HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٤٢

أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْهَبُ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ وَهِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ حَدَّثَاهُ عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْتُ بِالْعُمْرَةِ، فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: انْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْتُ فَقَالَ: هَذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ» قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ إِلَّا أَشْهَبُ.
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص83
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ١ ص ١٣٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٤ ص٤١٨
١٥١ - بَابُ ذكْرِ الأمْرِ بِذَلِكَ للحاَئِضِ عِنْدَ الاغْتِساَلِ لِلإحْرَامِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على الأمر بنقض ضفر الرأس للمرأة الحائض، عند اغتسالها لأجل إرادة الإحرام بالحج أو العمرة. وأراد المصنف بهذه الترجمة أن محمل حديث عائشة ﵂ الذي فيه الأمر ينقض ضفرها على حالة الإحرام لأجل النظافة لا للطهارة من الحيض بدليل أن عائشة ﵂ كانت وقت اغتسالها حائضا، فلا يدل على أمر الحائض إذا طهرت من حيضها وهذا الذي أشار إليه المصنف هو الراجح. والله أعلم. ٢٤٢ - أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَشْهَبُ، عَنْ مَالِكٍ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ، وَهِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، حَدَّثَاهُ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْتُ بِالْعُمْرَةِ، فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ». فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ: «هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِكِ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ إِلاَّ أَشْهَبُ. رجال هذا الإسناد: سبعة ١ - (يونس بن عبد الأعلى) بن موسى بن ميسرة بن حفص بن خباب، الصدفي أبو موسى المصري. روى عن ابن عيينة، والوليد بن مسلم، وابن وهب، وأبي ضمرة، والشافعي، وأشهب، وغيرهم. وعنه مسلم، والنسائي، وابن ماجه، وابنه أحمد بن يونس، وبقي بن مخلد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وآخرون. قال أبو حاتم: سمعت أبا الطاهر بن السرح يحث عليه، ويعظم شأنه، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يوثقه ويرفع من شأنه، وقال النسائي: ثقة، وقال علي بن الحسن بن بريد: كان يحفظ الحديث، وقال الطحاوي: كان ذا عقل، حدثني علي بن عمرو بن خالد الحراني، سمعت أبي يقول: قال لي الشافعي: يا أبا الحسن انظر إلى هذا الباب فنظرت إليه، فقال: ما يدخل منه أحد أعقل من يونس بن عبد الأعلى، وذكره ابن حبان في الثقات، وذكر حفيده عبد الرحمن بن أحمد بن يونس أن دعوتهم في الصدف، وليسوا من أنفسهم، ولا من مواليهم. توفي غداة الاثنين ليومين مضيا من ربيع الآخر سنة ٢٦٤، وكان مولده في ذي الحجة سنة ١٧٠. وقال الحافظ: وكان إمامًا في القراءات، قرأ على ورش، وغيره، وقرأ عليه ابن جرير الطبري، وجماعة، وقال أبو عمر الكندي: كان فقيرًا شديد التقشف مقبولا عند القضاة، قال يحيى بن حسان: يونسكم هذا من أركان الإسلام، قال أبو عمر: كان يستسقى بدعائه، وقال مسلمة ابن قاسم: كان حافظًا، وقد أنكروا عليه تفرده بروايته عن الشافعي حديث «لا مهدي إلا عيسى» أخرجه ابن ماجه عنه، وكذا الذهبي يَدَّعي أن يونس دلسه، ويستند في ذلك أن أبا الطاهر رواه عن يونس فقال: حُدِّثتُ عن الشافعي، لكن رواه ابن منده في فوائده من طريق الحسن بن يوسف الطرائفي وأبي الطاهر المذكور، كلاهما عن يونس، أنا الشافعي، ورواه يوسف الميانجي عن ابن خزيمة، وابن أبي حاتم، وزكريا الساجي، وغير واحد، عن يونس، ثنا الشافعي، أخرج له مسلم، والنسائي، وابن ماجه. ٢ - (أشهب) بن عبد العزيز بن داود بن إبراهيم القيسي، أبو عمرو الفقيه المصري، قيل اسمه مسكين، وأشهب لقبه. روى عن مالك، والليث، وسليمان بن بلال، وفضيل بن عياض، وابن عيينة، ويحيى بن أيوب، وغيرهم. وعنه الحارث بن مسكين، وأبو الطاهر بن السرح، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ويونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن إبراهيم المواز المالكي، وغيرهم. قال ابن يونس: أحد فقهاء مصر، وذوي رأيها، وقال ابن عبد البر: كان فقيها حسن الرأي والنظر، وقد فضله ابن عبد الحكم على ابن القاسم في الرأي، قال ابن عبد الحكم: سمعته يدعو في السجود على الشافعي بالموت، فمات الشافعي، ومات بعده أشهب بثمانية عشر يومًا، وقال ابن يونس: ولد سنة -١٤٥ - ومات يوم السبت لثمان بنين من شعبان سنة -٢٠٤ - وحكى عمرو بن سَوَّاد عن الشافعي أنه سمعه يقول: ما أخرجت مصر مثل أشهب لولا طيش فيه، وقال ابن حبان في الثقات: كان فقيهًا على مذهب مالك، ذابّا عنه، وقال أحمد بن خالد: كان سحنون يقول: حدثني المتحري في سماعه -يعني أشهب. أخرج له أبو داود، والنسائي. ٣ - (مالك) بن أنس الإمام الحجة الفقيه المدني -٧ - تقدم في ٧/ ٧. ٤ - (ابن شهاب) محمَّد بن مسلم الزهري الحجة الثبت -٤ - تقدم في١/ ١. ٥ - (هشام بن عروة) المدني ثقة فقيه -٥ - تقدم في ٤٩/ ٦١. ٦ - (عروة) بن الزبير أحد الفقهاء الأعلام ثقة -٣ - تقدم في ٤٠/ ٤٤. ٧ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء فقهاء، وأنهم مدنيون إلا يونس، وأشهب، فمصريان. وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه رواية الابن عن أبيه، وفيه: الإخبار، والتحديث، والعنعنة. وكلها من صيغ الاتصال على الراجح مع تفصيل في ذلك. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عائشة) أم المؤمنين (﵂) أنها (قالت: خرجنا) أي من المدينة (مع رسول الله - ﷺ -) الظرف في محل نصب على الحال من الفاعل (عام حجة الوداع) قال في المصباح: والعام: الحول، والنسبة إليه على لفظه، فيقال: نبت عامي إذا أتى عليه حول، فهو يابس، والعام في تقدير فَعَل بفتحتين، ولهذا يجمع على أعوام، مثل سَبَب وأسباب، قال ابن الجواليقي: ولا تفرق عوام الناس بين العام والسنة ويجعلونهما بمعنى، فيقولون لمن سافر في وقت من السنة أيّ وقت كان إلى مثله: عام، وهو غلط، والصواب ما أخبرتُ به عن أحمد بن يحيى أنه قال: السنة من أي يوم عددته إلى مثله، والعام لا يكون إلا شتاء وصيفا، وفي التهذيب أيضا العام حول يأتي على شَتْوة وصَيْفة، وعلى هذا فالعام أخص من السنة، فكل عام سنة، وليس كل سنة عاما، وإذا عددت من يوم إلى مثله فهو سنة، وقد يكون فيه نصف الصيف، ونصف الشتاء، والعام لا يكون إلا صيفا وشتاء متواليين. اهـ المصباح ج ٢ ص ٤٣٨. والحِجّة بالكسر المرة الواحدة من الحج، وهو من الشواذ؛ لأن القياس في المرة الفتح كما أن القياس في النوع الكسر، قال ابن مالك في الخلاصة: وَفَعْلَةٌ لمَرَّة كَجَلسَه … وَفِعْلَةٌ لهَيْئَة كَجِلْسَهْ وفي اللسان: ما حاصله: روي عن الأثرم وغيره: ما سمعنا من العرب حججت حَجة، ولا رأيت رَءية -يعني بالفتح- وإنما يقولون: حججت حجَّة، يعني بالكسر، ورأيت رُؤية -يعني بالضم-، وقال الكسائي: كلام العرب كله على فعلت فَعلة إلا قولهم: حججت حجة ورأيت رُؤية. لكن نقل قبل ذلك ما نصه: قال سيبويه: وقالوا: حَجة واحدة -يعني بالفتح- يريدون عمل سنة واحدة، وقال الأزهري: الحج: قضاء نسك سنة واحدة، وبعضٌ يكسر الحاء فيقول: الحِجّ والحِجَّة، وقرىء: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، والفتح أكثر. فدل على أن سيبويه، والأزهري أثبتا الحَجة بالفتح أيضًا. والحاصل أن الحجة بالكسر والفتح، والكسر أشهر. والوداع: بفتح الواو، ويروى بكسرها من ودَّعه توديعًا، وهو مروي في صحيح البخاري بالوجهين، وأصله عند أهل اللغة توديع الناس بعضهم بعضا في المسير، وتوديع المسافر أهله إذا أراد سفرًا: تخليفه إياهم خافضين وادعين، وهم يودعونه إذا سافر تفاؤلا بالدَّعَة التي يصير إليها إذا قفل. قاله في اللسان. وحجة الوداع: هى حجة النبي - ﷺ -، وهي في السنة العاشرة من الهجرة، ولم يحج غيرها بعد الهجرة، قيل لها ذلك لأنه ودعّ الناس في خطبته فيها، ويقال لها حجة البلاغ لأنه سألهم فيها هل بلغهم، فقالوا: اللهم نعم، فقال: «اللهم اشهد». قولها: وعام حجة الوداع منصوب على الظرفية بـ«خرجنا» (فأهللت بالعمرة) أي أحرمت ورفعت صوتي بالتلبية. وأصل الإهلال رفع الصوت، ومنه استهلال الصبي، وقيل للدخول في النسك إهلال لأن عادتهم يرفعون أصواتهم بالتلبية، قال كُثَيِّر (من الطويل): فَقَدْ حَلَفَتْ جُهْدًا بمَا نَحَرَتْ لهُ … قُرَيْشٌ غَدَاةَ المأزِمَيْن وَصَلَّتِ أنَاديكَ مَا حَجَّ الحَجِيجُ وَكَبَّرَتْ … بفَيْفَا غَزَال رُفْقَةٌ وَأَهَلَّتِ ولهذا قيل للشهر: هلال لأنهم يرفعون أصواتهم عند رؤيته. أفاده بعضهم. وقولها فأهللتُ بالعمرة، اختلفت الرويات عنها فيما أحرمت به اختلافا كثيرا كما ذكره القاضي عياض، ففي رواية عروة عنها: «فأهللنا بعمرة»، وفي رواية أخرى «ولم أهل إلا بعمرة» وفي رواية «لا نذكر إلا الحج»، وفي أخرى «لا نَرَى إلا الحج»، وفي رواية القاسم عنها: «لبينا بالحج مهلين بالحج». واختلف العلماء في هذا، فمنهم من رجح روايات الحج، وغلّط روايات العمرة، وإليه ذهب إسماعيل القاضي، ومنهم من جمع لثقة رواتها بأنها أحرمت أولا بالحج، ولم تسق الهدي فلما أمر النبي - ﷺ - من لم يسق الهدي بفسخ الحج إلى العمرة إن شاء فسخت هي فيمن فسخ، وجعلته عمرة، وأهلت بها، ثم إنها لم تحل منها حتى حاضت فتعذر عليها إتمامها، والتحلل منها فأمرها أن تحرم بالحج، فأحرمت، فصارت قارنة، ووقفت، وهي حائض، ثم طهرت يوم النحر، فأفاضت، وذكر ابن حزم أنه - ﷺ - خيرهم بسرف بين فسخه إلى العمرة، والتمادي عليه، وأنه بمكة أوجب عليهم التحلل إلا من صحب معه الهدي، والصحيح أنها حاضت بسرف أو قريب منها، فلما قدم مكة قال رسول الله - ﷺ -: «اجعلوها عمرة». وقال أبو عمر: الاضطراب عن عائشة في حديثها في الحج عظيم، وقد أكثر العلماء في توجيه الروايات فيه ودفع بعضهم بعضا فيه، ولم يستطيعوا الجمع بينها، ورام قوم الجمع في بعض معانيها. روى محمَّد بن عبيد، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، قال: ألا تعجب من اختلاف عروة والقاسم، قال القاسم: أهلت عائشة بالحج، وقال عروة: أهلت بالعمرة. وذكر الحارث بن مسكين، عن يوسف بن عمرو، عن ابن وهب، عن مالك، أنه قال: ليس العمل في رفض العمرة لأن العمل عليه عنده في أشياء كثيرة، منها أنه جائز للإنسان أن يهل بعمرة، ومنها أن القارن يطواف طوافًا واحدًا وغير ذلك. وقال ابن حزم في «المحلى»: حديث عروة، عن عائشة منكر وخطأ عند أهل العلم بالحديث، ثم روى بإسناده إلى أحمد بن حنبل، فذكر حديث مالك، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة: «خرجنا مع رسول الله - ﷺ - عام حجة الوداع» الحديث .. فقال أحمد: أشعر في هذا الحديث من العجب خطأ، قال الأثرم: فقلت له: الزهري، عن عروة، عن عائشة بخلافه؟ قال: نعم، وهشام ابن عروة. وفي التمهيد: دفع الأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وابن علية، حديث عروة هذا، وقالوا: هو غلط لم يُتَابع عروةَ على ذلك أحد من أصحاب عائشة، وقال إسماعيل بن إسحاق: قد اجتمع هؤلاء -يعني القاسم، والأسود، وعمرة- على أن أم المؤمنين كانت محرمة بحجة لا بعمرة، فعلمنا بذلك أن الرواية عن عروة غلط. أفاده البدر العيني في عمدته ج ٣ ص ٢٨٩، وسيأتي تحقيق المسألة وترجيح القول الراجح بدليله في كتاب الحج إن شاء الله تعالى. (فقدمت مكة) بفتح القاف وكسر الدال، يقال قدم الرجل البلد يقدَمه، من باب تعب، قُدُومًا ومَقدمًا بفتح الميم والدال: إذا دخله (وأنا حائض) جملة في محل نصب على الحال من الفاعل، وكانت حاضت بسرف، وهو على وزن تَعب وجَهْل، موضع قريب من التنعيم، وبه تزوج رسول الله - ﷺ - ميمونة الهلالية، وبه توفيت، ودفنت. قاله في المصباح (فلم أطف بالبيت، ولا بين الصفا والمروة) أي لكونها حائضا لا تدخل المسجد (فشكوت ذلك إلى رسول الله - ﷺ -) أي عدم تمكنها من الطواف بسبب الحيض، يقال: شكا همه يشكو شكْوًا، وشكوى، وشكاةً: أبداه متوجعا، وفي التنزيل: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]. أفاده في المعجم الوسيط (فقال) - ﷺ - (انقضي رأسك) أي حُلِّي شعره، فهو على حذف مضاف. وهذا هو موضع استدلال المصنف على ما ترجم له، حيث أمرها - ﷺ - بنقض شعرها المضفور، وأشار بالترجمة إلى أن ذلك الاغتسال هو الاغتسال للنظافة للإحرام، لا للحيض، حيث قال: «باب ذكر الأمر بذلك -أي نقض الضفر- للحائض عند الاغتسال للإحرام»، فهي وقت الاغتسال حائض، فلا يتم الاستدلال بهذا الحديث على وجوب نقض الضفر عند الاغتسال للطهارة من الحيض، كما استدل به بعضهم، وقد تقدم تحقيق ذلك في الباب الماضي، فارجع إليه تزدد علمًا. (وامتشطي) أي سرحي شعرك بالمُشْط، وتقدم معنى الامتشاط في ١٤٧/ ٢٣٨ (وأهلي بالحج) أي أحرمي به، وتقدم معنى الإهلال آنفا فلا تغفل (ودعي العُمْرَة) أي اتركي أفعالها، وهذا يدل على أنها كانت معتمرة أوّلا. قال النووي ﵀: فإن قلت: أصح الرويات عن عائشة أنها قالت: «لا نرى إلا الحج، ولا نذكر إلا الحج، خرجنا مهلين بالحج، فكيف الجمع بينها وبين قولها: تمتعت بعمرة؟ قلت: الحاصل أنها أحرمت بالحج ثم فسخته إلى العمرة حيث أمر الناس بالفسخ، فلما حاضت وتعذر عليها إتمام العمرة أمرها النبي - ﷺ - بالإحرام بالحج فأحرمت به فصارت مدخلة الحج على العمرة وقارنة، لما ثبت من قوله - ﷺ -:»يكفيك طوافك لحجك وعمرتك«. اهـ عمدة القاري ج ٣ ص ٢٨٩. وقوله:»ودعي العمرة« قال النووي ﵀: ليس معنى هذا إبطالها بالكلية، والخروج منها، فإن العمرة والحج لا يصح الخروج منهما بعد الإحرام بنية الخروج، وإنما يخرج منهما بالتحلل بعد الفراغ، بل معناه ارفضي العمل فيها وإتمام أفعالها التي هي الطواف والسعي وتقصير شعر الرأس، فأمرها - ﷺ - بالإعراض عن أفعال العمرة، وأن تحرم بالحج فتصير قارنة، وتقف بعرفات، وتفعل المناسك كلها إلا الطواف بالبيت فتؤخره حتى تطهر، وكذلك فعلت، قال العلماء: ومما يؤيد هذا التأويل قوله - ﷺ - في رواية عبد بن حميد: «وأمسكي عن العمرة»، ومما يصرح بهذا التأويل رواية مسلم بعد هذا في آخر روايات عائشة: عن محمَّد بن حاتم، عن بهز، عن وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنها أهلت بالحج، فقال لها النبي - ﷺ - يوم النفر: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك فأبت، فبعث بها عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج» هذا لفظه، فقوله - ﷺ -: «يسعك طوافك لحجك وعمرتك» تصريح بأن عمرتها باقية صحيحة مجزئة، وأنها لم تلغها، وتَخْرُجْ منها، فيتعين تأويل «ارفضي عمرتك، ودعي عمرتك، على ما ذكرناه من رفض العمل فيها وإتمام أفعالها. والله أعلم. اهـ كلام النووي في شرح مسلم ج ٨ ص ١٣٩ ولا يلزم من قوله - ﷺ -:»انقضي رأسك وامتشطي« إبطال العمرة، لأن نقض شعر الرأس جائز في الإحرام بحيث لا ينتف شعرًا، وبعض العلماء يرى كراهة الامتشاط إلا لعذر، وتأول فعل عائشة هذا على أنها كانت معذورة بأن كان في رأسها أذى فأباح لها الامتشاط كما أباح لكعب بن عجرة الحلق للأذى، وقيل: ليس المراد بالامتشاط هنا حقيقة الامتشاط بالمشط، بل تسريح الشعر بالأصابع للغسل للإحرام بالحجة، لاسيما إن لَبَّدَت رأسها كما هو السنة، وكما فعله النبي - ﷺ - فلا يصح غسلها إلا بإيصال الماء إلى جميع شعرها، ويلزم من هذا نقضه. أفاده النووي. قال الجامع عفا الله عنه: القول بكراهة الامتشاط مما لا دليل عليه، بل مخالف لنص هذا الحديث، وكذا التأويل بأن عائشة كانت معذورة بسبب الأذى غير صحيح، ومثله تأويل الامتشاط بأنه بالأصابع غير واضح. فتأمل باعتدال، ولا يهولنك كثرة القيل والقال. قالت عائشة ﵂ (ففعلت) أي ما أمرني به النبي - ﷺ - من ترك أفعال العمرة، وإدخال الحج عليها (فلما قضينا الحج) أي أتممنا وفرغنا من أفعاله، قال الفيومي ﵀: قضيتُ وَطَري: بلغته، ونلته، وقضيت الحاجة كذلك، وقضيت الحج والدَّين: أديته، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، أي أديتموها فالقضاء هنا بمعنى الأداء كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] أي أديتموها، واستعمل العلماء القضاء في العبادة التي تفعل خارج وقتها المحدود شرعًا، والأداء إذا فعلت في الوقت المحدود، وهو مخالف للوضح اللغوي، لكنه اصطلاح للتمييز بين الوقتين. اهـ المصباح (أرسلني مع عبد الرحمن بن أبي بكر) هو شقيقها (إلى التنعيم) بلفظ مصدر نَعَّمَ المضعف، موضع قريب من مكة وهو أقرب أطراف الحل إلى مكة، ويقال بينه وبين مكة أربعة أميال، ويعرف بمسجد عائشة. اهـ المصباح (فاعتمرت) أي فعلت أفعال العمرة، والعمرة في اللغة الزيارة، وفي الاصطلاح زيارة البيت بأفعال مخصوصة. (فقال) النبي - ﷺ - (هذه) العمرة التي أديتها من التنعيم (مكان عمرتك) التي أردت أداءها منفردة، ثم منعك الحيض، فأدخلت عليها الحج، قال النووي ﵀: معناه أنها أرادت أن يكون لها عمرة منفردة عن الحج كما حصل لسائر أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة الذين فسخوا الحج إلى العمرة، وأتموا العمرة، وتحللوا منها قبل يوم التروية، ثم أحرموا بالحج من مكة يوم التروية، فحصل لهم عمرة منفردة، وحجة منفردة، وأما عائشة فإنما حصل لها عمرة مندرجة في حجة بالقران، فقال لها النبي - ﷺ - يوم النفر يسعك طوافك لحجك وعمرتك، أي وقد تَمَّا، وحُسبَا لك جميعًا، فأبت، وأرادت عمرة منفردة كما حصل لباقي الناس، فلما اعتمرت عمرة منفردة قال لها النبي - ﷺ -: «هذه مكان عمرتك» أي التي كنت تريدين حصولها منفردة غير مندرجة، فمنعك الحيضُ من ذلك، وهكذا يقال في قولها: يرجع الناس بحج وعمرة، وأرجع بحج، أي يرجعون بحج منفرد وعمرة منفردة، وأرجع أنا وليس لي عمرة منفردة، وإنما حرصت على ذلك لتكثر أفعالها، وفي هذا تصريح بالرد على من يقول: القرآن أفضل. والله أعلم. اهـ شرح مسلم ج ٨ ص ١٤٠ وسيأتي تمام البحث في المسألة في محله من كتاب الحج إن شاء الله تعالى. وقوله: «مكان عمرتك» منصوب على الظرفية خبر لاسم الإشارة، أي هذه العمرة كائنة مكان العمرة التي تركتها بإدخال الحج عليها وإتمام عملهما معًا. قال ابن منظور ﵀: قال أبو منصور: المكان والمكانة واحد، وفي التهذيب: قال الليث: مكان في أصل تقدير الفعل مفعَلٌ، لأنه موضع لكينونة الشيء فيه، غير أنه لما كثر أجرَوْه في التصريف مجرى فَعَال، فقالوا: مكَّنَّا له، وقد تمكَّن، والدليل على أن المكان مفعل أن العرب لا تقول في معنى هو مني مكان كذا وكذا إلا مَفْعَلَ كذا وكذا، بالنصب. وقال ابن سيده: والمكان: الموضع، والجمع أمكنة كقَذَال، وأقْذلة، وأماكن جمع الجمع، وقال ثعلب: يبطل أن يكون مكان فَعَالا، لأن العرب تقول: كن مَكانَك، وقم مَقامَك، واقعد مَقعدَك، فقد دل هذا أنه مصدر من كان أو موضع منه، قال: وإنما جمع على أمكنة فعاملوا الميم الزائدة معاملة الأصلية؛ لأن العرب تُشَبِّه الحرفَ بالحرف، كما قالوا: مَنَارة ومَنَائر، فشبهوها بفَعالة، وهي مَفعَلة من النُّور، وكان حكمه مَنَاور. اهـ لسان باختصار. (قال أبو عبد الرحمن) النسائي ﵀ (هذا حديث غريب من حديث مالك، عن هشام بن عروة، لم يروه أحد إلا أشهب) بن عبد العزيز، يريد المصنف بهذا أن هذا الحديث معروف برواية مالك له عن ابن شهاب فقط، وأما روايته له عن هشام بن عروة فتفرد بها أشهب. وقال الحافظ ﵀ في النكت الظراف: تبع أبو بكر النيسابوري أبا عبد الرحمن النسائي، فقال: حديث مالك، عن هشام لا أعلم أحدًا رواه إلا أشهب، ثم بَيَّنَ أن الذي انفرد أشهب به زيادة في الحديث، لا أنه تفرد به من أصله، فقال: وحديث هشام. معروف -يعني من غير رواية مالك عنه إلى قوله: «إلى التنعيم فأهلت بعمرة» وأما ما بعده فليس في حديث هشام- انتهى. قال الحافظ: والذي بعده لم يذكره النسائي في الطهارة، وليس هو في الحج في رواية ابن السني.، وقد تعقب الدارقطني قول شيخه النيسابوري، فقال: عنه في غرائب مالك قد رواه إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك، عن هشام نحوه. ورواه عبد الرزاق، وأبو قرة، عن مالك، عن هشام مختصرا، ثم ساقه من طريق محمَّد بن حماد الظهراني، عن إسماعيل بطوله وسنده بعينه إلى مالك، عن ابن شهاب، قال: فذكر نحوه. وأخرج من طريق أبي قرة قال: ذكر مالك عن هشام فذكر منه قوله: «أمرنا النبي - ﷺ - فقال: من شاء فليهل بالحج، ومن شاء فليهل بالعمرة». ومن طريق الذهلي عن أحمد بن يوسف كلاهما عن عبد الرزاق، عن معمر، ومالك، عن هشام بلفظ: «من شاء منكم أن يهل بعمرة، فلولا أني سقت الهدي لأهللت بعمرة»- مختصر. ومن طريق حفص بن عمر المهرقاني، عن عبد الرزاق أخصر منه بلفظ: «من شاء أفرد، ومن شاء قرنه». اهـ كلام الحافظ في النكت ج ١٢ ص ١٩٧ - ١٩٨. قال الجامع عفا الله عنه: قد ظهر بهذا أن قول الحافظ تبع أبو بكر النيسابوري النسائيَّ في قوله تفرد أشهب به عن مالك، عن هشام، فيه نظر؛ لأن الظاهر أن النسائي يريد رواية مالك، عن هشام، والنيسابوري يريد زيادة في الحديث، فلم يتفق محل دعواهما، لقول الحافظ أن تلك الزيادة التي ادعى النيسابوري تَفَرُّدَ أشهب بها لم يذكرها النسائي. ثم إن دعوى المصنف والنيسابوري تفرد أشهب عن مالك غير صحيح لرواية إسماعيل، وعبد الرزاق، وأبي قرة، كلهم عن مالك، عن هشام، نحوه. كما حققه الحافظ أبو الحسن الدارقطني ﵀. في كلامه السابق. فتفطن، والله أعلم. وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا ١٥١/ ٢٤٢ عن يونس بن عبد الأعلى، وفي الحج في الكبرى عن محمَّد بن عبد الأعلى- كلاهما عن أشهب، عن مالك، عن ابن شهاب، وهشام بن عروة، عنها ﵂. وقال عقب حديث يونس: غريب من حديث مالك، عن هشام، لم يروه إلا أشهب، وقال عقب حديث ابن عبد الحكم: لم يقل أحد عن مالك، عن هشام غيرُ أشهب. قاله الحافظ المزي ﵀ في تحفته ج ١٢ ص ١٩٨/ ١٩٧ - فهو من هذا الطريق من أفراده. وقد رواه الشيخان وغيرهما عن غير طريق المصنف وسيأتي الكلام عليه في كتاب الحج إن شاء الله تعالى. المسألة الثالثة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو أمر الحائض بنقض الضفر عند اغتسالها للإحرام، وهو للنظافة، كما تقدم وقد تقدم أقوال العلماء فيه وترجيح الراجح منها في الباب السابق. ومنها: منع الحائض من الطواف بالبيت. ومنها: سؤال الشخص عن حكم ما يجهله من أمر دينه، وأن نقض الرأس والامتشاط لا ينافيان الإحرام لأن الأصح أن عائشة لم تبطل عمرتها وإنما أدخلت عليها الحج. ومنها: إدخال الحج على العمرة، فيكون قارنا به. ومنها: حرص عائشة على تكثير أفعال الخير، وستأتي بقية الفوائد في محلها إن شاء الله تعالى.
مصادر المؤلف (١)

١. هكذا بياض في الأصل فليحرر.