد ذكر الروايات التي فيها مثل: وعلى هذا فالتعبير بنحو من تصرف الرواة، لأنها تطلق على المثلية مجازا، ولأن مثل وإن كانت تقتضي المساواة ظاهرا لكنها تطلق على الغالب، فبهذا تلتئم الروايتان ويكون المتروك بحيث لا يخل بالمقصود اهـ فتح جـ ١/ ص ٣١٣. لكن رد عليه العيني قوله من تصرفات الروات، لأنه تطلق على المثلية مجازا، أنه ليس بشيء لأنه ثبت في اللغة مجيء نحو بمعنى مثل، يقال: هذا نحو ذاك: أي مثله اهـ. وقال في المنهل: والفرق بين مثل، وبين نحو، أن مثل يقتضي ظاهرها المساواة من كل وجه إلا في الوجه الذي يقتضي التغاير بين الحقيقتين بحيث يخرجهما عن الوحدة، ونحو لا تقتضي ذلك اهـ. (ثم صلى ركعتين) وهما مستحبتان، وقالت الشافعية: هذه الصلاة سنة مؤكدة، قاله في المنهل (لا يحدث نفسه فيهما بشيء) جملة في محل نصب صفة لركعتين، أي لا يحدث فيهما بشيء من أمور الدنيا، لما ثبت في الترمذي الحكيم «لا يحدث نفسه بشيء من الدنيا»، وأما ما يتعلق بالصلاة من أمور الآخرة كالتدبر في معاني الآيات المتلوة، والتسابيح، فلابد منه، لأن به تمام الخشوع والثواب، وكذا ما لا يتعلق بالصلاة من أمور الآخرة، لما رُوي عن عمر أنه قال: «إني أجَهِّزُ الجيشَ، وأنا في الصلاة». ولو عرض له حديث، فأعرض عنه، فبمجرد إعراضه عفي عن ذلك، وحصلت له هذه الفضيلة، لأن هذا ليس من فعله، وقد عفي لهذه الأمة عن الخواطر التي تَعرض، ولا تستقر، لما في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعا «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به، أو تعمل به» اهـ المنهل. وقال الحافظ: المراد به ما تسترسل النفس معه، ويمكن قطعه، لأن قوله «يحدث» يقتضي تكسبا منه، فأما ما يَهجُم من الخَطَرات، والوساوس، ويتعذر دفعه، فذلك معفو عنه. ونقل القاضي عياض عن بعضهم: أن المراد من لم يحصل له حديث النفس أصلا، ورأسا، ويشهد له ما أخرجه ابن المبارك في الزهد بلفظ «لم يُسرَّ فيهما». ورده النووي فقال: الصواب حصول هذه الفضيلة مع طريان الخواطر العارضة غير المستقرة، نعم من اتفق أن يحصل له عدم حديث النفس أصلا أعلى درجة بلا ريب. ثم إن تلك الخواطر منها ما يتعلق بالدنيا، والمراد دفعه مطقا، ووقع في رواية للحكيم الترمذي في هذا الحديث «لا يحدث نفسه بشيء من الدنيا» وهي في الزهد لابن المبارك أيضا، والمصنف لابن أبي شيبة. ومنها ما يتعلق بالآخرة فإن كان أجنبيا أشبه أحوال الدنيا، وإن كان من متعلقات تلك الصلاة فلا. اهـ فتح جـ ١/ ص ٣١٣. وقال ابن دقيق العيد: الخواطر والوساوس الواردة على النفس قسمان: أحدهما: ما يَهْجُم هَجْما يتعذر دفعه عن النفس. والثاني: ما تسترسل معه النفس، ويمكنه قطعه ودفعه، فيمكن حمل الحديث على هذا، دون الأول، لعسر اعتباره، ويشهد لذلك لفظة «يحدث نفسه» فإنه يقتضي تكسبا منه، وتفعلا لهذا الحديث، ويمكن أن يُحمَل على النوعين معا، لأن العسر إنما يجب دفعه عما يتعلق بالتكاليف، والحديث إنما يقتضي ترتب ثواب مخصوص على عمل مخصوص، فمن حصل له ذلك العمل حصل له ذلك الثواب، ومن لا فلا، وليس ذلك من باب التكاليف حتى يلزم دفع العسر عنه، نعم لابد أن تكون تلك الحالة ممكنة الحصول، أعني الوصف المترتب عليه الثواب المخصوص، والأمر كذلك فإن المتجردين عن شواغل الدنيا الذين غلب ذكر الله على قلوبهم وعمرها تحصل لهم تلك الحالة. وحديث النفس يعم الخواطر المتعلقة بالدنيا، والخواطر المتعلقة بالآخرة، والحديث محمول والله أعلم على ما يتعلق بالدنيا، إذ لابد من حديث النفس فيما يتعلق بالآخرة، كالفكر في معاني المتلو من القرآن العزيز، والمذكور من الدعوات والأذكار، ولا نريد بما يتعلق من أمر الآخرة كل أمر محمود، أو مندوب إليه فإن كثيرا من ذلك لا يتعلق بأمر الصلاة فإدخاله فيها أجنبي عنها، اهـ كلام ابن دقيق العيد، إحكام جـ ١ ص ١٨٩ - ١٩٢. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ، وابن دقيق العيد من أن أمور الآخرة التي لا تعلق لها بالصلاة غير داخلة فيما يستثنى من حديث النفس، بل المغتفر ما يتعلق بالصلاة فقط، فيه نظر لما تقدم من تقييد حديث النفس بأمور الدنيا في حديث الترمذي الحكيم، فتبصر. والله أعلم. (غفر له) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله (ما تقدم من ذنبه) والجملة خبر «مَنْ» الموصولة في قوله «من توضأ» قاله العيني. والذنب: الإثم، فإن تُوُعِّد عليه كان كبيرا، وإلا فصغيرا، قاله في المنهل. ثم ظاهر الحديث يعم غفران الصغائر والكبائر، لكن خصه العلماء بالصغائر لما في بعض الأحاديث من التقييد بها. ففي صحيح مسلم عن عثمان ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها، وخشوعها، وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم تؤت كبيرة، وذلك الدهر كله» فهذا صريح في الذُّنُوب الصغائر، وحديث الباب مطلق، فحملوا المطلق على المقيد. قال الحافظ في الفتح: هو في حق من له كبائر وصغائر، ومن ليس له إلا الصغائر كفرت عنه، ومن ليس له إلا كبائر خفف عنه منها بقدر ما لصاحب الصغائر، ومن ليس له صغائر ولا كبائر يزاد في حسناته بنظير ذلك اهـ ومثله لابن دقيق العيد، فإن قيل: إذا كان الوضوء وحده مكفرًا للصغائر كما في حديث عثمان الآخر الذي فيه «خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره» فما الذي يكفره الوضوء مع صلاة النافلة، كما في حديث الباب، وإذا كانت هذه مكفرة أيضا، فما الذي تكفره المكتوبات؟ أجيب بأن جميع ما ذكر صالح للتكفير فإن صادف شيء منها شيئا من الذنوب المذكورة كفره، وإلا كفر بقدرها من الكبائر، فإن لم يوجد شيء من الصغائر ولا من الكبائر زيد في حسناته كما تقدم اهـ المنهل جـ ٢/ ص ١٥. مسائل تتعلق بحديث الباب الأولى: في درجته: حديث الباب متفق عليه. الثانية: في ذكر مواضعه عند المصنف: أخرجه المصنف هنا عن سويد ابن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن حمران بن أبان، عن عثمان بن عفان. وفي الباب ٩٤ عن أحمد بن عمرو بن السرح، والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري به، وفي ٩٦ عن أحمد بن محمَّد بن المغيرة، عن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري به. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري في الطهارة الباب ٢٥ عن عبد العزيز بن عبد الله، عن إبراهيم بن سعد،، وفي ٢٩ عن أبي اليمان، عن شعيب، وفي الصوم الباب ٢٧ عن عبدان عن ابن المبارك، عن معمر. وأخرجه مسلم في الطهارة الباب ٣ الحديث ١ عن أبي الطاهر بن السرح، وحرملة بن يحيى كلاهما عن ابن وهب، عن يونس و٣/ ٢ عن زهير بن حرب، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه أربعتهم عن الزهري عنه به. وأخرجه أبو داود في الطهارة عن الحسن بن علي، عن عبد الرزاق، عن معمر به، قاله في تحفة الأشراف. وأخرجه الدارقطني، والبيهقي. المسألة الرابعة: هكذا الحديث أصل عظيم في صفة الوضوء اشتمل على مسائل كثيرة نلخصها فيما يأتي: فمنها: قوله «فأفرغ على يديه ثلاثا فغسلهما» يدل على مشروعية غسل الكفين، أوَّلًا قبل إدخالهما الإناء، ولو لم يكن عَقِبَ النوم، وهذا مستحب بلا خلاف، وقد استوفينا الكلام على هذه المسألة في أول هذا الشرح عند الكلام على الحديث الأول، فلنكمل ما تبقَّى، فنقول: المسألة الخامسة: (قوله: ثم تمضمض واستنشق) فيه دلالة على مشروعية المضمضة والاستنشاق، وقد اختلف العلماء في حكمها على مذاهب: أحدها: أنهما واجبتان في الوضوء والغسل وهو مذهب أحمد في المشهور، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر، وابن أبي ليلى، وحماد بن أبي سليمان، والهادي، والقاسم، والمؤيد بالله. قال أبو محمَّد بن حزم في المحلى: وممن صح عنهم الأمر بذلك جماعة من السلف روينا عن علي بن أبي طالب: «إذا توضأت فانثر فأذهب ما في المنخرين من الخبث»، وعن شعبة قال حماد بن أبي سليمان فيمن نسي أن يمضمض ويستنشق قال: يستقبل، وعن شعبة عن الحكم بن عتيبة فيمن صلى وقد نسي أن يمضمض ويستنشق قال: أحب إلى أن يعيد، يعني الصلاة، وعن وكيع، عن سفيان الثوري، عن مجاهد: الاستنشاق شطر الوضوء، وعن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري عن حماد بن أبي سليمان، وابن أبي ليلى قالا جميعا: إذا نسي المضمضة والاستنشاق في الوضوء أعاد يعنون الصلاة، وعن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري: من نسي المضمضة والاستنشاق في الوضوء أعاد يعني الصلاة اهـ المحلى جـ ١/ ص ٥١. الثاني: واجبتان في الغسل، دون الوضوء، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، وسفيان الثوري، وزيد بن علي. الثالث: أن الاستنشاق واجب في الوضوء والغسل دون المضمضة، وهو مذهب أبي ثور، وأبي عبيد، وداود، ورواية عن أحمد، قال ابن المنذر: وبه أقول. الرابع: أنهما سنتان فيهما، وهو مذهب مالك، والشافعي، والأوزاعي، والليث، والحسن البصري، والزهري، وربيعة، ويحيى ابن سعيد، وقتادة، والحكم بن عتيبة، ومحمد بن جرير الطبري، والناصر من أهل البيت. واحتج من قال بالوجوب فيهما بأدلة: منها: أن النبي - ﷺكان يفعلهما وفعله بيان للطهارة المأمور بها، قاله في المجموع. ومنها: حديث أبي هريرة المتفق عليه: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر». ومنها: حديث سلمة بن قيس عند الترمذي، والنسائي بلفظ «إذا توضأت فانتثر». ومنها: ما أخرجه أحمد، ومالك، والشافعي، وابن الجارود، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، وأهل السنن الأربع من حديث لقيط بن صبرة في حديث طويل، وفيه «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما» وفي رواية من هذا الحديث «إذا توضأت فمضمض» أخرجهما أبو داود وغيره. قال الحافظ في الفتح: إن إسنادها صحيح، وقد رَدَّ الحافظ أيضا في التلخيص ما أُعِلُّ به حديثُ لقيط من أنه لم يروه عن عاصم بن لقيط بن صبرة إلا إسماعيل بن كثير، وقال: ليس بشيء لأنه روي عنه، وعن غيره، وصححه الترمذي، والبغوي، وابن القطان، وقال النووي: هو حديث صحيح، رواه أبو داود، والترمذي، وغيرهما بالأسانيد الصحيحة. ومنها: حديث حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة قال: «أمر رسول الله - ﷺ - بالمضمضة والاستنشاق» رواه الدارقطني، وقال: لم يسنده عن حماد غير هدبة وداود بن المحبر، وغيرهما يرويه عن عمار عن النبي - ﷺ -، لا يذكر أبا هريرة،. قال المجد ابن تيمية في المنتقى: قلت: وهذا لا يضر لأن هدبة ثقة مُخَرَّجٌ عنه في الصحيحين، فيقبل رفعه، وما ينفرد به، انتهى، وقال الشوكاني في النيل: وقد ذكر هذا الحديث ابن سيد الناس في شرح الترمذي منسوبا إلى أبي هريرة، ولم يتكلم عليه، وعادته التكلم على ما فيه وهن اهـ. ومنها: ما قدمناه عن المجموع أنهما من تمام غسل الوجه، فالأمر بغسله أمر بهما، قالوا: وهذا وإن كان مستبعدا في بادئ الرأي باعتبار أن الوجه في لغة العرب معلوم المقدار، لكن يعضد دعوى دخولهما في الوجه أنه لا موجب للتخصيص بظاهره دون باطنه، فإن الجميع في لغة العرب يسمى وجها. فإن قلت: قد أطلق على خرق الفم،، والأنف اسم خاص، فليسا في لغة العرب وجها، قلت: كذلك أطلق على الخدين، والجبهة، وظاهر الأنف والحاجبين، وسائر أجزاء الوجه أسماء خاصة، فلا تسمى وجها، وهذا في غاية السقوط، لاستلزامه عدم غسل الوجه. فإن قلت: يلزم على هذا وجوب غسل باطن العين، قلت: يلزم ذلك لولا اقتصار الشارع في البيان على غسل ما عداه، وقد بَيَّنَ لنا رسول الله - ﷺ - ما نزل إلينا فداوم على المضمضة والاستنشاق، ولم يحفظ أنه أخلَّ بهما مرة واحدة كما ذكره ابن القيم في الهدي، ولم ينقل عنه غسل باطن العين مرة واحدة، على أنه قد ذهب إلى وجوب غسل باطن العين ابن عمر، والمؤيد بالله، وروي في البحر عن الناصر والشافعي أنه يستحب، واستدل لهم بظاهر الآية اهـ نيل بتصرف. واحتج من قال بوجوبهما في الغسل دون الوضوء: بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: آية ٦] فإنه أمر بتطهير جميع البدن إلا ما تعذر إيصال الماء إليه، وداخل الفم والأنف لا يتعذر إيصاله إليه بخلاف الوضوء، فإن الواجب فيه غسل الوجه، وهو ما تقع به المواجهة وهي فيهما منعدمة. واستدلوا بما رواه الدارقطني عن عائشة بنت عجرد في جُنُب نسي المضمضة والاستنشاق، قالت: قال ابن عباس: يمضمض ويستنشق ويعيد الصلاة. ورواه عنها من عدة طرق، وقال: عائشة بنت عجرد لا يحتج بها اهـ ولا وجه للتفرقة بين الوضوء والغسل فيهما، فإن ما احتجوا به من الآية مجمل بُيِّنَ بنحو حديث أبي ذر الآتي، وفيه «إذا وجد الماء فليمسه بشرته» والبشرة ظاهر الجلد، فلا تشمل داخل الفم والأنف. واحتجوا أيضا على عدم الوجوب في الوضوء بحديث «عشر من سنن المرسلين» وقد رده الحافظ في التلخيص، وقال: إنه لم يرد بلفظ «عشر من السنن» بل بلفظ من الفطرة، ولو ورد لم ينتهض دليلا على الوجوب لأن المراد به السنة: أي الطريقة، لا السنة بمعناها الاصطلاحي الأصولي، واستدلوا أيضا بحديث ابن عباس مرفوعا بلفظ «المضمضة والاستنشاق سنة» رواه الدارقطني، وهو حديث ضعيف. وبحديث «توضأ كما أمرك الله» وليس في القرآن ذكر المضمضة والاستنشاق. ورد بأن الأمر بغسل الوجه أمر بهما، وبأن وجوبهما ثبت بأمر رسول الله - ﷺ -، والأمر منه أمر من الله بدليل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: آية ٧] ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: آية ٣١]. قال الشوكاني: ويمكن مناقشة هذا بأنه إنما يتم لو أحاله فقط كما وقع لابن دقيق العيد، وغيره، وأما بالنظر إلى تمام الحديث وهو «فاغسل وجهك، ويديك، وامسح رأسك، واغسل رجليك» فيصير نصا على أن المراد كما أمرك الله في خصوص آية الوضوء، لا في عموم القرآن، فلا يكون أمره - ﷺ - بالمضمضة داخلا تحت قوله للأعرابي «كما أمرك الله» فيقتصر في الجواب على أنه قد صح أمر رسول الله - ﷺ - بهما، والواجب الأخذ بما صح عنه، ولا يكون الاقتصار على البعض في مبادئ التعليم ونحوها موجبا لصرف ما ورد بعده وإخراجه عن الوجوب، وإلا لزم قصر واجبات الشريعة بأسرها على الخمس المذكورة في حديث ضمام بن ثعلبة مثلا، لاقتصاره على ذلك المقدار في تعليمه، وهذا خرق للإجماع، واطِّرَاح لأكثر الأحكام الشرعية، اهـ ما قاله الشوكاني. واحتج من قال بوجوب الاستنشاق دون المضمضة بما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة مرفوعا «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليستنثر» وبما رواه الدارقطني عن ابن سيرين قال: «أمر رسول الله - ﷺ - بالاستنشاق في الجنابة ثلاثا» وقالوا: إن المضمضة ثابتة بفعله - ﷺ - لا بأمره، بخلاف الاستنشاق فإنه ثابت بهما، وفعله لا يفيد الوجوب، وفي قولهم هذا نظر، فقد روى الدارقطني عن عائشة، وسليمان بن موسى، قالا: قال رسول الله - ﷺ - «من توضأ فليتمضمض وليستنشق» فلا وجه للتفرقة، قاله في المنهل جـ ٢/ ص ٦. واحتج من قال بسنيتهما في الغسل والوضوء بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وقوله ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: آية ٦] والوجه عند العرب ما حصلت به المواجهة، وبقوله - ﷺ - لأبي ذر، وقد سأله عن الجنابة تصيبه، ولا يجد الماء «الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر حجج، فإن وجد الماء فليمسه بشرته» حديث صحيح، قال أهل اللغة: البشرة ظاهر الجلد، وأما باطنه فأدَمَة بفتح الهمزة والدال. واحتجوا بقوله - ﷺ - للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله» وهو صحيح وقد سبق الجواب عنه. قال الجامع عفا الله عنه: إذا علمت هذا كله، فالذي يترجح عندي، قول من قال بوجوبهما، فيهما، وهو الذي رجحه الشوكاني في النيل، قال: وقد اعترف جماعة من الشافعية وغيرهم بضعف دليل من قال بعدم وجوب المضمضة والاستنشاق، والاستنثار، قال الحافظ في الفتح: وذكر ابن المنذر أن الشافعي لم يحتج على عدم وجوب الاستنشاق مع صحة الأمر به إلا بكونه لا يعلم خلافا في أن تاركه لا يعيد، وهذا دليل فقهي، فإنه لا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة والتابعين، إلا عن عطاء. قال الجامع: وقد مر عن ابن حزم أنه نقل عن مجاهد أنه قال: الاستنشاق شطر الوضوء، وعن حماد بن أبي سليمان، وابن أبي ليلى والزهري، من نسي المضمضة والاستنشاق في الوضوء أعاد الصلاة، فظهر بهذا أن عطاء ليس منفردا به والله أعلم. قال الشوكاني: وذكر ابن سيد الناس في شرح الترمذي بعد أن ساق حديث لقيط بن صبرة، ما لفظه: وقال أبو بشر الدولابي فيما جمعه من حديث الثوري: حدثنا محمَّد بن بشار، أخبرنا ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي هاشم، عن عاصم بن لقيط، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - «إذا توضأت فأبلغ في المضمضة والاستنشاق، إلا أن تكون صائما»، قال أبو الحسين بن القطان: وهذا صحيح، فهذا أمرصحيح صريح، وانضم إليه مواظبة النبي - ﷺ - فثبت ذلك عن النبي - ﷺ - قولا وفعلا مع المواظبة في الفعل انتهى. ومن جملة ما أورده في شرح الترمذي من الأدلة القاضية بوجوبها حديث عائشة عند البيهقي بلفظ: أن رسول الله - ﷺ - قال: «المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لابد منه» وقد ضعف بمحمد بن الأزهر الجوزجاني. وقد رواه البيهقي لا من طريقه: فرواه عن أبي سعد أحمد بن محمَّد الصوفي، عن ابن عدي الحافظ، عن عبد الله بن سليمان بن الأشعث، عن الحسين بن علي بن مهران، عن عصام بن يوسف، عن ابن المبارك، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة عنها اهـ نيل جـ ١/ ص ٢١٤. قال الجامع: لكن نقل البيهقي عن أبي بكر الفقيه عن علي هو ابن عمر الدارقطني الحافظ أنه قال: تفرد به عصام، ووهم فيه، والصواب عن ابن جريج عن سلميان بن موسى، مرسلا عن النبي - ﷺ -. والحاصل أن أدلة القائلين بالوجوب واضحة، فوجب القول به، والله أعلم. المسألة السادسة: قوله «ثم غسل وجهه ثلاثا» فيه دليل على مشروعية غسل الوجه. قال العلامة ابن رشد في كتابه بداية المجتهد: اتفق العلماء على أن غسل الوجه بالجملة من فرائض الوضوء لقوله تعالى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: آية ٦] واختلفوا في ثلاثة مواضع: في غسل البياض الذي بين العذار والأذن، وفي غسل ما انسدل من اللحية، وفي تخليل اللحية، فالمشهور من مذهب مالك أنه ليس البياض الذي بين العذار والأذن من الوجه، وقد قيل في المذهب بالفرق بين الأمرد والملتحي، فيكون في المذهب ثلاثة أقوال. وقال أبو حنيفة والشافعي: هو من الوجه. وأما ما انسدل من اللحية فذهب مالك إلى وجوب إمرار الماء عليه، ولم يوجبه أبو حنيفة، ولا الشافعي في أحد قوليه، وسبب اختلافهم في هاتين المسألتين هو خفاء تناول اسم الوجه لهذين الموضعين، أعني هل يتناولهما أو لا يتناولهما؟ وأما تخليل اللحية: فمذهب مالك أنه ليس واجبا، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في الوضوء، وأوجبه ابن عبد الحكم من أصحاب مالك. وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في صحة الآثار التي ورد فيها الأمر بتخليل اللحية، والأكثر على أنها غير صحيحة، مع أن الآثار الصحاح التي ورد فيها صفة وضوئه ﵊ ليس في شيء منها التخليل اهـ بداية جـ ١/ ص ١١. قال الجامع: سيأتي الكلام على أحاديث التخليل إن شاء الله تعالى. وقال النووي ﵀: غسل الوجه واجب في الوضوء بالكتاب والسنن المتظاهرة والإجماع اهـ المجموع جـ ١/ ص ٣٧١. وقال في المسألة الأولى، وهي مسألة البياض الذي بين العذار والأذن: كونه من الوجه هو مذهب الشافعي، وحكاه أصحاب الشافعي عن أبي حنيفة، ومحمد، وأحمد، وداود، وعن مالك أنه ليس من الوجه، وعن أبي يوسف يجب على الأمرد غسله دون الملتحي، وحكى الماوردي هذا التفصيل عن مالك. قال: ودليلنا أنه تحصل به المواجهة كالخد، واحتج الماوردي وغيره فيه بحديث علي ﵁ في صفة وضوء رسول الله - ﷺ -، فقال في غسل الوجه «ضرب بالماء على وجهه، ثم ألقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه» ورواه أبو داود، والبيهقي، وليس بقوي؛ لأنه من رواية محمَّد بن إسحاق صاحب المغازي، وهو مدلس، ولم يذكر سماعه، فلا يحتج به كما عرف، فلهذا لم أعتمده، وإنما اعتمدت المعنى وذكرته تقويةً، ولأبَيِّنَ حاله، والله أعلم اهـ المجموع جـ ١/ ص ٣٧٣. قال الجامع عفا الله عنه: قال في التلخيص: رواه البزار، وقال: لا نعلم أحدا روى هذا هكذا إلا من حديث عبيد الله الخولاني، ولا نعلم أحدا رواه عنه إلا محمَّد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة، وقد صرح ابن إسحاق بالسماع فيه. وأخرجه ابن حبان من طريقه مختصرا اهـ، وقد صرح ابن إسحاق بالسماع فيه أيضا في رواية أحمد بالتحديث جـ ١/ ص ٨٢. وقال ابن التركماني في الجوهر النقي: في كتاب الإمام أن ابن إسحاق صرح بأنه حدثه في رواية يعقوب الدورقي عن ابن علية عنه، فسلم الحديثُ من التدليس. وقال شيخنا يعني المنذري، في مختصر السنن، قال الترمذي: سألت محمَّد بن إسماعيل عنه، يعني هذا الحديث فضعفه، وقال: ما أدري ما هذا؟ اهـ جـ ١/ ص ٥٣. والحاصل أنه زال ما ضعفه به النووي، وغيره بسببه، فصح الاستدلال به والله أعلم. وقال في المسألة الثانية، وهي مسألة ما انسدل من اللحية: ما حاصله: أن فيه قولين في مذهب الشافعي، والصحيح منهما الوجوب، وهو محكي عن مالك، وأحمد، وعدم الوجوب محكي عن أبي حنيفة، وداود، واختاره المزني. واحتج الأولون بأنه شعر ظاهر ثابت على بشرة الوجه، فأشبه شعر الخد. واحتج الآخرون بأنه شعر لا يلاقي محل الفرض، فلم يكن محلا للفرض كالذؤابة اهـ. المجموع بتصرف. وأما المسألة الثالثة: وهي تخليل اللحية، فقال الشوكاني في النيل: وقد اختلف الناس في ذلك -يعني تخليل اللحية. فذهب إلى وجوبه في الوضوء والغسل العترة، والحسن بن صالح، وأبو ثور، والظاهرية كذا في البحر. واستدلوا بما وقع في الحديث بلفظ «هكذا أمرني ربي». وذهب مالك، والشافعي، والثوري، والأوزاعي، إلى أن تخليل اللحية ليس بواجب في الوضوء، قال مالك: وطائفة من أهل المدينة: ولا في غسل الجنابة. وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهما، والثوري والأوزاعي، والليث، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، والطبري، وأكثر أهل العلم: إن تخليل اللحية واجب في غسل الجنابة، ولا يجب في الوضوء هكذا في شرح الترمذي لابن سيد الناس، قال: وأظنهم فرقوا بين ذلك والله أعلم، لقوله - ﷺ - «تحت كل شعرة جنابة، فبُلُّوا الشعرَ وأنقُوا البَشَرَ. واستدلوا لعدم الوجوب في الوضوء بحديث ابن عباس الذي ساقه البخاري، فإنه ليس فيه تخليل اللحية: قال: وقد روي عن ابن عباس، وابن عمرو، وأنس، وعلي، وسعيد بن جبير، وأبي قلابة، ومجاهد، وابن سيرين، والضحاك، وإبراهيم النخعي: إنهم كانوا يخللون لحاهم. وممن روي عنه أنه كان لا يخلل: إبراهيم النخعي، والحسن، وابن الحنفية، وأبو العالية، وأبو جعفر الهاشمي، والشعبي، ومجاهد، والقاسم، وابن أبي ليلى، ذكر ذلك ابن أبي شيبة بأسانيده إليهم. وقد وردت أحاديث في تخليل اللحية: فمنها: حديث عثمان ﵁: «أن النبي - ﷺ - كان يخلل لحيته» رواه ابن ماجه، والترمذي، وصححه، وابن خزيمة، والحاكم، والدارقطني، وابن حبان، وفيه عامر بن شقيق ضعفه يحيى بن معين، وقال البخاري: حديثه حسن، وقال الحاكم: لا نعلم فيه طعنا بوجه من الوجوه، وأورد له شواهد. ومنها: حديث أنس «أن النبي - ﷺ - كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء، فأدخله تحت حنكه، فخلل به لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي ﷿» رواه أبو داود، وفيه الوليد بن زوران مجهول الحال، قال الحافظ: وله طرق أخرى ضعيفة، عن أنس منها ما رويناه في فوائد أبي جعفر البختري، ومستدرك الحاكم، ورجاله ثقات، لكنه معلول، فإنما رواه موسى بن أبي عائشة، عن زيد بن أبي أنيسة، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، أخرجه ابن عدي، وصححه ابن القطان من طريق أخرى ذكرها الذهلي في الزهريات، وهو معلول، وصححه الحاكم قبل ابن القطان، قال الحافظ: ولم تقدح هذه العلة عندهما فيه. وفي الباب عن علي، وعائشة، وأم سلمة، وأبي أيوب، وأبي أمامة، وعمار، وابن عمر، وجابر، وجرير، وابن أبي أوفى، وابن عباس، وعبد الله بن عكبرة ، وأبي الدرداء. وأما حديث علي فرواه الطبراني فيما انتقاه عليه ابن مردويه، وإسناده ضعيف ومنقطع، وأما حديث عائشة، فرواه أحمد من رواية طلحة بن عبد الله بن كريز عنها، وإسناده حسن، وأما حديث أم سلمة فرواه الطبراني، والعقيلي والبيهقي بلفظ «كان إذا توضأ خلل لحيته» وفي إسناده خالد بن الياس، وهو منكر الحديث. وأما حديث أبي أيوب: فرواه ابن ماجه، والعقيلي، وأحمد، والترمذي في العلل، وفيه أبو سورة لا يعرف، وأما حديث أبي أمامة فرواه أبي بكر بن أبي شيبة في مصنفه، والطبراني في الكبير، وإسناده ضعيف، وأما حديث عمار فرواه الترمذي، وابن ماجه، وهو معلول، وأما حديث ابن عمر: فرواه الطبراني في الأوسط من طريق مؤمل بن إسماعيل، عن العمري، عن نافع، عنه، وإسناده ضعيف، وله حديث آخر أخرجه ابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي، وصححه ابن السكن من حديث الأوزاعي، عن عبد الواحد بن قيس، عن نافع، عن ابن عمر، قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا توضأ عَرَكَ عارضيه بعض العَرْك، ثم شبك لحيته بأصابعه من تحتها»، وعبد الواحد مختلف فيه، واختلف فيه عن الأوزاعي، فقال عبد الحميد بن أبي العشرين هكذا، وخالفه أبو المغيرة، فرواه عن الأوزاعي بهذا السند موقوفا، قال الدارقطني: وهو الصواب، وخالفهما الوليد، فقال عن الأوزاعي، عن عبد الواحد، عن يزيد الرقاشي، وقتادة مرسلا، حكاه ابن أبي حاتم في العلل. وأما حديث جابر فرواه ابن عدي في الكامل من طريق أصرم بن غياث، ثنا مقاتل بن حيان، عن جابر قال: «وضأت رسول الله - ﷺ - غير مرة، ولا مرتين، ولا ثلاث، فرأيته يخلل لحيته بأصابعه، كأنها أنياب مشط» وأصرم متروك الحديث، قاله النسائي، وفي الإسناد انقطاع أيضا. وأما حديث جرير، فرواه ابن عدي، وفيه ياسين الزيات، وهو متروك، وأما حديث ابن أبي أوفى، فرواه أبو عبيد في كتاب الطهور، وفي إسناده أبو الورقاء وهو ضعيف، وهو في الطبراني أيضا، وأما حديث ابن عباس، فرواه العقيلي، في ترجمة نافع أبي هرمز، وهو ضعيف، وهو في الطبراني أيضا، وأما حديث عبد الله بن عكبرة فرواه الطبراني في الصغير، ولفظه، عن عبد الله بن عكبرة، وكانت له صحبه قال: «التخليل سنة» وفيه عبد الكريم أبو أمية، وهو ضعيف، وأما حديث أبي الدرداء: فرواه الطبراني، وابن عدي بلفظ «توضأ فخلل لحيته مرتين، وقال هكذا أمرني ربي» وفي إسناده تمام بن نجيح، وهو لين الحديث اهـ تلخيص الحبير بتقديم وتأخير جـ ١/ ص ٨٥ - ٨٧. قال الحافظ: فائدة: قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس في تخليل اللحية شيء صحيح، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لا يثبت عن النبي - ﷺ - في تخليل اللحية شيء اهـ تلخيص. قال الشوكاني: ولكنه يعارض هذا تصحيح الترمذي، والحاكم، وابن القطان لبعض أحاديث الباب، وكذلك غيرهم اهـ. نيل جـ ١/ ص ٢٢٥. قال الجامع عفا الله عنه: الحق أن أحاديث الباب بمجموعها ترتقي إلى درجة الصحيح أو الحسن، وقد صححها العلامة الألباني في الإرواء جـ ١/ ص ١٣٠. والحاصل أنها تصلح للاحتجاج بها، لكنها كما قال الشوكاني: بعد تسليم انتهاضها للاحتجاج، وصلاحيتها للاستدلال لا تدل على الوجوب، لأنها أفعال، وما ورد في بعض الروايات من قوله - ﷺ - «هكذا أمرني ربي» لا يفيد الوجوب على الأمة لظهوره في الاختصاص به، وهو يتخرج على الخلاف المشهور في الأصول، هل يعم الأمة ما كان ظاهرا الاختصاص به أم لا؟ والفرائض لا تثبت إلا بيقين، والحكم على ما لم يفرضه الله بالفرضية كالحكم على ما فرضه بعدمها، لا شك في ذلك، لأن كل واحد منهما من التقول على الله بما لم يقل. ولا شك أن الغَرْفَة الواحدة لا تكفي كث اللحية لغسل وجهه، وتخليل لحيته، ودفعه كما قال بعضهم بالوجدان مكابرة منه، نعم الاحتياط والأخذ بالأوثق لا شك في أولويته، لكن بدون مجاراة على الحكم بالوجوب اهـ نيل جـ ١/ ص ٢٢٦. قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن تخليل اللحية مستحب لثبوت الأحاديث الدالة عليه، وأما إثبات الوجوب فمحل نظر، والله أعلم. المسألة السابعة: قوله «ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق» الخ. فيه دلالة على مشروعية غسل اليدين، قال العلامة ابن رشد في بدايته: اتفق العلماء على أن غسل اليدين والذراعين من فروض الوضوء لقوله تعالي ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: آية ٦]. واختلفوا في إدخال المرافق فيها، فذهب الجمهور، ومالك والشافعي، وأبو حنيفة إلى وجوب إدخالها، وذهب بعض أهل الظاهر، وبعض متأخري أصحاب مالك، والطبري إلى أنه لا يجب إدخالها في الغسل. قال الجامع: وممن قال بهذا القول زفر من الحنفية، قال ابن رشد: والسبب في اختلافهم في ذلك الاشتراك الذي في حرف «إلى»، وفي اسم اليد في كلام العرب، وذلك أن حرف «إلى» مرة يدل في كلام العرب على الغاية، ومرة يكون بمعنى «مع». واليد أيضا في كلام العرب تطلق على ثلاثة معان على الكف فقط، وعلى الكف والذراع، وعلى الكف والذراع والعضد، فمن جعل «إلى» بمعنى «مع» أو فهم من اليد مجموع الثلاثة الأعضاء أوجب دخولها في الغسل، ومن فهم من «إلى» الغاية، ومن اليد ما دون المرفق ولم يكن الحد عنده داخلا في المحدود لم يدخلها في الغسل. وخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أنه غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم اليسرى كذلك، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل اليسرى كذلك، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ«وهو حجة لقول من أوجب إدخالها في الغسل، لأنه إذا تردد اللفظ بين المعنيين على السواء وجب أن لا يصار إلى أحد المعنيين إلا بدليل. وإن كانت«إلى»في كلام العرب أظهر في معنى الغاية منها في معنى«مع»، وكذلك اسم اليد أظهر فيما دون العضد منه فيما فوق العضد، فقول من لم يدخلها من جهة الدلالة اللفظية أرجح، وقول من أدخلها من جهة هذا الأثر أبين، إلا أن يحمل هذا الأثر على الندب، والمسألة محتملة كما ترى، وقد قال قوم: إن الغاية إذا كانت من جنس ذي الغاية دخلت فيه، وإن لم تكن من جنسه لم تدخل فيه اهـ بداية المجتهد جـ ١/ ص ١١ - ١٢. وقال النووي ﵀: ذكر ابن قتيبة، والأزهري، وآخرون من أهل اللغة، والفقهاء في كيفية الاستدلال بالآية كلاما مختصره: إن جماعة من أهل اللغة منهم أبو العباس ثعلب، وآخرون، قالوا «إلى» بمعنى «مع»، وقال أبو العباس المبرد، وأبو إسحاق الزجاج وآخرون «إلى» للغاية، وهذا هو الأصح الأشهر، فإن كانت بمعنى «مع» فدخول المرفق ظاهر، وإنما لم يدخل العضد للإجماع، وإن كانت للغاية فالحد يدخل في المحدود إذا كان التحديد شاملا للحد والمحدود، كقولك قطعت أصابعه من الخنصر إلى المسبحة، أو بعت هذه الأشجار من هذه إلى هذه، فإن الأصبعين والشجرتين داخلات في القطع والبيع بلا شك لشمول اللفظ، ويكون المراد بالتحديد في مثل هذا إخراج ما وراء الحد مع بقاء الحد داخلا، فكذا هنا اسم اليد شامل من أطراف الأصابع إلى الإبط، ففائدة التحديد بالمرافق إخراج ما فوق المرفق مع بقاء المرفق. ثم ذكر النووي حديث أبي هريرة المتقدم، وقال: وفعله بيان للوضوء المأمور به، ولم ينقل تركه ذلك، اهـ المجموع جـ ١/ ص ٣٨٥. وقال الشوكاني: واستدل لغسلهما أيضا بحديث «أنه - ﷺ - أدار الماء على مرفقيه، ثم قال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» عند الدارقطني، والبيهقي من حديث جابر مرفوعا، وفيه القاسم بن محمَّد ابن عبد الله بن عقيل، وهو متروك، وقال أبو زرعة: منكر، وضعفه أحمد، وابن معين، وانفرد ابن حبان بذكره في الثقات، ولم يلتفت في ذلك إليه، وصرح بضعف هذا الحديث المنذري، وابن الجوزي، وابن الصلاح، والنووي، وغيرهم. وذكر ما تقدم من حديث أبي هريرة، لكن قال: وفيه أنه فعل لا ينتهض بمجرده للوجوب، وأجيب بأنه بيان للمجمل، فيفيد الوجوب، ورد بأنه لا إجمال، لأن «إلى» حقيقة في انتهاء الغاية مجاز في معنى «مع»، وقد حقق الكلام في ذلك الرضي في شرح الكافية، وغيره فليرجع إليه، واستدل أيضا لذلك أنه من مقدمة الواجب فيكون واجبا، وفيه خلاف في الأصول معروف اهـ نيل جـ ١/ ص ٢١٤. قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح عندي القول بوجوب دخولهما، لأن الراجح أن الآية مجملة، وفعله - ﷺ - بيان، فيكون ما فعله واجبًا إلا بدليل كعدم وجوب التثليث، ونحوه، والحاصل أن الراجح دخولهما كما تقدم تقريره في كلام النووي ﵀. وقال الإمام أبو جعفر الطبري في تفسيره: والصواب من القول في ذلك عندنا: أن غسل اليدين إلى المرفقين من الفرض الذي إن تركه، أو شيئا منه تارك لم تجز الصلاة مع تركه غسله، فأما المرفقان وما وراءهما فإن غسل ذلك من الندب الذي ندب إليه - ﷺ - أمته بقوله «أمتي الغر المحجلون من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل» فلا تفسد صلاة تارك غسلهما، وغسل ماوراءهما لما قد بينا قبلُ فيما مضى من أن كل غاية بإلي، فقد تحتمل في كلام العرب دخول الغاية في الحد وخروجها منه، وإذا احتمل الكلام ذلك لم يجز لأحد القضاء بأنها داخلة فيه إلا لمن لا يجوز خلافه فيما بَيَّنَ وحَكَم، ولا حكم بأن المرفق داخلة فيما يجب غسله عندنا ممن يجب التسليم بحكمه اهـ كلام ابن جرير جـ ٦/ ص ١٢٤. قال الجامع: بلى عندنا حُكْم يجب تسليمه وهو فعله - ﷺ - الواقع بيانا لمجمل الأمر في الآية، وقد قال أهل اللغة بدخول الغاية في المغيا، لقرينة، وهنا القرينة في دخولها فعله المبين للمجمل فتبصر. والله أعلم. فائدة: قال في المصباح: إنما جمع المرفق في الآية لأن العرب إذا قابلت جمعا حملت كل مفرد من هذا على كل مفرد من هذا، وعليه قوله تعالي ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: آية ١٠٢] ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] أي وليأخذ كل واحد سلاحه، ولا ينكح كل واحد ما نكح أبوه من النساء، ولذلك إذا كان للجمع الثاني متعلق واحد، فتارة يفردون المتعلق باعتبار وحدته بالنسبة إلى إضافته إلى متعلقه نحو ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] أي خذ من كل مال واحد منهم صدقة، وتارة يجمعونه ليتناسب اللفظ بصيغ الجموع قالوا: ركب الناس دوابهم برحالها وأرسانها، أي ركب كل واحد دابته برحلها ورسنها، ومنه قوله تعالى ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] أي وليغسل كل واحد كل يد إلى مرفقها، لأن لكل يد مرفقا واحدا، وإن كان له متعلقان ثنوا المتعلق في الأكثر قالوا: وطئنا بلادهم بطرفيها، أي كل بلدة بطرفيها، ومنه قوله تعالى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ وجاز الجمع، فيقال بأطرافها، وغَسَلُوا أرجلهم إلى الكعاب، أي مع كل كعب اهـ جـ ١/ ص ٢٣٣ - ٢٣٤. المسألة الثامنة: قوله «ثم مسح برأسه» قال ابن رشد: اتفق العلماء على أن مسح الرأس من فروض الوضوء، واختلفوا في القدر المجزئ منه، فذهب مالك إلى أن الواجب مسحه كله. وذهب الشافعي، وبعض أصحاب مالك، وأبو حنيفة إلى أن مسح بعضه هو الفرض، ومن أصحاب مالك من حد هذا البعض بالثلث، ومنهم من حَدَّ بالثلثين، وأما أبو حنيفة فحده بالربع، وحد مع هذا القدر من اليد الذي يكون به المسح، فقال: إن مسحه بأقل من ثلاثة أصابع لم يجزه. وأما الشافعي فلم يحد في الماسح، ولا في الممسوح حدا. وأصل هذا الاختلاف في الاشتراك الذي في الباء في كلام العرب، وذلك أنها مرة تكون زائدة مثل قوله تعالى ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] على قراءة تنبت بضم التاء وكسر الباء من أنبت، ومرة تدل على التبعيض مثل قول القائل: أخذت بثوبه، وبعضده، ولا معنى لإنكار هذا في كلام العرب، أعني كون الباء مبعضة، وهو قول الكوفيين من النحويين، فمن رآها زائدة أوجب مسح الرأس كله، ومعنى الزائدة ها هنا كونها مؤكدة، ومن رآها مبعضة أوجب مسح بعضه، وقد احتج من رجح هذا المفهوم بحديث المغيرة «أن النبي - ﷺ - توضأ فمسح بناصيته وعمامته» أخرجه مسلم، وإن سلمنا أن الباء زائدة بقي ها هنا أيضا احتمال آخر، وهو هل الواجب الأخذ بأوائل الأسماء، وأواخرها. اهـ بداية المجتهد جـ ١/ ص ١٢. وقال الشوكاني: والحديث -يعني حديث عبد الله بن زيد- يدل على مشروعية مسح جميع الرأس، وهو مستحب باتفاق العلماء، قاله النووي، وعلل ذلك بأنه طريق إلى استيعاب الرأس، ووصول الماء إلى جميع شعره، وقد ذهب إلى وجوبه أكثر العترة، ومالك، والمزني، والجبائي، وإحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل، وابن علية، وقال الشافعي: يجزئ مسح بعض الرأس، ولم يحده بحد. قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي: وهو قول الطبري، وقال أبو حنيفة: الواجب الربع، وقال الثوري، والأوزاعي، والليث: يجزئ مسح بعض الرأس، ويمسح المقدم، وهو قول أحمد، وزيد بن علي، والناصر، والباقر، والصادق. وأجاز الثوري، والشافعي، مسح الرأس بأصبع واحدة. واختلفت الظاهرية، فمنهم من أوجب الاستيعاب، ومنهم من قال: يكفي البعض. احتج الأولون بحديث عبد الله بن زيد الآتي، وبحديث «أنه مسح برأسه حتى بلغ القذال» عند أحمد، وأبي داود، من حديث طلحة بن مصرف، ورد بأن الفعل بمجرده لا يدل على الوجوب، وفي حديث طلحة بن مصرف مقال. قالوا: قال الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] والرأس حقيقة اسم لجميعه، والبعض مجاز، ورد بأن الباء للتبعيض، وأجيب بأنه لم يثبت كونها للتبعيض، وقد أنكره سيبويه في خمسة عشر موضعا من كتابه. ورد أيضا بأن الباء تدخل في الآلة، والمعلوم أن الآلة لا يراد استيعابها كمسحت رأسي بالمنديل، فلما دخلت الباء في الممسوح كان ذلك الحكم: أعني عدم الاستيعاب في الممسوح أيضًا. قاله التفتازاني. قالوا: جعله جار الله مطلقا، وحكم على المطلق بأنه مجمل، وبينه النبي - ﷺ - بالاستيعاب، وبيان المجمل الواجب واجب، ورد بأن المطلق ليس بمجمل، لصدقه على الكل والبعض، فيكون الواجب مطلق المسح كلا أو بعضا، وأيا ما كان وقع به الامتثال، ولو سلم أنه مجمل لم يتعين مسح الكل، لورود البيان بالبعض عند أبي داود من حديث أنس بلفظ «أنه - ﷺ - أدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة» وعند مسلم، وأبي داود، والترمذي، من حديث المغيرة بلفظ «أنه - ﷺ - توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة». قالوا: قال العلامة ابن القيم: إنه لم يصح عن النبي - ﷺ - في حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة، ولكن كان إذا مسح بناصيته أكمل على العمامة قال: وأما حديث أنس فمقصود أنس أن النبي - ﷺ - لم ينقض عمامته حتى يستوعب مس الشعر كله، ولم ينف التكميل على العمامة، وقد أثبته حديث المغيرة، فسكوت أنس عنه لا يدل على نفيه، وأيضا قال الحافظ: إن حديث أنس في إسناده نظر، وأجيب بأن النزاع في الوجوب وأحاديث التعميم وإن كانت أصح، وفيها زيادة، وهي مقبولة، لكن أين دليل الوجوب، وليس إلا مجرد أفعال، ورد بأنها وقعت بيانا للمجمل، فأفادت الوجوب، وذكر الشوكاني كلاما فيه مناقشة مع من أوجب التعميم، ولكن تركته لعدم جدواه. قال الجامع عفا الله عنه: الإنصاف أن الآية من قبيل المجمل، كما حققه الزمخشري، وابن الحاجب في مختصره، والزركشي كما عزاه إليهم الشوكاني، والله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] وما ينقطع هذا النزاع إلا بالرد إلى بيان الرسول - ﷺ -. وهو لم يمسح إلا على جميع رأسه، إما مباشرة، أو على ما عليه من العمامة، ففعله بيان للآية، قال تعالى ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. فظهر بهذا أن الحق مع من أوجب التعميم، والله أعلم. وسنذكر الآية الواردة في المسح في بابه إن شاء الله تعالى. المسألة التاسعة: في قوله «ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثا» الخ. يستفاد منه وجوب غسل القدمين، وهو مذهب الجمهور. قال النووي ﵀: اختلف الناس على مذاهب، فذهب جميع الفقهاء من أهل الفتوى في الأعصار والأمصار إلى أن الواجب غسل القدمين مع الكعبين، ولا يجزئ مسحهما، ولا يجب المسح مع الغسل، ولم يثبت عن أحد من الصحابة، خلاف ذلك إلا عن علي وابن عباس وأنس، وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك. قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله - ﷺ - على غسل القدمين، رواه سعيد بن منصور، وادعى الطحاوى، وابن حزم أن المسح منسوخ، وقالت الإمامية: الواجب مسحهما. وقال محمَّد بن جرير الطبري، والجبائي، والحسن البصري: إنه مخير بين الغسل والمسح. وقال بعض أهل الظاهر: يجب الجمع بين الغسل والمسح، واحتج من لم يوجب غسل الرجلين بقراءة الجر في قوله ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وهو عطف على قوله ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ قالوا: وهي قراءة صحيحة سبعية مستفيضة، والقول بالعطف على غسل الوجوه، وإنما قرئ بالجر للجوار، وقد حكم بجوازه جماعة من أئمة الإعراب، كسيبويه، والأخفش، لا شك أنه قليل نادر مخالف للظاهر، لا يجوز حمل المتنازع فيه عليه. قلنا: أوجب الحمل عليه مداومته - ﷺ - على غسل الرجلين، وعدم ثبوت المسح عنه من وجه صحيح، وتَوَعُّده على المسح بقوله «ويل للأعقاب من النار» ولأمره بالغسل كما ثبت في حديث جابر عند الدارقطني بلفظ «أمرنا رسول الله - ﷺ - إذا توضأنا للصلاة أن نغسل أرجلنا» ولثبوت ذلك من قوله - ﷺ - كما في حديث عمرو بن عبسة وأبي هريرة «ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه» الحديث أخرجه مسلم وغيره. ولقوله - ﷺ - بعد أن توضأ وضوءا غسل قدميه فيه «فمن زاد على هذا أو نقص، فقد أساء وظلم» أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة من طرق صحيحة، وصححه ابن خزيمة، ولا شك أن المسح بالنسبة إلى الغسل نقص، وبقوله للأعرابي «توضأ كما أمرك الله» ثم ذكر له صفة الوضوء، وفيها غسل الرجلين، وبإجماع الصحابة على الغسل، فكانت هذه الأمور موجبة لحمل تلك القراءة على ذلك الوجه النادر. قالوا: أخرج أبو داود من حديث أوس بن أبي أوس الثقفي «أنه رأى رسول الله - ﷺ - أتى كظامة قوم، فتوضأ ومسح على نعله وقدميه» قلنا: في رجال إسناده يعلي بن عطاء، عن أبيه، وقد أعله ابن القطان بالجهالة في عطاء، وبأن في الرواة من يرويه عن أوس بن أبي أوس، عن أبيه، فزيادة «عن أبيه» توجب كون أوس من التابعين، فيحتاج إلى النظر في حاله، وأيضا في إسناده هشيم عن يعلى، قال أحمد: لم يسمع هشيم هذا من يعلى مع ما عرف من تدليس هشيم، ويمكن الجواب عن هذه بأنه وثق عطاء هذا أبو حاتم، وذكر أوس بن أبي أوس أبو عمر بن عبد البر في الصحابة، وبأن هشيما قد صرح بالتحديث عن يعلى في رواية سعيد بن منصور، فأزال إشكال عنعنة هشيم، ولكنه قال أبو عمر في ترجمة أوس بن أبي أوس: وله أحاديث منها في المسح على القدمين، وفي إسناده ضعف، فلا يكون الحديث مع هذا حجة، لا سيما بعد تصريح أحمد بعدم سماع هشيم من يعلى. قالوا: أخرج الطبراني عن عباد بن تميم، عن أبيه، قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ ويمسح على رجليه» قلنا: قال أبو عمر: في صحبة تميم هذا نظر، وضعف حديثه المذكور. قالوا: أخرج الدارقطني عن رفاعة بن رافع مرفوعا بلفظ «لا تتم صلاة أحدكم» وفيه «ويمسح برأسه ورجليه» قلنا: إن صح فلا ينتهض لمعارضة ما أسلفنا، فوجب تأويله لمثل ما ذكر في الآية. قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي: قال الحازمي بعد ذكره حديث أوس بن أبي أوس المتقدم من طريق يحيى بن سعيد: لا يعرف هذا الحديث مجودا متصلا إلا من حديث يعلى، وفيه اختلاف، وعلى تقدير ثبوته ذهب بعضهم إلى نسخه، ثم أورده من طريق هشيم، وفي آخره قال هشيم: كان هذا في أول الإسلام. وأما الموجبون للمسح، وهم الإمامية، فلم يأتوا مع مخالفتهم للكتاب والسنة المتواترة قولا وفعلا بحجة نيرة، وجعلوا قراءة النصب عطفا على محل قوله ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ ومنهم من يجعل الباء الداخلة على روس زائدة، والأصل امسحوا رؤسكم وأرجلكم، وما أدري بماذا يجيبون على الأحاديث المتواترة؟ اهـ نيل جـ ١/ ص ٢٥٢ - ٢٥٤. المسألة العاشرة: مما يستفاد من هذا الحديث: استحباب الركعتين بعد الوضوء، ويفعل ذلك في كل وقت، واختلفوا في أوقات النهي، فأباحها الشافعية، ومنعها الحنفية، وقالت المالكية: ليست هذه من السنن، وقالت الشافعية: هل تحصل هذه الفضيلة بركعة؟ الظاهر المنع قاله العيني. ومنها: إثبات حديث النفس وهو مذهب أهل الحق، قاله العيني. ومنها: أن الثواب الموعود به مرتب على أمرين: الأول: وضوءه على النحو المذكور، والثاني: صلاته ركعتين عقبه بالصفة المذكورة في الحديث، والمرتب على مجموع أمرين لا يلزم ترتبه على أحدهما إلا بدليل خارج، وقد يكون للشيء فضيلة بوجود أحد جزئيه فيصح كلام من أدخل هذا الحديث في فضل الوضوء فقط لحصول مطلق الثواب، لا الثواب المخصوص المترتب على مجموع الوضوء على النحو المذكور، والصلاة الموصوفة بالوصف المذكور، قاله البدر العيني، جـ ٢/ ص ٣٠٥. ومنها: الترتيب في أفعال الوضوء، وقد اختلف العلماء فيه، فمنهم من رآه سنة، وهم الحنفية، ومنهم من رآى الترتيب في المفروض دون المسنون، كالمضمضة، والاستنشاق، وهو مذهب مالك، قال العيني: واختلف أصحابه في الترتيب على ثلاثة أقوال: الوجوب، والندب، وهو المشهور عندهم والاستحباب، ومنهم من أوجبه: وهم الشافعية، وخالفهم المزني، فقال: لا يجب، واختاره ابن المنذر والبندنيجي، وحكاه البغوي عن أكثر المشايخ، وحكاه قولا قديما وعزاه إلى صاحب التقريب، وقال إمام الحرمين: لم ينقل أحد قط أنه - ﷺ - نكس وضوءه، فاطرد الكتاب والسنة على وجوب الترتيب، قاله العيني جـ ٢/ ص ٣٠٥. قال الجامع: وهذا القول هو الراجح عندي لوضوح دليله. والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
مصادر المؤلف (٤)

١. وفي نسخة«أخبرنا».

٢. لعل أبا عبيد وأبا ثور وابن المنذر لهم مذهبان لما يأتي بَعدُ.

٣. لعله أبو الحسن.

٤. هكذا في التلخيص عكبرة بهاء التأنيث، والذي في مشتبه الذهبي والقاموس: عكبر بلا هاء كجعفر، وقيل فيه غيره، انظر التاج.