شهدت جنازة زيد بن ثابت فلما دلي في قبره قال ابن عباس: من سره أن يعلم كيف ذهاب العلم؟ فهكذا ذهاب العلم، والله لقد دفن اليوم علم كثير. وقال أبو هريرة يوم مات زيد: مات اليوم حبر الأمة، وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفا. اهـ «تت» ج ٣ ص ٣٩٩.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعياته، وأن رواته ثقات اتفق الستة على إخراج أحاديثهم، إلا هشامًا فصدوق أخرج له (د س ق) وأنهم حمصيون إلى الزهري، فهو ومن بعده مدنيون، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، ورواية الابن عن أبيه، وفيه أحد الفقهاء السبعة، وأن زيدًا أعلم الناس بالفرائض، والقرآن.
(تنبيه) هذا الحديث أخرجه المصنف هنا، وفي الكبرى ١٨٥ بهذا السند، وشرحه، وبعض مسائله تقدمت في الأحاديث الماضية، ويأتي باقيها إن شاء الله تعالى.
(تنبيه آخر) هذا الحديث أخرجه مسلم في الطهارة -٥٧ - عن عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه، عن جده، عن عقيل، عن الزهري بسند المصنف. والله تعالى أعلم.
وأخرجه أحمد في مسنده جـ ٥/ ١٨٤، ١٨٩، ١٩٠، ١٩١، والدارمي في مسنده رقم ٧٣٢.
١٨٠ - أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الأَخْنَسِ
بْنِ شَرِيقٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَهِيَ خَالَتُهُ فَسَقَتْهُ سَوِيقًا، ثُمَّ قَالَتْ لَهُ: تَوَضَّأْ يَا ابْنَ أُخْتِي فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ».
رجال هذا الإسناد: سبعة
تقدموا في السند السابق، إلا ثلاثة، وهم:
١ - (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف المدني الثقة -٣ - تقدم في ١/ ١.
٢ - (أبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن الأخنس بن ضريق) الثقفي المدني. روى عن خالته أم حبيبة بنت أبي سفيان. وعنه أبو سلمة ابن عبد الرحمن. وثقه ابن حبان. اهـ «تت» ج ١٢ ص ١٢ وفي «ت» مقبول من الثالثة. أخرج له أبو داود، والمصنف.
٣ - (أم حبيبة) رملة بنت أبي سفيان: صخر بن حرب بن أمية الأموية، أسلمت قديمًا، وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية، وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش، فتنصر، ومات هناك، فتزوجها رسول الله - ﷺ -، وهى هناك سنة ست، وقيل: سنة سبع.
روت عن النبي - ﷺ -، وعن زينب بنت جحش، وعنها ابنتها حبيبة، وأخواها معاوية، وعنبسة، وابن أخيها عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان، وابن أختها أبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن الأخنس بن شَريق، ومولاها سالم بن سَوَّار، ومولاها الآخر أبو الجَرَّاح، وأبو صالح
السمان، وعروة بن الزبير وزينب بنت أم سلمة، وصفية بنت شيبة، وشهر بن حوشب، وآخرون. قال أبو عبيد: توفيت سنة -٤٤ -، وقال ابن أبي خيثمة: توفيت قبل معاوية بسنة، يعني سنة -٥٩ -، وقال ابن حبان، وابن قانع: ماتت سنة -٤٢ -، وقال ابن عبد البر: قيل: إن اسمها هبيرة. اهـ «تت» ج ١٢ ص ٤١٩. أخرج لها الجماعة.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعياته، وأن رواته ثقات أجلاء غير هشام فصدوق،
وأبي سفيان فمقبول، وهم ما بين حمصيين، ومدنيين، فمن قبل الزهري حمصيون، ومنه مدنيون، وأنهم اتفق عليهم الستة إلا هشامًا فأخرج له (د س ق) وأبا سفيان فأخرج له (د س) وفيه أبو سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وفيه رواية الراوي عن خالته. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي سفيان بن سعيد) بن المغيرة (بن الأخنس بن شريق) بفتح الشين المعجمة وكسر الراء مشهور بكنيته، ولا يعرف اسمه (أنه أخبره) أي أبا سلمة (أنه دخل على أم حبيبة) رملة بنت أبي سفيان (زوج النبي - ﷺ -) بالجر بدل من أم حبيبة، أو عطف بيان له، ويجوز قطعه إلى الرفع،
والنصب.
والزوج بلا هاء: يطلق على الرجل والمرأة. قال في المصباح: والرجل: زوج المرأة، وهي زوجُهُ أيضًا، وهذه هي اللغة العالية، وبها جاء القرآن، نحو ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ والجمع فيهما أزواج قاله أبو حاتم. وأهل نجد يقولون في المرأة: زوجة بالهاء، وأهل الحرم يتكلمون بها، وعكس ابن السكيت فقال: وأهل الحجاز يقولون
للمرأة: زوج، وسائر العرب: زوجة بالهاء، وجمعها زوجات، والفقهاء يقتصرون في الاستعمال عليها للإيضاح، وخوف لبس الذكر بالأنثى، إذ لو قيل: تركة فيها زوج، وابن، لم يُعلم أذكر هو أم أنثى؟. اهـ. ج ١ ص ٢٥٩.
(وهي) أي أم حبيبة (خالته) أخت أمه، ولا أعرف من هي (فسقته سويقًا) وفي رواية أبي داود: فسقته قَدَحًا من سويق؟، قال في المنهل: والسويق: ما يتخذ من الشعير، أو القمح بعد قَلْيه أو دقه وخلطه بماء أو عسل أو لبن. اهـ ج ٢ ص ٢٢٥.
وفي المعجم الوسيط: السويق: طعام يتخذ من مدقوق الحنطة والشعير، سمي بذلك لانسياقه في الحلق، جمعه أسْوقة. اهـ.
(ثم) بعد أن سقته ذلك السويق (قالت له: توضأ يا ابن أختي) وعند أبي داود: فدعا بماء فتمضمض فقالت: يا ابن أختي «ألا توضأ»، وعند الطحاوي: «قالت: يا ابن أخي توضأ فقال: إني لم أحدث شيئا … (فإن رسول الله - ﷺ - قال: توضئوا مما مست النار) وهذا بيان لسبب أمرها بالوضوء، فالفاء للتعليل أي إنما أمرتك به لأمر النبي - ﷺ - به.
وفيه أن العالم إذا بَيَّن حكما ينبغي له أن يذكر دليله معه ليكون السامع على بصيرة، ولا يحتاج إلى طلب الدليل.
(تنبيه) يأتي الكلام على هذا الحديث في الحديث التالي. إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.