ويقال: إنما سمي به التمسح بالجمار التي هي الأحجار الصغار، لأنه يطيب المحل كما يطيبه الاستجمار بالبخور، ومنه سميت جمار الحج، وهي الحصيات التي يُرمى بها اهـ عمدة جـ ٢/ ص ٣٠٩.
(فليوتر) أي فليجعل الحجارة التي يستنجى بها وترا، ثلاثا، لا أقل لما ورد من النهي في حديث سلمان ﵁، عن النبي - ﷺ -، قال: «ولا يستنج أحدكم بأقل من ثلاثة أحجار» رواه مسلم، وتقدم نحوه للمصنف في «باب النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار» ٣٧/ ٤١.
وبهذا أخذ الشافعي، وأحمد، وأصحاب الحديث، فاشترطوا أن لا ينقص من الثلاثة مع مراعاة الإنقاء، إذا لم يحصل بها فيزاد حتى ينقى، لكن يستحب مع ذلك الإيتار، لقوله «ومن استجمر فليوتر» وليس بواجب لزيادة في أبي داود حسنة الإسناد، قال: «ومن لا فلا حرج» وبهذا يحصل الجمع بين الروايات، في هذا الباب، قاله في الفتح.
قال الجامع عفا الله عنه: وهذا المذهب هو الراجح، للجمع بين الأدلة، وقد قدمنا مذاهب العلماء بأدلتها، وترجيح ما هو الراجح في الباب السابع والثلاثين «باب النهي عن الاكتفاء» الخ ٣٧/ ٤١ والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
…
٨٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَاسْتَنْثِرْ وَإِذَا اسْتَجْمَرْتَ فَأَوْتِرْ».
رجال الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفي أبورجاء البغلاني ثقة ثبت [١٠] تقدم في ١/ ١.
٢ - (حماد) بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي، أبو إسماعيل البصري الأزرق مولى آل جرير بن حازم، قال ابن منجويه، وابن حبان: كان ضريرًا، روى عن ثابت البناني، وأنس بن سيرين، وعبد العزيز بن صهيب، وعاصم الأحول، ومحمد بن زياد القرشي، وأبي جمرة الضبعي، والجعد أبي عثمان، وأبي حازم سلمة بن دينار، وشعيب بن الحبحاب، وصالح بن كيسان، وعبد الحميد صاحب الزيادي، وأبي عمران الجوني، وعمرو بن دينار، وهشام بن عروة، وعبيد الله بن عمر، وغيرهم من التابعين، فمن بعدهم.
وعنه ابن المبارك، وابن مهدي، وابن وهب، والقطان، وابن عيينة، وهو من أقرانه، والثوري، وهو أكبر منه، وإبراهيم بن أبي عَبْلَة، وهو في عداد شيوخه، ومسلم بن إبراهيم، وعارم، ومسدد، ومؤمل بن إسماعيل، وأبو أسامة، وسليمان بن حرب، وعفان، وعمرو بن عوف، وعلي بن المديني، وقتيبة، ومحمد بن زنبور المكي، وأبو الأشعث: أحمد بن المقدم العجلي، وخلق كثير آخرهم الهيثم بن سهل التستري مع ضعفه.
قال رسْتَه: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: أئمة الناس في زمانهم أربعة: سفيان الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز،، والأوزاعي بالشام، وحماد بن زيد بالبصرة، وقال ابن مهدي: ما رأيت أعلم من هؤلاء فذكرهم سوى الأوزاعي، وقال فطر بن حماد: دخلت على
مالك، فلم يسألني عن أحد من أهل البصرة إلا عن حماد بن زيد، وقال ابن مهدي: لم أر أحدا أعلم بالسنة، ولا بالحديث الذي يدخل في السنة من حماد بن زيد، وقال أبو حاتم: قال ابن مهدي: ما رأيت أحدا بالبصرة أفقه من حماد بن زيد، وقال محمد بن المنهال الضرير: سمعت يزيد بن زريع، وسئل: ما تقول في حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، أيهما أثبت؟ قال: حماد بن زيد، وكان الآخر رجلا صالحا، وقال وكيعِ: وقيل له أيهما أحفظ؟ فقال: حماد بن زيد، ما كنا نشبهه إلا بمسْعَر، وقال يحيى بن يحيى النيسابوري: ما رأيت أحفظ منه، وقال أحمد بن حنبل: حماد بن زيد أحب إلينا من عبد الوارث، حماد من أئمة المسلمين من أهل الدين والإسلام، وهو أحب إلى من حماد بن سلمة، وقال يحيى بن معين: حماد بن زيد أثبت من عبد الوارث، وابن عُليَّة، والثقفي، وابن عيينة.
وقال أيضا: ليس أحد أثبت في أيوب منه، وقال أيضا: من خالفه من الناس جميعا، فالقول قوله في أيوب، وقال أبو زرعة: حماد بن زيد أثبت من حماد بن سلمة بكثير، وأصح حديثا وأتقن.
وقال أبو عاصم: مات حماد يوم مات ولا أعلم له في الإسلام نظيرا في هيئته، ودلِّه، وقال خالد بن خدَاش: كان من عقلاء الناس، وذوي الألباب، وقال يزيد بن زريع يوم مات: اليوم مات سيد المسلمين، وقال محمد بن سعد: كان عثمانيا وكان ثقة ثبتا حجة كثير الحديث، وقال أبو زرعة: سمعت أبا الوليد يقول: ترون حماد بن زيد دون شعبة في الحديث؟ وقال عبد الله بن معاوية الجمحي: حدثنا حماد بن سلمة بن دينار، وحماد بن زيد بن درهم، وفضل ابن سلمة على ابن زيد كفضل الدينار على الدرهم، وقال ابن حبان في الثقات: وقد وَهمَ من زعم أن بينهما كما بين الدينار والدرهم، إلا أن يكون القائل أراد فضل ما
بينهما مثل الدينار والدرهم في الفضل والدين؛ لأن حماد بن سلمة كان أفضل وأدين، وأورع من حماد بن زيد.
قال خالد بن خداش: ولد سنة ٩٨، وقال عارم، وجماعة: مات في رمضان سنة ١٧٩، قال الحافظ: وقال يعقوب بن شيبة: حماد بن زيد أثبت من ابن سلمة، وكل ثقة، غير أن ابن زيد معروف بأنه يقصر في الأسانيد، ويوقف المرفوع كثير الشك بتوقيه، وكان جليلا، لم يكن له كتاب يرجع إليه، فكان أحيانا يذكر فيرفع الحديث، وأحيانا يهاب الحديث ولا يرفعه، وكان يعد من المتثبتين في أيوب خاصة، حدثني الحارث بن مسكين عن ابن عيينة، قال: لربما رأيت الثوري جاثيا بين يدي حماد بن زيد، وقال ابن أبي خيثمة: سأل إنسان عبيد الله بن عمر، كان حماد أميا؟ قال: أنا رأيته، وأتيته يوم مطر، فرأيته يكتب، ثم ينفخ فيه ليجف، قال: وسمعت يحيى يقول لم يكن أحد يكتب عند أيوب إلا حماد.
قال الحافظ: فهذا يدل على أن العمى طرأ عليه، وقال الخليلي: ثقة ثبت متفق عليه رضيه الأئمة، وقال: والمعتمد في حديث يرويه حماد ويخالفه غيره عليه والمرفوع إليه، وقال ابن أبي حاتم في المراسيل عن أبيه لم يسمع من أبي المهزم شيئا، أخرج له الجماعة، وفي «ت» ثقة ثبت فقيه من كبار الثامنة.
٣ - (منصور) بن المعتمر بن عبد الله بن ربيعة، وقيل المعتمر بن عتاب بن فرقد السلمي، أبو عتاب الكوفي.
روى عن أبي وائل، وزيد بن وهب، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، وربعي بن حراش، وتميم بن سلمة، وخيثمة بن عبد الرحمن،
وذَرّ بن عبد الله المُرْهبي، وسعد بن عبيدة، وسعيد بن جبير، وأبي حازم الأشجعي، وطلحة بن مصرف، وعبد الله بن مرة، ومجاهد، وأبي الضحى، والمسيب بن رافع، والمنهال بن عمرو، وهلال بن
يساف، وأبي عثمان التبان، وعبد الله بن يسار الجهني، وعلي بن الأقمر، وخلق.
وعنه أيوب، وحصين بن عبد الرحمن، والأعمش، وسليمان التيمي، وهم من أقرانه، والثوري، وشعبة، ومسعر، وشيبان، وزهير بن معاوية، وإسرائيل، وعلي بن صالح، وروح بن القاسم، وعمار بن رُزَيق، ووهيب، والجراح بن مليح، وأبو الأحوص، وسفيان بن عيينة، وعَبيدة بن حُميد، وجرير بن عبد الحميد، وعبد العزيز بن عبد الصمد العمي، وزياد بن عبد الله البكائي وآخرون.
قال الآجري عن أبي داود: كان منصور لا يروي إلا عن ثقة، وقال علي بن المديني عن يحيى بن سعيد: قال سفيان: كنت لا أحدث الأعمش عن أحد من أهل الكوفة إلا رده، فإذا قلت: منصور سكت، قلت ليحيى: منصور، عن مجاهد، أحب إليك، أم ابن أبي نجيح؟ قال: منصور أثبت، ثم قال: ما أحد أثبت عن مجاهد، وإبراهيم، عن منصور، وقال حجاج، عن شعبة، عن منصور: ما كتبت حديثا قط، وقال عبد الرزاق عن ابن عيينة قال لي الثوري: رأيت منصورًا، وعبد الكريم الجزري، وأيوب، وعمرو بن دينار، فهؤلاء الأعين الذين لا يشك فيهم، وقال بشر بن المفضل: لقيت الثوري بمكة، فقال: ما بالكوفة آمن على الحديث من منصور، وقال: أحمد بن سنان القطان، عن ابن مهدي: أربعة بالكوفة لا يختلف في حديثهم، فمن اختلف عليهم فهو مخطئ، ليس هو منهم، منهم: ابن المعتمر، وقال الأثرم عن أحمد: منصور أثبت من إسماعيل بن أبي خالد، وقال صالح بن
أحمد: قلت لأبي: إن قوما يقولون: منصور أثبت في الزهري، عن مالك، قال: هؤلاء جهال، منصور إذا نزل إلى المشايخ اضطرب، وقال عبد الله بن أحمد: سالت أبي من أثبت الناس في إبراهيم؟ قال: الحكم، ثم منصور.
وقال عباس عن ابن معين. منصور أحب إلى من حبيب بن أبي ثابت، ومن عمرو بن مرة، ومن قتادة، قيل ليحى: فأيوب؟ قال: هو نظيره عندي.
وقال عثمان الدارمي: قلت ليحيى: أبو معشر أحب إليك، عن إبراهيم، أو منصور؟ فقال: منصور خير منه، قلت: الأعمش عن إبراهيم، أحب إليك، أو منصور؟ فقال: منصور، قلت: فالحكم أو منصور؟ قال: منصور، قلت: فمنصور أو المغيرة؟ قال: منصور، وقال ابن أبي خيثمة: سمعت يحيى بن معين، وأبي حاضرٌ يقول: إذا اجتمع منصور والأعمش، فقدم منصورًا.
وقال أيضًا: سمعت يحيى يقول: منصور أثبت من الحكم، ومنصور بن المعتمر من أثبت الناس، وقال أيضا: رأيت في كتاب علي ابن المديني، وسئل أي أصحاب إبراهيم أعجب إليك؟ قال: إذا حدثك عن منصور ثقة فقد ملأت يديك، ولا تريد غيره، وقال عبدان: سمعت أبا حمزة يقول: دخلت إلى بغداد فرأيت جميع من بها يثني على منصور، وقال وكيع، عن سفيان: إذا جاءت المذاكرة جئنا بكل، وإذا
جاء التحصيل جئنا بمنصور، وقال عبد الرزاق: حدث سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، فقال: هذا لشرف على الكرسي.
وقال أبو زرعة، عن إبراهيم بن موسى: أثبت أهل الكوفة منصور، ثم مسعر.
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن منصور؟ فقال: ثقة، قال: وسئل أبي عن الأعمش ومنصور؟ فقال: الأعمش حافظ يخلط، ويدلس، ومنصور أتقن، لا يخلط، ولا يدلس، وقال العجلي: كوفي ثقة ثبت في الحديث، كان أثبت أهل الكوفة، وكان حديثه القدح لا يختلف فيه أحد، متعبد رجل صالح أكره على القضاء شهرين، وكان فيه تشيع قليل، ولم يكن بغَال، وكان قد عمش من البكاء وصام ستين
سنة، وقامها، وقالت فتاة لأبيها: يا أبت الأسطوانة التي كانت في دار منصور ما فعلت؟ قال: يا بنيه ذاك منصور يصلي بالليل فمات.
قال ابن سعد، وخليفة في آخرين مات سنة ١٣٢، أخرج له الجماعة، وفي «ت» ثقة ثبت من طبقة الأعمش.
٤ - (هلال بن يساف) بكسر التحتانية ثم مهملة ثم فاء، ويقال ابن إساف الأشجعي مولاهم الكوفي أدرك عليا، وروى عن الحسن بن علي، وأبي الدرداء، وأبي مسعود الأنصاري، وسعيد بن زيد، وسمرة ابن جندب، وسالم بن عبد الله الأشجعي، وسلمة بن قيس، وسويد بن مُقَرِّن، وعمران بن حصين، ووابصة بن مَعْبَد، وعائشة، والبراء بن عازب، وفَرْوَة بن نوفل، وعمرو بن ميمون، والربيع بن عَميلة،
وعبد الله بن ظالم، وضمضم أبي المثنى الأملوكي، وأبي يحيى الأعرج، وجماعة.
وعنه أبو إسحاق السبيعي، والأعمش، وسلمة بن كهيل، وعبدة ابن أبي لبابة، ومنصور بن المعتمر، وعلي بن المدرك، وعبد الأعلى بن ميسرة، وحصين بن عبد الرحمن، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقة، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات.
قال الحافظ: وقال ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل الكوفة: وكان ثقة كثير الحديث، وقال ابن أبي حاتم: قال يحيى بن سعيد القطان: أنكر أن يكون هلال بن يساف سمع من أبي مسعود، قال: وقال أبي: هلال بن يساف، عن عمر مرسل، وقال أبو زرعة: لم يلق حذيفة، وقال أبو حاتم: منهم من يدخل بين هلال، ووابصة، عمرو بن راشد.
وأما قول المصنّف -يعني المزي-: أدرك عليا، وروى عن أبي الدرداء، فعجيب؛ لأن أبا الدرداء مات قبل علي، فلا معنى لقوله حينئذ أدرك عليا؛ لأنه إن صح سماعه من أبي الدرداء، وَمَا إخَاله صحيحا لكان مدركا لعثمان، فضلا عن علي، علق له البخاري، وأخرج له الباقون، وفي «ت» ثقة من الثالثة.
٥ - (سلمة بن قيس) الأشجعي الغطفاني، له صحبة وسكن الكوفة. روى عن النبي - ﷺ - في الوضوء، وعنه هلال بن يساف، وأبو إسحاق السبيعي.
وذكر أبو الفتح الأزدي، وأبو صالح المؤذن، أن هلالا تفرد بالرواية عنه، وقال أبو القاسم البغوي: روى ثلاثة أحاديث، وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح أن عمر استعمله على بعض مغازي فارس، أخرج له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كوفيون إلا قتيبة، فبغلاني، وحمادًا فبصري.
ومنها: أن صحابيه من المقلين ليس له في الكتب الستة إلا هذا
الحديث المذكور في الباب عند المصنّف، والترمذي، وابن ماجه، وقد مر آنفًا أنه روى ثلاثة أحاديث، وأنه ممن انفرد بالرواية عنه هلالٌ على ما قاله بعضهم.
ومنها: أن فيه الإخبار والتحديث والعنعنة، من صيغ الأداء.
شرح الحديث
(عن سلمة بن قيس) الأشجعي الغطفاني ﵁ (أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا توضأت) أي شرعت في الوضوء.
(فاستنثر) أي أخرج الماء الذي أدخلته في الاستنشاق ليخرج ما في الأنف من الأوساخ، وفي «ق» استنثر: استنشق الماء ثم استخرج بنَفَس الأنف كانتثر. اهـ.
وفي المصباح: نثر المتوضئ، واستنثر بمعنى استنشق، ومنهم من يفرق، فيجعل الاستنشاق إيصال الماء، والاستنثار إخراج ما في الأنف من مخاط وغيره، ويدل عيه لفظ الحديث «كان - ﷺ - يستنشق ثلاثًا، وفي كل مرة يستنثر» وفي حديث «إذا استنشقت فانثر» بهمزة وصل وتكسر
الثاء، وتضم، وأنثر المتوضئ إنثارا لغة، وحمل أبو عبيد الحديث على هذه اللغة. اهـ.
وقال الحافظ في الفتح: الاستنثار هو طرح الماء الذي يستنشقه المتوضئ أي يجذبه بريح أنفه لتنظيف ما في داخله، فيخرجه بريح أنفه، سواء كان بإعانة يد أم لا.
وحكى مالك كراهية فعله بغير إعانة اليد، لكونه يشبه فعل الدابة، والمشهور عدم الكراهة، وإذا استنثر بيده فالمستحب أن يكون باليسرى كما بوب عليه المصنف في الباب ٧٤، وأخرجه مقيدا بها من حديث علي ﵁.
قال الجامع عفا الله عنه: الأحسن تفسير الاستنثار بما فسر به في الفتح لدلالة ظواهر الأحاديث عليه، والله أعلم.
(وإذا استجمرت فأوتر) أي إذا استعملت الجمار في الاستنجاء، فاجعله وترا، ثلاثا، أو خمسا، أو أكثر، لكن الثلاث واجب، وما زاد مستحب كما تقدم. والله تعالى أعلم، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بحديثي الباب
الأولى: في درجتهما: حديثا الباب صحيحان، أما حديث أبي هريرة فمتفق عليه، وأما حديث سلمة فصححه الترمذي.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكرهما عند المصنف:
أما حديث أبي هريرة فأخرجه هنا ٧٢/ ٨٨، وفي الكبرى ٦٨/ ٩٥، عن قتيبة عن مالك، وعن إسحاق بن منصور، عن ابن مهدي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي إدريس، عن أبي هريرة ﵁.
وأما حديث سلمة فأخرجه هنا ٧٢/ ٨٩، عن قتيبة، عن حماد، عن منصور، عن هلال بن يساف عنه، وفي ٣٩/ ٤٣، عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن منصور به، بقصة الاستجمار فقط.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجهما معه: أما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري في الطهارة عن عبدان، عن عبد الله، عن يونس عن الزهري به.
وأخرجه مسلم في الطهارة أيضا عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن الزهري به، وعن سعيد بن منصور، عن حسان إبراهيم، وعن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب كلاهما عن يونس، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن أبي هريرة، وأبي سعيد كلاهما، عن النبي - ﷺ -.
وأخرجه ابن ماجه: في الطهارة أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، وداود بن عبد الله الجعفري، كلاهما عن مالك به.
وأما حديث سلمة بن قيس: فأخرجه معه الترمذي، وابن ماجه، فأما الترمذي، فأخرجه في الطهارة، عن قتيبة، عن حماد بن زيد، وجرير بن عبد الحميد، كلاهما عن منصور، عن هلال به، وقال: حسن صحيح، وأما ابن ماجه فأخرجه في الطهارة، أيضا عن أحمد بن عبدة، عن حماد به، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي الأحوص به.
المسألة الرابعة: في أحكام تستنبط من حديثي الباب، ومذاهب العلماء في ذلك:
يستنبط من حديثي الباب، وجوبُ المضمضة، والاستنشاق، والاستنثار، لأن الأمر للوجوب، ولا صارف عنه مع مواظبته - ﷺ - على ذلك، وهو مذهب أحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر، وهو الراجح كما تقدم.
وذهب الجمهور إلى أن الأمر للندب، واستدلوا بما حسنه الترمذي، وصححه الحاكم من قوله - ﷺ - للأعرابي «توضأ كما أمرك الله» فأحاله على الآية، وليس فيها ذكر الاستنشاق.
وأجيب بأنه يحتمل أن يراد بالأمر ما هو أعم من آية الوضوء، فقد أمر الله سبحانه باتباع نبيه - ﷺ -، وهو المبين عن الله أمْرَهُ، ولم يَحك أحد ممن وصف وضوءه ﵊ على الاستقصاء أنه ترك الاستنشاق، ولا المضمضة، وبأنها داخلة في الأمر بغسل الوجه، كما تقدم بيانه. وقد ورد الأمر بالمضمضة في سنن أبي داود بإسناد صحيح، كما قاله الحافظ، وهو يردّ على ابن حزم حيث يقول: لم يصح بها أمر، وإنما هي فعل.
ويستنبط أيضا وجوب الإيتار في الاستجمار، وقد تقدم تحقيقه في الباب ٣٧، ولم يذكر في حديث الباب عدد الاستنثار، ويأتي في الباب التالي أنه ثلاث، وأخرج الحميدي في مسنده من رواية سفيان، عن أبي الزناد ولفظه «وإذا استنثر، فليستنثر وترًا».