HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٤٧

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ «إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ الْمَاءَ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جَسَدِهِ كُلِّهِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص85
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ١ ص ١٣٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٤ ص٤٤٩
١٥٦ - ذِكرُ وُضُوءِ الجُنُبِ قَبْلَ الغُسْلِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الوضوء للجنب قبل اغتساله. وهذا الحكم وإن كان معلوما من الأحاديث السابقة، إلا أنه أراد أن يفرده بباب لأهميته. ٢٤٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ الْمَاءَ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعْرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جَسَدِهِ كُلِّهِ. رجال الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد أبو رجاء الثقفي البغلاني ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس إمام دار الهجرة الحجة الفقيه الحافظ -٧ - تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (هشام بن عروة) بن الزبير المدني ثقة فقيه -٥ - تقدم في ٤٩/ ٦١. ٤ - (عروة) بن الزبير بن العوام أحد الفقهاء السبعة المدني ثقة -٣ - تقدم في ٤٠/ ٤٤. ٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدم في ٥/ ٥. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء اتفقوا بالتخريج لهم، وكلهم مدنيون، إلا قتيبة فبغلاني -قرية ببلخ-، وفيه رواية الابن عن أبيه، عن خالته، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة من المكثرين السبعة روت -٢٢١٠ - . والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عائشة ﵁: أن النبي - ﷺ - كان) هذه اللفظة تدل على الملازمة والتكرار (إذا اغتسل) أي أراد الاغتسال، أو شرع في الاغتسال (من الجنابة) «من» سببية أي بسبب حصول الجنابة له (بدأ، فغسل يديه، ثم توضأ) فإن قلت: لم ذكر في ثلاث مواضع بلفظ الماضي، وهي «بدأ» «فغسل»، «توضأ» وذكر البواقي بلفظ المضارع، وهي قوله: «يدخل»، و«يخلل»، و«يصب»، و«يفيض». أجيب: بأن النكتة في ذلك أن «إذا» إن كانت شرطية فالماضي بمعنى المستقبل، والكل مستقبل معنى، وأما الاختلاف في اللفظ فللإشعار بالفرق بما هو خارج من الغسل، وما ليس كذلك، وإن كانت ظرفية فما جاء ماضيا فهو على أصله، وعدل عن الأصل إلى المضارع لاستحضار صورته للسامعين. قاله البدر العيني في عمدته ج ٣ ص ١٩٢. (فغسل يديه) يحتمل أن يكون هذا الغسل للتنظيف مما بهما من مستقذر، ويحتمل أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم. قال الحافظ: ويدل عليه زيادة ابن عيينة في هذا الحديث عن هشام «قبل أن يدخلهما الإناء» رواه الشافعي، والترمذي، وزاد أيضا «ثم يغسل فرجه»، وكذا لمسلم من رواية أبي معاوية، ولأبي داود من رواية حماد بن زيد، كلاهما عن هشام، وهي زيادة جليلة، لأن بتقديم غسله يحصل الأمن من مسه في أثناء الغسل. اهـ فتح ج ١ ص ٤٢٩. قال الجامع عفا الله عنه: رواية عائشة المتقدمة في ١٥٢/ ٢٤٣ واضحة في الاحتمال الثاني، وفي تقديم الاستنجاء قبل الوضوء والغسل. (ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة) فيه احتراز عن الوضوء اللغوي، وفيه أنه يمسح رأسه، وأنه لا يؤخر غسل رجليه، وسيأتي أن الأولى حمله على أكثر عمل الوضوء، فيكون غسل الرجل مؤخرًا لتصريح بعض رواياتها بذلك، فيكون حديثها موافقًا لحديث ميمونة ﵄. قال الحافظ ﵀: ويحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سنة مستقلة بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بنية الجسد في الغسل، ويحتمل أن يكتفى بغسلها في الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول عضو، وإنما قدم غسل أعضاء الوضوء تشريفًا لها، ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى، وإلى هذا جنح الداودي شارح المختصر من الشافعية، فقال: يقدم غسل أعضاء وضوئه على ترتيب الوضوء، لكن بنية غسل الجنابة. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الدوادي هو الظاهر. ونقل ابن بطال الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل، وهو مردود، فقد ذهب جماعة منهم أبو ثور، وداود وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث. اهـ فتح ج ١ ص ٤٢٩. قال الجامع عفا الله عه: سيأتي في المسائل تحقيق الخلاف في هذه المسألة إن شاء الله تعالى. (ثم يدخل أصابعه الماء، فيخلل بها) أي بأصابعه التي أدخلها في الماء (أصول شعره) ولمسلم: «ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر»، وللمصنف والترمذي من طريق ابن عيينة: «ثم يُشَرِّب شعره الماء». والمراد بأصول الشعر شعر الرأس بدليل الرواية الآتية: «ويخلل رأسه حتى يصل إلى شعره» قال الحافظ: ويدل عليه رواية حماد بن سلمة، عن هشام، عند البيهقي «يخلل بها شِقَّ رأسه الأيمن فيتبع بها أصول الشعر، ثم يفعل بشقّ رأسه الأيسر كذلك». قال القاضي عياض: احتج به بعضهم على تخليل شعر الجسد في الغسل، إما لعموم قوله: «أصول الشعر» وإما بالقياس على شعر الرأس. قال الجامع عفا الله عنه: القول بعموم أصول الشعر غير صحيح، لأن الرواية الأخرى بينت أنه شعر الرأس. وفائدة التخليل إيصال الماء إلى الشعر والبشرة، ومباشرة الشعر باليد ليحصل تعميمه بالماء، وتأنيس البشرة لئلا يصيبها بالصب ما تتأذى به، ثم هذا التخليل غير واجب اتفاقًا، إلا إذا كان الشعر مُلَبَّدًا بشيء يحول بين الماء وبين الوصول إلى أصوله. قاله في الفتح ج ١ ص ٤٣٠. قال الجامع عفا الله عنه: دعوى الاتفاق في عدم الوجوب غير صحيح، فقد قال العيني إنه مذهب الحنفية في غسل الجنابة، وذكر أقوال العلماء الآخرين أيضا. انظر عمدة ج ٣ ص ١٩٢. ثم إن هذا التخليل يكون بأصابع اليدين العشر، لظاهر قولها «أصابعه» وفي رواية «ثم يخلل بيديه شعره». وقال ابن دقيق العيد ﵀: التخليل هنا إدخال الأصابع فيما بين أجزاء الشعر. ورأيت في كلام بعضهم إشارة إلى أن التخليل هل يكون بنقل الماء أو بإدخال الأصابع مبلولة بغير نقل الماء؟ وأشار إلى ترجيح نقل الماء لما وقع في بعض الروايات الصحيحة في مسلم «ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر»، فقال هذا القائل: نقل الماء لتخليل الشعر هو رد على من يقول: يخلل بأصابعه مبلولة بغير نقل الماء، قال: وذكر النسائي في السنن ما يبين هذا، فقال: باب تخليل الجنب رأسه، وأدخل حديث عائشة هذا فيه، قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يشرب رأسه ثم يحثي عليه ثلاثا» قال فهذا بين في التخليل بالماء. انتهى كلامه. اهـ إحكام الأحكام ج ١ ص ٣٧٥ (ثم يصب على رأسه ثلاث غرف) بضم، ففتح، جمع غُرْفة، بضم، فسكون، وهي قدر ما يغرف من الماء بالكف، قال الحافظ: وللكشميهني «ثلاث غرفات» وهو المشهور. وقال البدر العيني: وهذا هو الأصح، لأن مميز الثلاث ينبغي أن يكون من جموع القلة، ولكن وجه ذكر الغرف أن جمع الكثرة يقوم مقام جمع القلة، وبالعكس، وعند الكوفيين: فعل بضم الفاء وكسرها من جموع القلة، لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾ [هود: ١٣]، وقوله تعالى ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧].اهـ عمدة ج ٣ ص ١٩٢ قال الجامع عفا الله عنه: القاعدة أنه إذا كان المعدود بثلاثة إلى عشرة له جمع قلة وكثرة، فالأكثر إضافتها إلى جمع القلة كعندي ثلاثة أفلس، ويقل إضافتها إلى جمع الكثرة، كعندي ثلاثة فلوس، وإن لم يكن له إلا جمع الكثرة، فإنه يضاف إليه نحو ثلاثة رجال، وإلى أصل القاعدة أشار ابن مالك بقوله: ثَلاثَةً بالتَّاء قُلْ للْعَشَرَهْ … في عَدِّ مَا آحَادُهُ مُذَكَّرَهْ في الضِّدِّ جَرِّدْ وَالمُمَيّزَ اجْرُر … جَمْعًا بلَفْظ قلَّة في الأكْثَر قال في الفتح: وفيه استحباب التثليث في الغسل، قال النووي: ولا نعلم فيه خلافا إلا ما تفرد به الماوردي، فإنه قال: لا يستحب التكرار في الغسل. قال الحافظ: وكذا قال الشيخ أبو علي السنجي في شرح الفروع، وكذا قال القرطبي، وحمل التثليث في هذه الرواية على رواية القاسم عن عائشة -يعني حديثها: «كان النبي - ﷺ - إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب فأخذ بكفه فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر، فقال بهما على وسط رأسه» رواه البخاري- فإن مقتضاها أن كل غرفة كان في جهة من جهات الرأس. اهـ فتح ج ١ ص ٤٣٠ قال الجامع عفا الله عنه: الأولى ما قاله الأولون، ويحمل حديث القاسم على بعض الأحيان، والله أعلم. (ثم يفيض الماء) من الإفاضة رباعيًا أي يُسيل الماء. واستدل به من لم يشترط الدلك، وهو ظاهر، وقال المازري: لا حجة فيه؛ لأن أفاض بمعنى غسل، والخلاف في الغسل قائم قال الحافظ: ولا يخفى ما فيه. والله أعلم. وقال القاضي عياض: لم يأت في شيء من الروايات في وضوء الغسل ذكر التكرار. ورُدَّ عليه بما تقدم في رواية أبي سلمة، عن عائشة ﵂ في ١٥٥/ ٢٤٦، ورواها البيهقي، أيضا، في صفة غسل النبي - ﷺ -، وفيه ذكر المضمضة ثلاثا، والاستنشاق ثلاثا، وغسل الوجه ثلاثا، ويديه ثلاثًا ، والإفاضة على رأسه ثلاثًا. قاله الحافظ في الفتح ج ١ ص ٤٣٠ (على جسده كله) هذا التأكيد يدل على أنه عمم جميع جسده بالغسل بعدما تقدم من الوضوء وغيره. قال الحافظ: وهو يؤيد الاحتمال الأول: أن الوضوء سنة مستقلة قبل الغسل، وعلى هذا فينوي المغتسل الوضوء إن كان محدثا. وإلا فسنة الغسل. قال الجامع عفا الله عنه: الأولى كون «كله» تأكيدًا لجسده على حذف مضاف ، بدليل الرواية الأخرى، أي سائر جسده، فيكون مؤكدًا لسائر، لئلا يتوهم أن المراد به معظم سائر الجسد، فبهذا تتفق الروايات على معنى واحد، ولا حاجة إلى أن نقول: إنه أعاد الغسل على مواضع الوضوء. والله أعلم. قال الحافظ: واستدل بهذا الحديث على استحباب إكمال الوضوء قبل الغسل، ولا يؤخر غسل الرجلين إلى فراغه، وهو ظاهر من قولها: «كما يتوضأ للصلاة»، وهذا هو المحفوظ في حديث عائشة من هذا الوجه، لكن رواه مسلم من رواية أبي معاوية، عن هشام، فقال في آخره «ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه»، وهذه الزيادة تفرد بها أبو معاوية، دون أصحاب هشام، قال البيهقي: هي غريبة صحيحة، قال الحافظ: لكن في رواية أبي معاوية، عن هشام، مقال، نعم له شاهد من رواية أبي سلمة، عن عائشة، أخرجه أبو داود الطيالسي، فذكر حديث الغسل كما تقدم عند النسائي، وزاد في آخره «فإذا فرغ غسل رجليه»، فإما أن تحمل الروايات عن عائشة على أن المراد بقولها: «وضوءه للصلاة» أي أكثره، وهو ما سوى الرجلين، أو يحمل على ظاهره، ويستدل برواية أبى معاوية على جواز تفريق الوضوء، ويحتمل أن يكون قوله في رواية أبي معاوية: «ثم غسل رجليه»، أي أعاد غسلهما لاستيعاب الغسل بعد أن غسلهما في الوضوء، فيوافق قوله في حديث الباب: «ثم يفيض على جلده كله». اهـ فتح ج ١ ص ٤٣٠ - ٤٣١. قال الجامع عفا الله عنه: أولى هذه الاحتمالات هو الاحتمال الأول، لأن غيره فيه نوع تكلف، فيكون المراد أكثر وضوء الصلاة. فتكون روايات عائشة ﵂ موافقة لروايات ميمونة ﵂. والله أعلم. وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكره عند المصنف: هذا الحديث بهذا السند والمتن أخرجه هنا ١٥٦/ ٢٤٧ وفي الكبرى ١٤٠/ ٢٤٦ عن قتيبة، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها، ويأتي في الباب التالي بنحوه. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك بسند المصنف، ومتنه في الطهارة-٨٠/ ١، وأخرجه مسلم من حديث أبي معاوية، عن هشام، فذكره، وفي آخره «ثم غسل رجليه»، ثم ذكره عن جماعة عن هشام، وبَيَّن أنه ليس في حديثهم غسل الرجلين. المسألة الرابعة: في فوائده: منها أن قولها «كان» يدل على الملازمة والتكرار، قال ابن دقيق العيد ﵀: يقال: كان يفعل كذا، بمعنى أنه تكرر منه فعله، وكان عادته، كما يقال: كان يقري الضيف، «وكان رسول الله - ﷺ - أجود بالخير من الريح المرسلة»، وقد تستعمل «كان» لإفادة مجرد الفعل، ووقوع الفعل، دون الدلالة على التكرار، والأول أكثر في الاستعمال، وعليه ينبغي حمل الحديث. ومنها أن قولها: «كان إذا اغتسل» يحتمل أن يكون من باب التعبير بالفعل عن إرداة الفعل، كما في قوله تعالى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] ويحتمل أن يكون قولها: «اغتسل» بمعنى شرع في الغسل، فإنه يقال: فعل إذا شرع، وفعل إذا فرغ، فإذا حملنا «اغتسل» على شرع صح ذلك؛ لأنه يمكن أن يكون الشروع وقتا للبدأة بغسل اليدين، وهذا بخلاف ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ فإنه لا يمكن أن يكون وقت الشروع في القراءة وقتًا للاستعاذة. قاله ابن دقيق العيد. في إحكامه ج ١ ص ٣٦٨. ومنها: مشروعية غسل اليدين قبل الشروع في الوضوء والغسل، وقد تقدم حكمه في ١/ ١. ومنها: تقديم الوضوء على الغسل، وسيأتي تحقيق الخلاف فيه في المسألة التالية. ومنها: أن ظاهر قولها «كما يتوضأ للصلاة» يفيد أنه لا يؤخر غسل الرجلين، وقد تقدم الكلام عليه قريبا، وهو الأصح من قولي الشافعي، كما قال العيني، والقول الثاني أنه يؤخِّر عملا بظاهر حديث ميمونة ﵂، وله قول ثالث إن كان الموضع نظيفًا فلا يؤخر، وإن كان وسخًا، أو الماء قليلا أخّر جمعَا بين الأحاديث، وعند الحنفية إن كان في مُستَنْقَع الماء يؤخر وإلا فلا، وهو مذهب مالك. ومنها: التخليل في شعر الرأس. ومنها: صب الماء على الرأس ثلاث مرات. المسألة الخامسة: اختلف العلماء في حكم الوضوء قبل الغسل: فذهب الجمهور إلى سنيته، واحتجوا بأن الله تعالى أمر بالغسل ولم يذكر الوضوء، وبما رواه أحمد عن جبير بن مطعم قال: تذاكرنا الغسل من الجنابة عند رسول الله - ﷺ - فقال: «أما أنا فيكفيني أن أصب على رأسي الماء ثلاثا، ثم أفيض بعد ذلك على سائر جسدي» حديث صحيح كما قال النووي في المجموع وسيأتي للمصنف مختصرا في ١٥٨/ ٢٥٠. وقوله - ﷺ - لأم سلمة «إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء ثم تفيضين على جسدك»، وقد تقدم في ١٥٠/ ٢٤١، وقوله - ﷺ - للذي تأخر عن الصلاة معه في السفر في قضية المزادتين، واعتذر بأنه جنب فأعطاه إناء، وقال: «اذهب فأفرغه عليك» وحديث أبي ذر ﵁: «فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك» وكل هذه الأحاديث صحيحة معروفة، وغير ذلك من الأحاديث، وأما وضوء النبي - ﷺ - في غسله فمحمول على الاستحباب، جمعا بين الأدلة. قاله النووي في المجموع ج ٢ ص ١٨٦. وذهب جماعة منهم أبو ثور، وداود، وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث، قال الشوكاني: وهو قول أكثر العترة، قال ولا شك في مشروعية الوضوء مقدّما على الغسل كما ثبتت بذلك الأحاديث «الصحيحة» وأما الوجوب فلم يدل عليه دليل، والفعل المجرد لا ينتهض للوجوب. اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: قول الجمهور هو الراجح، للأدلة التي مرت في قول النووي، وهي الصارفة عن كون فعله - ﷺ - بيانًا لمجمل آية الغسل، ولولا هذه الأدلة لقلنا بقول من قال بالوجوب حيث إن فعله صدر بيانًا للمجمل. فتأمل. والله أعلم. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».
مصادر المؤلف (٢)

١. قوله ويديه ثلاثا: غسل اليدين ليس في النسخة المصرية، بل في النسخة الهندية، ونصها «ويغسل وجهه ويديه ثلاثا»، وعند البيهقي «وغسل وجهه ثلاثا وذراعيه ثلاثا» ج ١ ص ١٧٤.

٢. لا يقال: إن الحذف ينافي التأكيد، لأن المحذوف لدليل في قوة المذكور.