ما بين بصريين، وهما شيخه، ويحيى، ومدنيين، وهم الباقون، وأن شيخه أحد المشايخ الذين اتفق الستة بالرواية عنهم بدون واسطة، وفيه رواية الراوي عن أبيه، عن جده.
شرح الحديث
(عن زينب بنت أم سلمة) ﵄ (عن) أمها (أم سلمة) هند بنت أبي أمية ﵂ (أن رسول الله - ﷺ - أكل كتفا) وعند أبي داود من رواية ابن عباس ﵄: «أكل كتف شاة». والكتف بفتح الكاف وكسر التاء، ويجوز تسكينها مع فتح الكاف وكسرها، وجمعها: كِتَفَة كقِرَدَة وأكتاف، كأصحاب، وهى مؤنثة: عظم عريض خلف المنكب، وتكون للناس وغيرهم من الدواب.
(فجاءه بلال) بن رباح، ابن حمامة وهي أمه، المؤذن، أبو عبد الله الصحابي الجليل المتوفى بالشام سنة -١٧ - أو-١٨ -، أو-٢٠ - وهو ابن بضع وستين سنة، وتقدم في ٨٦/ ١٠٤. ﵁. (فخرج) عطف على محذوف أي فأعلمه بالصلاة، فخرج النبي - ﷺ - (إلى الصلاة، ولم يمس ماء) أي لم يتوضأ. وتمسك بهذا من قال بعدم الوضوء مما مست النار. وسيأتي قريبًا تحقيقه إن شاء الله تعالى. والله أعلم.
١٨٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَحَدَّثَتْنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ ثُمَّ يَصُومُ.
وَحَدَّثَنَا مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ: أَنَّهَا قَرَّبَتْ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - جَنْبًا مَشْوِيًّا، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
رجال الإسناد: ستة
١ - (محمد بن عبد الأعلى) الصنعاني ثم البصري ثقة -١٠ - تقدم في ٥/ ٥.
٢ - (خالد) بن الحارث الهجيمي أبو عثمان البصري ثقة تقدم في ٥٣/ ٦٧.
٣ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي ثقة -٦ - تقدم في ٢٨/ ٣٢.
٤ - (محمد بن يوسف) بن عبد الله بن يزيد الكندي المدني الأعرج. ثقة ثبت -٥ - روى عن جده لأمه، وقيل: خاله، وقيل: عمه السائب ابن يزيد، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، وعبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وعبد الله بن المفضل.
وعنه ابن جريج، ومالك بن أنس، وابن أبي الزناد، وإسماعيل بن جعفر، وعبد الله بن عمر العمري، وحفص بن غياث، وحاتم بن إسماعيل، والقطان، وغيرهم.
قال ابن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: محمد بن يوسف أثبت من عبد الرحمن بن حميد، وعبد الرحمن بن عمار، وكان أعرج وكاتبا، وقال صدقة بن الفضل: كان يحيى يثنى عليه، ويفضله على
محمد بن أبي يحيى.
قال البخاري: كان يحيى بن سعيد يشبهه. وقال ابن معين: قال لي يحيى: لم أر شيخا يشبهه في الثقة، وقال ابن معين، وأحمد، والنسائي: ثقة، وقال مصعب الزبيري: كان له شرف وقَدَم بالمدينة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن المديني: محمد بن يوسف الأعرج ثقة، وقال ابن شاهين في الثقات: قال أحمد بن صالح -يعني المصري-: ثبت له شأن. قال: وكان أحمد بن صالح معجبا به، وفي الزهرة روى عنه (خ) ٦٢ حديثًا. أخرج له الجماعة، إلا ابن ماجه. ومات في حدود -١٤٠ - اهـ «تت» ج ٩ ص ٥٣٤ - ٥٣٥.
٥ - (سليمان بن يسار) الدني مولى ميمونة ثقة فقيه -٣ -، تقدم في ١١٢/ ١٥٦.
٦ - (أم سلمة) هند بنت أبي أمية حذيفة، ويقال: سهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومية زوج النبي - ﷺ - تزوجها سنة اثنتين من الهجرة بعد بدر، وبنى بها في شوال، وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد، روت عن النبي - ﷺ -، وعن أبي سلمة بن عبد الأسد، وفاطمة بنت رسول الله - ﷺ -.
وعنها ابناها عمر، وزينب ابنا أبي سلمة، ومكاتبها نَبْهَان، وأخوها عامر بن أبي أمية، وابن أخيها مصعب بن عبد الله بن أبي أمية، ومواليها عبد الله بن رافع، ونافع، وسفينة، وأبو كثير، وابن سفينة، وخيرة أم الحسن البصري، وسليمان بن يسار، وأسامة بن زيد بن حارثة، وهند بنت الحارث الفراسية، وغيرهم. قال الواقدي: توفيت في شوال سنة -٥٩ - وصلى عليها أبو هريرة، وقال أحمد بن أبي خيثمة: توفيت في ولاية يزيد بن معاوية، وقال غيره: توفيت سنة -٦٢ - .
قال الحافظ ﵀: إنما تزوجها النبي - ﷺ - سنة أربع على الصحيح،
ويقال: سنة ثلاث، فإن أبا سلمة بن عبد الأسد شهد أحدا ورمي بسهم فعاش بعده خمسة أشهر، أو سبعة، ومات، وحلت أم سلمة في شوال سنة أربع، وقد نص على ذلك خليفة بن خياط والواقدي، وقال ابن عبد البر: مات في جمادى الآخرة سنة ثلاث. وأما قول الواقدي: إنها توفيت سنة -٥٩ - فمردود عليه بما ثبت في صحيح مسلم أن الحارث بن عبد الله بن ربيعة، وعبد الله بن صفوان دخلا على أم سلمة في ولاية يزيد بن معاوية فسألاها عن الجيش الذي يخسف بهم، وكانت ولاية يزيد في أواخر سنة -٦٠ - . وحكى ابن عبد البر أنها أوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد، وهو مشكل لأن سعيدا مات قبلها بمدة، والجواب عنه سهل إن صح، وهو احتمال أن تكون مرضت فأوصت بذلك ثم عوفيت مدة بعد ذلك. فمثل هذا يقع كثيرًا.
قال ابن حبان: ماتت في آخر سنة -٦١ - بعد ما جاءها نعي حسين بن علي ﵄. اهـ «تت» ج ١٢ ص ٤٥٧ أخرج لها الجماعة.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ممن أخرجوا لهم، إلا شيخه فما أخرح له (خ) ومحمد بن يوسف فما أخرج له (د ت)، وأنهم ما بين بصريين: وهما شيخه، وخالد، ومكي، وهو ابن جريج، ومدنيين، وهم الباقون. وفيه رواية تابعي، عن تابعي: محمد بن يوسف عن سليمان، وسليمان هو أحد الفقهاء السبعة.
شرح الحديث
(قال) سليمان بن يسار (دخلت على أم سلمة) ﵂ (فحدثتني: أن رسول الله - ﷺ - كان يصبح جنبًا) بضمتين.
قال في المصباح: يقال: أجنب الرجل بالألف، وجَنُب: وزان
قَرُب، فهو جُنُب، ويطلق على الذكر، والأنثى، والمفرد، والتثنية، والجمع، وربما يطابق على قلة، فيقال: أجناب وجنبون، ونساء جنبات. اهـ ج ١ ص ١١٠ - ١١١.
وفي المعجم الوسيط: الجنابة: حالُ مَن يَنزل منه مني، أو يكون منه جماع. اهـ ج ١ ص ١٣٨. (من غير احتلام) بل من جماع أهله (ثم يصوم). استَدَلَّ بهذا من قال: إن من أصبح جنبا فصومه صحيح،
ولا قضاء عليه. وهو مذهب الجمهور، وذهب طائفة من التابعين إلى عدم الصحة، ونقل عن طاوس ونسب إلى أبي هريرة، ولم يصح عنه. ونقل أيضا عن الحسن البصري، وسالم بن عبد الله، وعطاء أنه يتم صومه، ثم يقضيه. هذا كله في حق الجنب من الجماع، وأما المحتلم فأجمعوا على أنه يجزيه، هكذا قيل، لكن رده الحافظ بأن فيه اختلافا أيضا، فإن أبا هريرة أفتى بعدم الإجزاء. وسيأتي تمام المسألة، في
المسائل، إن شاء الله تعالى.
قال محمد بن يوسف (وحدثنا) سليمان (مع هدا الحديث) أي حديث: «كان يصبح جنبًا من غير احتلام ثم يصوم» (أنها) أي أم سلمة (حدثته أنها قرّبت إلى النبي - ﷺ - جَنْبًا) بفتح فسكون: ما تحت الإبط إلى الكشح، جمعه جُنُوب، مثل فلس وفلوس.
(مشويا) اسم مفعول من شَوَيت اللحم، أشويه شَيًا، فانشوى، مثل كسرته فانكسر، وهو مشوي، وأصله مفعول. قاله في المصباح.
ج ١ ص ٣٢٨ (فأكل منه، ثم قام إلى الصلاة، ولم يتوضأ). فيه دليل على عدم إيجاب الوضوء مما مست النار. والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته حديث أم سلمة ﵂ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف، أخرجه هنا ١٢٣/ ١٨٣ وفي الكبرى ١١٦/ ١٨٩ بالسند المذكور. وأخرج «كان يصبح جنبًا» إلخ في الكبرى في الصيام عن عمرو بن علي، عن يحيى بن سعيد، عن أسامة بن زيد عنها. وأخرج زيادة «أنها قربت إلى رسول الله - ﷺ - في الكبرى أيضا في الصيام، والمزارعة بالسند المذكور هنا.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرج حديث:»كان يصبح جنبا من غير احتلام« (م) في الصوم ١٣/ ٦ عن أحمد بن عثمان النوفلي، عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن أسامة بن زيد، عن سليمان عنها.
(تنبيه) أما طريق زينب السابق فأخرجه الترمذي في الأطعمة، وابن ماجه في الطهارة -٤٩١ -، وأخرجه أحمد. انظر تحقيق الشيخ الألباني على المشكاة ج ١ ص ١٠٦.
المسألة الرابعة: في ذكر مذاهب العلماء فيمن أصبح جنبا هل يصح صومه، أم لا؟
قال العلامة الشوكاني ﵀: هذه الأحاديث -يعني الأحاديث التي أوردها صاحب المنتقى- استدل بها من قال: إن من أصبح جنبا فصومه صحيح، ولا قضاء عليه من غير فرق بين أن تكون الجنابة عن جماع أو غيره، وإليه ذهب الجمهور، وجزم النووي بأنه استقر الإجماع على ذلك.
وقال ابن دقيق العيد: إنه صار ذلك إجماعًا، أو كالإجماع. وقد ثبت من حديث أبي هريرة ما يخالف أحاديث الباب، فأخرج الشيخان عنه أنه - ﷺ - قال: «من أصبح جنبا فلا صوم له»، وقد بقي على العمل
بحديث أبي هريرة هذا بعض التابعين كما نقله الترمذي.
ورواه عبد الرزاق عن عروة بن الزبير، وحكاه ابن المنذر عن طاوس. قال ابن بطال: وهو أحد قولي أبي هريرة. قال الحافظ ولم يصح عنه لأن ابن النذر رواه عنه من طريق أبي المهزم، وهو ضعيف. وحكى ابن المنذر أيضا عن الحسن البصري، وسالم بن عبد الله بن عُمر ﵄ أنه يتم صومه ثم يقضيه. وروى عبد الرزاق عن عطاء مثل قولهما. قال في الفتح: ونقل بعض المتأخرين عن الحسن بن صالح ابن حي إيجاب القضاء، والذي نقله عنه الطحاوي استحبابه.
ونقل ابن عبد البر عنه، وعن النخعي إيجاب القضاء في الفرض دون التطوع. ونقل الماوردي أن هذا الاختلاف كله إنما هو في حق الجنب، وأما المحتلم فأجمعوا على أنه يجزيه. وتعقبه الحافظ بما أخرجه النسائي بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁ أنه أفتى من أصبح جنبا من احتلام أن يفطر. وفي رواية أخرى عنه عند النسائى أيضا: «من احتلم من الليل، أو واقع أهله ثم أدركه الفجر ولم يغتسل فلا يصم». وأجاب القائلون بأن من أصبح جنبا يفطر عن أحاديث الباب بأجوبة:
منها: أن ذلك من خصائصه - ﷺ -، ورده الجمهور بأن الخصائص لا تثبت إلا بدليل، وبأن حديث عائشة المذكور في أول الباب- أعني حديث أن رجلا قال يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم … الحديث، رواه مسلم- يقتضي عدم اختصاصه - ﷺ - بذلك.
وجمع بعضهم بين الحديثين بأن الأمر في حديث أبي هريرة أمر إرشاد إلى الأفضل، فإن الأفضل أن يغتسل قبل الفجر، فلو خالف جاز، ويحمل حديث عائشة على بيان الجواز. وقد نقل النووي هذا الجمع عن أصحاب الشافعي، وتعقبه الحافظ بأن الذي نقله البيهقي وغيره عن
أصحاب الشافعي هو سلوك طريقة الترجيح.
وعن ابن المنذر وغيره سلوك النسخ، وبالنسخ قال الخطابي، وقواه ابن دقيق العيد بأن قوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ يقتضي إباحة الوطء في ليلة الصوم، ومن جملتها الوقت المقارن لطلوع الفجر فيلزم إباحة الجماع فيه، ومن ضرورته أن يصبح فاعل ذلك جنبًا ولا يفسد صومه. ويقوي ذلك أن قول الرجل للنبي - ﷺ - «قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر» يدل على أن ذلك كان بعد نزول الآية، وهي إنما نزلت عام الحديبية سنة ست، وابتداء فرض الصيام كان في السنة الثانية، ويؤيد دعوى النسخ رجوع أبي هريرة عن الفتوى بذلك كما في رواية للبخاري «أنه لما أخبر بما قالت أم سلمة وعائشة، فقال: هما أعلم برسول الله - ﷺ -، وفي رواية ابن جريج فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك»، وكذا وقع عند النسائي أنه رجع، وكذا عند ابن أبي شيبة، وفي رواية للنسائي أن أبا هريرة أحال بذلك على الفضل بن عباس، ووقع نحو ذلك في البخاري، وقال: إنه حدثه بذلك الفضل. وفي رواية أنه قال: حدثني بذلك أسامة.
وأما ما أخرجه ابن عبد البر عن أبي هريرة أنه قال: «كنت حدثتكم من أصبح جنبا فقد أفطر، وإن ذلك من كيس أبي هريرة» فقال الحافظ: لا يصح ذلك عن أبي هريرة لأنه من رواية عمر بن قيس وهو متروك.
ومن حجج من سلك طريق الترجيح ما قاله ابن عبد البر أنه صح وتواتر حديث عائشة وأم سلمة ﵄. وأما حديث أبي هريرة ﵁ فأكثر الروايات عنه أنه كان يفتي بذلك، وأيضا رواية اثنين مقدمة على رواية واحد، ولاسيما وهما زوجتان للنبي - ﷺ -، والزوجات أعلم بأحوال الأزواج، وأيضًا: روايتهما موافقة للمنقول، وهو ما تقدم