وأخرجه (ق) فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان به. وأخرجه الشافعي، والحميدي، وابن أبي عمر، وابن أبي شيبة في مسانيدهم. كما تقدم عن الحافظ. والله تعالى أعلم.
٢٣٧ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي نَاعِمٌ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ سُئِلَتْ: أَتَغْتَسِلُ الْمَرْأَةُ مَعَ الرَّجُلِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، إِذَا كَانَتْ كَيِّسَةً، رَأَيْتُنِي وَرَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَغْتَسِلُ مِنْ مِرْكَنٍ وَاحِدٍ، نُفِيضُ عَلَى أَيْدِينَا حَتَّى نُنْقِيَهُمَا، ثُمَّ نُفِيضَ عَلَيْهَا الْمَاءَ.
قَالَ الأَعْرَجُ: لَا تَذْكُرُ فَرْجًا وَلَا تَبَالَهُ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (سويد بن نصر) المروزي ثقة -١٠ - تقدم في ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله) بن المبارك ثقة حجة ثبت -٨ - تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٣ - (سعيد بن يزيد) الحمْيَري القِتْبَاني -بكسر القاف وسكون المثناة بعدها موحدة- أبو شجاع الإسكندراني. روى عن خالد بن أبي عمران، والحارث بن يزيد، ودَرَّاج أبي السَّمْح، والأعرج، ويزيد بن أبي حبيب، وغيرهم. وعنه الليث، وابن المبارك، وأبو غسان المدني، وأبو زرارة القتباني.
وثقه أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، والنسائي، وابن يونس، وابن المديني، وابن حبان، وحمزة الكناني، وقال أبو داود: كان له شأن، له في مسلم حديث واحد في القلادة، وقال حمزة الكناني: ثقة مأمون لا نعلم روى عنه غير الليث، وابن المبارك، ولم يرو عنه ابن وهب، مع أنه قدم بعد طلب ابن وهب للحديث انتهى. قال الحافظ: ولعل ابن وهب ما شعر به أو تشاغل بما هو أهم منه. مات بالإسكندرية سنة ١٥٤، أخرج له مسلم، وأبو داود، والترمذي، النسائي.
٤ - (عبد الرحمن بن هرمز الأعرج) المدني المشهور بلقبه ثقة -٣ - تقدم في ٧/ ٧.
٥ - (ناعم مولى أم سلمة ﵂) بن أَجْيَل الهمداني، أبو عبد الله المصري، روى عن أم سلمة، وعثمان، وعلي، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمرو بن العاص، وغيرهم. وعنه يزيد بن أبي حبيب، والأعرج، وكعب بن علقمة، والحارث بن يزيد. وعبيد الله بن المغيرة. وثقه النسائي، وقال ابن يونس: كان أحد الفقهاء الذين أدركهم يزيد، ووثقه ابن سعد، وذكره يعقوب بن سفيان في ثقات أهل مصر، وابن حبان في الثقات. قيل: مات سنة -٨٠ - أخرج له مسلم، والأربعة.
٦ - (أم سلمة) هند بنت أبي أمية المخزومية أم المؤمنين ﵂ تقدم في ١٢٣/ ١٨٣. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين مروزين، وهما سويد، وعبد الله، ومصريين وهما سعيد، وناعم، ومدنيين هما الأعرج، وأم سلمة، وفيه الإخبار، والتحديث بلفظ الجمع، والإفراد. والعنعنة، وتقدم البحث عن هذا كله غير مرة.
شرح الحديث
عن ناعم بن أجْيَل المصري مولى أم سلمة ﵂ (أن أم سلمة) هند ﵂ (سئلت أتغتسل المرأة مع الرجل) جملة الاستفهام تفسير للسؤال، أي سألها سائل قائلا أتغتسل الخ، والمراد بالرجل هو الزوج أو السيد؛ لأنه الذي يتأتى له ذلك (قالت: نعم) بفتحتين وبفتح فسكون، حرف يجاب بها الاستفهام، كما في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] وتكون عدَةً بعد «افعل» أو لا تفعل، وتقدم البحث عنها مستوفى في ٥٤/ ٦٨، وغيره. أي قالت أم سلمة: لها الاغتسال معه (إذا كانت المرأة كيّسة) أي عاقلة لبيبة، وفي اللسان: أراد به حسن الأدب في استعمال الماء مع الرجل. اهـ
وكيسة مؤنث كيّس مشدد الياء، من الكَيْس وزان فَلْس، وهو الظَّرْف والفطنة، وقال ابن الأعرابي: العقل، ويقال: إنه مخفف من كيس مثل هَيْن وهَيِّن، والأول أصح، لأنه مصدر من كاس يكيس، كَيْسا من باب باع، وأما المثقل فاسم فاعل، والجمع أكياس مثل جيّد، وأجياد، قاله في المصباح. ثم استدلت على ما قالته بفعلها مع النبي - ﷺ - بقولها (رأيتني) فيه وقوع الفاعل والمفعول ضميرين متصلين لمسمى واحد، وهذا خاص بأفعال القلوب، كظننتني قائمًا، ومنه قوله تعالى: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٧]، وألحقت بها في ذلك رأى الحلمية، والبصرية بكثرة نحو: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، وقوله (من الكامل):
ولقَدْ أرَاني للرِّمَاح دَريئَةً … منْ عَنْ يَميني تَارَةً وَشمَالي
وكذا «عدم» و«فَقَد» و«وَجَد» بمعنى «لقي»، دون باقي الأفعال، فلا يقال: ضربتني اتفاقا لئلا يكون الفاعل مفعولا، بل يقال: ضربت نفسي، وظلمت نفسي ليتغاير اللفظان، فإن ورد ما يوهم ذلك قدر فيه
النفس نحو ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾ [مريم: ٢٥] ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ [القصص: ٣٢]،
﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، أي إلى نفسك، وعلى نفسك، بخلاف أفعال القلوب فإن مفعولها في الحقيقة مضمون الجملة لا المنصوب بها فلا ضرر في اتحاده مع الفاعل، ولا
توضع النفس مكانه عند الجمهور، فلا يقال: ظننت نفسي عالمة، وجوزه ابن كيسان، فإن كان أحد الضميرين منفصلا جاز في كل فعل نحو ما ضربت إلا إياي. انظر حاشية الخضري على شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك ج ١ ص ١٥١ (ورسول الله - ﷺ -) بالنصب عطفا على الياء الواقعة مفعولا لرأيت، ورأى هنا بصرية، ولذا تكون جملة قوله (نغتسل)
في محل نصب على الحال (من مركن) بكسر الميم وسكون الراء بوزن منبر: آلة تتخذ لغسل الثياب ونحوها، ويوضع فيها الماء للغسل ونحوه، و«من» هنا ابتدائية (واحد) صفة لمركن (نفيض على أيدينا) جملة تفسيرية لقولها: نغتسل، من الإفاضة وهو الصب والإسالة، والمراد أنهما يبدءان بغسل اليدين (حتى ننقيها) بضمير المؤنثة كما في الهندية وهو راجع إلى الأيدي، وفي النسخة المصرية «حتى ننقيهما» بضمير التثنية، وهو راجع إلى اليدين أيضًا، لكون الأيدي بمعنى اليدين، لأن الجمع يطلق على المثنى، كما في قوله تعالى في حق داود وابنه سليمان عليهما الصلاة والسلام ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨].
وننقي من الإنقاء أو التنقية، يقال: نقي الشيء، ينقى، من باب تعب نَقَاء بالفتح والمد، ونقاوة بالفتح: نَظُفَ، فهو نقيّ على فعيل، ويعدى بالهمزة والتضعيف، قاله في المصباح، أي حتى ننظفهما (ثم نفيض عليها الماء) هكذا في النسخة المصرية بثم ومثله في مسند أحمد، وفي الهندية: حتى نفيض، بحتى بدل «ثم»، والضمير المجرور راجع إلى الأبدان، وإن لم يجر لها ذكر، لكونها معلومة، أفاده السندي، أي
نفيض على أبداننا الماء، ووقع في إحدى النسخ النظامية، كما قاله بعضهم «نفيض علينا» بضمير المتكلم، ومثله في مسند أحمد ج ٦ ص ٣٢٣ وهي ظاهرة.
(قال الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (لا تذكر) أي أم سلمة ﵁ في حديثها هذا (فرجا، ولا تباليه) أي لم تهتم بذكره، وإنما قال الأعرج هذا لأن غالب الروايات في صفة غسل النبي - ﷺ - فيها ذكر الفرج كما في حديث عائشة ﵂ الآتي ١٥٢/ ٢٤٣، و١٥٣/ ٢٤٤، وحديث ميمونة ﵂ عند الشيخين وغير ذلك، مما فيه ذكر غسل الفرج.
وحاصل كلام الأعرج أنه يقول: إن أم سلمة ﵂ لم تذكر في حديثها هذا غسل الفرج، بل اقتصرت على إفاضة الماء على أيديهما وأبدانهما.
وقوله (تباليه) مضارع بَالَى، يقال: لا أباليه، ولا أبالي به: أي لا أكترث له، ولم أبال، ولم أبَلْ للتخفيف كما حذفوا الياء من المصدر، فقالوا: لا أباليه بَالَةً، والأصل باليَةً مثل عافاه، معافاة، وعافية، قالوا: ولا يستعمل إلا مع الجحد، والأصل فيه قولهم تَبَالَى القومُ: إذا تبادروا إلى الماء القليل فاستَقَوا، فمعنى لا أبالي: لا أبادر، إهْمَالًا له، وقال أبو زيد: ما باليت به مُبَالاة، والاسم البلاء وزان كتاب، وهو الهم الذي تحدث به نفسك. قاله في المصباح.
ومعنى قول الأعرج هنا لا تباليه: لا تهتم ولا تكترث بذكر غسل الفرج كما اهتم به غيرها ممن وصف غسله - ﷺ - من الجنابة.
«وتباليه» هكذا النسخة الهندية، بالياء، وكذا في «الكبرى» فلا نافية والفعل مرفوع. ووقع في النسخة المصرية «ولا تباله» بحذف الياء ولعله من تحريف النساخ، وأما كونه مجزوما بلا فلا يصح لأن «لا» النافية لا تجزم، ومن أجاز الجزم بها، وهم الكوفيون، يشترطون أن يصلح قبلها
«كي» نحو ربطت الفرس لا ينفلتُ بالرفع والجزم حكاه الفراء، وهنا لا يصلح هذا، وخَرَّجه غيرهم على أن الجزم على توهم الجزم قبله، أي إن لم أربطه ينفلت. انظر حواشي الصبان، والخضري على ألفية ابن مالك في باب عوامل الجزم.
(تنبيه) من الغريب ما وقع في شرح السندي لهذا المحل حيث جعل قول الأعرج هذا تفسيرا لقولها: إذا كانت كيسة، وجعل قوله: «ولا تباله» مضارع تَبَالهَ، فقال: ولا تَبَالهُ بفتح التاء، أصله تتباله بتاءين حذفت إحداهما، من تَبَالَهَ الرجل إذا رأى من نفسه ذلك، وليس به، أي ولا تأتي بأفعال المرأة البَلطَء، والأبْلَهُ خلاف الكيّس، والمرأة بلهاء كحمراء. اهـ كلامه. وهذا التفسير غير سديد، ويرد قوله مضارع تباله كون النسخة الهندية والكبرى بإثبات الياء لأنه نص على أنه مضارع بالى، وليس مضارع تباله فالتفسير الواضح هو ما ذكرناه والله أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث أم سلمة ﵂ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف أخرجه هنا ١٤٦/ ٢٣٧ وفي الكبرى ١٣٤/ ٢٣٩ عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن سعيد ابن يزيد، عن الأعرج، عن ناعم، عنها. ولم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه أحمد ج ٦ ص ٣٢٣ ولم يذكر قول الأعرج.
المسألة الثالثة: في فوائده: في هذا الحديث ما ترجم له المصنف وهو جواز اغتسال الرجل والمرأة من نسائه من إناء واحد، ومثله الوضوء وهذا بالإجماع، وأما حكم تطهر الرجل بفضل المرأة وعكسه فسيأتي في الباب التالي إن شاء الله تعالى. وفيه جواز نظر الرجل إلى عورة امرأته وعكسه. وفيه ما كان عليه النبي - ﷺ - من مكارم الأخلاق حيث يلاطف أزواجه، فيغتسل معهن من إناء واحد. والله تعالى أعلم.