HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٩٧

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ - وَاللَّفْظُ لَهُ - عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ «أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ؟ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ: نَعَمْ - فَدَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص41
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ١ ص ٧١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٢ ص٤٩٢
٨٠ - بَابُ حَدِّ الْغَسْلِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على حد الغسل، والمراد: حد غسل اليدين، ومحل الترجمة قَولُه «إلى المرفقين». ٩٧ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -- وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ؟ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ: نَعَمْ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. رجال الإسناد: سبعة ١ - (محمد بن سلمة) المرادي الجَمَليُّ، أبو الحارث المصري الفقيه ثقة ثبت [١١] تقدم في ١٩/ ٢٠. ٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد بن يوسف، الأموي مولاهم، أبو عَمْرو المصري الفقيه، رأى الليث، وسأله، وروى عن ابن القاسم، وابن وهب، وابن عيينة، وأشهب، ويوسف بن عمرو الفارسي، وغيرهم، وعنه أبو داود، والنسائي، وابنه أحمد بن الحارث، وعبد الله بن أحمد، ويعقوب بن شيبة، وأبو يعلى، وابن أبي داود، ومحمد بن زَبَّان وعدة. قال عبد الرحمن بن يحيى بن خاقان: سألت أحمد بن حنبل عن الحارث بن مسكين قاضي مصر، فقال فيه قولا جميلا، وقال: ما بلغني عنه إلا خير، وقال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: لا بأس به، وقال الحسين بن حبان: قال أبو زكريا يعني ابن معين: الحارث بن مسكين خير من أصبغ، وأفضل، وقال النسائي: ثقة مأمون. وقال الخطيب: كان فقيها على مذهب مالك، وكان ثقة في الحديث ثبتا حمله المأمون إلى بغداد في أيام المحنة، وسجنه لأنه لم يُجب إلى القول بخلق القرآن، فلم يزل محبوسا إلى أن ولي جعفر المتوكل، فأطلقه، وحدث ببغداد، ورجع إلى مصر، وكتب المتوكل بعهده على قضاء مصر، فلم يزل يتولاه من سنة ٢٣٧ إلى أن صرف عنه في سنة ٢٥٤، وقال ابن يونس: كان فقيها، أخذ الفقه عن ابن وهب وابن القاسم، ولد سنة ١٥٤، وتوفي في شهر ربيع الأول سنة ٢٥٥. قال الحافظ: وقال الحاكم: ثقة مأمون، وقال أبو عمر الكندي: إنه استعفى من القضاء فأعفي، وتولى بكار بن قتيبة. والمسألة التي سأل عنها الحارث الليث هي في العصير، وليس له عن الليث غيرها. وقال مسلمة الأندلسي: ثقة أخبرنا عنه غير واحد، وذكر ابن الطحان المصري في الرواة عن مالك أن الحارث بن مسكين قال: حججت فرأيت رجلا في عَمَارية ، فسألت عنه؟ فقيل لي: هذا مالك بن أنس، فرأيته ولم أسمع منه. وفي «ت» ثقة فقيه من العاشرة، أخرج له أبو داود والمصنف. ٣ - (ابن القاسم) هو عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جُنَادة العُتَقي أبو عبد الله المصري الفقيه، روى عن مالك الحديث والمسائل، وعن بكر بن مضر، ونافع بن أبي نعيم القارئ، ويزيد بن عبد الملك النوفلي، وابن عيينة، وغيرهم، وعنه ابنه موسى، وأصبغ بن الفرج، وسعيد بن عيسى بن تَليد، ومحمد بن سلمة المرادي، والحارث بن مسكين، وسحنون بن سعيد، وعبد الرحمن بن أبي الغمر المصري، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وعيسى بن حماد، زُغْبَة، وغيرهم. قال أبو زرعة: مصري ثقة، رجل صالح، كان عنده ثلاثمائة جلد، أو نحوه عن مالك مسائل، مما سأله أسد، رجل من العرب، كان سأل محمد بن الحسن عن مسائل، وأتى ابن وهب وسأله أن يجيبه بما كان عنده عن مالك، وما لم يكن عنده عن مالك، فمن عنده فأبَى، فأتى عبد الرحمن بن القاسم فأجابه على هذا، فالناس يتكلمون في هذه المسائل، قال النسائي: ثقة مأمون، أحد الفقهاء، وقال الحاكم: ثقة مأمون، وقال الخطيب: ثقة، وقال ابن يونس: ذكر أحمد بن شعيب النسوي، ونحن عنده عبدَ الرحمن بن القاسم، فأحسن الثناء عليه، وأطنب، وذكره ابن حبان في الثقات، قال: كان خيرا فاضلا ممن تفقه على مالك، وفرّع على أصوله، وذبّ عنها، ونصر من انتحلها. قال يونس بن عبد الأعلى: مات في صفر سنة ١٩١ وقيل: إن مولده سنة ٢٨، وقيل: إحدى، وقيل: اثنتين وثلاثين، له في صحيح البخاري حديث واحد. قال الحافظ: وقال سلمة بن القاسم: كان فقيه البدن، من ثقات أصحاب مالك، وكان ورعا صالحا، ولم يكن صاحب حديث، وقال أحمد بن محمد الحضرمي: سألت يحيى بن معين عنه، فقال: ثقة ثقة، وقال ابن وضاح: لم يكن عند ابن القاسم إلا الموطأ الذي روى عن مالك، وسماعه من مالك يعني المسائل، كان يحفظها حفظًا. حكى ذلك سحنون وغيره، قال: ورآه ابن معبد في المنام، فسأله: كيف وجدت المسائل؟ فقال: أفّ أفّ، فقلت: فما أحسن ما وجدت؟ قال: الرباط، قال: ورأيت ابن وهب أحسن حالا منه، وقال الخليلي: زاهد متفق عليه، أول من حمل الموطأ إلى مصر، وهو إمام، وفي «ت» ثقة من كبار العاشرة. أخرج له البخاري، وأبو داود، في المراسيل، والنسائي. ٤ - (مالك) بن أنس أبو عبد الله إمام دار الهجرة ثقة حجة [٧] تقدم في ١٩/ ٢٠. ٥ - (عمرو بن يحيى المازني) بن عمارة بن أبي الحسن، الأنصاري المدني، ابن بنت عبد الله بن زيد بن عاصم، واسم أبي حسن تميم بن عمرو، فيما قيل. روى عن أبيه، وعباد بن تميم، ومحمد بن يحيى بن حبان، وعباس بن سهل بن سعد، ودينار القرَّاط، وأبي الحُباب سعيد بن يسار، ويوسف بن محمد بن ثابت بن قيس بن شمَّاس، وأبي زيد مولى بني ثعلبة، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وعيسى بن عمر، ومريم بنت إياس ابن البكير، وغيرهم. وعنه يحيى بن أبي كثير، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهما من أقرانه، وأيوب، ومالك، وابن جريج، ووهيب بن خالد، وإبراهيم بن طهمان، وروح بن القاسم، وزائدة، وداود بن عبد الرحمن العطار، وعبد العزيز بن الاجشون، والدراوردي، وابن المختار، وخالد الواسطي، واسماعيل بن جعفر، وعبد الواحد بن زياد، وسليمان بن بلال، والحمادان والسفيانان، وغيرهم. قال أبو حاتم: ثقة صالح، وقال النسائي: ثقة. قال الحافظ: وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال العجلي، وابن نمير: ثقة، نقله ابن خلفون، وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة، إلا أنه اختلف عنه في حديثين «الأرض كلها مسجد» «وكان يسلم عن يمينه» وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: صويلح وليس بالقوي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عبد البر: مات سنة ١٤٠. وقول المصنف -يعني المزي-: أنه ابن بنت عبد الله بن زيد، وهم تبع فيه صاحب الكمال، وسببه ما في رواية مالك، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، أن رجلا سأل عبد الله بن زيد، وهو جد عمرو بن يحيى، فظنوا أن الضمير يعود على عبد الله، وليس كذلك بل إنما يعود على الرجل، وهو عمرو بن أبي الحسن عم يحيى، وقيل له: جد عمرو ابن يحيى تجوزا؛ لأن العم صنو الأب، وأما عمرو بن يحيى، فأمه فيما ذكر محمد بن سعد في الطبقات، حميدة بنت محمد بن إياس بن البكير، وقال غيره: أم النعمان بنت أبي حية اهـ «تت»، وفي «ت» ثقة [٦] أخرج له الجماعة. ٦ - (يحيى المازني) بن عمارة بن أبي الحسن الأنصاري المدني، روى عن عبد الله بن زيد بن عاصم، وأنس بن مالك، وأبي سعيد الخدري، وعنه ابنه عَمْرو، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، وعمارة بن غزية، ومحمد بن يحيى بن حبان، والزهري، وأبو طُوالة، قال ابن إسحاق: كان ثقة، وقال النسائي، وابن خراش: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وفي «ت» ثقة من الثالثة أخرج له الجماعة. ٧ - (عبد الله بن زيد بن عاصم) بن كعب بن عوف بن مبذول بن عُمَر بن غَنْم بن مالك بن النجار، الأنصاري المدني، وقيل في نسبه غير ذلك، ذكر الواقدي: أنه هو الذي قتل مسليمة الكذاب، روى عن النبي - ﷺ - حديث الوضوء وغيره. وعنه ابن أخيه عباد بن تميم، وسعيد بن المسيب، ويحيى بن عمارة، وكان صهره على ابنته، وواسع بن حبان، وأبو سفيان مولى ابن أبي أحمد، قال خليفة وغير واحد: قتل بالحرة، وكان في آخر ذي القعدة سنة ٦٣، زاد الواقدي وهو ابن ٧٠ سنة. قال الحافظ: وقال أبو القاسم البغوي: قيل إنه شهد بدرا، ولا يصح، وحكاه أبو نعيم الأصبهاني عن البخاري، وقال ابن سعد: بلغني أنه قتل بالحرة، وقتل معه ابناه خلاد، وعلي، أخرج له الجماعة، وله أحاديث اتفق (خ م) على [٨] وانفرد (خ) بحديث. لطائف الإسناد منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين مصريين، ومدنيين، فمن قبل مالك مصريون، ومنه إلى آخره مدنيون، وفيه رواية الابن، عن أبيه. وفيه قوله «قراءة عليه، وأنا أسمع» وقوله «واللفظ له»، وقد تقدم البحث عنهما غير مرة، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. شرح الحديث (عن عمرو بن يحيى المازني) نسبة إلى مازن الأنصار، وهو مازن بن النجار، واسمه تيم اللات بن عمرو بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة، بطن كبير من الأنصار ثم من الخزرج، ثم من بني النجار اهـ لباب جـ ٣/ ص ١٤٥. (عن أبيه) يحيى بن عمارة بن أبي الحسن (أنه قال لعبد الله بن زيد بن عاصم) رواية المصنف، وأبي داود صريحة في أن القائل لعبد الله بن زيد، هو يحيى بن عمارة، وكذا رواية الشافعي في الأم، عن مالك، ورواية الإسماعيلي، عن أبي خليفة، عن القعنبي، عن مالك. وهذا خلاف ما ورد في الروايات الأخر، كرواية محمد بن الحسن الشيباني، قال في الموطأ عن مالك: حدثني عمرو، عن أبيه يحيى، أنه سمع جده، أبا الحسن يسأل عبد الله بن زيد، وكذا ساقه سحنون في المدونة، وقال معن بن عيسى في روايته: عن عمرو، عن أبيه يحيى أنه سمع أبا الحسن، وهو جد عمرو بن يحيى قال لعبد الله بن زيد. فإن هذه الروايات تفيد أن السائل لعبد الله بن زيد هو أبو حسن، وفي رواية للبخاري: أخبرنا مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أن رجلا قال لعبد الله بن زيد: الخ، قال الحافظ في الفتح: قوله أن رجلا: هو عمرو بن أبي حسن، كما سماه المصنف في الحديث ما الذي بعد هذا من طريق وهيب عن عمرو بن يحيى. وقد اختلف رواة الموطأ في تعيين هذا السائل، وأما أكثرهم فأبهمه، والذي يجمع الاختلاف: أن يقال: اجتمع عند عبد الله بن زيد أبو الحسن الأنصاري، وابنه عمرو، وابن ابنه يحيى بن عمارة بن أبي حسن فسألوه عن صفة وضوء النبي - ﷺ -، وتولى السؤال منهم له عمرو بن أبي حسن، فحيث نسب السؤال إلى عمرو كان على الحقيقة، ويؤيده رواية سليمان بن بلال، عند البخاري في «باب الوضوء من التور» قال: حدثني عمرو بن يحيى عن أبيه، قال: كان عمي يعني عمرو بن أبي حسن، يكثر الوضوء، فقال لعبد الله بن زيد: أخبرني، فذكره، وحيث نسب السؤال إلى أبي حسن، فعلى المجاز، لكونه كان الأكبر، وكان حاضرا، وحيث نسب السؤال ليحيى بن عمارة، فعلى المجاز أيضا لكونه ناقل الحديث، وقد حضر السؤال. ووقع في رواية مسلم عن محمد بن الصباح، عن خالد الواسطي، عن عمرو بن يحيى عن أبيه، عن عبد الله بن زيد، قال: قيل له: توضأ لنا، فذكره مبهما، وفي رواية الإسماعيلي من طريق وهب بن بقية، عن خالد المذكور، بلفظ قلنا له، وهذا يؤيد الجمع المتقدم من كونهم اتفقوا على سؤاله، لكن متولي السؤال منهم عمرو بن أبي حسن، ويزيد ذلك وضوحا رواية الدراوردي عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عمرو بن أبي حسن، قال: كنت كثير الوضوء، فقلت لعبد الله بن زيد، فذكر الحديث، أخرجه أبو نعيم في المستخرج، اهـ فتح جـ ١/ ص ٣٤٨. (وكان) عبد الله بن زيد (من أصحاب النبي - ﷺ -، وهو جد عمرو بن يحيى) أي أن عبد الله بن زيد جد لعمرو بن يحيى لأمه، لأنه ابن بنته، قاله المزي تبعا لصاحب الكمال، وتقدم عن الحافظ أن هذا وَهَم لأن ابن سعد ذكر أن أم عمرو بن يحيى حميدةُ بنتُ محمد بن إياس بن البكير، وقال غيره: هي أم النعمان بنت أبي حية اهـ. وفي الموطأ: حدثني يحيى عن مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، أنه قال لعبد الله بن زيد بن عاصم، وهو جد عمرو بن يحيى الخ، قال ابن عبد البر: قوله: وهو جد عمرو بن يحيى كذا لجميع رواة الموطأ، وانفرد به مالك ولم يتابعه عليه أحد، فلم يقل أحد أن عبد الله بن زيد جد عمرو. قال ابن دقيق العيد: هذا وَهَم قبيح من يحيى بن يحيى، أو غيره، وأعجب منه أن ابن وضاح سئل عنه، وكان من الأئمة في الحديث والفقه فقال: هو جده لأمه، ورحم الله من انتهى إلى ما سمع، ووقف دون ما لم يعلم، وكيف جاز هذا على ابن وضاح، والصواب في المدونة التي كان يُقرئها، ويرويها عن سحنون، وهي بين يديه ينظر فيها كل حين، قال: وصواب الحديث مالك عن عمرو بن يحيى، عن أبيه أن رجلا قال لعبد الله بن زيد، وهذا الرجل هو عمارة بن أبي حسن، وهو جد عمرو بن يحيى، قاله الزرقاني جـ ١/ ص ٤٣. فتحصل من كلامهم أن عبد الله بن زيد ليس جدًا لعمرو بن يحيى، لا من جهة أمه، ولا من جهة أبيه، خلافا لظاهر هذه الرواية. (هل تستطيع أن تريني) الخ إنما سأله ذلك لأنه أبلغ في التعليم، وسبب الاستفهام ما قام عنده من احتمال أن يكون عبد الله بن زيد نسي ذلك لبعد العهد، أفاده الحافظ (فقال عبد الله بن زيد: نعم) أستطيع ذلك (فدعا بوَضوء) بفتح الواو ما يتوضأ به، وللبخاري عن ابن يوسف، عن مالك «فدعا بماء» وله وجه آخر «فدعا بتور من ماء» بفوقية مفتوحة قدح أو إناء يشرب منه، أو الطست، أو شبه الطست، أو مثل القدر يكون من صفر أو حجارة. وله طريق آخر عن عبد الله بن زيد «أتانا رسول الله - ﷺ -، فأخرجنا له ماء في تور من صفر» بضم المهملة، وقد تكسر: صنف من جيد النحاس، ويسمى أيضا الشَّبَه بفتح المعجمة والموحدة، سمي بذلك لأنه يشبه الذهب، والتورُ المذكورُ هو الذي توضأ منه عبد الله بن زيد إذ سئل عن صفة الوضوء فيكون أبلغ في حكايته صورة الحال على وجهها. (فأفرغ) أي صب، يقال: أفرغ، وفَرَّغ، يعني بالتشديد لغتان، حكاهما في المُحْكَم (على يديه) بالتثنية، وفي الباب الآتي «فأفرغ على يده اليمنى» (فغسل بديه) بالتثنية، يعني كفيه، وفي بعض روايات الموطأ «يده» بالإفراد، وهو مفرد مضاف، فيعم اليدين جميعا. (مرتين مرتين) كذا في رواية مالك والبخاري بذكر المرتين، وفي رواية وهيب، وسليمان بن بلال عند البخاري، ورواية الدراوردي عند أبي نعيم، ورواية خالد بن عبد الله عند مسلم ذكر الثلاث، وعند أبي داود من دون ذكر عدد. والجمع بين هذه الروايات أن تحمل الرواية المطلقة على المقيدة، فيكون غسل مرتين أو ثلاثا، والظاهر ترجيح الثلاث لقوتها بكثرة طرقها المعوَّل عليها. ولا يقال يحمل فعل المرتين والثلاث على واقعتين، لأن المخرج واحد، والأصل عدم تعدد الواقعة، وقد ذكر مسلم من طريق بهز، عن وهيب، أنه سمع حديث الثلاث مرتين من عمرو بن يحيى إملاء، فتأكد ترجيح روايته، أفاده الحافظ. (ثم تمضمض، واستنشق ثلاثا) «ثم» هنا للترتيب في الحكم، خلافا لمن قال: إنها للترتيب في الإخبار، ولمن قال: إنها بمعنى الواو، وفي رواية البخاري «ثم تمضمض واستنثر» والاستنثار يستلزم الاستنشاق بلا عكس، وقد ذكر في رواية وهيب الثلاثة، وزاد بعد قوله «ثلاثا» «بثلاث غرفات»، واستدل به على استحباب الجمع بين المضمضة والاستنشاق من كل غرفة، وفي رواية خالد بن عبد الله «مضمض، واستنشق من كف واحد فعل ذلك ثلاثا» وهو صريح في الجمع كل مرة بخلاف رواية وهيب، فإنه تطرقها احتمال التوزيع بلا تسوية، كما نبه عليه ابن دقيق العيد، قاله الحافظ جـ ١/ ص ٣٤٩. (ثم غسل وجهه ثلاثا) لم تختلف الروايات في هذا، ويلزم من استدل بالحديث على وجوب تعميم الرأس بالمسح أن يستدل به على وجوب الترتيب للإتيان بثم في الجميع لأن كلا من الحكمين مجمل في الآية بينته السنة بالفعل، قاله الحافظ (ثم غسل يديه مرتين مرتين) بالتكرار لئلا يتوهم أن المرتين لكلتا اليدين، قال الولي العراقي: المنقول في علم العربية أن أسماء الأعداد، والمصادر والأجناس إذا كررت كان المراد حصولها مكررة، لا التأكيد اللفظي، فإنه قليل الفائدة، لا يحسن حيث يكون للكلام محمل غيره. مثال ذلك: جاء القوم، اثنين، اثنين، أو رجلا، رجلا، وضربته ضربًا، ضربًا، أي اثنين بعد اثنين، ورجلا بعد رجل، وضربًا بعد ضرب، وقال: هذا منه أي غسلهما مرتين بعد مرتين، أي أفرد كل واحدة منهما بالغسل مرتين. قال الحافظ: لم تختلف الروايات عن عمرو بن يحيى في غسل اليدين مرتين. ولمسلم من طريق حَبَّان بن واسع، عن عبد الله بن زيد، أنه رأى النبي - ﷺ - توضأ، وفيه «وغسل يده اليمنى ثلاثا، ثم الأخرى ثلاثا»، نقله الزرقاني جـ ١/ ص ٤٤. وقال النووي ﵀ في شرح مسلم: في هذا الحديث دلالة على جواز مخالفة الأعضاء، وغسل بعضها ثلاثا، وبعضها مرتين، وهذا جائز، والوضوء على هذه الصفة صحيح بلا شك، ولكن المستحب التثليث، وإنما كانت مخالفته من النبي - ﷺ - في بعض الأوقات بيانًا للجواز، كما توضأ - ﷺ - مرة مرة في بعض الأوقات، بيانا للجواز، وكان في ذلك الوقت أفضل في حقه - ﷺ -، لأن البيان واجب عليه. فإن قيل: البيان يحصل بالقول، قلنا: بالفعل أوقع في النفوس، وأبعد من التأويل اهـ. (إلى المرفقين) تثنية مرفق بكسر الميم وفتح الفاء، وبفتح الميم وكسر الفاء لغتان مشهورتان، قاله الزرقاني، وقال الحافظ: هو العظم الناتئ في آخر الذراع، وسمي بذلك لأنه يرتفق به في الاتكاء ونحوه. وقد اختلف العلماء: هل يدخل المرفقان في غسل اليدين أم لا؟ فقال المعظم: نعم، وخالف في ذلك زفر، وحكاه بعضهم عن مالك، واحتج بعضهم للجمهور بأن «إلى» في الآية بمعنى «مع»، كقوله تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] وتعقب بأنه خلاف الظاهر، وأجيب بأن القرينة دلت عليه وهي كون ما بعد «إلى» من جنس ما قبلها، وقال ابن القصار: اليد يتناولها الاسم إلى الإبط لحديث عمار أنه تيمم إلى الإبط، وهو من أهل اللغة، فلما جاء قوله تعالى ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] بقي المرفق مغسولا مع الذراعين، بحق الاسم، انتهى. فعلى هذا فَـ«إلى» هنا حد للمتروك من غسل اليدين لا للمغسول، وفي كون ذلك ظاهرا من السياق نظر، والله أعلم. وقال الزمخشري: لفظ «إلى» يفيد معنى الغاية مطلقا، فأما دخولها في الحكم، وخروجها فأمر يدور مع الدليل، فقوله تعالى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] دليل على عدم دخول النهي عن الوصال، وقول القائل: حفظت القرآن من أوله إلى آخره دليل على الدخول كون الكلام مسوقا لحفظ جميع القرآن، وقوله تعالى ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ لا دليل فيه على أحد الأمرين، قال: فأخذ العلماء بالاحتياط، ووقف زفر مع المتيقن، انتهى. قال الحافظ: ويمكن أن يستدل لدخولهما بفعله - ﷺ -، ففي الدارقطني بإسناد حسن من حديث عثمان في صفة الوضوء «فغسل يديه إلى المرفقين حتى مس أطراف العضدين» وفيه عن جابر قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه» لكن إسناده ضعيف، وفي البزار والطبراني من حديث وائل بن حجر في صفة الوضوء «وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق» وفي الطحاوي، والطبراني من حديث ثعلبة بن عباد، عن أبيه، مرفوعا «ثم غسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه» فهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا. قال إسحاق بن راهويه: «إلى» في الآية يحتمل أن تكون بمعنى الغاية، وأن تكون بمعنى «مع» فبينت السنة أنها بمعنى «مع» انتهى، وقد قال الشافعي في الأم: لا أعلم مخالفا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء، فعلى هذا فزفر محجوج بالإجماع قبله، وكذا من قال بذلك من أهل الظاهر بعده، ولم يثبت ذلك عن مالك صريحا وإنما حكى عنه أشهب كلاما محتملا اهـ فتح جـ ١/ ص ٣٥٠. قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي ما قاله الجمهور للأحاديث المذكورة، وكذا حديث مسلم عن أبي هريرة في صفة وضوء النبي - ﷺ - قال فيه: «ثم غسل يديه حتى أشرع في العضد» إلى أن قال: «ثم غسل رجليه حتى أشرع في الساق». وقد تقدم أنه إن دلت قرينة على دخول الغاية عمل بها، وها هنا القرينة فعل الرسول - ﷺ -، لأنه بيان للآية، ولا يقال: إنه توضأ ثلاثا، فيدل على وجوب التثليث أيضا، لأنا نقول: إن ذلك خرج بالنصوص التي دلت على أنه توضأ مرة مرة وغيرها، والله أعلم. (ثم مسح رأسه) زاد ابن الطباع «كله»، وفي رواية سفيان الآتية «برأسه» بزيادة الباء، وكذا في رواية خالد بن عبد الله كما قال الحافظ. قال القرطبيّ: الباء للتعدية يجوز حذفها، وإثباتها، كقولك مسحت رأس اليتيم، ومسحت برأسه، وقيل: دخلت الباء لتفيد معنى آخر، وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولا به، والمسح لا يقتضي ممسوحا به، فلو قال: وامسحوا رؤوسكم لأجزأ المسح باليد بغير ماء، فكأنه قال: وامسحوا برؤسكم الماءَ فهو على القلب، والتقدير: امسحوا رؤسكم بالماء. وقال الشافعي: احتمل قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ جميع الرأس، أو بعضه، فدلت السنة على أن بعضه يجزئ، والفرق بينه وبين قوله تعالى ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ في التيمم: أن المسح فيه بدل عن الغسل، ومسح الرأس أصل، فافترقا، ولا يرد كون مسح الخف بدلا عن غسل الرجل، لأن الرخصة فيه ثبتت بالإجماع. فإن قيل: فلعله اقتصر على مسح الناصية لعذر، لأنه كان في سفر، وهو مظنة العذر، ولهذا مسح على العمامة بعد مسح الناصية، كما هو ظاهر من سياق مسلم في حديث المغيرة بن شعبة: قلنا: قد روي عنه مسح مقدم الرأس من غير مسح على العمامة، ولا تعرض لسفر، وهو ما رواه الشافعي من حديث عطاء، أن رسول الله - ﷺ - توضأ فحسر العمامة عن رأسه، ومسح مقدم رأسه. وهو مرسل لكنه اعتضد بمجيئه من وجه آخر موصولا، أخرجه أبو داود من حديث أنس، وفي إسناده أبو معقل، لا يعرف حاله، فقد اعتضد كل من المرسل والموصول بالآخر وحصلت القوة من الصورة المجموعة، وهذا مثال لما ذكره الشافعي من أن المرسل يعتضد بمرسل آخر، أو مسند، وظهر بهذا جواب من أورد أن الحجة حينئذ بالمسند، فيقع المرسل لغوا، وقد قررت جواب ذلك فيما كتبته على علوم الحديث لابن الصلاح، وفي الباب أيضا عن عثمان في صفة الوضوء قال: «ومسح مقدم رأسه» أخرجه سعيد بن منصور، وفيه خالد بن يزيد بن أبي مالك مختلف فيه. وصح عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرأس، قاله ابن المنذر وغيره، ولم يصح عن أحد من الصحابة إنكار ذلك، قاله ابن حزم، وهذا كله مما يقوي به المرسل المتقدم ذكره، والله أعلم اهـ فتح ١/ ٣٥١. وقال الزرقاني: وأخرج ابن خزيمة عن إسحاق بن عيسى بن الطباع قال: سألت مالكًا عن الرجل يمسح مقدم رأسه في وضوئه أيجزيه ذلك؟ فقال: حدثني عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد قال: «مسح رسول الله - ﷺ - في وضوئه من ناصيته إلى قفاه ثم رد يديه إلى ناصيته فمسح رأسه كله» فإن كان لفظ الآية محتملًا مسح الكل فالباء زائدة، أو البعض فتبعيضية، فقد تبين بفعله - ﷺ - أن المراد الأول، ولم ينقل عنه أنه مسح بعض رأسه إلا في حديث المغيرة أنه مسح على ناصيته، وعمامته، رواه مسلم، قال علماؤنا: -يعني المالكية- ولعل ذلك كان لعذر بدليل أنه لم يكتف بمسح لناصية، حتى مسح على العمامة إذ لو لم يكن مسح كل الرأس واجبًا ما مسح على العمامة، واحتجاج المخالف بما صح عن ابن عمر من الاكتفاء بمسح مقدم الرأس ولم يصح عن أحد من الصحابة إنكار ذلك، لا ينهض إذ المختلف فيه لا يجب إنكاره، وقول ابن عمر لم يرفعه، فهو رأي له فلا يعارض المرفوع اهـ كلام الزرقاني جـ ١/ ص ٤٥. قال الجامع: وقد مر في حديث عثمان ﵁ أن الراجح وجوب التعميم، فتنبه. والله أعلم. (بيديه) بالتثنية (فأقبل بهما وأدبر) قال عياض: قيل: معناه أقبل إلى جهة قفاه، ورجع كما فسر بعده، وقيل: المراد: أدبر، وأقبل، والواو لا تعطي ترتيبا، قال: وهذا أولى، ويعضده رواية وهيب في البخاري، فأدبر بهما، وأقبل، وفي مسلم «مسح رأسه كله، وما أقبل، وما أدبر وصدغيه» اهـ زرقاني، وفي المنهل: قد اختلف في كيفية الإقبال والإدبار، على ثلاثة أقوال: الأول: أن يبدأ بمقدم رأسه الذي يلي الوجه فيذهب إلى القفا، ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه، وهو مبتدأ الشعر من حد الوجه، هذا هو ظاهر قوله «بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه» الخ، وهو مذهب مالك، والشافعي، وفيه أن هذه الصفة تخالف ظاهر قوله «فأقبل بهما، وأدبر» لأن ذهابه إلى جهة القفا إدبار، ورجوعه إلى جهة الوجه إقبال، وأجيب بأجوبة: منها: أن الواو لا تقتضي الترتيب، فالتقدير: أدبر، وأقبل، يدل عليه قوله «بدأ بمقدم رأسه» الخ وما رواه البخاري عن عبد الله بن زيد، وفيه «ثم أخذ بيده ماء، فمسح به رأسه، فأدبر به وأقبل». ومنها: أن الإقبال والإدبار من الأمور الإضافية التي تُنسب إلى ما يُقبَل إليه ويُدبَر عنه، والمؤخر محل يمكن أن ينسب إليه الإقبال، والإدبار. ومنها: حمل قوله «أقبل» على البداءة بالقبل، «وأدبر» على البداءة بالدبر، فيكون من باب تسمية الفعل بابتدائه، وهو أحد قولين للأصوليين في تسمية الفعل هل يكون بابتدائه أو انتهائه. القول الثاني: أنه يبدأ بمؤخر رأسه، ويمر إلى جهة الوجه، ثم يرجع إلى المؤخر محافظة على ظاهر لفظ «أقبل، وأدبر» فالإقبال إلى مقدم الوجه، والإدبار إلى ناحية المؤخر. وقد وردت هذه الصفة في الحديث الصحيح أنه - ﷺ - «بدأ بموخر رأسه» لكن يَرُدُّ هذه الصفة قوله «بدأ بمقدم رأسه» الذي ذُكر بيانا للإقبال والإدبار، ويحمل حديث البداءة بالمؤخر على تعدد الحالات لبيان الجواز، على أن حديث البداءة بالمقدم أكثر وأصح إسنادًا من حديث البداءة بالمؤخر كما ذكره الترمذي. القول الثالث: أنه بدأ بالناصية، ويذهب إلى ناحية الوجه، ثم يذهب إلى جهة مؤخر الرأس، ثم يعود إلى ما بدأ منه، وهو الناصية، ولعل قائل هذا قصد المحافظة على قوله «بدأ بمقدم رأسه» مع المحافظة أيضا على ظاهر لفظ «أقبل، وأدبر» لأنه إذا بدأ بالناصية صدق أنه بدأ بمقدم رأسه، وصدق أنه أقبل أيضا، لأنه ذهب إلى ناحية الوجه، وهو القبل، ويرده أيضا قوله «بدأ بمقدم رأسه» الخ فإنه جعله بادئا بالمقدم، إلى غاية الذهاب إلى قفاه، ومقتضى الصفة الثالثة أنه بدأ بمقدم الرأس غير ذاهب إلى قفاه، بل إلى ناحية وجهه، أفاده ابن دقيق العيد، والظاهر أن هذا من العمل المخير فيه، وأن المقصود من ذلك تعميم الرأس بالمسح. وقال النووي: قوله «ثم يمسح رأسه بيديه» الخ، هذا هو المستحب باتفاق العلماء، فإنه طريق إلى استيعاب الرأس ووصول الماء إلى جميع شعره، قال أصحابنا: وهذا الرد إنما يستحب لمن كان له شعر غير مضفور، أما من لا شعر على رأسه، أو كان شعره مضفورا، فلا يستحب له الرد إذ لا فائدة فيه، وليس في هذا الحديث دلالة لوجوب استيعاب الرأس بالمسح، لأن الحديث ورد في كمال الوضوء لا فيما لابد منه اهـ باختصار. والتفرقة بين من له شعر، وبين من لا شعر له لم نقف على ما يؤيده من الأحاديث، فالظاهر عدم التفرقة، وتقدم الخلاف في ذلك وأن المذهب القوي، وجوب استيعاب المسح، اهـ ما في المنهل جـ ٢/ ص ٤٥. (بدأ) أي ابتدأ (بمقدم رأسه) بفتح الدال مشددة، ويجوز كسرها والتخفيف، وكذا مؤخر قاله الزرقاني، والذي في المصباح: ومُؤخر العين ساكن الهمزة: ما يلي الصُّدْغ، ومُقْدمها بالسكون: طرفها الذي يلي الأنف، قال الأزهري: مؤخر العين، ومقدمها بالتخفيف لا غير، وقال أبو عبيدة: مؤخر العين الأجود فيه التخفيف، فأفهم جواز التثقيل على قلة، ومُؤَخَّر كل شيء بالتثقيل والفتح خلاف مُقَدَّمه. اهـ. وفي اللسان: ومُؤَخَّر كل شيء بالتشديد خلاف مُقَدَّمه، يقال: ضربت مُقَدَّم رأسه ومُؤَخَّره، وآخرةُ العين ومُؤخرُها ومُؤْخرَتها: ما ولي اللِّحَاظ، ولا يقال: كذلك إلا في مُؤْخر العين، ومُؤْخر العين مثل مُؤْمن: الذي يلي الصُّدْغ، ومُقْدمها: الذي يلي الأنف، يقال: نظر إليه بمُؤخر عينه، وبمُقْدم عينه، ومُؤْخر العين ومُقْدمها جاء في العين بالتخفيف خاصة. اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أنه يستفاد من عبارة الصباح، واللسان أن مُقَدَّم الرأس، ومُؤَخَّره بالتثقيل فقط، لا كما يقول الزرقاني من جواز التخفيف، لأن ذلك خاص بمُؤْخر العين ومُقْدمها، فتفطن. وقوله: «بدأ بمقدم رأسه» الخ، بيان لقوله: فأقبل بهما وأدبر، ولذلك لم تدخل الواو عليه. قاله العيني جـ ٢/ ص ٣٧٥. (ثم ذهب بهما) أي باليدين (إلى قفاه) بالقصر: مؤخر العنق، وألفها واو، والعرب تؤنثها، والتذكير أعم، قاله الأزهري، وقال ابن سيدَهْ: القفا وراء العنق أنثى، وقال اللحياني: القفا يذكر ويؤنث، وحكي عن عُكْل: هذه قفاه بالتأنيث، وحكى ابن جني المد في القفا وليست بالفاشية ولهذا جمع على أقفيه، أفاده في اللسان. وفي المصباح: وجمعه على التذكير أقفيَة، وعلى التأنيث أقْفَاء، مثل أرجاء، قاله ابن السراج، وقد يجمع على قُفيّ، والأصل مثل فلوس، وعن الأصمعي أنه سمع ثلاث أقف، قال الزجاج: التذكير أغلب، وقال ابن السكيت: القفا مذكر، وقد يؤنث، وألفه واو، ولهذا يثنى قَفَوَين. اهـ. (ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه) ليستوعب جهتي الشعر بالمسح، والمشهور عند من أوجب التعميم أن الأولى واجبة والثانية سنة. وقال الحافظ: الظاهر أن قوله «بدأ بمقدم رأسه» الخ، من الحديث، وليس مدرجا من كلام مالك، ففيه حجة على من قال: السنة أن يبدأ بمؤخر الرأس إلى أن ينتهي إلى مقدمه لظاهر قوله: «أقبل»، و«أدبر»، ويرد عليه أن الواو لا تقتضي الترتيب، وفي رواية للبخاري «فأدبر بيديه، وأقبل» فلم يكن في ظاهره حجة لأن الإقبال، والإدبار من الأمور الإضافية، ولم يعين ما أقبل إليه، ولا ما أدبر عنه، ومخرج الطريقين متحد، فهما بمعنى واحد، وعينت رواية مالك البداءة بالمقدم، فيحمل قوله «أقبل» على أنه من تسمية الفعل بابتدائه، أي بدأ بقبل الرأس اهـ فتح جـ ١/ ص ٣٥١. وقال ابن عبد البر: روى ابن عيينة هذا الحديث، فذكر فيه مسح الرأس مرتين، وهو خطأ، لم يذكره أحد غيره وقال: وأظنه تأوله على أن الإقبال مرة، والإدبار أخرى، اهـ زرقاني جـ ١/ ص ٤٥ - ٤٦. قلت: وهذه الرواية تأتي في الباب ٨٢ إن شاء الله تعالى. (ثم غسل رجليه) زاد في رواية وهيب عند البخاري «إلى الكعبين» والبحث فيه كالبحث في قوله «إلى المرفقين». والمشهور أن الكتب: هو العظم الناشز عند مُلتَقَى الساق والقدم، وحَكَى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة أنه العظم الذي في ظهر القدم عند معقد الشراك. وروي عن ابن القاسم عن مالك مثله، والأول هو الصحيح الذي يعرفه أهل اللغة، وقد أكثر المتقدمون من الرد على من زعم ذلك، ومن أوضح الأدلة فيه حديثُ النعمان بن بشير الصحيح في صفة الصف في الصلاة: فرأيت الرجل منا يُلزق كعبه بكعب صاحبه، وقيل إن محمدًا إنما رأى ذلك في حديث قطع المحرم الخفين إلى الكعبين إذا لم يجد النعلين اهـ فتح جـ ١/ ص ٣٥١. وقد رد البدر العيني ما قال الحافظ: بأن هذه الحكاية لم تنقل عن أبي حنيفة أصلا، بل نقلت عن محمد نفسه، وهو أيضا نقل غلط ولأنه فسر به حديث المحرم «إذا لم يجد النعلين، فيلبس الخفين، وليقطعهما بأسفل الكعبين» لا أنه فسر به آية الوضوء. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بحديث الباب الأولى: في درجته: حديث الباب متفق عليه. الثانية: فيمن أخرجه: حديث عبد الله بن زيد أخرجه الجماعة. فأما المصنف: فأخرجه هنا ٨٠، عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، كلاهما عن ابن القاسم، عن مالك، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد ﵁. وفي ٨١ وفي الكبرى ٧٤/ ١٠٣ عن عتبة بن عبد الله اليُحمدي، عن مالك به. وفي ٨٢، عن محمد بن منصور، عن سفيان عن عمرو به. وأما البخاري: فأخرجه في الطهارة عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، وعن موسى بن إسماعيل، وسليمان بن حرب كلاهما عن وهيب، وعن خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، وعن مسدد، عن خالد بن عبد الله، وعن أحمد بن يونس، عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون: خمستهم عن عمرو بن يحيى به. وأما مسلم: فأخرجه في الطهارة عن محمد بن الصباح، عن خالد بن عبد الله به. وعن القاسم بن زكريا، عن خالد بن مخلد به، وعن إسحاق بن موسى، عن معن، عن مالك به، وعن عبد الرحمن بن بشْر بن الحَكَم، عن بهز بن أسد، عن وهيب به. وأما أبو داود: فأخرجه فيه: عن مسدد به، وعن القعنبي، عن مالك به، وعن الحسن بن علي، عن أبي الوليد، وسهل بن حماد، كلاهما عن عبد العزيز بن الماجشون به. وأما الترمذي: فأخرجه في الطهارة عن إسحاق بن موسى الأنصاري، به مختصرا «مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما، وأدبر» بهذه القصة «ثم غسل رجليه»، وعن ابن أبي عمر عن سفيان، عن عمرو بن يحيى به مختصرا، وعن يحيى بن موسى، عن إبراهيم بن موسى، عن خالد بن عبد الله الطحان به مختصرا. وأما ابن ماجه: فأخرجه في الطهارة أيضا عن الربيع بن سليمان، وحرملة بن يحيى كلاهما عن محمد بن إدريس الشافعي، عن مالك به بتمامه، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أحمد بن عبد الله بن يونس، عن الماجشون به، مختصرا، وعن علي بن محمد، عن زيد بن الحباب، عن خالد بن عبد الله به مختصرا، أفاده الحافظ المزي في تحفته جـ ١/ ص ٣٤٣. المسألة الثالثة: من فوائد الحديث: غسل اليدين قبل شروعه في الوضوء مرتين أو ثلاثا، والمضمضة، والاستنشاق ثلاثا بثلاث غرفات، وغسل الوجه ثلاث مرات، وليس فيه خلاف، وغسل اليدين إلى المرفقين مرتين، وهو الذي بوب عليه المصنف، ومسح الرأس مستوعبا، وبداءة المسح بمقدم الرأس، وغسل الرجلين إلى الكعبين. وفيه جريان التلطف بين الشيخ وتلميذه، في قوله: هل تستطيع أن تريني الخ. وجواز الاستعانة في إحضار الماء من غير كراهة، وفيه التعليم بالفعل لأنه أبلغ، وأن الاغتراف من الماء القليل لا يصير الماء مستعملا، لأن في رواية وهيب وغيره «ثم أدخل يده»، وفيه الاقتصار على مرة واحدة في مسح الرأس. والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
مصادر المؤلف (٤)

١. العمارة بالفتح، ويكسر، رقعة مزينة، تخاط في المظلة. أفاده المجد في «ق» ص ٥٧١.

٢. بضم العين، وفتح التاء.

٣. وقد تقدم الكلام عليه في شرح حديث عثمان ﵁، حديث ٨٤ في المسألة السابعة.

٤. القائل: وقد قررت الخ هو الحافظ ﵀.