HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٩٦

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي حَيَّةَ - وَهُوَ ابْنُ قَيْسٍ - قَالَ: «رَأَيْتُ عَلِيًّا ﵁ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ ثَلَاثًا وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَأَخَذَ فَضْلَ طَهُورِهِ فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: أَحْبَبْتُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ طُهُورُ النَّبِيِّ ﷺ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص40
  • زبير علي زئي:صحيح
ج ١ ص ٧٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢ ص٤٧٨
٧٩ - عَدَدُ غَسْلِ الْيَدَيْنِ ٩٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي حَيَّةَ -وَهُوَ ابْنُ قَيْسٍ- قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا ﵁ تَوَضَّأَ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَامَ، فَأَخَذَ فَضْلَ طَهُورِهِ، فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: أَحْبَبْتُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيْفَ طَهُورُ النَّبِيِّ - ﷺ -. رجال الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة بن سعيد) الثقفي البغلاني الثقة الثبت [١٠] تقدم في ١/ ١. ٢ - (أبو الأحوص) سَلام بن سُلَيم الحنفي مولاهم، الكوفي الحافظ، عن آدم بن علي، والأسود بن قيس، وزياد بن علاقة، وخلق وعنه ابن مهدي، وسعيد بن منصور، ويحيى بن يحيى، وهناد بن السَّريّ، وخلق، قال ابن معين: ثقة متقن، وقال العجلي: صاحب سنة واتباع، حديثه نحو أربعة آلاف، قال البخاري: مات سنة ١٧٩، روى له الجماعة، وفي «ت» ثقة متقن صاحب حديث من السابعة. ٣ - (أبو إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، ثقة ثبت [٣] تقدم في ٣٨/ ٤٢. ٤ - (أبو حَيَّة) بفتح الحاء وتشديد الياء التحتانية، بن قيس الهمداني الوادعي، عن علي، وعنه أبو إسحاق فقط، قال أحمد: شيخ، اهـ. وفي تهذيب التهذيب: أبو حية بن قيس الوادعي الخَارفي، الهمداني. الكوفي، عن علي بن أبي طالب، وعن عبد خير عنه، روى عنه أبو إسحاق السبيعي، قال الحاكم أبو أحمد: روى عنه المنهال بن عمرو، إن كان محفوظا، لا يعرف اسمه، قال أبو زرعة: لا يسمى، وقال ابن ماكولا: مختلف في اسمه، فيقال: عمرو بن نصر، ويقال: عامر بن الحارث، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: شيخ. قال الحافظ: وذكره ابن حبان في الثقات، وسماه عمرو بن عبد الله، وقال ابن المديني، وأبو الوليد الفرضي: مجهول، وقال ابن القطان: وثقه بعضهم، وصحح حديثه ابن السكن، وغيره، وقال ابن الجارود في الكنى: وثقه ابن نمير اهـ. وقال الذهبي في الميزان: تفرد عنه أبو إسحاق بوُضُوء علي فمسح برأسه ثلاثا، وغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثا ثلاثا، رواه عنه زهير وأبو الأحوص. اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: لم أجد التثليث في مسح الرأس من طريق أبي حية، والله أعلم. ٥ - (علي) بن أبي طالب ﵁ تقدم في ٧٤/ ٩١. لطائف الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات إلا أبا حية، فمختلف فيه، وأنهم كوفيون إلا قتيبة، فبغلاني، وأن فيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. وأما شرح الحديث فتقدم في الأبواب الثلاثة السابقة. وموضع الاستدلال للترجمة قوله: «وغسل ذراعيه ثلاثا». وقال السندي: قوله «حتى أنقاهما» والانقاء عادة يكون بثلاث، وقد جاء التصريح بذلك في الروايات السابقة، فلإفادة هذا المعنى ذكر المصنّف هذا الحديث في هذه الترجمة، يعني أن المراد بالإنقاء هو الغسل ثلاثا، فيكون عدد غسل اليدين ثلاثا، قال: ويحتمل أنه أراد غسل الذراعين ويحتمل أن مراده التنبيه على أن القصود الإنقاء دون التثليث، وهذا بعيد مخالف لقواعد الأصول، لوجوب حمل المجمل على المفصل، وأقوال الفقهاء اهـ كلام السندي. قال الجامع: الاحتمال الثاني هو الراجح بدليل أنه ذكر عدد غسل الكفين في «باب كم تغسلان» ٦٧، وأنه ذكر في هذا الباب غسل اليدين يعني الذراعين فتأمل، والله أعلم. مسائل تتعلق بحديث علي ﵁ الأولى: في درجتها: أحاديث علي ﵁ في هذه الأبواب الستة من باب ٧٤ «بأي اليدين يستنثر» إلى هنا ٧٩ المروية عن عبد خير في الأبواب الأربعة الأول، وعن الحسين بن علي في الخامس، وعن أبي حية بن قيس في السادس؛ صحاح. وقد تقدم أن ابن السكن وغيره صححوا حديث أبي حية. المسألة الثانية: فيمن أخرج حديث علي ﵁. أما حديث عبد خير فأخرجه المصنف، وأبو داود، والترمذي. فأما الصنف فأخرجه في هذه الأبواب الأربعة في ٧٥، عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي ﵁. وفي ٧٤، عن موسى بن عبد الرحمن المسروقي، عن حسين بن علي الجعفي، عن زائدة عن خالد به. والأول أتم. وفي ٧٧ عن عمرو بن علي، وحميد بن مسعدة كلاهما، عن يزيد بن زريع، وفي ٧٦ عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، كلاهما عن شعبة، عن مالك بن عرفطة بمعناه، قاله الحافظ المزي. وفي الطهارة أيضا في الكبرى ١٠٦ عن إسحاق بن إبراهيم، عن مسهر بن عبد الملك بن سلع، عن أبيه، عن عبد خير، نحوه، قاله الحافظ. وأما أبو داود فأخرجه في الطهارة أيضا عن مسدد، عن أبي عوانة، وعن الحلواني، عن الحسين بن علي الجعفي، عن زائدة، كلاهما عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي ﵁. وعن محمد بن المثنى، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن مالك بن عرفطة، عن عبد خير نحوه. وقد تقدم كلام أبي داود في هذا السند قريبًا. وأما الترمذي: فأخرجه في الطهارة أيضا: عن قتيبة، وهناد، كلاهما عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عبد خير نحوه، أفاده المزي، والحافظ. وأما حديث الحسين بن علي ﵁، فأخرجه المصنف، وأبو داود. فأما المصنف فأخرجه في ٧٨ عن إبراهيم بن الحسن المقسمي، عن حجاج، عن ابن جريج، عن شيبة، عن محمد بن علي، عن أبيه، عن الحسين بن علي، عن علي ﵁. وأما أبو داود فذكره تعليقًا عقيب حديث ابن عباس ﵁، وأما حديث أبي حيَّة فأخرجه المصنف وأبو داود والترمذي. فأما المصنف فأخرجه في ٧٩ عن قتيبة عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي حية عن علي ﵁. وفي ٩٣ الآتي عن محمد بن آدم عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن أبيه، وغيره جميعًا عن أبي إسحاق الخ. وأما أبو داود، فأخرجه في الطهارة أيضا عن مسدد، وأبي توبة الربيع بن نافع، وعمرو بن عون، ثلاثتهم عن أبي الأحوص به. وأما الترمذي، فأخرجه أيضا في الطهارة، عن هناد، وقتيبة كلاهما عن أبي الأحوص به. وأخرج حديث علي أيضا: أحمد، والدارمي، والدارقطني، وابن حبان، والبزار، والبيهقي. المسألة الثالثة: أنه يستفاد من حديث علي ﵁ زيادة على ما ترجم له الصنف في الأبواب السابقة، مشروعية الجمع بين المضمضة، والاستنشاق بماء واحد. والجمع بينهما هو الذي وردت به الأحاديث الكثيرة الصحيحة. قال النووي ﵀: القول بالجمع أكثر في كلام الشافعي، وهو أيضا أكثر في الأحاديث، بل هو الموجود في الأحاديث الصحيحة. منها: حديث علي ﵁ يعني الحديث المذكور عن عبد خير في الأبواب السابقة، ومنها حديث عبد الله بن زيد، أنه وصف وضوء رسول الله - ﷺ - «فتمضمض، واستنشق من كف واحدة، فعل ذلك ثلاثا» رواه الشيخان. وفي رواية للبخاري «فمضمض، واستنشق واستنثر ثلاثا بثلاث غرفات» وفي رواية لمسلم «فمضمض، واستنثر من ثلاث غرفات» وفي رواية «تمضمض، واستنشق، ثلاث مرات، من غرفة واحدة» رواه البخاري. ومنها: حديث ابن عباس في صفة وضوء رسول الله - ﷺ - «فأخذ غرفة من ماء تمضمض بها واستنشق» رواه البخاري، وعن ابن عباس أيضا «أن النبي - ﷺ - توضأ مرة مرة، وجمع بين المضمضة والاستنشاق» رواه الدارمي في مسنده بإسناد صحيح فهذه أحاديث صحاح في الجمع، وأما الفصل، فلم يثبت فيه حديث أصلا، وإنما جاء فيه حديث طلحة بن مصرف وهو ضعيف. واختلف في الأفضل من الجمع والفصل. قال النووي: والصحيح بل الصواب تفضيل الجمع، للأحاديث الصحيحة المتظاهرة فيه، وليس لها معارض، وأما حديث الفصل، فالجواب عنه من أوجه: أحدها: أنه ضعيف كما سبق فلا يحتج به، لو لم يعارضه شيء، فكيف إذا عارضته أحاديث كثيرة صحاح. الثاني: أن المراد بالفصل أنه تمضمض، ثم مج، ثم استنشق، ولم يخلطهما. الثالث: أنه محمول على بيان الجواز، وهذا جواب صحيح، لأن هذا كان مرة واحدة لأن لفظه في سنن أبي داود، قال: دخلت على النبي - ﷺ -، وهو يتوضأ، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق، وهذا لا يقتضي أكثر من مرة، فَحَمله على بيان الجواز تأويل حسن. وأما ما تأوله الآخرون من حمل أحاديث الجمع على بيان الجواز ففاسد، لأن روايات الجمع كثيرة من جهات عديدة، وعن جماعة من الصحابة، ورواية الفصل واحدة، وهي ضعيفة، وهذا لا يناسب بيان الجواز في الجمع، فإن بيان الجواز يكون في مرة ونحوها، ويداوم على الأفضل، والأمر هنا بالعكس، فحصل أن الصحيح تفضيل الجمع. وفي كيفية الجمع وجهان: أصحهما بثلاث غرفات، يأخذ غرفة يمضمض منها، ثم يستنشق منها، ثم يأخذ غرفة ثانية يفعل بها كذلك، ثم ثالثة كذلك، ودليله حديث عبد الله بن زيد. والوجه الثاني: يجمع بغرفة واحدة فعلى هذا في كيفيته وجهان: أحدهما: يخلط المضمضة بالاستنشاق، فيمضمض ثم يستنشق، ثم يمضمض، ثم يستنشق. والثاني: لا يخلط بل يتمضمض ثلاثًا متوالية، ثم يستنشق ثلاثًا متوالية. وأما كيفية الفصل، ففيها وجهان: أحدهما بست غرفات، يتمضمض بثلاث، ثم يستنشق بثلاث، والثاني بغرفتين يتمضمض بأحدهما ثلاثا، ثم يستنشق بالثانية ثلاثا، وهذا الثاني أصح. والحاصل: أن في المسألة خمسة أوجه، الصحيح منها تفضيل الجمع بثلاث غرفات، والثاني بغرفة بلا خلط، والثالث بغرفة مع الخلط، والرابع الفصل بغرفتين، والخامس بست غرفات، وهو أضعفها، هذا خلاصة ما ذكره النووي ﵀ في المجموع جـ ١/ ص ٣٥٩ - ٣٦٢. المسألة الرابعة: مما يستفاد من حديث على: جواز الشرب قائما من فضل الوَضُوء. وقد وردت أحاديث تدل على جواز الشرب قائما، وأحاديث تدل على النهي عنه. فمن الأحاديث الدالة على الجواز: حديث علي هذا. ومنها: أنه في رحبة الكوفة شرب وهو قائم قال: «إن ناسا يكرهون الشرب قائما وإن رسول الله - ﷺ - صنع مثل ما صنعت» رواه البخاري، وأحمد. ومنها: حديث ابن عباس ﵄ قال «شرب النبي - ﷺ - قائما من زمزم» متفق عليه، ومنها حديث ابن عمر ﵄ قال: «كنا نأكل على عهد رسول الله - ﷺ -، ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام» رواه أحمد، والترمذي، وصححه، وابن ماجه. ومن الأحاديث الدالة على النهي، حديث أبي سعيد ﵁ «أن النبي - ﷺ - نهى عن الشرب قائما» رواه أحمد، ومسلم. ومنها: حديث قتادة عن أنس «أن النبي - ﷺ - زجر عن الشرب قائما، قال قتادة: فقلنا: فالأكل؟ قال: ذاك شر وأخبث» رواه أحمد ومسلم، والترمذي. ومنها: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يشربن أحد منكم قائما، فمن نسي فليستقئ» رواه مسلم. قال العلامة الشوكاني ﵀: ظاهر النهي في حديث أبي سعيد، وأبي هريرة أن الشرب من قيام حرام، ولا سيما بعد قوله «فمن نسي فليستقيء» فإنه يدل على التشديد في المنع والمبالغة في التحريم، ولكن حديث ابن عباس، وحديث علي يدلان على جواز ذلك. قال: وفي الباب أحاديث غير ما ذكره المصنف: يعني ابن تيمية: منها: ما أخرجه أحمد، وصححه ابن حبان عن أبي هريرة بلفظ «لو يعلم الذي يشرب وهو قائم لاستقاء» ولأحمد من وجه آخر عن أبي هريرة «أنه - ﷺ - رأى رجلا يشرب قائما فقال: قه، قال: لمه: قال: أيسرك أن يشرب معك الهر؟ قال: لا، قال: قد شرب معك من هو شر منه: الشيطان» وهو من رواية شعبة عن أبي زياد الطحان مولى الحسن بن علي ﵄، وأبو زياد لا يعرف اسمه، وقد وثقه يحيى بن معين. قال المازري: اختلف الناس في هذا: فذهب الجمهور إلى الجواز وكرهه قوم، فقال: بعض شيوخنا: لعل النهي منصرف إلى من أتى أصحابه بماء فبادر بشربه قائما قبلهم استبدادا به، وخروجا عن كون ساقي القوم آخرهم شربا، قال: وأيضا فإن الحديث تضمن المنع من الأكل قائما، ولا خلاف في جواز الأكل قائما ، قال: والذي يظهر لي أن أحاديث شربه قائما تدل على الجواز، وأحاديث النهي تحمل على الاستحباب، والحث على ما هو أولى وأكمل، قال: ويحمل الأمر بالقيئ على أن الشرب قائما يحرك خلطا يكون القيء دواؤه، ويؤيده قول النخعي: إنما نهي عن ذلك لداء البطن. وقد تكلم عياض على أحاديث النهي، وقال: إن مسلما أخرج حديث أبي سعيد، وحديث أنس من طريق قتادة، وكان شعبة يتقي من حديث قتادة ما لا يصرح فيه بالتحديث. قال: واضطراب قتادة فيه مما يعله مع مخالفة الأحاديث الأخرى، والأئمة له. وأما حديث أبي هريرة ففي سنده عُمر بن حمزة، ولا يتحمل منه مثل هذه المخالفة غَيرُهُ له، والصحيح أنه موقوف، انتهى ملخصا. قال النووي ما ملخصه: هذه الأحاديث أشكل معناها على بعض العلماء حتى قال فيها أقوالا باطلة، وزاد حتى تجاسر، ورام أن يضعف بعضها، ولا وجه لإشاعة الغلطات، بل يُذكَر الصواب، ويُشار إلى التحذير عن الغلط، وليس في الأحاديث إشكال، ولا فيها ضعف، بل الصواب أن النهي فيها محمول على التنزيه، وشربه قائما لبيان الجواز، وأما من زعم نسخا، أو غيره فقد غلط؛ فإن النسخ لا يصار إليه مع إمكان الجمع لو ثبت التاريخ، وفعله - ﷺ - لبيان الجواز لا يكون في حقه مكروها أصلا فإنه كان يفعل الشيء للبيان مرة أو مرات، ويواظب على الأفضل، والأمر بالاستقاء محمول على الاستحباب، فيستحب لمن يشرب قائما أن يستقيء لهذا الحديث الصحيح، فإن الأمر إذا تعذر حمله على الوجوب يحمل على الاستحباب، وأما قول عياض: لا خلاف بين أهل العلم أن من شرب قائمًا ليس عليه أن يتقيأ، وأشار به إلى تضعيف الحديث، فلا يلتفت إلى إشارته، وكون أهل العلم لم يوجبوا الاستقاء لا يمنع من الاستحباب، فمن ادعى منع الاستحباب بالإجماع فهو مجازف، وكيف تترك السنة الصحيحة بالتوهمات، والدعاوي، والترهات. قال الحافظ: ليس في كلام عياض التعرض للاستحباب أصلا، بل ونقلُ الاتفاق المذكور إنما هو في كلام المازري كما مضى، وأما تضعيف عياض للأحاديث فلم يتشاغل النووي بالجواب عنه، قال: فأما إشارته إلى تضعيف حديث أنس يكون قتادة مدلسا، فيجاب عنه بأنه صرح في نفس الحديث بما يقتضي السماع فإنه قال: قلنا لأنس: فالأكل .. إلخ، وأما تضعيف حديث أبي سعيد بأن أبا عيسى غير مشهور فهو قول سبق إليه ابن المديني، لأنه لم يرو عنه إلا قتادة، لكن وثقه الطبراني، وابن حبان، ودعواه اضطرابه مردودة لأن لقتادة فيه إسنادين وهو حافظ، وأما تضعيفه لحديث أبي هريرة بعمر بن حمزة فهو مختلف في توثيقه، ومثله يخرج له مسلم في المتابعات، وقد تابعه الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، كما رواه أحمد، وابن حبان، فالحديث بمجموع طرقه صحيح. قال النووي والعراقي، في شرح الترمذي: إن قوله «فمن نسي» لا مفهوم له، بل يستحب ذلك للعامد أيضا بطريق الأولى، وإنما خص الناسي بالذكر لكون المؤمن لا يقع ذلك منه بعد النهي غالبا إلا نسيانا، قال الحافظ: وقد يطلق النسيان، ويراد به الترك، فيشمل السهو والعمد، فكأنه قيل: من ترك امتثال الأمر، وشرب قائما فليستقىء. وقال القرطبي في المفهم: لم يصر أحد إلى أن النهي فيه للتحريم، وإن كان القول به جاريا على أصول الظاهرية: وتعقب بأن ابن حزم منهم جزم بالتحريم، وتمسك من لم يقل بالتحريم بحديث علي المذكور في الباب. وفي الباب عن سعد بن أبي وقاص، أخرجه الترمذي، وعن عبد الله بن أنيس، أخرجه الطبراني، وعن أنس، أخرجه البزار، والأثرم، وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، أخرجه الترمذي وحسنه، وعن عائشة أخرجه البزار، وأبو علي الطوسي في الأحكام، وعن أم سليم أخرجه ابن شاهين، وعن عبد الله بن السائب عن خباب عن أبيه، عن جده، أخرجه ابن أبي حاتم. ومما يدل على الجواز أيضا حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن جدته كبشة، قالت: «دخل علي رسول الله - ﷺ -، فشرب من قربة معلقة، قائما، فقمت إلى فيها فقطعته» رواه ابن ماجه، والترمذي، وصححه، وعن كلثم نحوه أخرجه أبو موسى بسند حسن. وحديث أم سليم، قالت: «دخل علي رسول الله - ﷺ -، وفي البيت قربة معلقة، فشرب منها، وهو قائم، فقطعت فاها فإنه لعندي» رواه أحمد. وثبت الشرب قائما عن عمر، أخرجه الطبري، وفي الموطأ أن عمر، وعثمان، وعليا، كانوا يشربون قيامًا، وكان سعد وعائشة لا يرون بذلك بأسا، وثبتت الرخصة عن جماعة من التابعين. قال الحافظ: وسلك العلماء في ذلك مسالك: أحدها: الترجيح، وأن أحاديث الجواز أثبت من أحاديث النهي، وهذه طريقة أبي بكر الأثرم، فقال: حديث أنس -يعني في النهي- جيد الإسناد، ولكن قد جاء عنه خلافه يعني في الجواز، قال: ولا يلزم من كون الطريق إليه في النهي أثبت من الطريق إليه في الجواز أن لا يكون الذي يقابله أقوى، لأن الثبت قد يروي من هو دونه الشيء فيرجح عليه، فقد رجح نافع على سالم في بعض الأحاديث عن ابن عمر، وسالم مقدم على نافع في الثبت، وقدم شريك على الثوري في حديثين، وسفيان مقدم في جملة أحاديث، ثم أسند إلى أبي هريرة قال: «لا بأس بالشرب قائما» قال الأثرم: فدل على أن الرواية عنه في النهي ليست بثابتة، وإلا لما قال: لا بأس به، قال: ويدل على وهاء أحاديث النهي أيضا اتفاق العلماء على أنه ليس على أحد شرب قائما أن يستقيء. المسلك الثاني: دعوى النسخ، وإليها جنح الأثرم، وابن شاهين، فقرروا على أن أحاديث النهي على تقدير ثبوتها منسوخة بأحاديث الجواز، بقرينة عمل الخلفاء الراشدين، ومعظم الصحابة والتابعين بالجواز. وقد عكس ذلك ابن حزم، فادعى نسخ أحاديث الجواز بأحاديث النهي متمسكا بأن الجواز على وفق الأصل، وأحاديث النهي مقررة لحكم الشرع، فمن ادعى الجواز بعد النهي فعليه البيان، فإن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وأجاب بعضهم بأن أحاديث الجواز متأخرة لما وقع منه - ﷺ - في حجة الوداع أنه شرب من زمزم، وهو قائم، وإذا كان ذلك الأخير من فعله - ﷺ - دل على الجواز، ويتأيد بفعل الخلفاء الراشدين بعده. المسلك الثالث: الجمع بين الخبرين بضرب من التأويل، فقال أبو الفرج الثقفي في نصرة الصحاح: والمراد بالقيام هنا المشي، يقال: قام في الأمر إذا مشى فيه، وقمت في حاجتي: إذا سعيت فيها وقضيتها ومنه قوله تعالى ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥] أي مواظبًا بالمشي عليه. وجنح الطحاوي إلى تأويل آخر، وهو حمل النهي على من لم يسم عند شربه، وهذا إن سلم له في بعض ألفاظ الحديث، لم يسلم له في بقيتها. ومسلك آخر في الجمع: يحمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه، وأحاديث الجواز على بيانه، وهي طريقة الخطابي، وابن بطال في آخرين، وهذا أحسن المسالك، وأسلمها وأبعدها من الاعتراض، وقد أشار الأثرم إلى ذلك أخيرًا، فقال: إن ثبتت الكراهة حملت على الإرشاد، والتأديب، لا على التحريم، وبذلك جزم الطبري، وأيده بأنه لو كان جائزًا، ثم حرمه، أو كان حرامًا، ثم جوزه لبين - ﷺ - ذلك بيانًا واضحًا، فلما تعارضت الأخبار بذلك جمعنا بينها بهذا. وقيل: إن النهي عن ذلك إنما هو من جهة الطب مخافة وقوع ضرر به، فإن الشرب قاعدا أمكن وأقوى، وأبعد من الشَّرَق، وحصول الوَجَع في الكبد، أو الحَلْق، وكل ذلك قد لا يأمن منه من شرب قائما اهـ فتح الباري جـ ١٠/ ص ٨٥ - ٨٧. قال الجامع: الذي يترجح عندي مسلك من جمع يحمل أحاديث النهي على كراهة التنزيه، كما رجحه الحافظ، لأن به تجتمع الأدلة من غير إجحاف ببعضها، ولا تكلف، والله أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت، وإليه أنيب.
مصادر المؤلف (٤)

١. ويأتي باب سابع برقم ٩٣، برواية أبي حية.

٢. قلت: يعارض هذا ما تقدم عن قتادة، قلنا: فالأكل؟ قال: ذاك شر، وأخبث.

٣. وهو أبو عيسى الأسواري البصري الراوي عن أبي سعيد الخدري لا يعرف اسمه، كما أفاده في «تت». وفي «ت»: مقبول من الرابعة بخ م.

٤. أي باب جواز الشرب قائما.