: والأول أشبه؛ لأنه جاء في حديث آخر مفسرا بالمد، وقد تقدم في ٤٩/ ٧٣ بأتم من هذا (ويغتسل بخمس مكاكي) جمع مكوك بإبدال الياء من الكاف الأخيرة، وادغامها في ياء الجمع. والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ١٤٤/ ٢٢٩ بهذا السند، وفي ٥٩/ ٧٣، عن عمرو بن علي، عن يحيى عن شعبة به، وفي ١٤/ ٣٤٥ من كتاب المياه عن عمرو بن علي به.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي وقد تكلمنا على ذلك بالتفصيل في ٥٩/ ٧٣ فارجع إليه تزدد علمًا، والمطابقة للترجمة، واضحة من حيث إن الماء الذي استعمله للغسل، واكتفى به قُدِّر بهذا القدر والله أعلم.
٢٣٠ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: تَمَارَيْنَا فِي الْغُسْلِ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ جَابِرٌ: يَكْفِي مِنَ الْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ صَاعٌ مِنْ مَاءٍ، قُلْنَا: مَا يَكْفِي صَاعٌ، وَلَا صَاعَانِ، قَالَ جَابِرٌ: قَدْ كَانَ يَكْفِي مَنْ كَانَ خَيْرًا مِنْكُمْ، وَأَكْثَرَ شَعْرًا.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة بن سعيد) البغلاني ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ١/ ١.
٢ - (أبو الأحوص) سلام بن سُلَيم الحنفي الكوفي ثقة ثبت -٧ - تقدم في ٧٩/ ٩٦.
٣ - (أبو إسحاق) السبيعي: عمرو بن عبد الله الكوفي ثقة ثبت اختلط أخيرًا -٣ - تقدم في ٣٨/ ٤٢.
٤ - (أبو جعفر) محمَّد بن علي الباقر المدني ثقة فاضل -٤ - تقدم في ٧٨/ ٩٥.
٥ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري الصحابي ابن الصحابي ﵄، تقدم في ٣١/ ٣٥.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات اتفقوا على التخريج لهم، وهم ما بين بغلاني وهو شيخه، وكوفيين وهما أبو الأحوص، وأبو إسحاق، ومدنيين وهما أبو جعفر، وجابر، وأن جابرًا هو أحد المكثرين السبعة روى -١٥٤٠ - حديثا، وفيه رواية تابعي عن تابعي.
شرح الحديث
(عن أبي جعفر) محمَّد بن علي المعروف بالباقر أنه (قال: تمارينا) أي اختلفنا وتنازعنا، والتماري والمماراة: المجادلة على مذهب الشك والريبة، ويقال للمناظرة مماراة لأن كل واحد منهما يستخرج ما عند صاحبه، يمتريه، كما يمتري الحالب اللبن من الضرع. قاله في اللسان، وقيل: أصل التماري من المرية، وهو الشك، لأن كُلًا من المتنازعين يَشُكّ أو يشكك في كلام صاحبه، قال عباس بن مرداس ﵁ (من الطويل):
تَمَارَوا بنَا فِي الفَجْر حَتَّى تَبَيَّنُوا … مَعَ الفَجْر فُرْسَانًا وَقَابًا مُقَوَّمَا
(في الغسل) أي في قدر الماء الذي يكفي لمن يريد الاغتسال كما دل عليه كلام جابر ﵁ (عند جابر بن عبد الله) أي في مجلسه وبحضرته (فقال جابر) جوابا عن سؤالهم في مشكلتهم، فعند البخاري من طريق زهير عن أبي إسحاق، «قال: حدثنا أبو جعفر أنه كان عند جابر بن عبد الله هو وأبوه وعنده قوم، فسألوه عن الغسل فقال» الحديث. والسائل هو أبو جعفر نفسه لما في مسند إسحاق بن راهويه من طريق جعفر بن محمَّد، عن أبيه قال: «سألت جابرًا عن غسل الجنابة» قاله في
الفتح.
(يكفي من الغسل) أي في الغسل، فـ «من» بمعنى «في»، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] (من الجنابة) أي لأجله، فمن هنا تعليلية، كما في قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥]، وقول الفرزدق (من البسيط):
يُغْضي حَيَاءً وَيُغْضَى منَ مَهَابَته … فَلا يكُلَّمُ إلا حينَ يَبْتسمُ
و«من» الأولى متعلقة بـ «يكفي»، والثانية بـ «الغسل» لأنه مصدر، أو متعلقان بـ«يكفي»، لاختلاف معناهما (صاع) فاعل «يكفي»، أي قدر صاع، أو ملْءُ صاع (من ماء) «من» هنا بيانية.
(قلنا) أي قال القوم المتنازعون السائلون له في هذه المشكلة، وللبخاري: «فقال رجل»، وزاد الإسماعيلي: «منهم»، وإنما نسب القول إليهم في رواية النسائي مجازًا لقصدهم أن يقولوا له ذلك، ولكن تولى القول رجل منهم، ووافقوه على ذلك.
وهذا الرجل القائل هو الحسن بن محمَّد بن علي بن أبي طالب الذي يعرف أبوه بابن الحنفية، وهو ابن عم أبي محمَّد الباقر: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فمحمد بن الحنفية، وهو محمَّد بن علي بن أبي طالب، والحنفية أمه: خولة بنت جعفر من سبي بني حنيفة.
(ما يكفي) في الغسل (صاع ولا صاعان) وذلك لكونهم متساهلين في استعمال الماء، بلا مبالاة (قال جابر) ﵁ (قد كان) الصاع (يكفي من كان خيرا منكم) وعند البخاري «خيرا منك» بالإفراد حيث أفرد السائل، يريد به النبي - ﷺ - (وأكثر شعرا) أي منكم، ومراد جابر بذلك إرشادهم إِلى هدي النبي - ﷺ -، لأن هديه خير الهدي في جميع الأمور، فلا ينبغي العدول عنه لوسوسة ولا غيرها زاد البخاري: «ثم أمنَّاَ في ثوب».
قال الحافظ: فاعل أمنا هو جابر، ولا التفات إلى من جعله من مقوله، والفاعل رسول الله - ﷺ -، لما يأتي واضحًا من فعل جابر في كتاب الصلاة.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر ﵁ هذا أخرجه البخاري في الصحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف. أخرجه هنا ١٤٤/ ٢٣٠ وفي الكبرى ١٣٣/ ٢٣٣ عن قتيبة، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي جعفر محمَّد بن علي، عنه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) في الطهارة عن عبد الله ابن محمَّد، عن يحيى بن آدم، عن زهير، عن أبي إسحاق به.
وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده.
المسألة الرابعة: في فوائده: من فوائد هذا الحديث ما ترجم له المصنف، وهو مقدار ما يكتفي به الرجل من الماء للغسل، وبيان ما كان عليه السلف من الاحتجاج بأفعال النبي - ﷺ -، والانقياد إلى ذلك، وجواز الرد بعنف على من يماري بغير علم إذا قصد الرادُّ إيضاح الحق، وتحذير السامعين من مثل ذلك، وكراهية التنطع والإسراف في الماء. أفاده في الفتح. وتقدمت بنية المسائل في ٥٩/ ٧٣. فارجع إليها تزدد علمًا.