خرج منه شيء، بل الدليل على عدم الانتقاض ظاهر، وذلك أن الأصل هو العدم حتى يظهر دليل الانتقاض، وهذا يكفي في القول بعدمه، كيف وحديث القبلة الآتي أظهر، وأقوى من أن يحتاج إلى دليل آخر، والقبلة غالبًا لا تخلو عن شهوة. وسيأتي تحقيق المسألة إن شاء الله تعالى.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان موضع ذكر المصنف له:
أخرجه في هذا الباب بهذا السند فقط. وهو من أفراده، ولم يخرجه من أصحاب الأصول غيره.
وأخرجه أحمد في مسنده ج ٦ ص ٢٦٠.
وأما المسائل المتعلقة ببيان الأحكام، ومذاهب العلماء فستأتي آخر الباب إن شاء الله تعالى.
١٦٧ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُمُونِي مُعْتَرِضَةً بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلِي، فَضَمَمْتُهَا إِلَيَّ ثُمَّ يَسْجُدُ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (يعقوب بن إبراهيم) بن كثير الدَّوْرَقي، أبو يوسف البغدادي ثقة -١٠ - تقدم في ٢١/ ٢٢.
٢ - (يحيى) بن سعيد بن فَرُّوخ القطان أبو سعيد البصري ثقة حجة -٩ - تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني، أبو عثمان، ثقة ثبت، قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهري، عن عروة عنها، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومائة وتقدم في ٩٥/ ١١٩.
٤ - (القاسم بن محمَّد) بن أبي بكر الصديق ثقة ثبت حجة من كبار -٣ - تقدم في ١٢٠/ ١٦٦.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂. تقدمت في ٥/ ٥.
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم مدنيون إلا يعقوب، فبغدادي، ويحيى فبصري وأنهم ممن اتفق عليهم الستة، وأن شيخه ممن رووا عنه كلهم من دون واسطة، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة روت ٢٢١٠ حديثا.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: لقد رأيتموني) هكذا بضمير المخاطبين عند المصنف، أي لقد علمتموني، وعند البخاري: لقد رأيتني بضمير المتكلم، وقد أشار في هامش الهندية أنها نسخة في
النسائي أيضا، والمعنى لقد رأيت نفسي، وعلى الأول أنها كانت قد أعلمتهم بذلك قبل، فذكَّرتهم ذلك.
(فائدة) من خواص أفعال القلوب أنه يجوز كون فاعلها ومفعولها ضميرين متصلين لمسمى واحد، كظننتني قائما، وخلتني ذاهبا، وقوله تعالى: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾، وأُلِحقَ بها في ذلك «رأى» الحُلمية بضم الحاء، والبصرية بكثرة، نحو قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ و«عدم» «وفقد»، «ووجد»، بمعنى لقي، بقلة، دون باقي الأفعال، فلا يقال: ضربتني اتفاقا لئلا يكون الفاعل مفعولا، بل ضربت نفسي، وظلمت نفسي ليتغاير اللفظان، فإن ورد ما يوهمه قدر فيه النفس نحو ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾ ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ أي إلى نفسك، وعلى نفسك، بخلاف أفعال القلوب فإن مفعولها في الحقيقة مضمون الجملة لا المنصوب بها فلا ضرر في اتحاده مع الفاعل، ولا توضع النفس مكانه عند الجمهور، فلا يقال: ظننت نفسي عالمة، وجوزه ابن كيسان، فإن كان أحد الضميرين منفصلا جاز في كل فعل نحو ما ضربت إلا إياي. انظر حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ج ١ ص ١٥١.
(معترضة) مفعول ثان لـ «رأى» إن كانت علمية، ومنصوب على الحال إن كانت بصرية، أي نائمة عرضا (بين يدي رسول الله - ﷺ -) أي قدامه. قال العلامة ابن منظور ﵀: ويقال: بين يديك كذا لكل شيء أمامك، قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾، ويقال: إن بين يدي الساعة أهوالًا، أي قدامها. اهـ لسان ج ٦ ص ٤٩٥٤.
(يصلي) جملة حالية، أي حال كونه مصليا صلاة الليل، ففي رواية أبي داود «كنت أكون نائمة ورجلاي بين يدي رسول الله - ﷺ - وهو يصلي
من الليل … (فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي) أي جسها بيده من قولهم غمزت الكبش بيدي: إذا جسسته لتعرف سمَنَه. قاله في المصباح. ج ٢ ص ٤٥٣. (فضممتها إلي، ثم يسجد) وإنما غمز رجلها لكونها في موضع سجوده - ﷺ -، فكان يعلمها بالغمز أنه يريد السجود، والظاهر أن هذا المس من غير حائل، والقول بأنه كان بحائل بعيد يحتاج إلى دليل. كما قاله السندي. واستدل المصنف بهذا الحديث على أن المس بلا شهوة لا ينقض الوضوء.
وقال في المنهل: وفيه دلالة لمن قال: إن لمس المرأة بلا لذة لا ينقض الوضوء؛ لأن شأن المصلي عدم اللذة حال صلاته، ولا سيما النبي - ﷺ -، وحمله غيره على أن اللمس يحتمل أن يكون بحائل؛ لأن هذا هو الظاهر من حال النائم، أو هو خصوصية له - ﷺ -، لكن احتمال الحائل والخصوصية بعيد لأن الأصل عدم الحائل، والخصائص لا تثبت بالاحتمال، ولا تكون إلا بدليل اهـ ج ٣ ص ١٠٨ - ١٠٩.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله صاحب المنهل حسن جدًا، وحاصله أن الراجح هو القول بعدم النقض مطلقا، وسيأتي تحقيق القول في ذلك. إن شاء الله تعالى.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف.
أخرجه هنا ١٦٧، وفي الكبرى -١٥٧ - بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ د) فأخرجه (خ) في