HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٢٥٣

أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عِيسَى، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَالَتِي مَيْمُونَةُ قَالَتْ: «أَدْنَيْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ غُسْلَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ بِيَمِينِهِ فِي الْإِنَاءِ، فَأَفْرَغَ بِهَا عَلَى فَرْجِهِ، ثُمَّ غَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ الْأَرْضَ، فَدَلَكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِلْءَ كَفِّهِ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ، فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ قَالَتْ: ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ، فَرَدَّهُ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص86
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ١ ص ١٣٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٤ ص٤٨٩
١٦١ - بَابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي غَيْرِ المَكاَنِ الذِي يَغْتَسِلُ فِيهِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية غسل الرجلين في مكان غير المكان الذي يغتسل فيه الجنب. وتقدم التوفيق بين حديث الباب، وبين حديث عائشة المتقدم في ١٥٦/ ٢٤٧. فقدله: «يغتسل» يحتمل بناؤه للفاعل، ويكون فاعله ضمير يعود إلى المغتسل المفهوم منه، ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول ونائب فاعله الجار والمجرور. ومحل الاستدلال قولها: «ثم تنحى عن مقامه فغسل رجليه». والله أعلم. ٢٥٣ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي خَالَتِي مَيْمُونَةُ، قَالَتْ: أَدْنَيْتُ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - غُسْلَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ بِيَمِينِهِ فِي الإِنَاءِ، فَأَفْرَغَ بِهَا عَلَى فَرْجِهِ، ثُمَّ غَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ الأَرْضَ فَدَلَكَهَا دَلْكًا شَدِيدًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ مِلْءَ كَفِّهِ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ. قَالَتْ: ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ. رجال هذا الإسناد: سبعة ١ - (علي بن حجر) السعدي المروزي نزيل بغداد، ثم مرو، ثقة حافظ، من صغار -٩ - تقدم في ١٣/ ١٣. ٢ - (عيسى) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ثقة ثبت -٨ - تقدم في ٨/ ٨. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي ثقة ثبت فاضل -٥ - تقدم في ١٧/ ١٨. ٤ - (سالم) بن أبي الجعد، رافع، الكوفي ثقة يرسل كثيرًا -٣ - تقدم في ٦١/ ٧٧. ٥ - (كريب) بن أبي مسلم الهاشمي مولاهم أبو رشدين. أدرك عثمان. وروى عن مولاه ابن عباس، وأمه أم الفضل، وأختها ميمونة بنت الحارث، وعائشة، وأم سلمة، وأم هانئ بنت أبي طالب، وغيرهم. وأرسل عن الفضل بن عباس. وروى عنه ابناه محمَّد ورشدين، وسليمان ابن يسار، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وهما من أقرانه، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة حسن الحديث، وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: كريب أحب إليك عن ابن عباس، أو عكرمة؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال النسائي: ثقة. وقال زهير بن معاوية، عن موسى بن عقبة: وضع عندنا كريب حمل بعير من كتب ابن عباس. قال الواقدي، وآخرون: مات بالمدينة سنة -٩٨ - في آخر خلافة سليمان بن عبد الملك، وذكره ابن حبان في الثقات، أخرج له الجماعة. ٦ - (ابن عباس) الحبر البحر ﵁ تقدم في ٢٧/ ٣١. ٧ - (ميمونة) بنت الحارث أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ١٤٦/ ٢٣٦. والله أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين مروزي، وهو علي، وكوفيين وهم عيسى، والأعمش، وسالم، ومدنيين وهم الباقون، وفيه رواية الراوي عن خالته، ورواية صحابي عن صحابية، وفيه ابن عباس أحد المكثرين السبعة روى -١٦٩٦ - وأحد العبادلة الأربعة. وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: الأعمش عن سالم، عن كريب. والله أعلم. شرح الحديث (عن) عبد الله (ابن عباس) حبر الأمة وبحرها ﵁، أنه (قال: حدثتني خالتي) أي أخت أمه لبابة الكبرى ﵂ (ميمونة) بالرفع بدل من خالتي، وهي ميمونة بنت الحارث بن حَزْن بن بُجَير الهلالية، أم المؤمنين، تزوجها النبي - ﷺ - سنة ست من الهجرة، وقد تقدمت ترجمتها في ١٤٦/ ٢٣٦ (قالت) هذه الجملة تفسير لـ«حدثتني» (أدنيت لرسول الله - ﷺ -) أي قربت إليه، وهكذا في مسلم، وعند الترمذي، وابن ماجه، ورواية للبخاري «وضعت لرسول الله - ﷺ -»، وفي أخرى للبخاري «صببت للنبي - ﷺ - غسلا» (غسله) بضم فسكون: اسم من الاغتسال، فهو على حذف مضاف، أي ماء غسله، وقيل الغسل بالضم الماء الذي يتطهر به، وعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير مضاف. قال ابن الأثير: الغسل بالضم: الماء القليل الذي يغتسل به، كالأكل لما يؤكل، وهو الاسم أيضا من غَسَلْتُهُ، والغسل بالفتح: المصدر، وبالكسر: ما يغسل به من خطمي وغيره، اهـ لسان. (من الجنابة) متعلق بـ «غسل»، أما على كونه اسم مصدر فواضح، وأما على كونه اسما للماء فيتعلق على مضاف مقدر بعد «غسل»، أي غُسْل اغتساله، أي ماء اغتساله، وعند أبي داود: «غُسلا يغتسل به من الجنابة» (فغسل كفيه) وعند أبي داود «فأكفأ الإناء على يده اليمنى فغسلها» بالإفراد لكن أكثر الروايات تدل على أنه غسل الكفين (مرتين أو ثلاثا) بالشك من الأعمش كما صرح به البخاري من طريق أبي عوانة عن، وفيه «فصب على يده فغسلها مرة أو مرتين، قال سليمان . لا أدري أذكر (٢) الثالثة أم لا؟ وفي رواية له من طريق عبد الواحد، عن الأعمش، وفيه»فأفرغ على يديه وغسلهما مرتين أو ثلاثا«ولابن فضيل عن الأعمش، وفيه»فصب على يديه ثلاثا«ولم يشك، أخرجه أبو عوانة في صحيحه، قال الحافظ ﵀: فكأن الأعمش كان يشك فيه، ثم تذكر فجزم؛ لأن سماع ابن فضيل منه متأخر. اهـ فتح ج ١ ص ٤٤٨. (ثم أدخل يمينه) هكذا في النسخة الهندية وفي المصرية«بيمينه» بزيادة الباء (في الإناء) الذي أدنته ميمونة إليه للاغتسال منه (فأفرغ بها) أي بيمينه، وأنث الضمير؛ لأن اليمين مؤنثة، أي صب الماء (على فرجه ثم غسله بشماله) بكسر الشين خلاف اليمين، هي مؤنثة أيضًا جمعها أشمل وشَمَائل. قاله في المصباح. أي غسل فرجه بيده اليسرى، وفيه استحباب صب الماء باليمين، وغسل الفرج بالشمال. قال ابن دقيق العيد ﵀: فيه البداءة بغسل الفرج، لإزالة ما علق به من أذى، وينبغي أن يغسل في الابتداء عن الجنابة، لئلا يحتاج إلى غسله مرة أخرى، وقد يقع ذلك بعد غسل أعضاء الوضوء، فيحتاج إلى إعادة غسلها، فلو اقتصرعلى غسلة واحدة لإزالة النجاسة، وللغسل عن الجنابة فهل يكتفي بذلك أم لابد من غسلتين: مرة للنجاسة، ومرة للطهارة عن الحدث؟ فيه خلاف لأصحاب الشافعي. ولم يرد في الحديث إلا مطلق الغسل من غير ذكر تكرار، فقد يؤخذ منه الاكتفاء بغسلة واحدة من حيث إن الأصل عدم غسله ثانيا. اهـ إحكام ج ١ ص ٣٨٠ - ٣٨١. قال الجامع عفا الله عنه: الاكتفاء هو الذي لا يتجه غيره وهو الذي صححه النووي ﵀. (ثم ضرب بشماله) التي غسل بها فرجه (الأرض فدلكها) أي الشمال، (دلكا شديدا) مصدر مبين للنوع، والدلك مصدر دلك الشيء يدلكه من باب نصر، إذا مَرَسَه وعَركَه، قال الشاعر (من الرجز): أبيتُ أسْري وَتَبيتي تَدْلُكي … شَعْرك بالعَنْبَر وَالمسْك الذَّكي أي حكَّ شماله على الأرض بقوة، مبالغة في التنظيف. وفيه استحباب مسح اليد بالأرض، أو الحائط عقب الاستنجاء بالماء، لكمال الإنقاء. قال ابن دقيق العيد ﵀: وضربه - ﷺ - بالأرض أو الحائط لإزالة ما لعله علق باليد من الرائحة، زيادةً في التنظيف. ثم قال: إذا بنيت رائحة النجاسة بعد الاستقصاء في الإزالة لم يضر على مذهب بعض الفقهاء، وفي مذهب الشافعي خلاف، وقد يؤخذ العفو عنه من هذا الحديث، ووجهه: أن ضربه - ﷺ - بالأرض أو الحائط لابد وأن يكون لفائدة، ولا جائز أن يكون لإزالة العين؛ لأنه لا تحصل الطهارة مع بقاء العين اتفاقا، وإذا كانت اليد نجسة ببقاء العين فيها فعند انفصالها ينجس المحل بها، وكذلك لا يكون للطعم؛ لأن بناء الطعم دليل على بناء العين، ولا يكون لإزالة اللون، لأن الجنابة بالإنزال، أو بالمجامعة لا تقتضي لونا يلصق باليد، وإن اتفق فنادر جدّا، فبني أن يكون لإزالة الرائحة، ولا يجوز أن يكون لإزالة رائحة تجب إزالتها؛ لأن اليد قد انفصلت عن المحل على أنه قد طهر، ولو بقي ما تتعين إزالته من الرائحة لم يكن المحل طاهرا لأنه عند الانفصال تكون اليد نجسة، وقد لابست المحل مبتلا فيلزم من ذلك أن يكون بعض الرائحة معفوًا عنه، ويكون الضرب على الأرض لطلب الأكمل فيما لا تجب إزالته، ويحتمل أن يقال: فصل اليد عن المحل بناء على ظن طهارته بزوال رائحته، والضرب على الأرض لإزالة احتمال في بقاء الرائحة مع الاكتفاء بالظن في زوالها، والذي يقوي الاحتمال الأول ما ورد في الحديث الصحيح من كونه - ﷺ - «دلكها دلكا شديدًا»، والدلك الشديد لا يناسبه هذا الاحتمال الضعيف اهـ إحكام ج ١ ص ٣٨١ - ٣٨٣. قال الجامع عفا الله عنه: كلامه كله مبني على كون المني ورطوبة الفرج نجسين، وفيه أقوال للعلماء، وسيأتي تحقيق المسألة في محلها إن شاء الله تعالى. (ثم توضأ وضوءَه للصلاة) أي مثل وضوئه لها، قال ابن دقيق العيد: يقتضي استحباب تقديم الغسل لأعضاء الوضوء في ابتداء الغسل، ولا شك في ذلك، نعم يقع البحث في أن هذا الغسل لأعضاء الوضوء، هل هو وضوء حقيقة، فيكتفى به عن غسل هذه الأعضاء للجنابة؟ فإن موجب الطهارتين بالنسبة إلى هذه الأعضاء واحد، أو يقال: إنَّ غسلها إنما هو عن الجنابة، وإنما قدمت على بنية الجسد تكريمًا لها وتشريفًا، ويسقط غسلها عن الوضوء باندراج الطهارة الصغرى تحت الكبرى. فقد يقول قائل: قولها: «وضوءه للصلاة» مصدر مشبه به تقديره وضوءا مثل وضوئه للصلاة، فيلزم من ذلك أن تكون هذه الأعضاء المغسولة مغسولة عن الجنابة؛ لأنها لو كانت مغسولة عن الوضوء حقيقة لكان قد توضأ عين الوضوء للصلاة، فلا يصح التشبيه، لأنه يقتضي تغاير المشبه والمشبه به، فإذا جعلناها مغسولة للجنابة صح التغاير، وكان التشبيه في الصورة الظاهرة. وجوابه بعد تسليم كونه مصدرا مشبها به من وجهين: أحدهما: أن يكون شبه الوضوء الواقع في ابتداء غسل الجنابة بالوضوء للصلاة في غير غسل الجنابة، والوضوء بقيد كونه في غسل الجنابة مغاير للوضوء بقيد كونه خارجا عن غسل الجنابة، فيحصل التغاير الذي يقتضي صحة التشبيه، ولا يلزم منه عدم كونه وضوءًا للصلاة حقيقة. الثاني: لما كان وضوء الصلاة له صورة معنوية ذهنية شبه هذا الفرد الذي وقع في الخارج بذلك المعلوم في الذهن، كأنه يقال: أوقع في الخارج ما يطابق الصورة الذهنية لوضوء الصلاة. اهـ احكام ج ١ ص ٣٧٢ - ٣٧٤. قال الجامع عفا الله عنه: حاصل كلامه أنه يرجح الوجه الأول، وهو كونه وضوءًا حقيقة، وهو الموافق لظاهر الحديث. والله أعلم. ثم إن رواية المصنف هكذا «ثم توضأ وضوءه للصلاة» وقد وقعت مفصلة في رواية عند البخاري وغيره: حيث قالت: «ثم مضمض واستنشق، وغسل وجهه ويديه» الحديث (ثم أفرغ على رأسه) أي صب عليها (ثلاث حثيات) أي ثلاث غرفات، وتقدم معنى الحثيات. (ملء كفيه) بالتثنية في الهندية، وبالإفراد في المصرية، والمراد به الكفان؛ لأن المفرد المضاف يعم، فلا تخالف بين النسختين (ثم غسل سائر جسده) أي بنيته، فإنها ذكرت الرأس أوَّلًا. والأصل في «سائر» أن تستعمل بمعنى البنية، وقالوا: هو مأخوذ من السؤر. قال الشنفري (من الطويل): إذَا احْتَمَلُوا رَأسي وَفي الرَّأس أكْثَري … وَغُودرَ عنْدَ المُلْتَقَى ثُمَّ سَائري أي بقيتي، وقد أنكر في «أوهام الخواص» جعلها بمعنى الجميع، وفي كتاب الصحاح ما يقتضى تجويزه. اهـ إحكام ج ١ ص ٣٧٧، وقد تقدم الكلام فيه في ١٥٤/ ٢٤٥. ثم ظاهر قولها: «ثم أفرغ على رأسه» الخ كما قال ابن دقيق العيد ﵀ يقتضي أنه لم يمسح رأسه، كما يفعل في الوضوء. وقال الحافظ ﵀: ولم يقع في شيء من طرق هذا الحديث التنصيص على مسح الرأس في هذا الوضوء (ثم تَنَحَّى) أي ابتعد (عن مقامه) بفتح الميم اسم موضع من «قام» ثلاثيًا، أو بضمها من «أقام» رباعيًا. أي من محلة (فغسل رجليه) وفيه تأخير غسل الرجلين عن إكمال الوضوء، وهو الذي ترجم عليه المصنف، وفيه جواز تفريق غسل الأعضاء، حيث أخر غسل الرجلين إلى آخر غسل الجسد، وقد بوب البخاري لجواز التفريق، وهو قول الشافعي في الجديد، واحتج له بأن الله تعالى أوجب غسل أعضائه، فمن غسلها فقد أتى بما وجب عليه فَرَّقَهَا أو نَسَقَها، وعن ابن عمر ﵄ أنه توضأ في السوق دون رجليه، ثم رجع إلى المسجد، فمسح على خفيه، ثم صلى، رواه الشافعي في الأم بسند صحيح. وبه يقول ابن المسيب، وعطاء، وجماعة، وقال ربيعة، ومالك: من تعمد ذلك فعليه الإعادة، ومن نسي فلا، وعن مالك إن قرب التفريق بني، وإن طال أعاد، وقال قتادة، والأوزاعي: لا يعيد إلا إن جف، وأجازه النخعي مطلقا في الغسل دون الوضوء ذكر جميع ذلك ابن المنذر، وقال: ليس مع من جعل الجفاف حدًا لذلك حجة. وقال الطحاوي ﵀: الجفاف ليس بحدث، فينقض كما لو جف جميع أعضاء الوضوء لم تبطل الطهارة. أفاده في الفتح ج ١ ص ٤٤٦ - ٤٤٧. قال الجامع عفا الله عنه: قول من قال بجواز التفريق هو الراجح لإطلاق الأدلة. والله أعلم. (ثم أتيته بالمنديل) قال في اللسان: المنديل -يعني بكسر الميم، وسكون النون، وكسر الدال- والمنديل -يعني بفِتح الميم- نادر، والمنْدَل -يعني بكسر الميم، وفتح الدال- كله: الذي يُتَمَسَّح به، قيل: هو من النَّدْل الذي هو الوسخ، وقيل: إنما اشتقاقه من النَّدْل الذي هو التَّنَاول، قال الليث: النَّدْل كأنه الوسخ من غير استعمال في العربية، وقد تَنَدَّلَ به وتَمَنْدَلَ، قال أبو عبيد: وأنكر الكسائي تمندل، وتَنَدَّلت بالمنديل، وتمندلت، أي تمسحت به من أثر الوضوء أو الطهور، قال: والمنديل على تقدير مفعيل، اسم لما يمسح به، قال: ويقال أيضا تمندلتُ. اهـ. وفي المصباح: المنديل مذكر، قاله ابن الأنباري، وجماعة، ولا يجوز التأنيث لعدم العلامة في التصغير والجمع، فإنه لا يقال: مُنَيدلة، ولا مُنَيْدلات، ولا يوصف بالمؤنث، فلا يقال: منديل حسنة، فإن ذلك كله يدل على تأنيث الاسم، فإذا فقدت علامة التأنيث مع كونها طارئة على الاسم تعين التذكير الذي هو الأصل، ويقال: هو مشتق من نَدلَتُ الشيء نَدْلا من باب قتل: إذا جذبته، أو أخرجته، ونقلته. اهـ. (فرده) أي المنديل، وكذا عند مسلم، وفي الرواية الآتية للمصنف «فلم يمسه»، وعنده في ٤٠٨ «ثم أتيته بخرقة فلم يُردْها»، بضم الياء من الإرادة، وعند أبي داود «فلم يأخذه» وعند البخاري في رواية: «فناولته الخرقة، فقال بيده هكذا، ولم يردها. وفيه عدم استعمال المنديل في التنشيف، وفيه أقوال للعلماء سيأتي الكلام عليه في الباب التالي إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث الباب متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا -١٦١/ ٢٥٣ - والكبرى -١٤٣/ ٢٥١ - عن علي بن حجر، عن عيسى ابن يونس، وفي ٤١٩ عن محمَّد بن العلاء، عن أبي معاوية، وفي ٤١٨ عن محمَّد بن علي بن ميمون، عن محمَّد بن يوسف، عن سفيان، وفي ٤٢٨ عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير، وفي ٤٠٨، عن قتيبة، عن عَبيدة بن حُميد، كلهم عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس، عن ميمونة ﵂. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) في الطهارة عن محمَّد ابن يوسف، وعن عبدان، عن ابن المبارك، كلاهما عن سفيان الثوري. وعن الحميدي، عن سفيان بن عيينة، وعن موسى بن إسماعيل، ومحمد بن محبوب، كلاهما عن عبد الواحد. وعن موسى، عن أبي عوانة. وعن عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، وعن يوسف بن عيسى، عن الفضل بن موسى، وعن عبدان، عن أبي حمزة- سبعتهم عن الأعمش، به. وفي حديث الفضل بن موسى «أتيته بخرقة، فلم يردها»، ونحوه في حديث أبي عوانة، وأبي حمزة، وفي حديث ابن المبارك عن سفيان «سترت النبي - ﷺ - وهو يغتسل من الجنابة»، وقال عقبه: تابعه أبو عوانة، وابن فضيل -يعني عن الأعمش- في الستر. وأخرجه (م) فيه عن محمَّد بن الصباح، وإسحاق بن إبراهيم، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، وأبي سعيد الأشج، خمستهم عن وكيع، وعن يحيى بن يحيى، وأبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله بن إدريس، وعن علي بن حجر، عن عيسى بن يونس، وعن إسحاق بن إبراهيم، عن موسى القارئ، عن زائدة، خمستهم عن الأعمش به. وفي حديث ابن إدريس: «أتي بمنديل فلم يمسه»: وفي حديث زائدة: «وضعت للنبي - ﷺ - ماء وسترته فاغتسل». وأخرجه (د) فيه عن مسدد، عن عبد الله بن داود، عن الأعمش به. وأخرجه (ت) فيه عن هناد، عن وكيع، به. وقال: حسن صحيح. وأخرجه (ق) فيه عن علي بن محمَّد، وأبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن وكيع- بقصة نفض الماء، وترك التنشيف. أفاده أبو الحجاج المزي في تحفته ج ١٢ ص ٤٨٨ - ٤٨٩. وأخرجه ابن خزيمة، وابن الجارود، وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، والطيالسي، والبيهقي. المسألة الرابعة: في فوائده: ومما يستفاد منه ما ترجم له المصنف، وهو غسل الرجلين في محل آخر غير محل الاغتسال، وتأخير غسلهما، وفيه أقوال للعلماء سيأتي بيانها في المسألة التالية. ومنها: ما ذكره الحافظ في الفتح: قال: وقد استدل البخاري بحديث ميمونة هذا على جواز تفريق الوضوء، وعلى استحباب الإفراغ باليمنى على الشمال للمغترف من الماء، لقوله في رواية أبي عوانة، وحفص، وغيرهما «ثم أفرغ بيمينه على شماله»، وعلى مشروعية المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة لقوله فيها «ثم تمضمض واستنشق»، وتمسك به الحنفية للقول بوجوبهما، وتعقب بأن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب، إلا إذا كان بيانًا لمجمل تعلق به الوجوب، وليس الأمر هنا كذلك. قاله ابن دقيق العيد. قال الجامع عفا الله عنه: قد اعترض بعض من كتب على هامش الفتح على كلام ابن دقيق هذا بأن فعله بيان لمجمل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦٠] وقد قدمنا التحقيق في هذا الموضوع في ١٥٦/ ٢٤٧، وأن الراجح أنه ليس بيانًا للآية، للأدلة المذكورة هناك. فتبصر. ومنها: استحباب مسح اليد بالتراب من الحائط، أو الأرض، لقوله في الروايات المذكورة «ثم دلك يده بالأرض أو الحائط»، قال ابن دقيق العيد: وقد يؤخذ منه الاكتفاء بغسلة واحدة لإزالة النجاسة والغسل من الجنابة، لأن الأصل عدم التكرار وفيه خلاف. انتهى. وصحح النووي وغيره أنه يجزئ، لكن لم يتعين في هذا الحديث أن ذلك كان لإزالة النجاسة، بل يحتمل أن يكون للتنظيف فلا يدل على الاكتفاء، وأما دلك اليد بالأرض، فللمبالغة فيه، ليكون أنقى. قال الحافظ: وأبعد من استدل به على نجاسة المني، أو على نجاسة رطوبة الفرج؛ لأن الغسل ليس مقصورًا على إزالة النجاسة. وقوله في الحديث «وما أصابه من أذى» ليس بظاهر في النجاسة أيضًا. ومنها: أن الواجب في غسل الجنابة مرة واحدة، وأن من توضأ بنية الغسل وأكمل باقي أعضاء بدنه لا يشرع له تجديد الوضوء من غير حدث. ومنها: جواز نفض اليدين من ماء الغسل لقوله: «وجعل يقول بالماء هكذا» ومثله الوضوء، قال الحافط: وفيه حديث ضعيف أورده الرافعي وغيره، ولفظه: «لا تنفضوا أيديكم في الوضوء فإنها مرواح الشيطان» قال ابن الصلاح: لم أجده، وتبعه النووي، وقد أخرجه ابن حبان في الضعفاء، وابن أبي حاتم في العلل، من حديث أبي هريرة، ولو لم يعارضه هذا الحديث الصحيح لم يكن صالحًا أن يحتج به. ومنها: استحباب التستر في الاغتسال ولو كان في البيت كما يأتي قولها «فسترته». ومنها: جواز الاستعانة بإحضار ماء الغسل والوضوء. ومنها: خدمة الزوجات لأزواجهن. ومنها: الصب باليمين على الشمال لغسل الفرج بها. ومنها: تقديم غسل الكفين على غسل الفرج لمن يريد الاغتراف لئلا يدخلهما في الماء، وفيهما ما لعله يستقذر. قال الحافظ: أما إذا كان الماء في الإبريق مثلا، فالأولى تقديم غسل الفرج، لتوالي أعضاء الوضوء. قال الجامع عفا الله عنه: وفيما قاله نظر، بل الصواب العمل بمقتضى الحديث فيقدم غسل اليدين. قال الحافظ: ولم يقع في شيء من طرق هذا الحديث التنصيص على مسح الرأس في هذا الوضوء، وتمسك به المالكية لقولهم: إن وضوء الغسل لا يمسح فيه الرأس، بل يكتفى عنه بغسله. قال الجامع عفا الله عنه: وهو الراجح الذي عليه مذهب النسائي حيث ترجم عليه في ٤٢٢ «باب ترك مسح الرأس في الوضوء من الجنابة» ثم أخرج بسند صحيح حديث عائشة، وابن عمر ﵄ أن عمر ﵁ سأل رسول الله - ﷺ - عن الغسل من الجنابة؟ فذكر له صفة الغسل، وفيه «حتى إذا بلغ رأسه لم يمسح، وأفرغ عليه الماء». واستدل بعضهم بقولها: «ثم أتيته بالمنديل فرده» على كراهة التنشيف بعد الغسل. قال الحافظ: ولا حجة فيه لأنها واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال. اهـ وسيأتي تحقيق المسألة في الباب التالي إن شاء الله. ومنها: أنه يدل على طهارة الماء المتقاطر من أعضاء الوضوء خلافا لمن غلا من الحنفية فقال بنجاسته. وقد عقد المصنف ﵀ لبعض هذه الفوائد أبوابًا، فترجم هنا لغسل الرجلين في غير مكان الاغتسال، وفي الباب التالي لترك المنديل بعد الغسل، وفي ٤٠٨ للاستتار عنوإلاغتسال، وفي ٤١٨ لإزالة الجنب الأذى عنه قبل إفاضة الماء عليه، وفي ٤١٩ لمسح اليد بالأرض بعد غسل الفرج، وفي ٤٢٨ للغسل مرة واحدة. وقد أخرج هذا الحديث في هذه الأبواب بمغايرة الطرق، كما فعل البخاري في الصحيح، ومدارها على الأعمش، وعند بعض الرواة عنه ما ليس عند الآخر، وقد صرح الأعمش بالتحديث في رواية حفص بن غياث عنه عند البخاري فأمن تدليسه. والله أعلم. المسألة الخامسة: في البحث عن تأخير غسل الرجلين عن غسل الجسد كله، وأقوال أهل العلم في ذلك: أحاديث ميمونة ﵂ صريحة في تأخير غسل الرجلين إلى نهاية الاغتسال. وظاهر أحاديث عائشة ﵂ يخالفها، ففي الأحاديث المتقدمة، وهي أيضا في الصحيحين وغيرهما «توضأ وضوءه للصلاة» فظاهرها أنه قدم غسل الرجلين لكن وقع في رواية لمسلم من طريق أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عنها «ثم يتوضأ وضوءه للصلاة» الحديث وفي آخره «ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه» فصرح بالتأخير. فيجمع بين هذه الروايات، بأن روايات عائشة ﵂ تحمل على أن المراد بوضوء الصلاة أكثره، وهو ما سوى الرجلين، فتوافق روايات ميمونة ﵂، أو تحمل على ظاهرها من إتمام الوضوء قبل الغسل في حالة، ويكون قولها في رواية أبي معاوية «ثم غسل رجليه» أي أعاد غسلهما لاحتمال أن يكون المُغْتَسَل غير نظيف، وتحمل روايات تأخير غسل القدمين على أنه - ﷺ - كان يغتسل في مكان يجتمع فيه الماء، أو على أن ذلك كان لإزالة طين ونحوه، ويحتمل أنه أحيانًا كان يتوضأ وضوءًا كاملًا. وأحيانًا يؤخر غسل رجليه. قال الجامع: أولى الاحتمالات عندي الأول، فيكون معنى قوله: «وضوء للصلاة» ما عدا الرجلين، لأن رواية أبي معاوية صريحة في ذلك، وله شاهد من رواية أبي سلمة عن عائشة عند أبي داود الطيالسي، وفيه: «فإذا فرغ غسل رجليه» فهذا بعد قوله: «وتوضأ وضوءه للصلاة» صريح في الحمل على أكثر، وقد تقدم البحث عنه في ١٥٦/ ٢٤٧. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة: فذهب بعضهم إلى استحباب التأخير، وذهبت الحنفية إلى أن الأفضل إكمال الوضوء أولا إن كان يغتسل في محل لا يجتمع فيه الماء، وتأخير غسل القدمين إن كان يغتسل في نحو طست. وعن مالك إن كان المكان غير نظيف، فالمستحب تأخير غسلهما، وإلا فالتقديم وعند الشافعي في الأفضل قولان: أصحهما وأشهرهما أنه يكمل وضوءه لأن أكثر الروايات عن عائشة، وميمونة كذلك قاله النووي. قال الحافظ في الفتح: وليس في شيء من الروايات عنهما التصريح بذلك، بل هي إما محتملة كرواية «توضأ وضوءه للصلاة»، أو ظاهرة في تأخيرهما كرواية أبي معاوية المتقدمة، ويوافقها أكثر الروايات عن ميمونة، أو صريحة في تأخيرهما كحديث الباب أي حديث البخاري وراويه مقدم في الحفظ والفقه على جميع من رواه عن الأعمش -يعني سفيان الثوري- وروايته تأتي عند المصنف في ٤١٨. قال الجامع عفا الله عنه: والحاصل أن قول النووي: لأن أكثر الروايات كذلك، غير صحيح. قال الحافظ: وقول من قال: إنما فعل ذلك لبيان الجوار: متعقب، فإن في رواية أحمد عن أبي معاوية، عن الأعمش ما يدل على المواظبة، ولفظه: «كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه» فذكر الحديث، وفي آخره «ثم يتنحى فيغسل رجليه». قال القرطبي: الحكمة في تأخير غسل الرجلين ليحصل الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء. اهـ فتح ج ١ ص ٤٣١. قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن أرجح الأقوال قولُ من قال بالتأخير مطلقًا، لوضوح أدلته، والله أعلم.
مصادر المؤلف (٢)

١. أي الأعمش.

٢. يعني شيخه سالم بن أبي الجعد.