١١٠ - حِلْيةُ الوُضُوءِ
الحلية بالكسر جمعه حُلَى بالكسر والضم وهو ما يتزين به من مصوغ المعدنيات، أو الحجارة، والراد به هنا التحجيل في القيامة من آثار الوضوء.، وسيأتي مزيد بسط له، إن شاء الله تعالى.
١٤٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ خَلَفٍ -وَهُوَ ابْنُ خَلِيفَةَ- عَنْ أَبي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَكَانَ يَغْسِلُ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ إِبْطَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا هَذَا الْوُضُوءُ؟ فَقَالَ لِي: يَا بَنِي فَرُّوخَ أَنْتُمْ هَا هُنَا، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ هَا هُنَا مَا تَوَضَّأْتُ هَذَا الْوُضُوءَ، سَمِعْتُ خَلِيلِي - ﷺ - يَقُولُ: «تَبْلُغُ حِلْيَةُ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ».
رجال الإسناد: خمسة
١ - (قتيية) بن سعيد أبو رجاء البغلاني ثقة ثبت١٠ تقدم في ١/ ١.
٢ - (خلف بن خليفة) بن صاعد الأشجعي مولاهم، أبو أحمد الكوفي، نزيل واسط، ثم بغداد، صدوق اختلط في الآخر، وادعى أنه رأى عمرو بن حريث الصحابي فأنكر عليه ذلك ابن عيينة وأحمد،
من الثامنة، مات سنة -١٨١ - على الصحيح. بخ م ٤. وفي الخلاصة: بعد ذكر نحو ما تقدم روى عن أبيه، وحميد الأعرج، وأبي بشر. وعنه هشيم، وسعيد بن منصور، وقتيبة. قال أحمد: لم ير عمرو ابن حريث، ومن كتب عنه قديما فسماعه صحيح. وكتب في الهامش ما نصه: لفظ التهذيب: عن عبد الله بن أحمد سمعت أبي يقول: قال رجل لسفيان ابن عيينة: يا أبا محمَّد عندنا رجل يقال له: خلف بن خليفة يزعم أنه رأى عمرو بن حريث، فقال: كذب، لعله رأى جعفر ابن عمرو بن حريث. وقال الحسن الميموني: سمعت أبا عبد الله يسأل رأى خلف بن خليفة عمرو بن حريث؟ قال: لا، ولكنه عندي شبه عليه. وقال موضع آخر: رأيت خلف بن خليفة وهو مفلوج سنة -١٨٧ - قد حمل وكان لا يفهم، فمن كتب عنه قديما فسماعه صحيح. اهـ. صة ١ ص ٢٩٢. ومثله في «تت».
٣ - (أبو مالك الأشجعي) سعد بن طارق، الكوفي، ثقة، من الرابعة، مات في حدود الأربعين ومائة وثقه أحمد، وابن معين، والعجلي، وابن سعد، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، يكتب حديثه. وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن عبد البر: لا أعلمهم يختلفون في أنه ثقة عالم، علق عنه البخاري، وأخرج له الباقون.
٤ - (أبو حازم) سلمان الأشجعي، الكوفي، ثقة، من الثالثة، مات على رأس المائة. (ع) وفي الخلاصة: أنه جالس أبا هريرة خمس سنين، ويروي عن الحسين والحسن، وابن عمر. وعنه فضيل بن غزوان، ومحمد بن جحادة والأعمش، وثقه أحمد وابن معين. مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. اهـ.
٥ - (أبو هريرة) الدوسي الصحابي الجليل ﵁. تقدم في ١/ ١.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات إلا خلفًا فصدوق اختلط بآخرة، وأنهم كوفيون إلا قتيبة فبغلاني، وأبا هريرة فمدني، وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي: أبو مالك، عن أبي حازم، وأن صحابيه أحد المكثرين السبعة، بل هو رئيسهم روى -٥٣٧٤ - .
بيان النسبة: «الأشجعي» بفتح الهمزة وسكون الشين وفتح الجيم نسبة إلى أشجع ابن ريث بن غَطَفَان بن سعد بن قيس عيلان، قبيلة مشهورة. أفاده في اللباب ج ١ ص ٦٤.
شرح الحديث
(عن أبي حازم) سلمان الأشجعي، أنه (قال: كنت خلف أبي هريرة) أي وراءه (وهو يتوضأ للصلاة) جملة حالية من أبي هريرة (وكان) أبو هريرة (يغسل يديه حتى يبلغ إبطيه) غاية للغسل، يعني أنه يبالغ في مد الغسل إلى أن يبلغ إلى الإبط. وعند مسلم: فكان يمد يده حتى تبلغ إبطه.
والإبط: بكسر فسكون ما تحت الجناح، ويذكر ويؤنث، فيقال: هو الإبط وهي الإبط، ومن كلامهم رفع السوط حتى بَرَقت إبطه، والجمع آباط مثل حمْل وأحمال، ويزعم بعض المتأخرين أن كسر الباء لغة، وهو غير ثابت؛ لأن سيبويه قال: لم يجىء على فعل بكسر الفاء والعين من الأسماء إلا حرفان إبل وحبر، هو القَلَح ومن الصفات إلا حرف وهي امرأة بلز وهي الضخمة. أفاده في المصباح. ج ١ ص ٢.
قال الجامع: لكن في «ق» ما يفيد أن كسر الباء لغة.
قال أبو حازم (فقلت: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟) «ما» استفهامية مبتدأ أو خبر مقدم، و«هذا» خبره، أو مبتدأ مؤخر، و«الوضوء» نعت لاسم الإشارة، أو بدل منه، أو عطف بيان، كما قال بعضهم:
مُعَرَّفٌ بَعْدَ إشَارَة بألْ … يُعْرَبُ نَعْتًا أوْ بَيَانًا أوْ بَدَلْ
يقول: أيُّ شيء هذا الوضوء الذي يخالف صفة الوضوء التي كنا نراها منك قبل هذا. وكان أبوهريرة لا يتوضأ مثل هذا الوضوء إذا كان بين الناس، كما يدل عليه كلامه الآتي (فقال) أبو هريرة (يا بني فروخ) بفتح الفاء وتشديد الراء: قال النووي رحمه الله تعالى: قال صاحب كتاب العين: فروخ بلغنا أنه كان من ولد إبراهيم - ﷺ - من ولد كان بعد إسماعيل، وإسحاق كثر نسله، ونما عدده، فولد العجم الذين هم في وسط البلاد قال القاضي عياض: أراد أبو هريرة هنا الموالي، وكان
خطابه لأبي حازم. اهـ شرح مسلم ج ٣ ص ١٤٠.
وفي «ق» وشرحه: وفروخ كتنور أخو إسماعيل، وإسحاق أبو العجم الذين هم في وسط البلاد، وهو فارسي، ومعناه السعيد طالعه، وقد تسقط واوه في الاستعمال، وهو غير منصرف للعجمة والعلمية.
اهـ بتغيير يسير. ج ٢ ص ٢٧٢.
(أنتم ههنا؟ لو علمت أنكم ها هنا ما توضأت هذا الوضوء) أي لئلا يعتقدوا أنه من واجبات الوضوء. قال القاضي عياض: أراد أبو هريرة بكلامه هذا أنه ينبغي لمن يُقتَدَى به إذا ترخص في أمر لضرورة، أو تشدد لوسوسة، أو لاعتقاده في ذلك مذهبا شذ به عن الناس أن لا يفعله بحضرة العامة الجهلة لئلا يترخصوا برخصته لغير ضرورة، أو يعتقدوا أن ما تشدد فيه هو الفرض اللازم اهـ. شرح مسلم. للنووي.
قال الجامع عفا الله عنه: في قول القاضي لوسوسة نظر لا يخفى لأنه ليس التشدد للوسوسة مشروعا به، بل الواجب على الإنسان أن لا يلتفت إلى الوسواس، ويبتعد عنه.
ثم قال أبو هريرة مبينا مستنده في هذا الوضوء (سمعت خليلي - ﷺ -)
فعيل بمعنى فاعل، هو الصديق، من الخَلة بالفتح، وهي الصداقة، والضم لغة. كما في المصباح. وفي اللسان: قال ابن دريد: الذي سمعت به أن معنى الخليل الذي أصفى المودةَ وأصحها، قال: ولا أزيد فيها شيئا لأنها في القرآن، يعني قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، والجمع أخلَّاء وخُلَّان، والأنثى خليلة، والجمع خليلات وقال الزجاج: الخليل المحب الذي ليس في محبته خلل. وقوله ﷿: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، أي أحبه محبة تامة لا خلل فيها، قال: وجائز أن يكون معناه الفقير، أي اتخذه محتاجا فقيرا إلى ربه، قال: وقيل للصداقة خلة لأن كل واحد منهما يسد خلل صاحبه في المودة والحاجة إليه. اهـ ج ١١ ص ٢١٨.
يعني أنه سمع النبي - ﷺ - (يقول: تبلغ حلية المؤمن) وفي نسخة يبلغ بالياء، وفي أخرى تبلغ الحلية من المؤمن.
والحلية: بكسر المهملة وسكون اللام وياء مخففه تطلق على السِّيمَا، والمراد به هنا التحجيل من أثر الوضوء يوم القيامة، وعلى الزينة، والمراد به ما يشير إليه قوله تعالى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ [الكهف: ٣١]، أفاده السندي. ج ١ ص ٩٥.
وقال ابن منظور: والحَلْي -أي بفتح الحاء وسكون اللام- ما تُزُيِّنَ به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة، والجمع حُليّ -يعني بالضم- وقال الجوهري: الحَلْي -يعني بفتح فسكون حَلْي المرأة. وجمعه حُليّ مثل ثدى وثدي، وهو فعول، وقد تكسر الحاء لمكان الياء، مثل عصي، وقرىء ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ [الأعراف: ١٤٨] بالضم والكسر وحلية السيف جمعها حلَى مثل لحْية ولحى وربما ضم. اهـ لسان ج ١٤ ص ١٩٥.
والمعنى أن زينة المؤمن التي يزينه الله تعالى بها في القيامة تبلغ (حيث ييلغ الوضوء) أي الكان الذي كان يبلغ إليها ماء الوضوء في الدنيا، فحيث ظرف لتبلغ. والله تعالى أعلم، وبه المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولي: في درجته: هذا الحديث، أخرجه مسلم. فإن قيل: إن في سنده خلف بن خليفة، أجيب بأنه تابعه عليٌّ بن مسهر عند ابن حبان، وابنُ إدريس عند ابن خزيمة.
المسألة الثانية: في بيان موضعه من هذا لكتاب: لم يذكره المصنف إلا في هذا الموضع ١١٠/ ١٤٩ وأخرجه أيضا في الكبرى -٩٦/ ١٤٢ بهذا السند.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول وغيرهم: أخرجه مسلم في الطهارة ١٣ عن شيخ المصنف.
وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه ٧/ ٧ عن أبي طاهر، عن أبي بكر، عن إبراهيم بن يوسف الصيرفي، عن ابن إدريس، عن أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم قال رأيت أبا هريرة يتوضأ فجعل يبلغ بالوضوء قريبا من إبطه فقلت له؟ فقال إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول «إن الحلية تبلغ مواضع الوضوء».
وأخرجه ابن حبان في صحيحه ج ١ رقم ١٠٤٢ عن أحمد بن علي بن المثنى، عن عبد الغفار بن عبد الله الزبيري، عن علي بن مسهر، عن سعد بن طارق، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «تبلغ حلية أهل الجنة مبلغ الوضوء». وأخرجه أحمد ج ٢ ص ٣٧١.
المسألة الرابعة: في فوائده:
من فائدة هذا الحديث: أنه ينبغي للعالم أن لا يفعل عند العوام ما لا