١١٩ - بَابُ ترك الوُضوءِ مِنْ ذَلِكَ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على ترك الوضوء من مس الذكر.
١٦٥ - أَخْبَرَنَا هَنَّادٌ، عَنْ مُلَازِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَدْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجْنَا وَفْدًا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَبَايَعْنَاهُ، وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ جَاءَ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِيٌّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا تَرَى فِي رَجُلٍ مَسَّ ذَكَرَهُ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: «وَهَلْ هُوَ إِلَّا مُضْغَةٌ مِنْكَ»، أَوْ «بَضْعَةٌ مِنْكَ».
رجال الإسناد: خمسة
١ - (هناد) بن السرى أبو السري العابد الكوفي ثقة -١٠ - تقدم في ٢٣/ ٢٥.
٢ - (ملازم) بصيغة اسم الفاعل- بن عمرو بن عبد الله بن بدر، أبو عمرو اليمامي، صدوق، من الثامنة. اهـ «ت» ص ٣٥٣.
قال أبو طالب عن أحمد: من الثقات. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: حاله مقارب. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: كان يحيى بن سعيد يختاره على عكرمة بن عمار، ويقول: هو أثبت حديثا منه. قال عبد الله: قال أبي: ملازم ثقة. وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو زرعة، والنسائي، وقال أبو حاتم: صدوق لا بأس به،
وقال أبو داود: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال عمرو ابن علي: كان فصيحا، وقال أبو بكر الضبعي شيخ الحاكم: فيه نظر، وقال الدارقطني: يمامي ثقة، يخرج حديثه أخرج له الأربعة. اهـ «تت» ج ١٠ ص ٣٨٥.
٣ - (عبد الله بن بدر) بن عميرة، الحنفي السحيمي -بالمهملتين- مصغرا اليمامي، كان أحد الأشراف، ثقة، من الرابعة. اهـ «ت» ص ١٦٨. روى عن ابن عباس، وابن عمر، وعبد الرحمن بن عمر الشيباني، وطلق بن علي، وقيس بن طلق، ومحمد بن كعب القرظي، وأبي كثير السحيمي. وعنه ملازم بن عمرو قيل: أنه ابن ابنه، وقيل: ابن بنته، وأيوب بن عتبة، وجهم بن عبد الله القيسي، وعكرمة بن عمار، وعمر بن جابر الحنفي، ومحمد بن جابر، وياسين بن معاذ الزيات. قال ابن معين، وأبو زرعة، والعجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له الأربعة. اهـ تت ج ٥ ص ١٥٤ - ١٥٥.
٤ - (قيس بن طلق بن علي) الحنفي اليمامي، صدوق، من الثالثة، ووهم من عده في الصحابة. اهـ «ت» ص ٢٨٣.
قال عثمان الدارمي: سألت ابن معين، قلت: عبد الله بن النعمان، عن قيس بن طلق؟ قال: شيوخ يمامية ثقات، وقال العجلي: يمامي تابعي ثقة، وأبوه صحابي، وذكره ابن حبان في الثقات. قال الحافظ: وذكره أبو موسى في الذيل، وقال: أورده جعفر وغيره في الصحابة، وذكر له حديثا صوابه عن أبيه. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: قيس ليس ممن تقوم به حجة ووهّاه. وقال الخلال عن أحمد: غيره أثبت منه. وقال الشافعي: قد سألنا عن قيس بن طلق فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا قبول خبره. وقال ابن معين: لقد أكثر الناس في قيس، وأنه لا يحتج بحديثه. أخرج له الأربعة. اهـ «تت» ج ٨ ص ٣٩٩.
٥ - (طلق بن علي) بن المنذر بن قيس بن عمرو بن عبد الله بن عمرو الحنفي السُّحَيمي، أبو علي اليمامي، وَفَد على النبي - ﷺ -، وعمل معه في بناء المسجد، وروى عنه. وعنه ابنه قيس، وابنته خالدة، وعبد الله ابن بدر، وعبد الرحمن بن علي بن شيبان. قال الحافظ: ذكره ابن
السكن، وقال: يقال له: طلق بن علي بن قيس بن عمرو، ويقال: طلق بن ثمامة. اهـ من الهامش. أخرج له الأربعة.
قال الجامع عفا الله عنه: سيأتي للمصنف قصة وفادته على النبي - ﷺ - في باب اتخاذ البيع مساجد رقم ٧٠١. إن شاء الله تعالى.
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم يماميون، إلا شيخه فكوفي، وفيه رواية تابعي، عن تابعي. وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة.
شرح الحديث
(عن طلق بن علي) ﵁ أنه (قال: خرجنا وفدا) بفتح فسكون: هم القوم يجتمعون فَيردُون البلاد، واحدهم وافد، والذين يقصدون الأمراء لزيادة، واسترفاد، وانتجاع، وغير ذلك.
قيل: الوفد الركبان المُكْرَمُون. وقال الأصمعي: وقد فلان يفد، وفادة: إذا خرج إلى ملك، أو أمير. وقال ابن سيده: وقد عليه، وإليه يفد، وفدا، ووفودا، وفادة وإفادة على البدل: قَدمَ، فهو وافد. وهم الوَفد، والوُفُود، فأما الوفد فاسم للجمع، وقيل: جمع، وأما الوفود فجمع وافد، وقد أوفده إليه. ويقال: وفده الأمير إلى الأمير الذي فوقه. وأوفد فلان إيفادا: إذا أشرف. أفاده في اللسان ج ٣ ص ٤٥٤ وذلك الوفد وفد بني حنيفة، وكانوا ستة نفر، كما ذكره ابن
حبان، وقيل: بضعة عشر، فأنزلوا في دار رملة بنت الحارث، وذلك في السنة الأولى من الهجرة. أفاده في المنهل. ج ٢ ص ١٩٨.
وانتصابه على الحال، أي حال كوننا وافدين (حتى قدمنا) من باب تعب: أي دخلنا (على رسول الله - ﷺ -، فبايعناه) أي عاهدناه على الإسلام، قال ابن منظور ﵀: بايعه عليه مبايعة: عاهده، والمبايعة: عبارة عن المعاقدة، والمعاهدة، كان كل واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه، وطاعته، ودَخيلَة أمره. اهـ لسان بتصرف يسير. ج ٨ ص ٢٦.
(وصلينا معه، فلما قضى الصلاة جاء رجل كأنه بدوي) بفتحتين نسبة إلى البدو بفتح فسكون قال في اللسان: والبَدْو والبَاديَة، والبَدَاة -أي بالفتح، والبَدَاوَة -أي بالفتح- أيضا-، والبداوة -أي بالكسر-: خلاف الحضر، والنسب إليه بدوي بفتحتين، نادر، وبَدَاوي، وبدَاوى، وهو على القياس؛ لأنه حينئذ منسوب إلى البداوة والبداوة. وقال الليث: البادية: اسم للأرض التي لا حضر فيها، وإذا خرج الناس من الحضر إلى المراعي في الصحاري قيل: قد بَدَوْا، والاسم البدو، وقال أبو منصور: البادية خلاف الحاضرة، والحاضرة: القوم الذين يحضرون المياه، وينزلون عليها في حَمْراء القيظ، فإذا برد الزمان ظعنوا عن أعداد المياه، وَبَدَوْ طلبا للقرب من الكلأ، فالقوم حينئذ بادية بعد ماكانو حاضرة. اهـ المقصود من عبارة اللسان باختصار. ج ١٤ ص ٦٧.
وإنما قال طلق: كأنه، ولم يجزم بكونه بدويا، لعدم معرفته له؛ لأنه ليس من أهل المدينة، بل قدم مع الوفد (فقال) ذلك الرجل (يا رسول الله ما ترى) ما استفهامية مفعول مقدم لترى، أيْ أيَّ شيء ترى من الحكم (في رجل مس ذكره في الصلاة؟) أينتقض وضوؤه أم لا؟.
وفي رواية أبي داود: «ما ترى في مس الرجل ذكره»، وللبيهقي: عن قيس بن طلق عن أبيه «قال بينا أنا أصلي إذْ ذهبت أحك فخذي، فأصابت يدي ذكري، فسألته - ﷺ -» … فيحتمل أن طلقا سأل أوّلا بنفسه، ثم سمع الرجل يسأله، فحدث بهذا وبهذا (قال) النبي - ﷺ - (وهل هو) أي الذكر الممسوس في الصلاة (إلا مضغة منك) أي قطعة منك. والاستفهام إنكاري، أي ليس الذكر إلا جزءًا من الماسّ مماثلا لسائر الأجزاء فلا ينقض الوضوء.
والمضغة بضم الميم وسكون الضاد المعجمة: القطعة من اللحم قدر ما يُمضغ، جمعه مُضَغ. أفاده في اللسان. ج ٨ ص ٤٥١. وفي رواية ابن ماجه عن قيس، عن أبيه، قال: «سئل رسول الله - ﷺ - عن مس الذكر؟ فقال: إنما هو منك». وفي رواية له «إنما هو حذْية منك». والحذية بكسر الحاء المهملة، وسكون الذال المعجمة: ما قطع طولا من اللحم، أو القطعة الصغير ة منه. قاله في المنهل. ج ٢ ص ١٩٨.
(أو) قال (بضعة منك؟) بفتح الباء الموحدة وقد تكسر وسكون الضاد المعجمة: القطعة من اللحم. جمعها بَضْع بالفتح، وكعنَب، وصحَاف، وتَمَرَات. أفاده في «ق»، ص ٩٠٩، وأفاد الشارح المرتضى نقلا عن شرح المواهب لشيخه: أن الباء حكي تثليثها. والله أعلم.
فـ «أو» هنا للشك من الراوي، أي أنه شك في اللفظ النبوي هل هو مضغة أو بضعة، وكلاهما بمعنى واحد.
ومعنى الحديث أن مس الذكر لا ينقض الوضوء لأنه جزء من الجسد، فكما أنه لا ينتقض الوضوء بمس جزء من أجزاء الجسد غير الذكر لا ينقض مس الذكر. وإلى هذا ذهب جماعة من الصحابة والتابعين. قال الترمذي ﵀: وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي - ﷺ -،
وبعض التابعين أنهم لم يروا الوضوء من مس الذكر، وهو قول أهل الكوفة، وابن المبارك. وهذا الحديث أحسن شيء في هذا الباب. اهـ
قال الجامع: قد تقدم تحقيق الذاهب في الباب المتقدم، فلا نطيل الكتاب بإعادته هنا، فارجع إليه تزدد علمًا. وبالله تعالى التوفيق.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: الصحيح أنه حديث صحيح. وقد تقدم الخلاف فيه.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف.
أخرجه ﵀ هنا ١١٩/ ١٦٥ المجتبى، وفي ١٠٥/ ١٩٩. في الكبري.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرج حديث طلق هذا (د ت ق) فأخرجه (د) في الطهارة ٧١/ ١ عن مسدد، عن ملازم ابن عمرو الحنفي، عن عبد الله بن بدر به. و(ت) فيه ٦٢ عن هناد، عن ملازم به. قال وقد تكلم بعض أهل الحديث في محمَّد بن جابر، وأيوب بن عتبة. و(ق) فيه-٦٤/ ١ - عن علي بن محمَّد، عن وكيع، عن محمَّد ابن جابر، قال: سمعت قيس بن طلق. به. اهـ تحفة الأشراف بتصرف. ج ٤ ص ٢٢٣.
وأخرجه البيهقي، والطحاوي، وابن حبان، قاله في المنهل ج ٢ ص ٢٩٩.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: أنه يدل على عدم نقض الوضوء بمس الذكر، وقد عرفت تحقيق الخلاف فيه في الباب الماضي (ومنها) أن فيه طلب السعي إلى معرفة أحكام الدين.
ومنها أن فيه سؤال الجاهل للعالم عن المسائل التي يتسحيا منها إذا كانت دينية لا يستغني عن معرفتها، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
(تنبيه) قال العلامة السندي ﵀: وصنيع المصنف يشير إلى ترجيح الأخذ بهذا الحديث حيث أخر هذا الباب، وذلك لأنه بالتعارض حصل الشك في النقض، والأصل عدمه فيؤخذ به، ولأن حديث بسرة يحتمل التأويل بأن يجعل مس الذكر كناية عن البول لأنه غالبا يرادف خروج الحدث منه. ويؤيده أن عدم انتقاض الوضوء بمس الذكر قد علل بعلة دائمة وهي أن الذكر بضعة من الإنسان، فالظاهر دوام الحكم بدوام علته، ودعوى أن حديث قيس بن طلق منسوخ لا تعويل عليه. والله أعلم. اهـ بحروفه. ج ١ ص ١٠١ - ١٠٢.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في كلامه نظر، لا يَخفى، وقد تقدم تحقيق القول الراجح في ذلك في الباب الماضي، فلا نطيل الكتاب بإعادته، فإن أردت الجواب عما قال فارجع إليه. والله أعلم، ومنه الإعانة والتوفيق، وعليه التكلان.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».
اللهم صل على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، السلام على النبي ورحمة
الله وبركاته.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. سبحانك الله وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك.
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغني القدير، محمَّد ابن الشيخ علي بن آدم الإتْيُوبي الولّوي، غفر الله له ولوالديه آمين: هذا آخر الجزء الثالث من شرح سنن الإمام أبي عبد الرحمن النسائي رحمه الله تعالى المسمى (ذخيرة العقبى، في شرح المجتبى) أو (غاية المنى، في شرح المجتنى).
أسال الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، ونافعا لي، ولكل من تلقاه، بقلب سليم، إنه بعباده رؤوف رحيم.
ويليه الجزء الرابع إن شاء الله تعالى، وأوله (ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة)
شرح
سنن النسائي
المسَمَّى
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى
لجامعة الفقير إلى مولاه الغني القدير
محمد بن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى الإتيوبي الوَلَّوِي
المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة
عفا الله عنه وعن والديه آمين
الجزء الرابع
دار المعراج الدولية للنشر
بسم الله الرحمن الرحيم
طبعت بمطابع
الفاروق الحديثة للطباعة والنشر
خلف ٦٠ شارع راتب باشا حدائق شبرا
ت: ٦٤٧٥٢٦ - ٢٠٥٥٦٨٨ القاهرة
شرح سنن النسائى
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤١٦ هـ-١٩٩٦ م
دار المعراج الدولية للنشر
الرياض ١١٤٢١ - ص. ب. ٨٥٨ - هاتف وفاكس ٤٠٢٦٢٧٨
المملكة العربية السعودية
بيروت- ص. ب. ٦٣٦٦/ ١٤ - هاتف ٨٣١٣٣١ - فاكس ٦٠٣٣٣٣
القاهرة - ص. ب. ١٢٨٩ - هاتف ٣٩٠٠٣١٨ - فاكس ٣٩٢٦٢٥٠