١٣٥ - ذِكْرِ الأَقْرَاءِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على المعنى المراد من الأقراء الوارد في القرآن.
ولما كان المصنف يَرَى أن القرأ هو الحيض، أورد هنا هذه الأحاديث مستدلا عليه، لكن الذي عليه المحققون أن القرأ من الأضداد يطلق على الحيض، وعلى الطهر كما سنحققه إن شاء الله تعالى، والأقراء جمع قرء بضم فسكون، وفيه لغة أخرى بفتح فسكون وجمعه قروء، مثل فلس وفلوس، وسيأتي مزيد تحقيق لذلك إن شاء الله تعالى.
٢٠٩ - أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: إِنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ جَحْشٍ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَنَّهَا اسْتُحِيضَتْ لَا تَطْهُرْ، فَذُكِرَ شَأْنُهَا لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، وَلَكِنَّهَا رَكْضَةٌ مِنَ الرَّحِمِ، فَلْتَنْظُرْ قَدْرَ قُرْئِهَا الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ لَهَا فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ، ثُمَّ تَنْظُرْ مَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ».
رجال الإسناد: سبعة
١ - (الربيع بن سليمان بن إبراهيم) الجيزي المرادي المصري ثقة -١١ - تقدم في ١٢٢/ ١٧٣.
٢ - (إسحاق بن بكر) المصري صدوق فقيه -١٠ - تقدم في ١٢٢/ ١٧٣.
٣ - (بكر بن مضر) أبو محمَّد المصري ثقة ثبت -٨ - تقدم في ١٢٢/ ١٧٣.
٤ - (يزيد بن عبد الله) بن أسامة بن الهاد الليثي أبو عبد الله المدني ثقة مكثر -٥ - تقدم في ٧٣/ ٩٠.
٥ - (أبو بكر بن محمَّد) بن عمرو بن حزم، الأنصاري الخزرجي ثم النجاري المدني القاضي، يقال: اسمه أبو بكر، وكنيته أبو محمَّد، وقيل: اسمه كنيته ثقة عابد -٥ - روى عن أبيه، وأرسل عن جده، وعبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري، وروى عن خالته عمرة بنت عبد الرحمن، وأبي حبَّة البَدْريّ، وخالدة بنت أنس، ولها صحبة والسائب بن يزيد، وعباد بن تميم، وسلمان الأغر، وغيرهم. وعنه ابناه عبد الله، ومحمد، وابن عمه محمَّد بن عمارة بن عمرو بن حزم، وعمرو بن دينار، وهو أكبر منه، والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والوليد بن أبي هشام، ويزيد بن الهاد، وآخرون.
قال ابن معين، وابن خراش: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال عطاف بن خالد عن أمه عن امرأة أبي بكر بن محمَّد بن حزم قالت: ما اضطجع أبو بكر على فراشه منذ أربعين سنة بالليل، وقال محمَّد بن علي بن شافع: قالوا لعمر بن عبد العزيز استعملت أبا بكر بن حزم غرك بصلاته، فقال: إذا لم يغرني المصلون فمن يغرني؟
قال: وكانت سجدته قد أخذت جبهته وأنفه، وذكره الهيثم بن عدي في محدثي أهل المدينة، والواقدي في ثقاتهم، وقال أبو ثابت، عن ابن وهب، عن مالك: لم يكن عندنا أحد بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، وكان ولاه عمر بن عبد العزيز وكتب إليه أن يكتب له من العلم من عند عمرة بنت عبد الرحمن، والقاسم بن محمَّد، ولم يكن بالمدينة أنصاري أمير غير أبي بكر بن حزم وكان قاضيًا، زاد غيره فسألت ابنه عبد الله بن أبي بكر عن تلك الكتب؟ فقال: ضاعت، وقال سعيد بن عفير، عن ابن وهب: قال لي مالك: ما رأيت مثل أبي بكر بن حزم أعظم مُرُوَّةً، ولا أتم حالا، ولا رأيت مثل ما أرى ولي المدينة والقضاء والموسم قيل: مات سنة ١٠٠، وقيل سنة ١١٠، وقيل: ١١٧، وقيل: ١٢٠، وقيل: ١٢٦. اهـ «تت» ج ١٢ ص ٣٨ - ٤٠. أخرج له الجماعة.
٦ - (عمرة) بنت عبد الرحمن الأنصارية المدنية ثقة -٣ - تقدمت في ١٣٤/ ٢٠٣.
٧ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. والله أعلم
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، غير إسحاق فصدوق، وأنهم ما بين مصريين، وهم إلى أبي بكر، ومدنيين، وهم الباقون، وفيه رواية ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، يزيد، عن أبي بكر، عن عمرة. ورواية الراوي، عن خالته، وفيه عائشة ﵂ من المكثرين السبعة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂ (أن أم حبيبة بنت جحش) تقدم الخلاف
في اسمها (استحيضت) بالبناء للمفعول،: أي استمر بها الدم في غير أيامها المعتادة، وتقدم الكلام فيه مستوفى في حديث ٢٠١ (لا تطهر) أي لا ينقطع منها الدم، فهو بيان لمعنى استحيضت (فذكر شأنها لرسول الله - ﷺ -) بالبناء للمفعول وتقدم في الروايات السابقة أنها هي التي ذكرت ذلك له (فقال: إنها) أي الاستحاضة هذه (ليست بالحيضة) بالفتح لأن المراد به الحيض، فهو للمرة، أي ليست الاستحاضة حيضا، وتقدم أن بعضهم جوز الكسر على معنى الهيئة، أي هذه الحالة ليست بحالة حيض (ولكنها ركضة من الرحم) قال السندي ﵀: ركضة بفتح فسكون: الضرب كما يُفعَل بالدابة، وقد جاء «إنها ركضة من ركضات الشيطان» فلعل معنى من الرحم أي في الرحم، والمراد أن الشيطان ضرب بالرجل في الرحم حتى فتق عرقها، وقيل: إن الشيطان وجد بذلك طريقًا إلى التلبيس عليها في أمر دينها فصار كأنها ركضة نالها من ركضاته في الرحم. اهـ
وقال ابن الأثير: أصل الركض الضرب بالرجل والإصابة بها، كما تركض الدابة وتصاب بالرجل، أراد الإضرار بها والأذى، والمعنى أن الشيطان قد وجد بذلك طريقا إلى التلبيس عليها في أمر دينها وطهرها وصلاتها حتى أنساها ذلك عادتها، وصار في التقدير كأنه يركض بآلة من ركضاته. اهـ لسان.
قال الجماء: الأوْلَى كما قال السندي حمله على ظاهره، أي أنه ضرب على عرقها، فانفجر ذلك العرق دما، وأيّ مانع من هذا المعنى، حتى نقول: إنه كناية عن كذا؟ فتنبه.
(فلتنتظر) أي لتتحرّ (قدر قرئها) أي حيضها، فالقرء هنا بمعنى الحيض، وقد تقدم أن المحققين على أنه مشترك بين الحيض والطهر، لكن في هذا المحل المراد منه الحيض، ولذا أورده المصنف في الحيض
مستدلا به على كون القرء بمعنى الحيض. وسيجيء تحقيق أقوال أهل اللغة فيه إن شاء الله قريبا (التي) صفة لـ«قدر»، وإنما أنثه لتأويله بالمدة قاله السندي (كانت تحيض لها) أي فيها فاللام بمعنى «في» (فلتترك الصلاة) لكونها حائضًا (ثم تنظر ما بعد ذلك) من الوقت (فلنغتسل عند كل صلاة) أي عند إرادة أداء كل صلاة، وفيه الأمر بالغسل عند كل صلاة، وقد تقدم لك أن الراجح من أقوال العلماء حمل الأمر على الاستحباب، جمعًا بين الأدلة، وهو رأي الجمهور.
تنبيهان:
الأول: قد تقدم الكلام في درجة الحديث، وفي بيان مواضعه عند المصنف، وذكر من أخرجه مع المصنف في الباب الماضي ١٣٤/ ٢٠٨، فارجع إليه.
الثاني: في أقوال أهل اللغة في معنى القرء:
قال ابن منظور ﵀: القَرْء -أي بالفتح-، والقُرْء -أي بالضم- الحيض، والطهر، ضدّ، وذلك أن القرء: الوقت، فقد يكون للحيض، والطهر، قال أبو عبيد: القرء يصلح للحيض والطهر قال: وأظنه من أقْرَأت النجومُ إذا غابت، والجمع أقراء، وفي الحديث «دعي الصلاة أيام أقرائك»، وقُروء على فُعول، وأقرُؤ- الأخيرة عن اللحياني في أدنى العدد- ولم يعرف سيبويه أقْرَاءً ولا أقْرُءًا، قال: استغنوا عنه بفُعول، وفي التنزيل: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] أراد ثلاثةً من قُرُوء، كما قالوا: خمسة كلاب، يراد بها خمسة من الكلاب، وكقوله (من الرجز):
خَمْسُ بَنَانِ قَانِيء الأَظْفاَرِ
أراد خمسا من البنان، وقال الأعشى (من الطويل):
مُوَرثَّة مَالًا وَفي الحَيِّ رِفْعَةً … لِماَ ضَاعَ فيها منْ قُرُوءِ نِسَائِكَا
وقال الأصمعي في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾: جاء هذا على غير قياس، والقياس: ثلاثة أقْرُؤ، ولا يجوز أن يقال ثلاثة فلوس، إنما يقال: ثلاثة أفلس، فإذا كثرت فهي الفلوس، ولا يقال: ثلاثة رجال، وإنما هي ثلاثة رَجْلَة، ولا يقال: ثلاثة كلاب، إنما هي ثلاثة أكلب، قال أبو حاتم: والنحويون قالوا في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أراد ثلاثة من القروء.
وقال أبو عبيد: الأقراء الحيَضُ، والأقراء الأطهار، وقد أقرأت المرأة في الأمرين جميعًا، وأصله من دُنُوّ وقت الشيء. قال الشافعي ﵁: القرء اسم للوقت، فلما كان الحيض يجيء لوقت، والطهر يجيء لوقت جاز أن يكون الأقراء حيَضًا، وأطهارًا، قال: ودلت سنة رسول الله - ﷺ - أن الله ﷿ أراد بقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ الأطهار، وذلك أن ابن عمر ﵄ لما طلق امرأته وهي حائض فاستفتى عمرُ ﵁ النبيَّ - ﷺ - فيما فعل، فقال: «مره فليراجعها، فإذا طهرت فليطلقها، فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء».
وقال أبو إسحاق: الذي عندي في حقيقة هذا أن القرء في اللغة: الجمع، وأن قولهم: قريت الماء في الحوض، وإن كان قد ألزم الياء، فهو جمعتُ، وقرأت القرآن لفظتُ به مجموعًا، والقرْد يَقْري، أي يَجمَع ما يأكل في فيه، فإنما القرء اجتماع الدم في الرحم، وذلك إنما يكون في الطهر، وصح عن عائشة، وابن عمر ﵄ أنهما قالا: الأقراء والقُرُوء: الأطهار، وحقق هذا اللفظ من كلام العرب قول الأعشى:
لِماَ ضَاعَ فيهَا مِنْ قُرُوء نِسَائِكَا
فالقروء هنا الأطهار، لا الحيَض؛ لأن النساء إنما يؤتين في أطهارهن لا في حيَضهن، فإنما ضاع بغيبته أطهارهن. ويقال: قَرَأت المرأةُ: طهرت، وقرأت: حاضت. قال حميد (من الطويل):
أرَاهَا غُلامَا نَا الْخَلَا فَتَشَذَّرَتْ … مِرَاحًا وَلَمْ تَقْرَأ جَنِينًا وَلَا دَمَا
يقال: لم تحمل عَلَقَة، أي دمًا ولا جنينًا. قال الأزهري: وأهل العراق يقولون: القرء الحيض، وحجتهم قوله - ﷺ -: «دعي الصلاة أيام أقرائك» أي أيام حيضتك. وقال الكسائي والفراء معا: أقرأت المرأة: إذا حاضت فهي مُقْرىء.
وقال الفر اء: أَقرَأتَ الحاجَةُ إذا تأخرت. وقال الأخفش: أقرأت المرأة إذا حاضت وما قرأت حيضة، أي ما ضَمَّت رحمها على حَيْضَة.
وقال ابن الأثير: قد تكررت هذه اللفظة في الحديث مفردة ومجموعة فالمفردة بفتح القاف وتجمع على أقراء، وقروء، وهو من الأضداد، يقع على الطهر، وإليه ذهب الشافعي، وأهل الحجاز، ويقع على الحيض، وإليه ذهب أبو حنيفة، وأهل العراق، والأصل في القرء الوقت المعلوم، ولذلك وقع على الضدين؛ لأن لكل منهما وقتا. وأقرأت المرأة: إذا طهرت، وإذا حاضت، وهذا الحديث أراد بالأقراء فيه الحيض، لأنه أمرها فيه بترك الصلاة، وأقرأت المرأة، وهي مُقرىء: حا ضت، وطهرت، وقَرَأت: إذا رأت الدم، والمُقَرَّأة: التي ينتظر بها انقضاء أقرائها.
وقال أبو عمرو بن العلاء: دفع فلان جاريته إلى فلانة تُقَرِّئُها، أي تمسكها عندها حتى تحيض للاستبراء، وقُرِئَت المرأة: حُبست حتى انقضت عدتها.
وقال الأخفش: أقرأت المرأة: إذا صارت صاحبة حيض، فإذا حاضت قلت: قرأت بلا ألف.