الحديث: الذي يترك الاغتسال من الجنابة عادة، فيكون أكثر أوقاته جنبا، وهذا يدل على قلة دينه وخبث باطنه، وقيل أراد بالملائكة ها هنا غير الحفظة، وقيل: أراد لا تحضره الملائكة بخير، قال: وقد جاء في بعض الروايات كذلك. اهـ لسان ببعض اختصار.
والدائم اسم فاعل من دام الشيء يدُوم دَوْما ودَوَاما وديمومة: ثبت، وسكن، فهو بمعنى الساكن، كما في المصباح. وفي اللسان: قال أبو بكر: الدائم من حروف الأضداد، يقال للساكن دائم، وللمتحرك دائم.
قال الجامع عفا الله عنه: المراد به هنا الساكن، وقد تقدم تمام البحث فيه في ٤٦/ ٥٧، فارجع إليه.
٢٢٠ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرٍ، أَنَّ أَبَا السَّائِبِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ».
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (سليمان بن داود) بن حماد المَهْري أبو الربيع المصري ابن أخي رشدين بن سعد، ثقة من الحادية عشرة تقدم في ٦٣/ ٧٩.
٢ - (الحارث بن مسكين) أبو عمرو المصري قاضيها ثقة -١٠ - تقدم في ٩/ ٩.
٣ - (ابن وهب) عبد الله، المصري ثقة حافظ عابد -٩ - تقدم في ٩/ ٩.
٤ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري أبو أيوب المصري ثقة فقيه من -٧ - تقدم في ٦٣/ ٧٩.
٥ - (بكير) بن عبد الله بن الأشج المدني، ثم المصري ثقة -٥ - تقدم في ١٣٤/ ٢١١.
٦ - (أبو السائب) الأنصاري المدني مولى هشام بن زهرة، ويقال: مولى عبد الله بن هشام بن زهرة، ويقال: مولى بني زهرة. روى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، والمغيرة بن شعبة. وعنه العلاء بن عبد الرحمن، وصيفي مولى أفلح، وأسماء بن عبيد، وبكير بن عبد الله بن الأشج، وغيرهم. ذكره ابن حبان في الثقات، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة مقبول النقل، وقد روى عن سعد بن أبي وقاص أيضا، ووقع في نوادر الأصول في الأصل الثامن والستين أنه جهني، وأن اسمه عبد الله بن السائب، أخرج له البخاري في جزء القراءة، والباقون. اهـ «تت» ج ١٢ ص ١٠٤.
٧ - (أبو هريرة) ﵁ تقدم في ١/ ١.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته ثقات، مصريون، إلا أبا هريرة، وأبا السائب فمدنيان، وفيه قوله: «واللفظ له»، بمعنى أن هذا اللفظ للحارث، وأما سليمان فروايته بغير هذا اللفظ، وهذه قاعدة اصطلح عليها المحدثون أنهم إذا رووا حديثا عن شيخين فأكثر، واتحد معنى الروايات دون اللفظ، يبينون كون اللفظ لأحدهما، أو لأحدهم، وقد تقدم هذا مفصلا غير مرة، فلا تغفل، وكذلك قوله: وأنا أسمع تقدم البحث عنه مرارًا فلا نطيل الكتاب بإعادته. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن بكير) بن عبد الله بن الأشج المصري (أن أبا السائب) لا يعرف اسمه، وقيل: عبد الله بن السائب (أخبره) أي بكيرًا (أنه سمع أبا هريرة) الدوسي ﵁ (يقول) جملة حالية من المفعول به (قال رسول الله - ﷺ -: لا) ناهية (يغتسل) فعل مضارع مجزوم بلا، (أحدكم) أيتها الأمة، فيشمل الذكر والأنثى، وإنما أتى بخطاب المذكر تغليبًا (في الماء الدائم) أي الساكن، من دام الشيء يَدُوم من باب قال: ويَدَام من باب خاف، قال الشاعر (من الرجز):
يَا مَيَّ لا غَرْوَ وَلا مَلامَا … في الحُبِّ إنَّ الحُبَّ لَنْ يَدَامَا
وأصله من الاستدارة، وذلك أن الماء إذا كان بمكان فإنه يكون مستديرا في الشكل، ويقال: الدائم الثابت الواقف الذي لا يجري. وقد تقدم تمام البحث فيه ٤٦/ ٥٧، فارجع إليه تزدد علمًا.
(وهو جنب) جملة حالية، وتقدم البحث عن الجنب في أول الباب. زاد عند مسلم: فقال: «كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولا» والمعنى أن الجنب يغترف من الماء الدائم ولا يجوز له أن ينغمس فيه.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: هذا الحديث أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا في هذا الباب -١٣٩/ ٢٢٠ - وفي كتاب الغسل، والتيمم ١/ ٣٩٦ بهذا السند إلا أنه أسقط هناك بكيرًا. وليس هذا الحديث في الكبرى.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) في الطهارة عن هارون ابن سعيد الأيلي، وأبي الطاهر بن السرح، وأحمد بن عيسى، كلهم
عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث بسند المصنف، وأخرجه (ق) فيه عن أحمد بن عيسى، وحرملة بن يحيى، كلاهما عن ابن وهب به.
المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من هذا الحديث النهي عن اغتسال الجنب في الماء الذي لا يجري، وهل هذا النهي للتنزيه، أم للتحريم؟ الظاهر أنه للتحريم لأنه لا صارف للنهي عنه. وأنه إذا كان جاريا فلا نهي، وإن كان الأولى تركه، وأن سبيل من أراد الاغتسال منه يغترف منه اغترافا. وتقدم البحث عن أحكام هذا الحديث مستوفى في ٤٦/ ٥٧ فارجع إليه تزدد علمًا. ويأتي بعضه في الباب التالي إن شاء الله تعالى.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».