HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٧٠

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو رَوْقٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ» قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ : لَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْأَعْمَشُ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ. قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ: حَدِيثُ حَبِيبٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ هَذَا، وَحَدِيثُ حَبِيبٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: تُصَلِّي، وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ لَا شَيْءَ.
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص63
  • زبير علي زئي:ضعيف
ج ١ ص ١٠٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٤ ص٢٦
١٢١ - تَرْكُ الوُضُوء مِنَ القُبْلَةِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على ترك الوضوء من أجل قبلة الرجل امرأته لعدم انتقاضه، ثم إن ظاهر كلامه يشمل ما إذا كان بشهوة، لأن القبلة لا تخلو عن الشهوة غالبًا، إلا أنه أعل الحديث بالإرسال كما ياتي، والصحيح أن الحديث صحيح، فعدم النقض مطلقا هو المذهب الأقوى دليلا، كما سنحققه بعد إن شاء الله تعالى. ١٧٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو رَوْقٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ ثُمَّ يُصَلِّي، وَلَا يَتَوَضَّأُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَإِنَ كَانَ مُرْسَلًا. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂. قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ: حَدِيثُ حَبِيبٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ هَذَا، وَحَدِيثُ حَبِيبٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «تُصَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ» لَا شَيْءَ. رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العنزي البصري ثقة حافظ -١٠ - تقدم في ٦٤/ ٨٠. ٢ - (يحيى بن سعيد) بن فروخ القطان أبو سعيد البصري ثقة حجة -٩ - تقدم في ٤/ ٤. ٣ - (سفيان) بن سعيد أبو عبد الله الثوري الحجة الثبت الفقيه -٧ - تقدم في ٨٩/ ١١١. ٤ - (أبو رَوْق) بفتح الراء، وسكون الواو بعدها قاف، عطية بن الحارث، الهمداني الكوفي، صاحب التفسير صدوق من الخامسة. اهـ «ت» ص ٢٤٠. ٥ - (إبراهيم التيمي) بن يزيد بن شريك، أبو أسماء الكوفي العابد ثقة، إلا أنه يرسل ويدلس، من الخامسة. روى عن عائشة مرسلا، وأبيه وأنس وعمرو بن ميمون والحارث بن سويد وعنه الحكم بن عتيبة، والأعمش وغيره. وثقه ابن معين، وقال أبو زرعة: ثقة مرجىء، وقال الأعمش: كان إذا سجد تجيء العصافير تنقر على ظهره، وقال لي: ما أكلت منذ أربعين ليلة إلا حبة عنب. مات سنة ٩٢، وقيل: ٩٤، وقيل قتله الحجاج. اهـ صة ج ١ ص ٥٩ أخرج له الجماعة. ٦ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. لطائف هذا الإسناد منها أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته ثقات، وأنهم ما بين بصريين، وهما محمد ويحيى، وكوفيين وهم الباقون، ما عدا عائشة ﵂ فمدنية، وهي من المكثرين السبعة. شرح الحديث (عن عائشة) ﵂ (أن النبي - ﷺ - كان يقبل) من التقبيل، وهو اللَّثْمُ (بعض أزواجه، ثم يصلي ولا يتوضأ) وفي رواية للدارقطني: «لقد كان نبي الله - ﷺ - يقبلني إذا خرج إلى الصلاة، وما يتوضأ» ج ١ ص ١٣٥. وفيه دلالة علي أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء وإليه ذهب علي، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، وأبو حنيفة، وأصحابه. وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى. (قال أبو عبد الرحمن) النسائي (ليس في هدا الباب) أي باب ترك الوضوء من القبلة (حديث أحسن من هذا الحديث، وإن كان مرسلا) أي منقطعًا. (تنبيه) قد اختلف العلماء في حد المرسل على ثلاثة أقوال: فقيل: ما رفعه التابعي مطلقًا، وقيل: ما رفعه التابعي الكبير، وقيل: ما سقط من سنده مطلقًا، أي سواء كان من أوله أو من آخره، أو بينهما راو واحد أو أكثر، فيشمل المنقطع، والمعضل، والمعلق، وجعل الأول السيوطي في الألفية هو المشهور حيث قال: المُرْسَلُ المَرْفُوعُ بالتَّابع أوْ … ذي كبَر أوْ سَقْطُ رَاو قَدْ حَكَوْا أشْهَرُهَا الأوَّلُ ..... البيت والقول الثالث: هو المعروف عند الأصوليين والفقهاء، وبه قال جماعة من المحدثين. كالخطيب البغدادي والحاكم. قال الحافظ السخاوي ﵀: وممن صرح بنحوه من المحدثين الحاكم في مدخله، ولكن مشى في علومه بخلافه، وصرح به أيضا البغوي في شرح السنة، وأبو نعيم في مستخرجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ثم الدارقطني، ثم البيهقي، بل صرح البخاري في حديث لإبراهيم بن يزيد النخعي، عن أبي سعيد الخدري بأنه مرسل، لكون إبراهيم لم يسمع منه، وكذا صرح أبو داود في حديث لعون بن عبد الله ابن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود بأنه مرسل لكونه لم يدركه، والترمذي في حديث لابن سيرين، عن حكيم بن حزام، ومشى عليه أبو داود في مراسيله، وغيرهم. اهـ كلام السخاوي في فتح المغيث ج ١ ص ١٣١. قال الجامع: وممن أطلقه المصنف هنا، حيث قال: وإن كان مرسلا مع أن صحابيته ذكرت، وهي عائشة ﵂. وسبب الإرسال كما قال أبو داود في السنن، عدم سماع إبراهيم التيمي من عائشة ﵂، وقال الترمذي: لا نعرف لإبراهيم التيمي سماعا من عائشة. وليس يصح عن النبي - ﷺ - في هذا الباب شيء. وقال الدارقطني: لم يروه عن إبراهيم التيمي غير أبي روق: عطية بن الحارث، ولا نعلم حدث به عنه غير الثوري، وأبي حنيفة، واختلف فيه، فأسنده الثوري عن عائشة، وأسنده أبو حنيفة عن حفصة، وكلاهما أرسله، وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، ولا من حفصة، ولا أدرك زمانهما، وقد روى هذا الحديث معاوية بن هشام عن الثوري، عن أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه عن عائشة فوصل إسناده، واختلف عليه في لفظه، فقال عثمان بن أبي شيبة عنه بهذا الإسناد: «إن النبي - ﷺ - كان يقبل وهو صائم»، وقال عنه غير عثمان: «إن النبي - ﷺ - كان يقبل، ولا يتوضأ»، ومعاوية هذا قد أخرج له مسلم في صحيحه، وبذلك زال انقطاع الحديث، على أن أبا روق ثقة لم يذكره أحد بجرح. قال ابن عبد البر: قال الكوفيون: هو ثقة ولم يذكره أحد بجرح. وقال أبو حاتم: صدوق، وقال يعقوب بن سفيان، وأحمد، والنسائي: ليس به بأس، وقال ابن معين: صالح، وذكره ابن حبان في الثقات. أفاده في النهل ج ٢ ص ١٨٢ - ١٨٤ وغرض المصنف من هذا الكلام تضعيف حديث عائشة، ولكن الراجح أنه صحيح، كما سيأتي تحقيقه. (وقد روى هذا الحديث) أي حديث عائشة ﵂ في القبلة (الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي أبو محمد الكوفي (عن حبيب ابن أبي ثابت) قيس، ويقال: هند بن دينار، الأسدي مولاهم، أبو يحيى الكوفي، ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس، من الثالثة، مات سنة ١١٩. اهـ «ت» ص ٦٣. (عن عروة) لم ينسبه المصنف، ولا الترمذي أصلا، وقد نسبه ابن ماجه، فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، ثنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن الزبير، فذكر الحديث، قال الحافظ الزيلعي: وكذلك رواه الدارقطني.، ورجال هذا السند كلهم ثقات. اهـ ج ١ ص ٧٢. وقيل عروة هذا هو عروة المزني، قال أبو داود في السنن: حدثنا إبراهيم بن مخلد الطالَقَاني، قال: ثنا عبد الرحمن، يعني بن مغراء، قال: حدثنا الأعمش، أنا أصحاب لنا عن عروة المزني، عن عائشة بهذا. يعني حديث «قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ» قال عروة: فقلت لها: من هي إلا أنت فضحكت. وهكذا روى البيهقي هذا الحديث وضعفه، وقال: إنه يرجع إلى عروة المزني، وهو مجهول. وقد رد الحافظ الزيلعي على البيهقي تبعا لشيخه ابن التركماني في الجوهر النقي، فقال: قلنا: بل هو عروة بن الزبير، كما أخرجه ابن ماجه بسند صحيح، وأما سند أبي داود الذي قال فيه: عن عروة المزني فإنه من رواية عبد الرحمن بن مغراء، عن ناس مجاهيل، وعبد الرحمن مغراء متكلم فيه، قال ابن المديني: ليس بشيء، كان يروي عن الأعمش ستمائة حديث تركناه، لم يكن بذاك، قال ابن عدي: والذي قاله ابن المديني هو كما قال، فإنه رَوى عن الأعمش أحاديث لا يتابعه عليها الثقات. وأما ما حكاه أبو داود عن الثوري أنه قال: ما حدثنا حبيب بن أبي ثابت إلا عن عروة المزني، فهذا لم يسنده أبو داود، بل قال عقبه: وقد روى حمزة الزيات عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثا صحيحا، فهذا يدل على أن أبا داود لم يرض بما قاله الثوري، ويقدم هذا، لأنه مثبت والثوري ناف. والحديث الذي أشار إليه أبو داود هو أنه ﵊ كان يقول: «اللهم عافني في جسدي، وعافني في بصري»، رواه الترمذي في الدعوات، وقال: غريب وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة شيئا، انتهى، وعلى تقدير صحة ما قاله البيهقي: إنه عروة المزني فيحتمل أن حبيبا سمعه من ابن الزبير، وسمعه من المزني أيضا، كما وقع ذلك في كثير من الأحاديث. والله أعلم. وقد مال أبو عمر بن عبد البر إلى تصحيح هذا الحديث، فقال: صححه الكوفيون، وثبتوه لرواية الثقات من أئمة الحديث له، وحبيب لا ينكر لقاؤه عر وة، لروايته عمن هو أكبر من عروة، وأقدم موتًا، وقال في موضع آخر: لا شك أنه أدرك عروة. انتهى. اهـ نصب الراية ج ١ ص ٧٢. قال الجامع: وسيأتي مزيد بسط على هذا إن شاء الله تعالى. (عن عائشة) ﵂، (قال يحيى القطان) بن سعيد بن فروخ التميمي أبو سعيد البصري، ثقة متقن حافظ إمام قدوة من كبار التاسعة، مات سنة -١٩٨ - وله -٧٨ - سنة. (حديث حبيب عن عروة، عن عائشة، هدا) أي ما تقدم في عدم وضوء النبي - ﷺ - بعد التقبيل (وحديث حبيب عن عروة عن عالشة: تصلي، وإن قطر الدم على الحصير لا شيء) يعني أنه ضعيف. وحديث المستحاضة أخرجه أبو داود في «باب من قال تغتسل من طهر إلى طهر»، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي - ﷺ - فذكر خبرها، وقال: «ثم اغتسلي، ثم توضئي لكل صلاة وصلي». وإنما ضعف القطان هذين الحديثين لأن في سندهما عروة المزني وهو مجهول. وقد عرفت أن الصحيح أنه عروة بن الزبير، وإنما قال عروة المزني هو عبد الرحمن بن مغراء وهو متكلم فيه. فالراجح أن الحديث صحيح. والله تعالى أعلم، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بحديث الباب المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا حديث صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٧٠ - وفي الكبرى -١٥٥ - بالسند المذكور المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د) في الطهارة عن محمد بن بشار عن يحيى، وعبد الرحمن كلاهما عن سفيان، عن أبي روق به. وأما طريق الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، فقد أخرجها أبو داود، وابن ماجه، كما تقدم قريبًا. المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من الحديث عدم انتقاض الوضوء بلمس المرأة، وفيه ما كان عليه النبي - ﷺمن كريم الأخلاق، حيث إنه كان يلاطف أزواجه، ويعاشرهن بالمعروف. المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في انتقاض الوضوء بلمس النساء: اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: المذهب الأول: أنه لا ينقض مطلقا، وهو مروي عن علي وابن عباس، وعطاء، وطاوس، والحسن، ومسروق، وسفيان الثوري، وبه قال أبو حنيفة، لكنه قال: إذا باشرها دون الفرج، وانتشر فعليه الوضوء. المذهب الثاني: أنه ينقض بلا حائل، وبه قال عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وزيد بن أسلم، ومكحول، والشعبي، والنخعي، وعطاء بن السائب، والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة، وسعيد بن عبد العزيز، وهي احدى الروايتين عن الأوزاعي، وبه يقول الشافعي. المذهب الثالث: إن لمس بشهوة انتقض، وإلا فلا، وهو مروي عن الحكم، وحماد، ومالك، والليث، وإسحاق، ورواية عن الشعبي، والنخعي، وربيعة، والثوري. وهذا هو الذي ارتضاه المصنف، حيث ترجم عليه في الباب السابق، وعن أحمد ثلاث روايات، كالمذاهب الثلاثة. المذهب الرابع: إن لمس عمدا انتقض، وإلا فلا، وهو مذهب داود، وخالفه ابنه، فقال: لا ينقض بحال. المذهب الخامس: إن لمس بأعضاء الوضوء انتقض، وإلا فلا، حكاه صاحب الحاوي عن الأوزاعي، وحكي عنه أنه لا ينقض إلا اللمس باليد. المذهب السادس: إن لمس بشهوة انتقض وإن لمس فوق حائل رقيق، حكي هذا عن ربيعة ومالك في رواية عنهما. المذهب السابع: إن لمس من تحل له لم ينتقض، وإن لمس من تحرم عليه انتقض. حكاه ابن المنذر وصاحب الحاوي عن عطاء، وهذا خلاف ما حكاه الجمهور عنه. قال النووي ﵀: ولا يصح هذا عنه إن شاء الله. ذكر الحجج التي احتج بها المختلفون في هذه المسألة ومالها وما عليها وترجيح الراجح منها: حجة من قال لا ينقض مطلقا، وهو الراجح احتج من قال: لا ينقض مطلقا بحديث حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة ﵂ «أن النبي - ﷺقَبَّلَ بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ». وعن أبي روق عن إبراهيم التيمي عن عائشة «أن النبي - ﷺكان يقبل بعد الوضوء ثم لا يعيد الوضوء». وبحديث عائشة المتقدم أن يدها وقعت على قدم النبي - ﷺ - وهو ساجد وهو حديث صحيح، وبالحديث المتفق على صحته أن النبي - ﷺ - صلى وهو حامل أمامة بنت زينب ﵄ فكان إذا سجد وضعها وإذا قام رفعها». رواه الشيخان. وبحديث عائشة في الصحيحين أن النبي - ﷺ -«كان يصلي وهي معترضة بينه وبين القبلة فإذا أراد أن يسجد غمز رجلها فقبضتها»، وفي رواية النسائي بإسناد صحيح«فإذا أراد أن يوتر مسني برجله». ذكر هذه الحجج النووي ﵀ في المجموع ج ٢ ص ٣١. رد القائلين بالنقض على هذه الأدلة ردهم على حديث حبيب بن أبي ثابت: قال النووي ﵀: وأما الجواب عن احتجاجهم بحديث حبيب ابن أبي ثابت فمن وجهين: أحسنهما وأشهرهما أنه حديث ضعيف باتفاق الحفاظ. قال الجامع: في دعوى الاتفاق نظر لما سيأتي. قال: ممن ضعفه سفيان الثوري، ويحى بن سعيد القطان، وأحمد ابن حنبل، وأبو داود، وأبو بكر النيسابوري، وأبو الحسن الدارقطني، وأبو بكر البيهقي، وآخرون من المتقدمين والمتأخرين. قال أحمد بن حنبل، وأبو بكر النيسابوري، وغيرهما: غلط حبيب من قبلة الصائم إلى القبلة فى الوضوء. وقال أبو داود: روى سفيان الثوري، أنه قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني- يعني لا عن عروة بن الزبير، وعروة المزني مجهول، وإنما صح من حديث عائشة «أن النبي - ﷺ - كان يقبل وهو صائم». والجواب الثاني: لو صح لحمل على القبلة فوق حائل جمعًا بين الأدلة مناقشة هذين الردين قال الجامع: أما الجواب الثاني فهو أبعد الجوابين عن الصواب لا يحتاج إلى كبير مناقشة، لظهور ضعفه. وأما الجواب الأول فقد قام برده المحققون من العلماء كالحافظ الزيلعي في نصب الراية، وأحسن من رأيت قام برده، وأجاد فيه هو العلامة أحمد محمد شاكر المصري ﵀ في تحقيقه على الترمذي، ودونك خلاصة ما كتبه: قال: بعد ذكر ما تقدم عن الثوري من أن حبيبًا لم يحدثهم إلا عن عروة المزني ما نصه: قال أبو داود: وقد رَوَى حمزة الزيات، عن حبيب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة حديثًا صحيحًا، والحديث الذي يشير إليه أبو داود، رواه الترمذي في الدعوات ٢/ ٢٦١ طبعة بولاق، و-٢/ ١٨٦ - طبعة الهند، وقال: هذ حديث حسن غريب. قال: سمعت محمدا يقول: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير، شيئا، وهذا يدل أولا على أن عروة في هذا الإسناد هو عروة بن الزبير، كما صرح بذلك في رواية أحمد، وابن ماجه، خلافًا لمن وهم، فزعم أن عروة هنا هو عروة المزني، لما روى أبو داود من طريق عبد الرحمن بن مغراء. قال: ثنا الأعمش قال: ثنا أصحاب لنا عن عروة المزني عن عائشة بهذا الحديث. وهذا ضعيف لأن عبد الرحمن بن مغراء وإن كان من أهل الصدق إلا أن فيه ضعفًا، وقد أنكر عليه ابن المديني أحاديث يرويها عن الأعمش لا يتابعه عليها الثقات، وقال الحاكم أبو أحمد: حدث بأحاديث لا يتابع عليها. وقد خالفه في روايته هنا الثقات من أصحاب الأعمش الحفاظ كما بينا في أسانيد الحديث، ويدل كلام أبي داود ثانيًا على أنه يرى صحة رواية حبيب، عن عروة بن الزبير، ويؤيده أن حبيب بن أبي ثابت لم يعرف بالتدليس، بل هو ثقة حجة، وقد أدرك كثيرًا من الصحابة وسمع منهم، كابن عمر، وابن عباس، وأنس، وابن عمر مات سنة -٧٤ -، وابن عباس سنة -٦٨ -، وهما أقدم وفاة من عروة، فقد توفى بعد التسعين، وحبيب مات سنة -١١٩ - وعمره -٧٣ - سنة أو أكثر. وقال الزيلعي في نصب الراية: -١/ ٣٨ -: وقد مال أبو عمر بن عبد البر إلى تصحيح هذا الحديث، فقال: صححه الكوفيون وثبتوه لرواية الثقات من أئمة الحديث له، وحبيب لا ينكر لقاؤه عروة، لروايته عمن هو أكبر من عروة وأقدم موتا. وقال في موضع آخر: لا شك أدرك عروة. انتهى. وإنما صرح من صرح من العلماء بأنه لم يسمع هذا الحديث من عروة تقليدًا لسفيان الثوري، وموافقة للبخاري في مذهبه. وقد تبين مما مضى أن سفيان أرسل الكلمة إرسالا من غير دليل يؤيده، وأن أبا داود خالفه وأثبت صحة رواية حبيب عن عروة. والبخاري شرطه في الرواية معروف وهو شرط شديد خالفه فيه أكثر أهل العلم. ومع كل هذا فإن حبيبًا لم ينفرد برواية هذا الحديث، وقد تابعه عليه هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير. فروى الدارقطني ص ٥٠: حدثنا أبو بكر النيسابوري، نا حاجب بن سليمان، نا وكيع عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: «قبل رسول الله - ﷺ - بعض نسائه، ثم صلى، ولم يتوضأ، ثم ضحكت». قال الدارقطني: تفرد به حاجب عن وكيع، ووهم فيه. والصواب عن وكيع بهذا الإسناد: «أن النبي - ﷺ - كان يقبل وهو صائم؟. وحاجب لم يكن له كتاب، وإنما يحدث من حفظه. وهذا إسناد صحمِح لا مطعن فيه. فإن النيسابوري إمام مشهور، وحاجب بن سليمان -المنبجي- بفتح الميم وإسكان النون وكسر الباء الموحدة-: ذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه النسائي، وقال: ثقة، ولم يطعن فيه أحد من الأئمة إلا كلمة الدارقطني هذه، وهو تحكم منه بلا دليل، وحكم على الراوي بالخطأ من غير حجة، فإن المعنيين مختلفان: بعض الرواة روى في قبلة الصائم، وبعضهم روى في قبلة المتوضىء، فهما حديثان مختلفان لا يُعَلُّ أحدهما بالآخر. وقد تابع أبو أويس وكيعًا على روايته عن هشام، عن أبيه، فروى الدارقطني عن الحسين بن إسماعيل، عن علي بن عبد العزيز الوراق: نا عاصم بن علي، نا أبو أويس، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنها بلغها قول ابن عمر: في القبلة الوضوء: فقالت: «كان رسول - ﷺ - يقبل وهو صائم ثم لا يتوضأ» ثم علله الدارقطني بعلة غريبة فقال: لا أعلم حدث به عن عاصم بن علي هكذا غير علي بن عبد العزيز أما علي بن عبد العزيز فهو الحافظ أبو الحسن البغوي شيخ الحرم ومصنف المسند، عاش بضعًا وتسعين سنة، ومات سنة ٢٨٦ - وهو ثقة حجة، وقال الدارقطني: ثقة مأمون. وانظر تذكرة الحفاظ ٢/ ١٧٨ ومثل هذا يقبل منه ما تفرد بروايته، بل ينظر فيما يخالفه فيه غيره من الثقات، فلعله يكون أحفظ منهم، وأرجح رواية. وأما عاصم بن علي الواسطي فإنه شيخ البخاري، قال أحمد: ما أصح حديثه عن شعبة، والمسعودي، وقال المروزي: قلت لأحمد: إن يحيى بن معين يقول: كل عاصم في الدنيا ضعيف؟ قال: ما أعلم في عاصم بن علي إلا خيرًا كان حديثه صحيحًا. انظر مقدمة الفتح -ص ٤١٠ طبعة بولاق- وقال الذهبي في الميزان: هو كما قال فيه المتعنت أبو حاتم: صدوق، وقال أيضا: كان من أئمة السنة قوّالا بالحق، احتج به البخاري. ومات عاصم هذا سنة [٢٢١] وكان في عشر التسعين. وأما أبو أويس فهو عبد الله بن عبد الله بن أويس، وهو ابن عم مالك ابن أنس وزوج أخته، وكان ثقة صدوقا، في حفظه شيء. قال ابن عبد البر: لا يحكي عنه أحد جرحة في دينه وأمانته، وإنما عابوه بسوء حفظه، وأنه يخالف في بعض حديثه. وهو هنا لم يخالف أحدًا، وإنما وافق وكيعًا في رواية هذا الحديث عن هشام بن عروة، عن أبيه فرواه عنه مثله، ووافقه أيضًا في أن الحديث عن عروة: وكيعٌ عن حبيب بن أبي ثابت. وقد جاء الحديث بإسناد آخر صحيح عن عائشة، قال ابن التركماني في الجوهر النقي ١/ ١٢٥ قال أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا إسماعيل ابن يعقوب بن صبيح، حدثنا محمد بن موسى بن أعين، حدثنا أبي، عن عبد الكريم الجزري، عن عطاء، عن عائشة: أنه ﵇ «كان يقبل بعض نسائه ولا يتوضأ». وعبد الكريم: روى عنه مالك في الموطأ، وأخرج له الشيخان، وغيرهما ووثقه ابن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وغيرهم. وموسى بن أعين: مشهور، وثقه أبو زرعة، وأبو حاتم، وأخرج له مسلم. وابنه: مشهور، روى له البخاري. وإسماعيل: روى عنه النسائي، ووثقه أبو عوانة الإسفرايني، وأخرج له ابن خزيمة في صحيحه، وذكره ابن حبان في الثقات. وأخرج الدارقطني هذا الحديث من وجه آخر عن عبد الكريم. وقال عبد الحق: بعد ذكره لهذا الحديث من جهة البزار: لا أعلم له علة توجب تركه، ولا أعلم فيه مع ما تقدم أكثر من قول ابن معين: حديث عبد الكريم عن عطاء حديث رديء لأنه غير محفوظ، وانفراد الثقة بالحديث لا يضره. وانظر أيضا نصب الراية، للزيلعى- ١: ٣٨ - فقد نقل هذا الكلام كله نصًا. وهذا هو التحقيق الصحيح في تعليل الأحاديث من غير عصبية لمذهب، ولا تقليد لأحد. اهـ خلاصة ما كتبه العلامة أحمد شاكر ﵀. وهو في غاية التحقيق والتدقيق. وقال في المنهل: وقد جاء لحديث عائشة طرق جيدة سوى ما مر من رواية حبيب عن عروة منها ما رواه البزار في مسنده، فذكر ما تقدم في كلام أحمد شاكر. ومنها ما رواه الدارقطني من طريق سعيد بن بشير قال: حدثني منصور ابن زاذان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: «لقد كان رسول الله - ﷺ - يقبلني إذا خرج إلى الصلاة ولا يتوضأ» وقال: تفرد به سعيد بن بشير، عن منصور، ولم يتابع عليه وليس بقوي اهـ. ورد بأن ابن الجوزي قال فيه: وثقه شعبة، ودحيم وأخرج له الحاكم في المستدرك. وقال ابن عدي: لا أرى بما يروي سعيد بأسًا. والغالب عليه الصدق. اهـ وأقل أحوال مثل هذا أن يستشهد به. ومنها ما رواه أيضا من طريق ابن أخي الزهري عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: «لا تعاد الصلاة من القبلة كان النبي - ﷺ - يقبل بعض نسائه ويصلي ولا يتوضأ»، ولم يعله بشيء سوى أن منصورا خالف الزهري. ومنها ما رواه إسحاق بن راهويه في مسنده قال: أخبرنا بقية بن الوليد، قال: حدثني عبد الملك بن محمد، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة «أن رسول الله - ﷺ - قبلها وهو صائم وقال: إن القبلة لا تنقض الوضوء ولا تفطر الصائم، وقال يا حميراء إن في ديننا لسعة». اهـ المنهل ج ٢، ص-١٨٩ - ١٩٠. ردهم على حديث أبي روق قال النووي ﵀: والجواب عن حديث أبي روق بوجهين: احداها: ضعف أبي روق، ضعفه يحيى بن معين وغيره. والثاني: أن إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، هكذا ذكره الحفاظ: منهم أبو داود وآخرون، وحكاه عنهم البيهقي فتبين أن الحديث ضعيف مرسل، قال البيهقي: وقد روينا سائر ما روي في هذا الباب في الخلافيات وبينا ضعفها، فالحديث الصحيح عن عائشة في قبلة الصائم، فحمله الضعفاء من الرواة على ترك الوضوء منها. اهـ كلام النووي في المجموع ج ١ ص ٣٣. وقال الدارقطني: لم يروه عن إبراهيم التيمي غير أبي روق: عطية ابن الحارث، ولا نعلم حدث به عنه غير الثوري وأبي حنيفة، واختلف فيه فأسنده الثوري عن عائشة، وأسنده أبو حنيفة عن حفصة وكلاهما أرسله، وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، ولا من حفصة، ولا أدرك زمانهما، وقد روى هذا الحديث معاوية بن هشام عن الثوري، عن أبي روق عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن عائشة، فوصل إسناده، واختلف عليه في لفظه، فقال عثمان بن أبي شيبة عنه بهذا الإسناد: «إن النبي - ﷺ - كان يقبل وهو صائم» وقال غير عثمان «إن النبي - ﷺكان يقبل ولا يتوضأ». اهـ ج ١ ص ١٤١. الجواب عن هذا الرد قال الجامع: أما تضعيفه بسبب أبي روق فهو غير صحيح فما ضعفه أحد: قال أحمد: ليس به بأس، وقال ابن معين: صالح، وقال أبو حاتم صدوق، وقال ابن عبد البر: قال الكوفيون: هو ثقة لم يذكره أحد بجرح، وذكره ابن حبان في الثقات. وأما الإرسال فقد تقدم الكلام فيه، على أن المرسل حجة عند الأئمة الثلاثة في المشهور عن أحمد مطلقا، وحجة عند الشافعي إذا اعتضد، إما بمسند، أو بمرسل آخر، أو قول صحابي، أو قول أكثر أهل العلم. وهنا قد اعتضد بكليات وجزئيات الأحاديث المتقدمة، وأما قوله: فالحديث الصحيح عن عائشة في قبلة الصائم الخ: فهذا تضعيف للرواة من غير دليل ظاهر، والمعنيان مختلفان، فلا يعل أحدهما بالآخر. كما حققه الحافظ الزيلعي ﵀، والحاصل أن حديث أبي روق صالح للاحتجاج به، والله أعلم. ردهم على حديث حمل أمامة قال النووي ﵀: والجواب عن حديث حمل أمامة في الصلاة ورفعها ووضعها من أوجه أظهرها أنه لا يلزم من ذلك التقاء البشرتين، والثاني: أنها صغيرة لا تنقض الوضوء.، والثالث: أنها محرم. الجواب عن هذا الرد قال الجامع: أما قوله: لا يلزم من ذلك التقاء البشرتين: فهو خلاف الظاهر، وأما دعوى أنها كانت صغير ة أو محرما فغير مقبول لأن احتجاجهم على النقض بقوله تعالى ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ والآية إذا حملت على اللمس باليد فهي مطلقة في النساء كلهم. ردهم على حديث عائشة في مس يدها لقدم النبي ص وهو ساجد ونحو ذلك قال النووي ﵀: والجواب عن حديث عائشة في وقوع يدها على بطن قدم النبي - ﷺ -: أنه يحتمل كونه فوق حائل، والجواب عن حديثها الآخر أنه لمس من وراء الحائل، وهذا هو الظاهر فيمن هو نائم في فراش. الرد على هذا الجواب قال الجامع: قد رد هذا الجواب العلامة الشوكاني في نيله ج ١ ص ٢٩٥ فقال: والاعتذار عن حديث عائشة في لمسها لبطن قدم النبي - ﷺ - بأنه يحتمل أن يكون بحائل، أو على أن ذلك خاص به - ﷺ - تكلف، ومخالفة للظاهر. اهـ. وقال العلامة ابن شاكر: ما حاصله: إن التعقب باحتمال الحائل، أو بالخصوصية، لا قيمة له، بل هو باطل، لأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل صريح، واحتمال الحائل لا يفكر فيه إلا متعصب. اهـ. حجة من قال بالنقض قال العلامة الشوكاني ﵀: ما حاصله: قال الأولون -يعني القائلين بالنقض-: الآية صرحت بأن اللمس من جملة الأحداث الموجبة للوضوء، وهو حقيقة في لمس اليد، ويؤيده بقاءه على معناه الحقيقي قراءة -أو لمستم- فإنها ظاهره في مجرد اللمس من دون الجماع. قال الَاخرون -يعني القائلين بعدم النقض-: يجب المصير إلى المجاز وهو أن اللمس مراد به الجماع لوجود القرينة، وهي حديث عائشة الذي في التقبيل، وفي لمسها لبطن قدمه - ﷺ -. وأما جوابهم عن الحديث الأول بالضعف: فغير صحيح لما تقدم من صحته. وكذا دعوى الخصوصية أو وجود حائل لما تقدم من أنه تكلف، وغير ظاهر. قالوا: أمر النبي - ﷺ - رجلا قال: «يا رسول الله ما تقول في رجل لقي امرأة يعرفها فليس يأتي الرجل من امرأته شيئا إلا قد أتاه منها غير أنه لم يجامعها؟ قال: فأنزل الله هذه الآية ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآية: فقال له النبي - ﷺ -: توضأ ثم صل رواه أحمد والدارقطني، وفيه انقطاع، وأصله في الصحيحين بدون الأمر بالوضوء والصلاة. لأجل الانتقاض باللمس فالاستدلال به غير صحيح، كما يأتي قريبًا. وصرح ابن عمر بأن «من قبل امرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء» رواه مالك والشافعي، ورواه البيهقي عن ابن مسعود بلفظ «القبلة من اللمس، وفيها الوضوء، واللمس ما دون الجماع». واستدل الحاكم على أن المراد باللمس ما دون الجماع بحديث عائشة ﵂ «ما كان، أو قل يوم، إلا وكان رسول الله - ﷺ - يأتينا، فيقبل، ويلمس» الحديث واستدل البيهقي بحديث أبي هريرة ﵁: «اليد زناها اللمس»، وفي قصة ماعز: «لعلك قبلت، أو لمست»، وبحديث عمر: «القبلة من اللمس، فتوضئوا منها». ويجاب عن ذلك بأن أمر النبي - ﷺ - للسائل بالوضوء يحتمل أن يكون لأجل المعصية. وقد ورد أن الوضوء من مكفرات الذنوب، أو لأن الحالة التي وصفها مظنة خروج المذي أو هو طلب لشرط الصلاة المذكورة في الآية من غير نظر الى انتقاض الوضوء وعدمه، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال. قال الجامع: قد تقدم أن الحديث فيه انقطاع، وأيضا فلم يثبت أنه كان متوضأ قبل ذلك، حتى يستدل به على انتقاض الوضوء باللمس. فتبصر. وأما ما روي عن ابن عمر، وابن مسعود ﵄، وما ذكره الحاكم، والبيهقي، فنحن لا ننكر صحة إطلاق اللمس على الجس باليد، بل هو المعنى الحقيقي، ولكن ندعي أن المقام محفوف بقرائن توجب المصير إلى المجاز. وأما قولهم بأن القبلة فيها الوضوء فلا حجة في قول الصحابي، لاسيما، إذا وقع معارضا لما ورد عن الشارع. وقد صرح البحر ابن عباس الذي علمه الله تأويل كتابه، واستجاب فيه دعوة رسوله - ﷺ - بأن اللمس المذكور في الآية هو الجماع، وقد تقرر أن تفسيره أرجح من تفسير غيره لتلك المزية. ويؤيد ذلك قول أكثر أهل العلم: إن المراد بقولة بعض الأعراب للنبي - ﷺ -: «إن امرأته لا ترد يد لامس» الكناية عن كونها زانية، ولهذا قال له - ﷺ -: «طلقها». انتهى كلام الشوكاني ﵀ بزيادة، وهو كلام حسن جدًا. وقد كتب العلامة ابن رشد ﵀ في بدايته: بعد ذكر اختلاف القولين في تأويل الآية ما نصه: والذي أعتقده أن اللمس وإن كانت دلالته على المعنيين بالسواء أو قريبًا من السواء - الا أنه أظهر في الجماع وإن كان مجازًا لأن الله تعالى قد كنى بالمباشرة والمس عن الجماع، وهما في معنى اللمس، وعلى هذا التأويل في الآية يحتج بها في إجازة التيمم للجنب دون تقدير تقديم فيها ولا تأخير، وترفع المعارضة التي بين الآثار والآية على التأويل الآخر -يريد ابن رشد بالآثار هنا حديث عائشة في القبلة- قال: وأما من فهم من الآية اللمسين معا فضعيف، فإن العرب إذا خاطبت بالاسم المشترك إنما تقصد به معنى واحدًا من المعاني التي يدل عليها الاسم، لا جميع المعاني التي يدل عليها. وهذا بين بنفسه في كلامهم. اهـ بداية المجتهد ج ١ ص ٣٨ - ٣٩. قال العلامة ابن شاكر: وهذا الذي قاله ابن رشد تحقيق دقيق، وبحث واضح، نفيس، فإن سياق الآيتين لا يدل إلا على أن المراد المعنى المكني عنه فقط. وكذلك قال الطبري في التفسير بعد حكاية القولين: وأولى القولين بالصواب قول من قال: عنى الله بقوله ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾: الجماع دون غيره من معاني اللمس، لصحة الخبر عن رسول الله - ﷺ - أنه قبل بعض نسائه، ثم صلى ولم يتوضأ. وقد أشبع الكلام في هذا العلامة أحمد شاكر، فيما كتبه على الترمذي، كما قدمناه، فارجع إليه فإنه نفيس جدا ج ١ ص ١٤١. والحاصل أن الراجح في تفسير الآية هو الجماع. والله أعلم. (تنبيه) قال الشافعي ﵀: روى معبد بن نباتة عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عائشة عن النبي - ﷺ -: «أنه كان يقبل ولا يتوضأ» وقال: ولا أعرف حال معبد، فإن كان ثقة فالحجة فيما روي عن النبى - ﷺ -. قال العلامة ابن شاكر ﵀: لم أجده -يعني هذا الحديث- بعد طول البحث والتتبع، وكذلك لم أجد ترجمة لمعبد هذا. ذكره في تعليقه على الترمذي ج ١ ص ١٤٢. وقد ذكر الإمام النووي ﵀ ما احتج به أصحاب الأقوال الباقية من الأدلة في المجموع ج ٢ ص ٣٣. وتركت ذكرها هنا لعدم جدواها، لأنها محجوجة بالأحاديث الدالة على عدم النقض مطلقا، فالراجح المعول عليه هو القول الأول وهو عدم النقض. والله أعلم. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».
مصادر المؤلف (٤)

١. ونسخة الترمذي: حديث حسن غريب.

٢. ذكر عليا ﵁ مع هؤلاء ابن قدامة في المغني ج ١ ص ١٨٧.

٣. المنقول عن ابن معين في تهذيب التهذيب وغيره قوله: إنه صالح كما ياتي، وما نقل عن أحد تضعيفه. فتنبه.

٤. هذا لا دلالة له على النقض لأنه ما ثبت أنه كان متوضئا قبل اللمس حتى يكون الأمر بالوضوء