إن كان خيرا فحدثنا، وإن كان غير ذلك فالله ورسوله أعلم، قال: ما من مسلم يتطهر، فيتم الطهور الذي كتب الله عليه، فيصلي هذه الصلوات الخمس إلا كانت كفارات لما بينها«.
وأما (ق) فأخرجه في الطهارة ٥٧/ ١ عن بندار عن غندر، عن شعبة، عن جامع بن شداد به.
وأخرجه أحمد في مسنده كما مرَّ قريبًا، وأخرجه ابن حبان في صحيحه ج ٢ ص ١٩٠.
المسألة الرابعة: في فوائده: منها: فضل الوضوء كما أمره الله تعالى، وفضل الصلوات الخمس، وأن من أحسن ذلك حصل له تكفير خطاياه، وقد تقدم فضل إسباغ الوضوء في الباب الذي قبل هذا، ويأتي
أيضا في الأحاديث الآتية، إن شاء الله تعالى. وبالله تعالى التوفيق.
١٤٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ، أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَا مِنِ امْرِئٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي الصَّلَاةَ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ الأُخْرَى حَتَّى يُصَلِّيَهَا».
رجال الإسناد: ستة
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني ثقة ثبت١٠. تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) أنس الإمام العَلَم ثقة فقيه حجة -٧ - تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (هشام بن عروة) بن الزبير بن العوام الأسدي، ثقة، فقيه، ربما دلس من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومائة، وله ٨٧ سنة.
(ع) تقدم في ٤٩/ ٦١.
٤ - (عروة بن الزبير) بن العوّام بن خُويلد الأسدي، أبو عبد الله
المدني، ثقة فقيه مشهور، من الثالثة، مات سنة ٩٤ على الصحيح، ومولده في أوائل خلافة عثمان. (ع). تقدم في ٤٠/ ٤٤.
وأما ٥ - (حمران)، ٦ - (عثمان) فتقدما في السند السابق.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سدسياته.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات أجلاء.
ومنها: أنهم مدنيون، إلا شيخ المصنف فبغلاني.
ومنها: أنهم ممن اتفق الجماعة على تخريج أحاديثهم.
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه.
ومنها: أن فيه رواية ثلاثة من التابعين، بعضهم عن بعض، هشام، عن عروة، عن حمران.
ومنها: أن عروة أحد الفقهاء السبعة، وقد تقدم غير مرة.
شرح الحديث
(عن حمران مولى عثمان) كان من النَّمر بن قاسط سُبيَ بعين التَّمْر فابتاعه عثمان من المسيب بن نجبة فأعتقه. اهـ تت ج ٣ ص ٢٤ (أن عثمان ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ -) أي كلامه، حال كونه (يقول: ما) نافية (من) زائدة كما قال ابن مالك
وَزيدَ في نَفْي وَشبْهه فَجَر … نَكرَةً كمَا لبَاغ منْ مَفَر
(امرئ) المراد به الشخص فيعم الرجل والمرأة، وإلا فلفظه لا يطلق غالبا إلا على الرجل فقط، قال في المصباح: والمرأ الرجل بفتح الميم وضمها لغة، فإن لم تأت بالألف واللام قلت: امرؤ وامرآن والجمع
رجال من غير لفظه، والأنثى امرأة بهمزة وصل، وفيها لغة أخرى مرأة وزان تمرة، ويجوز بنقل حركة هذه الهمزة إلى الراء، فتحذف، وتبقى
مرة وزان سنة، وربما قيل فيها امرأ بغير هاء اعتمادا على قرينة تدل على المسمى، قال الكسائي: سمعت امرأة من فصحاء العرب تقول: أنا امرأ أريد الخير بغير هاء وجمعها نساء، ونسوة من غير لفظها. اهـ عبارة المصباح ج ٢ ص ٥٧٠.
(يتوضأ، فيحسن وضوءه) بإكمال محل الفرض غسلا ومسحا، لما تقدم من رواية مسلم «فيتم الطهور الذي كتب الله عليه»، ويحتمل أن يكون المراد بالإحسان هنا هو استكمال الواجبات والمندوبات، لكن الأول هو الظاهر (ثم يصلى الصلاة) أي المكتوبة لما في مسلم أيضا «ثم يصلي المكتوبة» (إلا غفر الله) أي إلا رجل غفر له، فالمستثنى محذوف، لأن الفعل لا يقع مستثنى، أو التقدير ما يتوضأ امرؤ في حال إلا في حال المغفرة، فيكون الاستثناء من عموم الأحوال. أفاده العلامة العيني في العمدة ج ٣ ص ١٣ (ما بينه وبين الصلاة الأخرى) أي التي تليها، كما صرح به مسلم في صحيحه من هذا الطريق (حتى يصليها) أي يشرع في الصلاة الثانية. قاله في الفتح. واعترضه العلامة العيني بأن هذا معنى
فاسد؛ لأن قوله «ما بينه وبين الصلاة» يحتمل أن يراد به بين الشروع في الصلاة وبين الفراغ عنها، ولما كان المراد الفراغ عنها أشار إليه بقوله: «حتى يصليها»، ولهذا لم يكتف بقوله بين الصلاة لأنه لا يغني عن ذكر حتى يصليها لما ذكرنا. اهـ كلام العيني ج ٣ ص ١٣.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله العيني هو الظاهر، فالمعنى حتى يفرغ من الصلاة الثانية والله أعلم. ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث متفق عليه.
المسألة الثانية: في ذكر موضعه من هذا الكتاب: لم يذكره المصنف إلا في هذا الموضع.
المسألة الثالثة فيمن أخرجه من أصحاب الأصول معه: أخرجه (خ م) فأخرجه (خ) في الطهارة -٢٥ - عن عبد العزيز بن عبد الله، عن
إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن الزهري، عن عروة، عن حمران، عن عثمان ﵁.
وأخرجه (م) في الطهارة ٤/ ٣ عن زهير بن حرب، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن عروة به.
المسألة الرابعة قال العلامة العيني: ظاهر هذا الحديث يدل على أن المغفرة المذكورة لا تحصل إلا بالوصف المذكور من إحسان الوضوء والصلاة، وفي الصحيح من حديث أبي هريرة «وإذا توضأ العبد المسلم خرجت خطاياه» ففيه أن الخطايا تخرج من أول الوضوء حتى يفرغ من الوضوء نقيًا من الذنوب، وليس فيه ذكر الصلاة، فيحتمل أن يحمل حديث أبي هريرة عليها، لكن يبعده أن في رواية لمسلم من حديث عثمان «وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة» ويحتمل أن يكون ذلك باختلاف
الأشخاص، فشخص يحصل له ذلك عند الوضوء، وآخر عند تمام الصلاة. اهـ كلام العيني. ج ٣ ص ١٣.
المسألة الخامسة: قال العلامة العيني أيضًا ما حاصله: أن المراد بغفران الذنوب في هذا الحديث وأمثاله غفران الصغائر لما في صحيح مسلم «ما من أمرى مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها، وخضوعها، وخشوعها، وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة» وفي الحديث الآخر «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر».
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدم أن الراجح في النصوص التي لم تقيد عدم تقييدها، فتبصر، والله أعلم.
وقال العيني: لا يقال إذا كفر الوضوء فماذا تكفر الصلاة، وإذا كفرت الصلاة فماذا تكفر الجمعة ورمضان، وكذا صيام عرفة يكفر سنتين، ويوم عاشوراء كفارة سنة، وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه؛ لأن المراد أن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره، وإن لم يصادف صغيرة كتبت له حسنات ورفعت له درجات، وإن صادف كبيرة أو كبائر، ولم يصادف