١٧٢ - بَابُ مَمَاسَّةِ الجُنُبِ وَمُجاَلَسَتِهِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على حكم مماسة الجنب ومجالسته.
والمماسة والمجالسة: مصدران لماسَّ وجَالَسَ، كما قال ابن مالك:
لفَاعَلَ الفِعَالُ واَلُمفاعَلَهْ … ...........
وهذا الباب للمشاركة بين اثنين، فالمعنى هنا أن يمسَّ الجنبُ غيرَه، ويمسُّهُ غيرُه ويجالسُ غيرَه، ويجالسُه غيرُه.
وموضع الاستدلال واضح من الأحاديث المذكورة في الباب، حيث قال: «إن المسلم لا ينجس». فدل على جواز مماسته ومجالسته.
٢٦٧ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا لَقِيَ الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِهِ مَاسَحَهُ وَدَعَا لَهُ، قَالَ: فَرَأَيْتُهُ يَوْمًا بُكْرَةً، فَحِدْتُ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَقَالَ: «إِنِّي رَأَيْتُكَ فَحِدْتَ عَنِّي». فَقُلْتُ: إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا فَخَشِيتُ أَنْ تَمَسَّنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ».
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه ثقة
حجة -١٠ - تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبي الكوفي نزيل الري ثقة ثبت -٨ - تقدم في ٢/ ٢.
٣ - (الشيباني) سليمان بن أبي سليمان، واسمه فيروز، ويقال: خاقان، ويقال: عمرو، الشيباني مولاهم الكوفي، وقيل: مولى ابن عباس، والأول أصح. روى عن عبد الله بن أبي أوفى، وزرّ بن حبيش وأشعث بن أبي الشعثاء، وبكير بن الأخنس، وجبلة بن سحيم، وحبيب ابن أبي ثابت، وأبي بردة بن أبي موسى، وابنه سعيد بن أبي بردة، وأبي الزناد، وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم.
وعنه ابنه إسحاق، وأبو إسحاق السبيعي -وهو أكبر منه- وعاصم الأحول -وهو من أقرانه- وإبراهيم بن طهمان، وأبو إسحاق الفزاري، والثوري، وشعبة، والمسعودي، وعبد الواحد بن زياد، وهشيم، وغيرهم.
قال الجوزجاني: رأيت أحمد يعجبه حديث الشيباني، وقال: هو أهل أن لا ندع له شيئًا، وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة حجة، وقال أبو حاتم: ثقة صدوق صالح الحديث، وقال النسائي: ثقة، وقال العجلي: كان ثقة من كبار أصحاب الشعبي، وحكى الخطيب أن اسم أبيه مهران، وقال أبو بكر بن عياش: الشيباني فقيه الحديث، وقال ابن عبد البر: هو حجة ثقة عند جميعهم. مات سنة ١٢٩ وقيل: ١٣٨، وقيل: ١٣٩، وقيل: ١، أو ١٤٢. أخرج له الجماعة.
٤ - (أبو بردة) ابن أبي موسى الأشعري الكوفي قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقة -٣ - تقدم في ٣/ ٣.
٥ - (حذيفة) بن اليمان الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ٢/ ٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء متفق عليهم، وأنهم كوفيون إلا إسحاق فمروزي، ثم نيسابوري، وأن فيه الشيباني وهذا أول موضع ذكره في هذا الكتاب.
(تنبيه) الشيباني بفتح الشين المعجمة وسكون الياء التحتانية نسبة إلى قبيلة كبيرة من بكر بن وائل، وهو شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط. ينسب إليه خلق كثير من الصحابة، والتابعين، والأمراء، والفرسان، والعلماء في كل فن، وهو نسبة إلى جد أيضا، ونسبة إلى شيبان بن عاتك بطن من كندة. قاله في اللباب ج ٢ ص ٢١٩ - ٢٢٠. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن حذيفة) بن اليمان ﵁، أنه (قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا لقي الرجل من أصحابه) «من» بيانية (ماسحه) بلفظ المفاعلة، أي مسح ذلك الرجلَ، ومسحَ الرجل جسدَه الشريف، وإنما يفعل ذلك إيناسًا له وإظهارًا لمحبته إياه، وهذا من كريم أخلاقه - ﷺ - حسن معاشرته لأصحابه، ويفعل ذلك الرجل لقصد أن ينال بركة جسده الشريف، فقد كانت الصحابة ﵃ يتسابقون إلى ذلك، ففي حديث صلح الحديبية: «فوالله ما تنخم رسول الله - ﷺ - نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدُّون إليه النظر تعظيمًا له». الحديث أخرجه البخاري مطولا في باب الشروط في الجهاد، من كتاب الشروط.
(ودعا) النبي - ﷺ - (له) أي للرجل، وإنما لم يجعله من باب المفاعلة
كالسابق لأن الدعاء من جانبه - ﷺ - بخلاف المماسحة (فرأيته يوما .. بكرة) بضم الباء وسكون الكاف: أول النهار جمعها بُكَر مثل غرفة وغُرَف، وأبكار جمع الجمع، مثل رُطب، وأرطاب، وإذا أريد بكرة يوم بعينه منعت الصرف للتأنيث والعلمية. قاله في المصباح، والمراد هنا مطلق الغداة، بدليل قوله: يوما فلذا يصرف هنا، فلو قال مثلا: يوم الجمعة بكرة لم يصرف لما ذكر والمعنى أنه رأى النبي - ﷺ - في أول النهار (فحدت عنه) أي ملت، إلى جهة أخرى، يقال: حاد عن الشيء، يحيد حَيْدَةً وحيودًا: تنحَّى، وبَعُد، ويتعدى بالحرف، والهمزة، فيقال: حدت به، وأحدته، مثل ذهب، وذهبت به، وأذهبته. قاله في المصباح. وفي «ق»: حاد عنه يحيد حَيْدًا، وحيدانًا، ومَحيدًا، وحَيْدة، وحَيْدُودَة: مال. اهـ يعني أنه مال عن طريق النبي - ﷺ - لئلا يماسحه على عادته وهو جنب، ظنامنه أن الجنابة تنافي ذلك.
(ثم أتيته حين ارتفع النهار) أي بعد أن اغتسل (فقال) - ﷺ - مستفسرا عن سبب ميله عنه على غير عادته حيث إنه إذا لقيه أحد من أصحابه كان يماسحه، فترك حذيفة عادته في ذلك، فسأله عنه؟ فقال (إني رأيتك فحدت عني) أي تنحيت، وبَعُدت، وملتَ عن الطريق الذي سلكته، فما سبب ذلك؟ قال حذيفة (فقلت) جوابًا عن سؤاله، واعتذارًا إليه في هذا الفعل (إني كنت جنبًا) تقدم أن الجنب وصف يستوي فيه المذكر، والمؤنث، والمثنى، والجمع وربما يطابق علي قلة (فخشيت) بفتح الخاء، وكسر الشين، يقال: خشي يخشى، كرضي يرضى، خشية: خاف، فهو خَشْيَان، والمرأة خَشْيا، مثل غضبان، وربما قيل: خشيت بمعنى علمت. اهـ المصباح.
والمعنى أنه يقول: خفت (أن تمسني) على عادتك وأنا على هذه الحالة ظنا منه أن الجنب لا يصلح لماسته - ﷺ - نجاسته (فقال رسول الله - ﷺ -)
موضحا له عدم كون الجنابة نجسًا يمنع من مماسته (إن المسلم لا ينجس) بفتح الجيم وضمها، يقال: نجس الشيءُ نجسا فهو نجس، من باب تعب: إذا كان قذرًا غير نظيف، ونجَس ينجُس، من باب قتل، لغة. قال بعضهم: ونجس: خلاف طهر، ومشاهير الكتب ساكتة عن ذلك، وقد يكون القذر نجاسة، فهو موافق لهذا. أفاده في المصباح وفي «ق» النجس، بالفتح وبالكسر وبالتحريك، وككتف وعضد: ضد الطاهر، وقد نجس: كسمع، وكرم، وأنجسه، ونجَّسه، فتنجس. اهـ.
والمعنى أن المؤمن لا تصير ذاته نجسة بسبب هذا الحدث الذي حل في بدنه، لأنه وصف حكمي رتبه الشارع على البدن، ولا يتأثر به بدن المؤمن أكثر من الحكم عليه بالمنع مما تمنع الجنابة منه شرعا، فالمجالسة والمماسة لا تدخل في جملة ما مُنعَ لها.
وقال السندي ﵀: لا ينجس: أي الحدث ليس بنجاسة تمنع عن المصاحبة، وتقطع عن المجالسة، وإنما هو أمر تعبدي، أو المؤمن لا ينجس أصلا، ونجاسة بعض الأعيان اللاصقة بأعضائه أحيانا لا توجب نجاسة الأعضاء، نعم تلك الأعيان يجب الاحتراز عنها، فإذا لم تكن فما بقي إلا أعضاء المؤمن فلا وجه للاحتراز عنها، فكأنه قال: لو كانت هناك نجاسة لكانت تلك النجاسة في أعضاء المؤمن إذ ليس هناك عين نجسة لاصقة به، والمؤمن لا ينجس بهذه الصفة فلا نجاسة. اهـ والله أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث حذيفة ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له. أخرجه في هذا الباب ١٧٢/ ٢٦٧، ٢٦٨ وفي الكبرى ١٥١/ ٢٦٥ بهذا السند.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أما من رواية أبي بردة عنه فهو من أفراد المصنف كما أشار إليه المزي، وقد أخرجه (م د ق) من رواية أبي وائل عنه كما هو الطريق الآتي للمصنف. فأخرجه (م) في الطهارة عن أبي بكر، وأبي كريب، كلاهما عن وكيع، و(د) فيه عن مسدد، عن يحيى بن سعيد، كلاهما عن مسعر، عن واصل بن حيان الأحدب، عنه به. و(ق) عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن سعيد به. وأخرجه أحمد، والبيهقي.
المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من الحديث جواز مماسة الجنب،
ومجالسته، وهو محل الترجمة للمصنف، وما كان عليه الصحابة ﵃ من تعظيمه - ﷺ -، وإكرامهم له، وما كان عليه هو من تفقده لأحوالهم، فينبغي لكبير القوم أن يتفقد أتباعه، ويعتني بأحوالهم، ويسأل عما يصدر منهم ليرشدهم إلى ما فيه صلاحهم، ويعلمهم ما يجهلون من أمرهم.
قال بعض الأدباء (من الطويل):
وَمنْ عَادَة السَّادَات أنْ يَتَفَقَّدُوا … أصَاغرَهمْ وَالمُكْرُمَاتُ عَوَائدُ
سُلَيْمَانُ ذُو مُلْك تَفَقَّدَ طائِرًا … وكَانَتْ أقَلَّ الطَّائِراتِ الهَدَاهِدُ
وفيه عدم نجاسة بدن المسلم بحال من الأحوال، وإن تنجس بدنه أو بعض منه فهي نجاسة عارضة تزول، وتمسك بمفهومه من قال بنجاسة الكافر، وسيأتي تحقيق القول فيه إن شاء الله. وفيه أن العالم إذا رأى من تابعه خلاف الصواب أرشده، وبَيَّن له الحكم، وفيه جواز تأخير الغسل من الجنابة عن أول وقت وجوبه ما لم يخف خروج وقت صلاة، وأن الجنابة ليست من النجاسات التي يتنجس بها ملابسها. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.