HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٠٨

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ تَعْنِي: «أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ، فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ، ثُمَّ لِتُصَلِّي».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص73
  • زبير علي زئي:ضعيف
ج ١ ص ١١٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, مسند أحمد وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٤ ص٢٥١
تمتنع الفصحاء من استعمالها. اهـ المصباح. وكلام عائشة هذا معترض بين السؤال والجواب (فقال لها رسول الله - ﷺ - امكثي قدر ما كانت تحبسك) أي تمنعك (حيضتك) أي قدر الأيام التي كانت الحيضة تعتادك فيها فتمنعك عن الصلاة، وهذا فيه إشارة إلى أنها مميزة حيضها (ثم) إذا مضى قدرها (فاغتسلي) لانقضاء مدة الحيض. قال المصنف (أخبرنا قتيبة) بن سعيد بهذا الحديث (مرة أخرى) أي وقتا آخر، يقال: فعلت ذلك مرة، أي تارة، والجمع مرات، ومرار. قاله في المصباح (ولم يذكر جعفرا) يعني أنه أسقطه من السند، فقال: عن يزيد، عن عراك. والحاصل أن قتيبة حدث بهذا الحديث مرتين مرة بزيادة جعفر، ومرة بإسقاطه، فيكون مما رواه يزيد عن عراك بواسطة جعفر، ثم أخذه عنه بلا واسطة، وهذا هو الظاهر من كلام النسائي، وأما ما ذكره الشيخ الشنقيطي ترديدا بقوله: إما أن يكون سهوًا منه فبعيد، لأننا إذا قلنا يحتمل السهو في هذا، نقول أيضا يحتمل في الزيادة، فيكون الحديث غير محفوظ، وهذا بعيد من صنيع المصنف، فالأولى ما قررناه. والله أعلم. وأما المسائل فقد تقدمت في الماضي، فارجع إليها. ٢٠٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ تَعْنِي: أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لْتَسْتَثْفِرْ، ثُمَّ لْتُصَلِّ». رجال الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة بن سعيد) ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس الإمام العلم ثقة حجة -٧ - تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (نافع) مولى ابن عمر المدني أحد الأعلام ثقة ثبت -٣ - تقدم في ١٢/ ١٢. ٤ - (سليمان بن يسار) المدني مولى ميمونة ﵂ ثقة فقيه -٣ - تقدم في ١١٢/ ١٥٦. ٥ - (أم سلمة) هند بنت أبي أمية المخزومية ﵂ تقدمت في ١٢٣/ ١٨٣. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء اتفقوا على التخريج لهم، وكلهم مدنيون إلا شيخه، فبغلاني، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه سليمان أحد الفقهاء السبعة، وقد تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أم سلمة) هند ﵂ (تعني) بالتاء وفي نسخة بالياء، أي تريد أم سلمة ﵂ بما حدثت به (أن امرأة) وإنما أتى بتعني لنسيانه اللفظ الذي عبرت هي به، وإنما حفظ المعنى فأداه به. والمرأة هي فاطمة بنت أبي حبيش، وليست أم حبيبة بنت جحش كما توهمه الشنقيطي، لأن أبا داود صرح بذلك في سننه حيث قال: سَمَّى المرأة التي كانت استحيضت، حماد بن زيد عن أيوب في هذا الحديث قال فاطمة بنت أبي حبيش. اهـ ج ٢ ص ٦٦ بشرح المنهل. وقد بين الدارقطني في سننه أن سفيان، وعبد الورث، ووهيبا، وحماد بن زيد سموها فاطمة، فقد أخرج بسنده عن سفيان، عن أيوب السختياني، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة زوج النبي - ﷺ -: أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض على عهد رسول الله - ﷺ - فسألت لها أم سلمة رسول الله - ﷺ -، فقال: «لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن، وقدرهن من الشهور، فلتترك الصلاة لذلك، فإذا خلّفت ذلك، فلتغتسل، ولتتوضأ، ولتستذفر، ثم تصلي». وأخرج بسنده عن عبد الوارث، عن أيوب، عن سليمان بن يسار، أن أم سلمة استفتت رسول الله - ﷺ - لفاطمة بنت أبي حبيش .. الحديث. ثم قال: ورواه وهيب عن أيوب، عن سليمان، عن أم سلمة بهذا. وأخرج بسنده أيضا عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن سليمان بن يسار، أن فاطمة بنت أبي حبيش .. الحديث. (كانت تهراق) بالبناء للمفعول، وهاؤها مفتوحة أو ساكنة، وأصلها تراق، من إراقة الشيء بمعنى صبه، قال ابن منظور ﵀: وأراقَ الماء يُريقه، وهراقه يُهَريقه -أي بفتح الهاء- على البدل، وأهراقه يُهْريقه -أي بسكون الهاء- على العوض كما ذهب إليه سيبويه في قولهم: أسطاع، وقالوا في مصدره إهراقة، كما قالو ا: إسطاعةً، قال ذو الرمة (من الطويل): فَلَمَّا دَنَتْ إِهْرَاقَةُ المَاءِ أنْصَبَتْ … لأَعْزلَهُ عَنْهَا وَفِي النَّفْسِ أَنْ أثْني ورجل مُريق، وماء مُرَاق على أرقتُ، ورجل مُهَريق، وماء مُهَراق -يعني بفتح الهاء- على أهرقت. اهـ لسان ببعض تصرف. وقال السندي: وأصل هَرَاق أراق، أبدلت الهمزة هاء، ويقال: يُهَريق بفتح الهاء، لأن الهاء موضع الهمزة، ولو كانت الهمزة ثابتة في المضارع لكانت مفتوحة، ويقال: أهراق يهريق بسكون الهاء جمعا بين البدل والأصل. اهـ ج ١ ص ١٢٠. (الدم) بالنصب، ويجوز الرفع، قال السيوطي ﵀: قال ابن مالك: هذا من زيادة «أل» في التمييز، وقال ابن الحاجب في أماليه: يجوز فيه الرفع على البدل من الضمير في تهراق، والنصب على التمييز، أو توهم التعدي، أو بفعل مقدر، وهو الأوجه، كأنه لما قيل: تهراق، قيل: ما تهراق؟ قال: تهريق الدم مثل: ليُبْكَ يَزيدُ ضَاِرعٌ لخُصُومَةٍ وإن اختلفا في الإعراب، ومثله في الكلام كثير. اهـ زهر ج ١ ص ١٢٠. وقال العلامة السندي ﵀: ونصب الدم تشبيها بالمفعول، وهو في المعنى تمييز، إلا أنه لا يطلق عليه اسم التمييز مراعاة لقواعد الإعراب -يعني وجوب تنكير التمييز عند البصريين-، وقيل: هو تمييز، وتعريفه زائد -يعني أن أل فيه زائدة- والأصل يهراق دمها، فأسند الفعل إلى ضمير المرأة مبالغة، وجعل الدم تمييزًا وقيل: يجوز تعريف التمييز -وهو مذهب الكوفيين- لورود أمثاله كثيرًا. وقيل: على إسقاط حرف الجر، أي بالدماء، أو على إضمار الفعل: أي يهريق الله تعالى الدم منها، أو لما قيل: تهراق، كأنه قيل: ما تهراق؟ قال: تهريق الدم، والرفع على أنه بدل من ضمير تهراق، أو نائب الفاعل إن كان يُهرَاق بلفظ التذكير. اهـ ج ١ ص ١٢٠. وقال ابن الأثير: جاء الحديث على ما لم يسم فاعله، أي تهراق هي والدماء منصوب على التمييز، وإن كان معرفة، وله نظائر، كقوله تعالى: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] وهو مطرد عند الكوفيين، وشاذ عند البصريين، أو أجري تهراق مجرى نُفست المرأة غلاما، ونتج الفرس مُهْرا، قال: ويجوز الرفع بتقدير تهراق دماؤها وأل بدل من المضاف إليه، كقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي عقدة نكاحه ونكاحها. وقال أبو حيان في شرح التسهيل: أجاز بعض المتأخرين تشبيه الفعل اللازم بالمتعدى كما شبه وصفه باسم الفاعل المتعدي مستدلا بحديث «تهراق الدماء»، ومنعه الشلوبين، وقال: لا يكون ذلك إلا في الصفات، وتأول الحديث على إسقاط حرف الجر، أي بالدماء، أو على إضمار فعل، أي يهريق الله الدماء منها، قال أبوحيان: وهذا هو الصحيح إذ لم يثبت من لسان العرب. اهـ زرقاني على الموطأ ج ١ ص ١٢٣. (على عهد) أي في زمان (رسول الله - ﷺ - فاستفتت لها) أي لأجلها (أم سلمة رسول الله - ﷺ -) أي بأمرها إياها بذلك، لما في رواية الدارقطني «أن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت حتى كان المركن ينقل من تحتها وأعلاه الدم قال: فأمرت أمَّ سلمة أن تسأل لها رسول الله - ﷺ - .. الحديث. وقد تقدم في الرواية السابقة، -٢٠١ - أنها السائلة، وثبت في حديث آخر عند أبي داود وغيره: أن أسماء بنت عميس سألت لها، قال الحافظ ولي الدين العراقي: ولعل الجمع بينها أن فاطمة سألت كلا من أم سلمة وأسماء أن تسأل لها فسألتا مجتمعتين، أو سألت كل واحدة منهما مع عدم علمها بسؤال الأخرى، وصح إطلاق السؤال على فاطمة باعتبار أمرها بالسؤال، أو أنها حضرت معهما فلما بدأتا بالكلام تكلمت هي حينئذ. نتهى. قال الجامع: أو يحمل على أنها لما استبطأت سؤالهما تولت بنفسها ذلك لشدة اهتمامها بمعرفة حكمه. والله أعلم قال الزرقاني ﵀: وهو مبني على تسليم أن هذه المرأة المبهمة فاطمة، وقد قال ابن عبد البر: قال أيوب السختياني: هذه المرأة هى فاطمة المذكورة في الحديث الأول، وهو عندنا حديث آخر، وكذا جعله ابن حنبل حديثا غير الأول، فإنه في امرأة عرفت إقبالها وإدبارها، وهذا الحديث في امرأة كان لها أيام معروفة فزادها الدم وأطبق عليها، فلم تميز، فأمرها - ﷺ - أن تترك الصلاة قدر أيامها من الشهر. وأجاب ابن العراقي بأنه إن صح أن المبهمة فاطمة فلعلها كانت لها أحوال كانت في بعضها مميزة، وفي بعضها ليست مميزة، وجاء الجواب لها باعتبار حالتيها. قال الجامع عفا الله عنه: كون المرأة المبهمة هي فاطمة هو الراجح عندي، وأما ما ذكره الحافظ ابن عبد البر من أنها ليست هي لأن الحديث الأول -يعني الحديث الذي فيه التصريح باسمها- في امرأة عرفت إقبال حيضها وإدباره، أي بالصفة، حيث أنه قال لها «فإذا أقبلت الحيضة»، وفي بعض الروايات عند المصنف وأبي داود «إذا كان دم الحيض، فإنه دم أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة»، قال: وهذا الحديث -يعني حديث المرأة المبهمة- في امرأة كان لها أيام معروفة -أي حيث قال لها: لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر فغير صحيح لأن الأمرين جميعًا واردان في فاطمة مصرحًا باسمها. فمما ورد في تمييزها بالصفة ما أشرنا إليه آنفا من رواية المصنف الآتي في -١٣٨/ ٢١٥ - عن فاطمة بنت أبي حبيش، أنها كانت تستحاض فقال لها رسول الله - ﷺ -: «إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف فأمسكي عن الصلاة» … الحديث. ومما ورد في ردها إلى الأيام المعروفة لها ما رواه البخاري في صحيحه عن فاطمة بنت أبي حبيش، سألت النبي - ﷺ - قالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: «لا إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها» الحديث. فثبت بهذا أن فاطمة ورد فيها الأمران معا فصح ما قاله أيوب من أن المبهمة هى فاطمة، والجواب عن الحديثين هو ما أجاب به ولي الدين العراقي، من أن فاطمة كانت لها حالات ففي بعضها كانت مميزة فأحالها - ﷺ - على التمييز، وفي بعضها كانت غير مميزة فردها إلى عادتها المعروفة. وقد تقدم قريبا بيان رواية أيوب السختياني أنها فاطمة في سنن الدارقطني مستوفى، فلا تغفل. (فقال) - ﷺ - مجيبًا عن سؤالها (لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيض) أي فيها، وعند أبي داود «تحيضهن» (من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها) من الاستحاضة، والجار والمجرور متعلق بتحيض، أو حال من عدد الليالي والأيام، والظرف حال من الشهر، أي حال كون ذلك الشهر كائنا قبل أن يصيبها استمرار الدم (فلتترك الصلاة) وكذا كلّ ما يمنع في حال الحيض من الصوم وغيره، وإنما عين الصلاة حيث إنها سألت عنها بقولها: أفأدع الصلاة؟ (قدر ذلك) أي قدر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن قبل استمرار الدم بها (من الشهر) الذي استمر فيه الدم. وحاصل المعنى أنه أمرها أن تحسب عدد الليالي والأيام التي كانت تحيض فيها قبل أن تستحاض، وتترك الصلاة من الشهر الآتي قدرها، مثلا إذا كانت عادتها أن تحيض من كل شهر خمسة أيام من أوله تترك الصلاة خمسة أيام من الشهر الآتي. (فإذا خلّفت ذلك) بتشديد اللام وفتح الفاء من التخليف، أي إذا تركت قدر الأيام والليالي المذكورة وراءها، والمراد إذا مضى قدرها (فلتغتسل) لانقطاع حيضها؛ لأن مدة حيضها فيما مضى هي مدة حيضها في هذا الوقت، فإذا مضى قدرها خرجت من الحيض، وصارت مستحاضة حكمها حكم الطاهرة. واحتج بهذا الحديث من قال: إن المستحاضة المعتادة ترد لعادتها، ميزت أم لا، وافق تمييزها عادتها أم خالفها، وهو قول أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، وأحمد في المشهور عنه، قيل: هو مبني على «قاعدة ترك الاستفصال في وقائع الأحوال مع قيام الاحتمال، ينزل منزلة العموم في المقال» وذلك حيث إنه - ﷺ - لم يسألها هل هي مميزة أم لا؟ لكن نازع الصنعاني في بناء الحنفية هذا القول على هذه القاعدة لأنهم لا يقولون بها، بل القائل بها هم الشافعية، انظر حاشية العدة ج ١ ص ٤٧٥. وذهب مالك، والشافعي في أصح قوليه إلى أنها ترد لعادتها إذا لم تكن مميزة، وإلا ردت إلى تمييزها. قال الجامع: وهذا القول هو الراجح عندي عملا بحديثي فاطمة رضي الله عنها، وستكون لي عودة إلى تحقيق المسألة إن شاء الله تعالى. (ثم لتستثفر) بمثلثة قبل الفاء، أي لتشدّ ثوبًا تمنع به سيلان الدم. قال ابن منظور ﵀: هو أن تشد فرجها، بخرقة عريضة، أو قطنة تحتشي بها، وتوثق طرفيها في شيء تشده على وسطها فتمنع سيلان الدم. وهو مأخوذ من ثَفَر الدابة الذي يجعل تحت ذَنَبها، ويحتمل أن يكون مأخوذا من الثَّفْر أريد به فرجها، وإن كان أصله للسباع، واستثفر الرجل بثوبه إذا رد طرفه بين رجليه إلى حُجْزَته، واستثفر الكلب: إذا أدخل ذنبه بين فخذيه حتى يُلزقه ببطنه. اهـ لسان باختصار. (ثم لتصلي) بإثبات الياء في نسخ النسائي التي عندنا، وكذا في الموطأ، وأبي داود في بعض النسخ، وفي بعضها بحذفها، ووجه إثباتها الإشباع كقراءة من قرأ ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] بإثبات الياء، كذا قال ولي الدين العراقي، قال الزرقاني: ولا يقال: فيه نظر، لأنه أمر لأنثى؛ لأنا نقول هو ليس خطابًا، وإنما هو مسند لضمير الغائبة أي لتصل هي فكان الواجب حذف الياء للام الأمر، فجيء بها للإشباع، فحذف الجازم ياء العلة، والموجودة إشباع. اهـ كلام الزرقاني ج ١ ص ١٢٤. قال الجامع: عدم حذف حرف العلة للجازم قيل: ضرورة، وقيل لغة، قاله السيوطي في «همع الهوامع»، وخرج عليه قراءة قنبل ﴿إنه من يتقي ويصبر﴾ وقيل الموجودة إشباع، والأصلية حذفها الجازم، ورد بأن الإشباع لا يكتب، وقيل غير ذلك في الآية انظر حاشية الخضري على شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك ج ١ ص ٥١. والله تعالى أعلم. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا ٢٠٨، وفي ٣/ ٣٥٤، وفي الحيض ٣/ ٣٥٥، وفي الكبرى ١٢٦/ ٢١٤. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (د ق) فأخرجه (د) في الطهارة عن القعنبي، عن مالك، عن نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة، وعن موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن أيوب، عن سليمان عنها. وأخرجه (ق) فيه عن علي بن محمَّد، وأبي بكر بن أبي شيبة كلاهما عن أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع به. المسألة الرابعة: في فوائده: قال في المنهل: والحديث يدل على أن من جهل شيئا من أمر دينه يُطلَب منه أن يسأل عنه أهل العلم، وعلى أنه يجوز أخذ العلم بواسطة، وعلى أن خبر الواحد حجة يعمل به، وعلى أنه يطلب من المسؤول أن يجيب السائل عفا سأله عنه إذا كان عالما بالحكم، وعلى أن الحائض لا تجب عليها الصلاة، وعلى وجوب الغسل على المستحاضة المعتادة إذا انقضت عادتها، وعلى أن المستحاضة يجب عليها أن تستثفر لمنع الدم فإن لم تفعل ذلك لزمها إعادة الوضوء إذا خرج منها الدم، وحديث «تصلي المستحاضة ولو قطر الدم على الحصير» محمول على من استثفرت ثم غلبها الدم ولا يرده الثَّفَر، وكذا من به سلس البول يلزمه سد المجرى بقطن ونحوه ثم يشده بالعصائب، فإن لم يفعل فقطر أعاد الوضوء، وعلى أن المستحاضة المعتادة ترد لعادتها ميزت أم لا، وافق تمييزها عادتها أم لا، وتقدم الخلاف في ذلك. قال الجامع: قد قدمنا أن الراجح هو العمل بالتمييز، إن كان، وإلا فردها إلى العادة. وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. المسألة الخامسة: اتفق العلماء في أن المستحاضة إذا أدبر حيضها تصلي، وتصوم، وتؤدي كل عبادة تشترط لها الطهارة، واختلفوا في إباحة وطئها حينئذ فالجمهور على جوازه لكونها في حكم الطاهرة وقد استدل الشافعي ﵀ بالأمر بالصلاة على جواز الوطء، قال: لأن الله تعالى أمر باعتزالها حائضا، وأذن في إتيانها طاهرة فلما حكم - ﷺ - للمستحاضة بحكم الطاهرة في أن تغتسل وتصلي دل ذلك على جواز وطئها، وقد أخرج عبد الرزاق، وغيره، عن ابن عباس من طريق عكرمة قال «المستحاضة لا بأس أن يأتيها زوجها»، ولأبي داود من وجه آخر عن عكرمة قال: «كانت أم حبيبة تستحاض، وكان زوجها يغشاها». قال الحافظ ﵀: وهو حديث صحيح إن كان عكرمة سمعه منها. وأخرج أيضا عن عكرمة عن حمنة بنت جحش أنها كانت مستحاضة، وكان زوجها يجامعها، والكلام فيه كالكلام في سابقه، فقد قال المنذري: في سماع عكرمة منهما نظر. وهذا القول منقول عن ابن عباس، وابن المسيب، والحسن البصري، وعطاء، وسعيد بن جبير، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، وبكر بن عبد الله المزني، والأوزاعي، والثوري، وأبي ثور، ومالك، والشافعي وأبي حنيفة، ﵏. وذهبت طائفة إلى أنه لا يحل وطؤها، وهو مذهب عائشة ﵂، وبه قال إبراهيم النخعي، والحكم، والزهري، وغيرهم. وعن ابن سيرين كراهته. قال الجامع: والراجح هو ما ذهب إليه الجمهور لعدم ورود المنع عن ذلك، فالبراءة الأصلية لا معارض لها، ولما تقدم في كلام الشافعي ﵀. والله أعلم. المسألة السادسة: قد ذكر العلامة الناقد، والبحاثة السائد أبو محمَّد بن حزم الظاهري في كتابه المُمْتع «المُحَلَّى» في بيان أحكام المستحاضة كلاما دقق فيه النظر وأورد فيه أقوال العلماء بأدلتها فنظر فيما لها وما عليها حسبما أداه إليه نظره فحقق في ذلك تحقيقا لا تراه في غيره من الكتب، وأنا ألخصه لأهميته، فإن مسألة المستحاضة قد طال البحث فيها بين أهل المذاهب حتى خرج عن حد الاعتدال، وقد أجاد القول فيه العلامة الشوكاني ﵀ فقال: وقد أطال المصنفون في الفقه الكلام في المستحاضة، واضطربت أقوالهم اضطرابا يبعد فهمه على أذكياء الطلبة، فما ظنك بالنساء الموصوفات بالعي في البيان والنقص في الأديان، وبالغوا في التعسير حتى جاءوا بمسألة المتحيرة فتحيروا، إلى آخر كلامه. ولنعد إلى كلام أبي محمَّد ابن حزم ﵀ قال ﵀: (مسأله) فإن رأت الجارية الدم أول ما تراه أسود فهو دم حيض، تدع الصلاة، والصوم ولا يطؤها بعلها أو سيدها، فإن تلون أو انقطع إلى سبعة عشر يوما فأقل فهو طهر صحيح تغتسل وتصلي وتصوم ويأتيها زوجها، وإن تمادى أسود تمادت على أنها حائض إلى سبع عشرة ليلة، فإن تمادى بعد ذلك أسود فإنها تغتسل ثم تصلي وتصوم ويأتيها زوجها وهي طاهر أبدا لا ترجع إلى حكم الحائضة إلا أن ينقطع أو يتلون كما ذكرنا، فيكون حكمها إذا كان أسود حكم الحيض وإذا تلون، أو انقطع، أو زاد على السبع عشرة حكم الطهر، فأما التي قد حاضت وطهرت فتمادى بها الدم فكذلك أيضًا في كل شيء إلا في تمادي الدم الأسود متصلا، فإنها إذا جاءت الأيام التي كانت تحيضها أو الوقت الذي كانت تحيضه إما مرارًا في الشهر أو مرة في الشهر أو مرة في أشهر أو في عام فإذا جاء ذلك الأمد أمسكت عفا تمسك به الحائض، فإذا انقضى ذلك الوقت اغتسلت وصارت في حكم الطاهر في كل شيء، وهكذا أبدا ما لم يتلون الدم أو ينقطع، فإن كانت مختلفة الأيام بنت على آخر أيامها قبل أن يتمادى بها الدم، فإن لم تعرف وقت حيضها لزمها فرضا أن تغتسل لكل صلاة وتتوضأ لكل صلاة ، أو تغتسل وتتوضأ وتصلي المغرب في آخر وقتها، ثم تتوضأ وتصلي العتمة في أول وقتها، ثم تغتسل وتتوضأ لصلاة الفجر، وإن شاءت أن تغتسل في أول وقت الظهر للظهر والعصر فذلك لها، وفي أول وقت المغرب للمغرب والعتمة فذلك لها، وتصلي كل صلاة لوقتها ولابد، وتتوضأ لكل صلاة فرض ونافلة في يومها وليلتها، فإن عجزت عن ذلك وكان عليها فيه حرج تيممت كما ذكرنا. برهان ذلك قول رسول الله - ﷺ - «إن دم الحيض أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة وإن كان الآخر فتوضئي وصلي»، وقوله - ﷺ -: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغتسلي وصلي» وفي بعضها «فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وتوضئي»، وفي بعضها: «فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وتوضئي وصلي»، ففي هذه الأخبار إيجاب مراعاة تلون الدم. وحديث عائشة ﵂: «أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي - ﷺ - قالت: إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال:»لا، إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي«، وحديثها أيضا: أن أم حبيبة سألت رسول الله - ﷺ - عن الدم؟، قالت عائشة: رأيت مركنها ملآن دما، فقال لها رسول الله - ﷺ -:»امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي«. قال: ففي هذين الخبرين إيجاب مراعاة القدر الذي كانت تحيضه قبل أن يمتد بها الدم. قال: وأما المبتدأة التي لا يتلون دمها عن السواد ولا مقدار عندها لحيض متقدم، فنحن على يقين من وجوب الصلاة والصيام عليها، ومن أن الدم الأسود منه حيض، ومنه ما ليس بحيض، فإذا كان كذلك فلا يجوز لأحد أن يجعل برأيه بعض ذلك الدم حيضًا وبعضه غير حيض، لأنه يكون شارعًا في الدين ما لم يأذن به الله، أو قائلا على الله تعالى ما لا علم لديه، فإذا كان كذلك فلا يحل لها ترك يقين ما افترض الله عليها من الصوم والصلاة لظن في بعض دمها أنه حيض، ولعله ليس حيضا، والظن أكذب الحديث. وهذا الذي قلناه هو قول مالك، وداود، وقال الأوزاعي: تجعل لنفسها مقدار حيض أمها وخالتها وعمتها، وتكون فيما زاد في حكم المستحاضة، فإن لم تعرف جعلت حيضها سبعة أيام من كل شهر، وتكون في باقي الشهر مستحاضة تصوم، وقال سفيان الثوري، وعطاء: تجعل لنفسها قدر حيض نسائها، وقال الشافعي: تقعد يوما وليلة من كل شهر تكون فيه حائضا، وباقي الشهر مستحاضة تصلي وتصوم، وإلى هذا مال أحمد بن حنبل، وقال أبو حنيفة: تقعد عشرة أيام من كل شهر حائضا وباقي الشهر مستحاضة تصلي وتصوم. قال: يقال لجميعهم: من أين قطعتم بأنها تحيضى كل شهر ولابد، وفي الممكن أن تكون ضهياء لا تحيض فتركتم بالظن فرض ما أوجبه الله تعالى عليها من الصلاة والصيام، ثم ليس لأحد منهم أن يقول: أقتصر بها على أقل ما يكون من الحيض لئلا تترك الصلاة إلا بيقين، إلا كان للآخر أن يقول: بل أقتصر بها على أكثر الحيض لئلا تصلي وتصوم ويطؤها زوجها وهي حائض، وكل هذين القولين يفسد صاحبه، وهما جميعا فاسدان لأنهما تقوّل بالظن، والحكم بالظن في دين الله ﷿ لا يجوز، ونحن على يقين لا شك فيه أن هذه المبتدأة لم تحض قط، وأن الصوم والصلاة فرضان عليها، وأن زوجها مأمور ومندوب إلى وطئها، ثم لا ندري ولا نقطع أن شيئًا من هذا الدم الظاهر عليها دم حيض، فلا يحل ترك اليقين والفرائض اللازمة بظن كاذب . قال: وأما وضوؤها لكل صلاة فلحديث فاطمة بنت أبي حبيش، وأما غسلها لكل صلاة فلحديث أم حبيبة بنت جحش حيث أمرها النبي - ﷺ - بالغسل لكل صلاة، وكلاهما صحيح. قال: وقال بهذا جماعة من الصحابة ﵃، فعن عائشة ﵂، أن أم حبيبة استحيضت فكانت تغتسل لكل صلاة. وعن سعيد بن جبير أنه كان عند ابن عباس فأتاه كتاب امرأة، قال سعيد فدفعه إلى، فقرأته فإذا فيه: إني امرأة متسحاضة أصابني بلاء وضر، وأني أدع الصلاة الزمان الطويل، وإن ابن أبي طالب سئل عن ذلك؟ فأفتاني أن أغتسل عند كل صلاة، فقال ابن عباس: اللهم لا أجد لها إلا ما قال علي، غير أنها تجمع بين الظهر والعصر بغسل واحد، والمغرب والعشاء بغسل واحد، وتغتسل للفجر غسلا واحدا، فقيل لابن عباس: إن الكوفة أرض باردة وأنها يشق عليها؟، قال: لو شاء الله لابتلاها بأشد من ذلك. وعن سعيد بن جبير: قال: أرسلت امرأة مستحاضة إلى ابن الزبير: أني أفتيت أن أغتسل لكل صلاة، فقال ابن الزبير: ما أجد لها إلا ذلك، ثم أرسلت إلى ابن عباس، وابن عمر، فقالا جميعا: ما نجد لها إلا ذلك. وعن عطاء وإبراهيم النخعي قالا: تنتظر المستحاضة أيام أقرائها، ثم تغتسل غسلا واحدًا للظهر والعصر، تؤخر الظهر قليلا وتعجل العصر قليلا، وكذلك المغرب والعشاء، وتغتسل للصبح غسلا. وعن سعيد بن المسيب قال: المستحاضة تغتسل لكل صلاة وتصلي. فهؤلاء من الصحابة أم حبيبة، وعلي، وابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير لا مخالف لهم يعرف من الصحابة ﵃، إلا رواية عن عائشة: أنها تغتسل كل يوم عند صلاة الظهر. ومن التابعين عطاء، وسعيد بن المسيب، والنخعي، وغيرهم. وكلها بأسانيد صحيحة. قال: فجاءت السنة في التي يتميز دمها أن الأسود حيض، وأن ما عداه طهر، فوضح أمر هذه، وجاءت السنة في التي لا تميز دمها، وهو كله أسود لأن ما عداه طهر لا حيض ولها وقت محدود مميز كانت تحيض فيه أن تراعي أمد حيضها فتكون فيه حائضا، ويكون ما عداه طهرا، فوجب الوقوف عند ذلك، وكان حكم التي كانت أيامها مختلفة منتقلة أن تبني على آخر حيض حاضته قبل اتصال دمها، لأنه هو الذي استقر عليه حكمها وبطل ما قبله باليقين والمشاهدة، فخرجت هاتان بحكمهما، ولم يبق إلا التي لا تميز دمها ولا لها أيام معهودة، ولم يبق إلا المأمورة بالغسل لكل صلاة أو لكل صلاتين فوجب ضرورة أن تكون هي، إذ ليس إلا ثلاث صفات وثلاثة أحكام، فللصفتين حكمان منصوصان عليهما، فوجب أن يكون الحكم الثالث للصفة الثالثة ضرورة ولابد. قال: وأما مالك فإنه غلب حكم تلون الدم ولم يراع الأيام، وأما أبو حنيفة فغلب الأيام ولم يراع حكم تلون الدم، وكلا العملين خطأ لأنه ترك لسنة لا يحل تركها، وأما الشافعي، وابن حنبل، وأبو عبيد، وداود فأخذوا بالحكمين معا، إلا أن أحمد بن حنبل وأبا عبيد غلبا الأيام، ولم يجعلا لتلون الدم حكما إلا في التي لا تعرف أيامها، وجعلا للتي تعرف أيامها حكم الأيام، وإن تلون الدم، وأما الشافعي، وداود فغلبا حكم تلون الدم سواء عرفت أيامها، أو لم تعرف، ولم يجعلا حكم مراعاة وقت الحيض إلا للتي لا يتلون، قال: فبقي النظر في أي العملين هو الحق؟ ففعلنا فوجدنا النص قد ثبت وصح بأنه لا حيض إلا الدم الأسود، وما عداه ليس حيضًا، لقوله - ﷺ -: «إن دم الحيض أسود يعرف»، فصح أن المتلونة الدم طاهرة تامة الطهارة لا مدخل لها في حكم الاستحاضة، وأنه لا فرق بين الدم الأحمر وبين القصة البيضاء، ووجب أن الدم إذا تلون قبل انقضاء أيامها المعهودة أنه طهر صحيح، فبقي الإشكال في الدم الأسود المتصل فقط، فجاء النص بمراعاة الوقت لمن تعرف وقتها، وبالغسل المردد لكل صلاة أو لصلاتين في التي نسيت وقتها. وبالله التوفيق. قال الجامع عفا الله عنه: هذا خلاصة ما ذكره ابن حزم ﵀ في كتابه «المحلى» ج ٢ ص ٢٠٧ - ٢١٥ وهو بحث نفيس جدا في مسألة المستحاضة، وبه تجتمع الأحاديث «الصحيحة» ويزول الإشكال، غير ما قاله في التي لا تميز ولا لها عادة فإنه يخالفه الحديث الذي رواه أبو داود، وأحمد، والترمذي، وصححاه كما قال المجد بن تيمية بإسنادهم عن حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة شديدة كثيرة، فجئت إلى رسول الله - ﷺ - أستفتيه، وأخبره، فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش قالت: قلت: يا رسول الله إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها قد منعتني الصلاة والصيام؟ فقال: أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم، قالت: هو أكثر من ذلك، قال: فاتخذي ثوبًا قالت: هو أكثر من ذلك، قال: فتلجَّمي، قالت: إنما أثُجُّ ثَجًا، فقال: سآمرك بأمرين أيهما فعلت فقد أجزأ عنك من الآخر، فإن قويت عليهما فأنت أعلم، فقال لها: «إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام، أو سبعة في علم الله، ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقأت فصلي أربعًا وعشرين ليلة أو ثلاثًا وعشرين ليلة وأيامها، وصومي، فإن ذلك يجزيك، وكذلك فافعلي كل شهر كما تحيض النساء، وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن، وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين ثم تصلين الظهر والعصر جميعا، ثم تؤخري المغرب، وتعجلي العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر وتصلين، فكذلك فافعلي، وصلي وصومي إن قدرت على ذلك، وقال رسول الله - ﷺ -: وهذا أعجب الأمرين إلى«. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث وإن اختلفوا فيه، لأجل الكلام في محمَّد بن عبد الله بن عقيل فقد تفرد به، فضعفه بعضهم به، وأعله ابن حزم بالانقطاع بين ابن جريج، وابن عقيل، وجهالة شيخ شيخه، لكن رد عليه ابن سيد الناس انظر نيل الأوطار ج ١ ص ٤٠٨. وصححه آخرون، ومنهم أحمد والترمذي كما قدمنا. صالح للاحتجاج به لأنه لا ينزل عن درجة الحسن كما صرح به الشيخ الألباني في صحيح الترمذي. وخلاصة القول أنه يجب العمل به، فيترجح به قول من قال: إنها ترجع إلى الغالب من عادة نسائها، وهو قول الأوزاعي، والثوري، وعطاء، كما تقدم. والحاصل أن التي لها عادة ترجع إليها، والتي لا عادة لها ولكنها مميزة تعمل بالتمييز، والتي لا عادة لها ولا تمييز ترجع إلى عادة نسائها، فاتفقت الأحاديث بلا تعارض ولا دعوى نسخ ولا تضعيف لصحيح ولله الحمد. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».
مصادر المؤلف (١٠)

١. هكذا نسخة الزرقاني، لكن الكلام غير تام، ولعله سقط منه شيء، وهو إذ لم يثبت من لسان العرب ما يشهد للأول، أو نحو ذلك. فليحرر.

٢. جواب أما، من قولي: وأما ما ذكره الحافظ ابن عبد البر.

٣. الثفر جمعه أثفار كسبب ما يجعل تحت ذنب الدابة.

٤. الثفر وزان فلس فرج السباع وكل ذي مخلب بمنزلة الحياء للناقة وربما استعير لغيرها. أفاده في المصباح.

٥. أي السيد اهـ «ق».

٦. إنما قال: سبعة عشر يوما لأن مذهبه أنه أكثر الحيض للإجماع على أن ما فوقه استحاضة، وما دونه فيه اختلاف، ولا دليل من النص على وقت بعية فأخذا بالمجمع عليه. لكن يعارضه قول من قال ثمانية عثر يوما وهو الذي رجحه ابن العربي في عارضته ولعل ابن حزم ما اطلع عليه فلذا قال ما تقدم. والله أعلم.

٧. قد تقدم أن الأرجح وجوب الوضوء لكل صلاة وأن الغسل مستحب، جمعا بين الأحاديث.

٨. الضهياء بوزن فعلاء وكذا الضهيأة بوزن فعلأة والضَّهيّ بوزن فعيل: هي التي لا تحيض، أو لا ينبت ثديها. اهـ من الهامش بتصرف. والمناسب هنا المعنى الأول.

٩. الظن الذي يرده ابن حزم هو كما قال الصنعاني بمعنى الشك والتردد، ولا يعني الظن الراجح. فإنه مما يعمل به هو في كثير من الأحكام. انظر ما كتب في هامش المحلى ج ١ ص ٧١، فقد حرر الصنعاني هذا البحث تحريرا بالغا.

١٠. فيه أنه تقدم أن عدم الإيجاب مروي عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة رضي الله عهم، ولعله لم يصح عند ابن حزم فجزم بهذا.