١٣٣ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ صَلَّى الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَعَلْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ، قَالَ: «عَمْدًا فَعَلْتُهُ يَا عُمَرُ».
رجال الإسناد: ستة
١ - (عبيد الله بن سعيد) بن يحيى اليشكري، أبو قُدَامة السرخسي، نزيم نيسابور، ثقة مأمون سني، من العاشرة، مات سنة ٢٤١ تقدم في ١٥/ ١٥.
٢ - (يحيى) بن سعيد بن فروخ -بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وسكون الواو ثم معجمة، التميمي، أبو سعيد القطان البصري، ثقة متقن حافظ إمام قدوة، من كبار التاسعة، مات سنة ١٩٨ وله ٧٨. تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (سفيان) بن سعيد الثوري الحجة المثبت الكوفي من -٧ - تقدم في ٣٣/ ٣٧.
٤ - (علقمة بن مرثد) بفتح الميم، وسكون الراء، بعدها مثلثة، الحضرمي، أبو الحارث الكوفي قال أحمد: ثبت في الحديث. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. ووثقه النسائي، وابن حبان، ويعقوب بن سفيان، وقال خليفة: مات في آخر ولاية خالد القسري على العراق. وفي «ت» ثقة من السادسة. أخرج له الجماعة.
٥ - (ابن بريدة) هو سليمان بن بريدة بن الحصيب، الأسلمي، المروزي قاضيها، وثقه ابن معين، وأبو حاتم. قال مسلم في الطبقة: مات هو وأخوه في يوم واحد، وولدا في يوم واحد. وفي «ت» ثقة من الثالثة، مات سنة ١٠٥، وله ٩٠ سنة (م ٤).
٦ - (بريدة) بن الحُصَيب، بمهملتين، مصغرًا، بن عبد الله بن الحارث الأسلمي، أبو عبد الله، وقيل غير ذلك. أسلم قبل بدر، ولم يشهدها، وشهد خيبر، وفتح مكة، واستعمله النبي - ﷺ - على صدقات قومه، وسكن المدينة، ثم انتقل إلى البصرة، ثم إلى مرو، فمات بها. روى عن النبي - ﷺ -. وعنه ابناه عبد الله، وسليمان، وعبد الله بن أوس الخزاعي، والشعبي، والمليح بن أسامة، وغيرهم. توفي سنة -٦٣ - أخرج له الجماعة.
لطائف الإسناد
منها أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين نيسابوري وهو شيخه، وبصري، وهو يحيى، وكوفي، وهو سفيان، ومروزيين: وهما سليمان وأبوه بريدة، فإنه مدني، ثم بصري، ثم مروزي. وفيه رواية الابن عن أبيه.
شرح الحديث
(عن ابن بريدة) سليمان (عن أبيه) بريدة بن الحصيب ﵁ (قال: كان رسول الله - ﷺ - يتوضأ لكل صلاة) أي مفروضة، يعني طاهرا أو غير طاهر كما تقدم في حديث أنس (فلما كان يوم الفتح) «كان» هنا يحتمل أن تكون تامة «ويوم» فاعلها، أي فلما جاء يوم الفتح، ويحتمل أن تكون ناقصة واسمها محذوف أي فلما كان الزمن يوم الفتح. والمراد بيوم الفتح يوم فتح مكة المكرمة الذي حصل به أعظم فتوح الإسلام، وأعز الله به دينه ورسوله وجنده وحرمه، واستبشر به أهل السماء، ودخل الناس في دين الله أفواجا وكان ذلك في السنة الثامنة
من الهجرة، كما هو معروف في التواريخ والسير (صلى) رسول الله - ﷺ - (الصلوات) زاد الترمذي «كلها»، وعند أبي داود: «خمس صلوات»، وعندهما «ومسح على خفيه» (بوضوء واحد) على خلاف عادته الغالبة، فإنه كان يتوضأ لكل صلاة، كما تقدم في حديث أنس ﵁، ولذا استغرب عمر ﵁ هذا الفعل منه كما بينه قوله (فقال له عمر) بن الخطاب ﵁ (فعلت شيئا لم تكن تفعله) هو تأديته - ﷺ - الصلوات الخمس بوضوء واحد.
وقال السندي: أي لم تكن تعتاده، وإلا فقد ثبت أنه كان يفعله قبل ذلك أحيانا، وقد فعله بالصهباء أيام خيبر حين طلب الأزواد، فلم يوت إلا بالسويق. اهـ ج ١ ص ٨٦.
قال الجامع عفا الله عنه: ويحتمل أن عمر وضي الله عنه لم يشهد ذلك، أو نسيه فأطلق النفي. والله أعلم.
(قال) - ﷺ - (عمدا فعلته يا عمر) أي فعلت جمع الصلوات بوضوء واحد متعمدا لا ساهيا، لبيان الجواز.
قال السندي: لما كان وقوع غير المعتاد يحتمل أن يكون عن سهو دفع ذلك الاحتمال ليعلم أنه جائز له ولغيره. اهـ ج ١ ص ٨٦.
وقال القاري في شرح المشكاة: الضمير راجع للمذكور، وهو جمع
الصلوات الخمس بوضوء واحد، والمسح على الخفين، وعمدا تمييز، أو حال من الفاعل، فقدم اهتماما بشرعية المسألتين في الدين واختصاصهما ردًا لزعم من لا يرى المسح على الخفين. وفيه دليل على أن من يقدر أن يصلي صلوات كثيرة بوضوء واحد لا تكره صلاته، إلا أن يدافعه الأخبثان كذا ذكره الشراح. لكن رجوع الضمير إلى مجموع الأمرين يوهم أنه لم يكن يمسح على الخفين قبل الفتح، والحال أنه ليس كذلك، فالوجه أن يكون الضمير راجعا إلى الجمع فقط، أي جمع الصلوات بوضوء واحد. انتهى كلامه. اهـ تحفة الأحوذي ج ١ ص ١٩٤.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث بريدة ﵁ أخرجه مسلم في صحيحه.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه من هذا الكتاب: أخرجه المصنف هنا -١٠١/ ١٣٢ - وفي الكبرى -٨٩/ ١٣٤ - بهذا السند.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول.
أخرجه (م د ت ق) فأما مسلم فأخرجه في الطهارة ٢٥/ ١ عن محمَّد ابن عبد الله بن نمير، عن أبيه، و٢٥/ ١ عن محمَّد بن حاتم، عن يحيى ابن سعيد.
وأما أبو داود: فأخرجه في الطهارة ٦٦ عن مسدد، عن يحيى.
وأما الترمذي: فأخرجه في الطهارة أيضا -٥٥ - عن محمَّد بن بشار، عن ابن مهدي ثلاثتهم عن سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه رضي لله عنه.
وأما ابن ماجه: فأخرجه في الطهارة أيضا -٧٢/ ٣ - عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمَّد، كلاهما عن وكيع، عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان نحوه. أفاده في التحفة ج ٢ ص ٦٩.
وأخرجه البيهقي والطحاوي قاله في المنهل ج ٢ ص ١٦٨.
المسألة الرابعة: ذكر أبو عيسى الترمذي في جامعه أنه وقع في هذا الحديث اختلاف، ودونك عبارته بزيادة من شرحه تحفة الأحوذي ج ١ ص ١٩٤، ١٩٥:
قال: وروى هذا الحديث علي بن قادم، عن سفيان الثوري، وزاد فيه «توضأ مرة مرة»، قال: وروى سفيان الثوري هذا الحديث أيضا عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة: أن النبي - ﷺ - كان يتوضأ لكل صلاة«ورواه وكيع، عن سفيان، عن محارب، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه.
قال: ورواه عبد الرحمن بن مهدي، وغيره، عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة، عن النبي - ﷺ - مرسلا، وهذا أصح من حديث وكيع. أي هذا المرسل الذي رواه عبد الرحمن بن مهدي وغيره، عن سفيان، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة بدون ذكر«عن أبيه»أصح من حديث وكيع الذي رواه عن سفيان، عن محارب مسندا بذكر«عن أبيه»ووجه كون المرسل أصح لأن رواته أكثر.«تنبيه» اعلم أن سفيان روى هذا الحديث عن شيخين: علقمة بن مرثد، ومحارب بن دثار، واختلاف أصحاب سفيان في روايته مرسلا، ومسندا أنما هو في روايته عن محارب، لا في روايته عن علقمة، فإن أصحابه لا يختلفون في روايته عن علقمة في الإسناد والإرسال، بل كلهم متفقون في روايته مسندا. انتهى تحفة الأحوذي ج ١ ص ١٩٥.
قال الجامع: رواية المصنف، ومسلم من طريق علقمة، فلا كلام فيها والله أعلم.
المسألة الخامسة: في فوائد هذا الحديث:
من فوائده: أنه يدل على جواز تأدية الصلوات المفروضة بوضوء واحد وعلى أنه - ﷺ - كان يواظب قبل هذا على الوضوء لكل صلاة، عملا بالأفضل، وعلى جواز سؤال المفضول الفاضل عن بعض أعماله التي في ظاهرها مخالفة للعادة الشرعية؛ لأنها قد تكون عن نسيان فيرجع عنه، وقد تكون عمدا لمعنى خفي على المفضول فيستفيده، وعلى أنه ينبغي للمسئول إجابة السائل. أفاده في المنهل ج ٢ ص ١٦٨.
وأما اختلاف العلماء في حكم المسألة: فقد تقدم في المسائل التي في آخر حديث أنس ﵁ في أول الباب فارجع إليه. والله أعلم.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».
١٠٢ - بَابُ النَّضْحِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية نضح المتوضئ فرجه بالماء، والنضح: بفتح فسكون: الرَّشّ: قال في المصباح: نضحت الثوب نضحا من باب ضرب ونفع، وهو البل بالماء والرش «وينضح من بول الغلام» أي يرش، ونضح الفرس: عَرقَ، ونضح العَرَق: خرج، وانتضح البول على الثوب: تَرَشَّشَ، ونضح البعيرُ الماء: حمله من نهر، أو بئر، لسقي الزرع، فهو ناضح، والأنثى ناضحة بالهاء، سمي ناضحا؛ لأنه ينضح العطش، أي يبله بالماء الذي يحمله هذا أصله، ثم استعمل الناضح في كل بعير، وإن لم يحمل الماء، وفي حديث «أطعمه ناضحك» أي بعيرك، والجمع نواضح، «وفيما سقي بالنضح»: أي بالماء الذي ينضحه الناضح، ونضحت القربةُ نضحًا من باب نفع: رشحت.
هذا كله بالحاء المهملة، وأما إذا كان بالخاء المعجمة فهو أبلغ منه.
قال في المصباح: نَضَخْت الثوب -يعني بالمعجمة- نضخًا من بابي ضرب ونفع: إذا بَلَلْتَهُ أكثر من النضح، فهو أبلغ منه، وغيث نضاخ: أي كثير غزير، وعين نضاخة: أي فوارة غزيرة. وقال الأصمعي: لا يتصرف فيه بفعل، ولا باسم فاعل. وقال أبو عبيد: أصابني نضخ من كذا، ولم يكن فيه فَعَل، ويَفعَل منسوب إلى أحد. اهـ.
وقال في اللسان: النضح يعني بضاد معجمة فحاء مهملة: الرش نضح عليه الماء ينضح نضحا إذا ضربه بشيء فأصابه منه رشاش. ونضح عليه الماءُ: ارتش وقال الأصمعي: نضحت عليه الماء نضحا، وأصابه نضح من كذا. وحكى الأزهري عن الليث: النضح -أي بالحاء المهملة -كالنضخ- أي بالمعجمة- ربما اتفقا، وربما اختلفا.