١١١ - بَابُ ثَواب مَنْ أحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بيان أجر من أحسن في وضوئه بمراعات واجباته وسننه كما ثبت عن النبي - ﷺ -، ثم صلى بعده ركعتين بالصفة الآتية. وليس هذا الباب في الكبرى، وكان الأحسن للمصنف أن يذكر هذا الحديث في باب، ١٠٨ (ثواب من توضأ كما أمر) والله أعلم.
١٥١ - أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، وَأَبِي عُثْمَانَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يُقْبِلُ عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ».
رجال الإسناد: ثمانية
كلهم تقدموا في ١٠٩/ ١٤٨ إلا موسى بن عبد الرحمن فتقدم في ٧٤/ ٩١ وإلا جبير بن نفير الحضرمي: فهو جبير بن نفير بالتصغير فيهما- بن مالك بن عامر الحضرمي الحمصي، ثقة جليل مخضرم من
الثانية، ولأبيه صحبة، فكأنه هو ما وقد إلا في عهد عمر رضي الله، ت سنة -٨٠ -، وقيل: بعدها.
وفي (تت): أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله الحمصي، أدرك زمان النبي - ﷺ -، وروى عنه، وعن أبي بكر الصديق ﵁ مرسلا، وعن عمر بن الخطاب ﵁، وفي سماعه منه نظر، وعن أبيه، وأبي ذر، وأبي الدرداء، والمقداد بن الأسود، وخالد بن الوليد، وعبادة بن الصامت، وابن عمر، ومعاوية، والنَّوَاس بن سمعان، وثوبان، وعقبة بن عامر الجهني، وخلق.
وعنه ابنه عبد الرحمن، ومكحول، وخالد بن معدان، وأبو الزاهرية، وأبو عثمان، وليس بالنهدي، وحبيب بن عبيد، وصفوان ابن عمرو، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقة، من كبار تابعي أهل الشام، وقال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو زرعة الدمشقي: رفع دُحَيم من شأن جبير بن نفير، وقدم أبا إدريس عليه، وقال النسائي: ليس أحد من كبار التابعين أحسن
رواية عن الصحابة من ثلاثة، قيس بن أبي حازم، وأبي عثمان النهدي، وجبير بن نفير. قال أبو حسان الزيادي مات سنة ٧٥، وكان جاهليا أسلم في خلافة أبي بكر، ويقال: مات سنة ٨٠.
وقال ابن حبان في ثقات التابعين أدرك الجاهلية، ولا صحبة له وقال سليم بن عامر، عن جبير: استقبلت الإسلام من أوله، وقال أبو زرعة: هو أسن من إدريس لأنه قد ثبت له إدراك عمر، وسمع كتابه يقرأ بحمص، وقال ابن سعد: كان ثقة فيما يروي من الحديث، وقال ابن خراش: هو من أجل تابعي بالشام، وكذا قال الآجري عن أبي داود، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة، وقال يعقوب ابن شيبة: مشهور بالعلم، وذكره الطبري في طبقات الفقهاء. وقال معاوية بن صالح:
أدرك إمارة الوليد بن عبد الملك. انتهى، فإن صح ذلك فيكون عاش إلى سنة بضع؛ لأن الوليد ولي سنة -٨٦ -، والله أعلم. اهـ تت ج ٢ ص ٦٤ - ٦٥.
لطائف الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف، وأن رواته ثقات غير زيد بن الحباب، ومعاوية بن صالح، فصدوقان، وأنهم ما بين كوفيين: وهما زيد، وموسى، وشاميين: وهم من بعد زيد إلى عقبة، ومصري وهو عقبة ﵁.
الشرح
(عن عقبة بن عامر الجهني) بضم ففتح نسبة إلى جهينة قبيلة من قضاعة، قاله في اللباب ج ١ ص ٣١٧.أنه (قال: قال رسول الله - ﷺ -: من) شرطية (توضأ، فأحسن الوضوء) بالإسباغ مع مراعات الآداب بلا إسراف، قاله السندي (ثم صلى ركعتين، يقبل عليهما) الجملة صفة لركعتين، وعند مسلم «مقبل عليهما»، أي متوجه على الركعتين (بقلبه ووجهه) قال النووي ﵀: جمع - ﷺ - بهاتين اللفظتين أنواع الخضوع والخشوع؛ لأن الخضوع في الأعضاء، والخشوع في القلب، على ما قاله جماعة من العلماء. اهـ شرح مسلم ج ٣ ص ١٢١.
وقال السندي ﵀: الإقبال بالقلب أن لا يغفل عنهما، ولا يتفكر في أمر لا يتعلق بهما، ويصرف نفسه عنه مهما أمكن، والإقبال بالوجه أن لا يلتفت به إلى جهة لا يليق بالصلاة الالتفات إليها، ومرجعه الخشوع والخضوع، فإن الخشوع في القلب، والخضوع في الأعضاء.
قال: يمكن أن يكون هذا الحديث بمنزلة التفسير لحديث عثمان، وهو «من توضأ نحو وضوئي» الخ، وعلى هذا فقوله «أحسن الوضوء» هو
أن يتوضأ نحو ذلك الوضوء، وقوله في حديث عثمان: «لا يحدث نفسه فيهما» هو أن يقبل عليهما بقلبه ووجهه، وقوله في ذلك الحديث: «غفر له» الخ أريد به أنه يجب له الجنة، ولا شك أن ليس المراد دخول الجنة مطلقا، فإنه يحصل بالإيمان، بل المراد دخولا أوليا، وهذا يتوقف على مغفرة الصغائر والكبائر جميعا، بل مغفرة ما يفعل بعد ذلك أيضا، نعم لابد من اشتراط الموت على حسن الخاتمة، وقد يجعل هذا الحديث بشارة بذلك أيضا والله أعلم. اهـ كلام السندي ج ١ ص ٩٥ - ٩٦.
وقوله: (وجبت له الجنة) جواب «من» أي ثبتت له، من قولهم: وجب البيع، والحق، يجب، وُجُوبا، وجبَةً، كعدَة: لزم وثبت. أفاده في المصباح ج ٢ ص ٦٤٨. والله المستعان، عليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث عقبة حديث صحيح.
المسألة الثانية: في بيان موضعه عند المصنف: لم يذكره المصنف إلا في هذا الموضع، المجتبى، ١١١/ ١٥١.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م د) فأخرجه (م) في الطهارة ٦/ ١، عن محمَّد بن حاتم، عن ابن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة بن عامر، قال معاوية: وحدثني أبو عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي فروّحتها بعشي، فأدركت رسول الله - ﷺ - قائما يحدث الناس فأدركت من قوله: «ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة». وفيه حديث عقبة بن عامر، عن عمر بن الخطاب
في فضل إسباغ الوضوء، والتشهد بعده. و-٦/ ١ - عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، وأبي عثمان، عن جبير بن نفير، عن عقبة بن عامر، عن النبي - ﷺ - بهذا.
وأخرجه (د) ني الطهارة -٦٥/ ١ - عن أحمد بن سعيد الهمداني، ووهيب بن بيان، كلاهما عن ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن أبي عثمان -قال أبو القاسم: وأظنه- سعيد بن هانئ، عن جبير بن نفير به. قال معاوية: وحدثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس، عن عقبة بن عامر به- وفيه حديث عمر، وفي الصلاة -١٦٣/ ٢ - عن عثمان بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن جبير بن نفير به وليس في حديث عمر. أفاده الحافظ المزي ﵀تحفة- ج ٧ ص ٣٠٤ وأخرجه الدارمي، وأحمد.
المسألة الرابعة: في بعض فوائده. يستفاد من هذا الحديث: الاعتناء بالإحسان في الوضوء، واستحباب ركعتين بعده، وأداؤهما بالخشوع والخضوع، وأن ذلك سبب لوجوب الجنة، وأن من فعل هكذا له البشارة بالموت على الإيمان؛ لأن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة، وهذا هو مأمول كل عاقل، وهو الذي فتت أكباد عباد الله الصالحين، فكل متمنياتهم الموت على الإيمان، فينبغي الحرص على هذا العمل الذي هو سبب الفلاح الأبدي، والنجاح السرمدي، نسأل الله تعالى أن يلهمنا ما فيه الفوز والرشاد، والفلاح في دار المعاد، إنه غني كريم، رؤوف رحيم.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».
ولما أنهى الكلام على الوضوء ومتعلقاته، شرع يبين نواقضه، فقال:
بَابُ مَا يَنْقُضُ الوُضُوءَ، ومَا لا يَنْقُضُ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على الأشياء التي تُخرج الوضوء الشرعي عن كونه مفتاح الصلاة، ومبيحا لها.
وَنَقَضَ ينقُضُ من باب قتل، يقال: نقضت البناء نقضا: إذا هدمته، والنُّقض مثل قُفل وحمل: بمعنى المنقوض، واقتصر الأزهري على الضم، قال: النقض اسم البناء المنقوض إذا هُدمَ، وبعضهم يقتصر على الكسر، ويمنع الضم، والجمع نقوض، ونقضت الحبل نقضا أيضا حللت بَرْمَه، ومنه يقال: نقضت ما أبرمه: إذا أبطلته، وانتقض هو بنفسه، وانتقضت الطهارة بطلت، وانتقض الجرح بعد برئه، والأمر بعد التئامه: فسد. اهـ المصباح بزيادة يسيرة ج ٢ ص ٦٢٢.
وقال بعضهم: النقض إذا أضيف إلى الأجسام يراد بها إبطال تأليفها، وإذا أضيف إلى المعاني يراد به إخراجها عما هي مطلوبة له.
ثم ذكر النواقض في أبواب متتالية فقال: