ثم إنه لا منافاة بين هذه الرواية والرواية المتقدمة؛ لأنه يمكن الجمع بينهما بأنه حيث أهوى إليه حاد حذيفة بلا كلام، ثم لما جاء كلمه - ﷺ - في ذلك؟ فاعتذر إليه بقوله: إني كنت جنبًا .. الخ. والله تعالى أعلم.
٢٦٩ - أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ -وَهُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ-، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَقِيَهُ فِي طَرِيقٍ، مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ، فَانْسَلَّ عَنْهُ فَاغْتَسَلَ، فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ لَقِيتَنِي، وَأَنَا جُنُبٌ فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغْتَسِلَ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ».
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (حميد بن مسعدة) بن المبارك السامي الباهلي البصري صدوق -١٠ - تقدم في ٥/ ٥.
٢ - (بشر بن المفضل) الرقاشي أبو إسماعيل البصري ثقة ثبت -٨ - تقدم في ٦٦/ ٨٢.
٣ - (حميد) بن أبي حميد- تير، وقيل: تيرويه البصري ثقة عابد مدلس -٥ - تقدم في ٨٧/ ١٠٨.
٤ - (بكر) بن عبد الله المزني أبو عبد الله البصري ثقة ثبت جليل -٣ - تقدم في ٨٧/ ١٠٧.
٥ - (أبو رافع) الصائغ نفيع المدني نزيل البصرة ثقة ثبت مشهور بكنيته -٣ - تقدم في ١٢٩/ ١٩١.
٦ - (أبو هريرة) الدوسي الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ١/ ١.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنها من سداسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وحميد وثقه
المصنف، وكلهم بصريون إلا الصحابي فمدني، وفيه ثلاثة من التابعين يروى بعضهم عن بعض، حميد، وبكر، وأبو رافع، وفيه أبو هريرة أكثر الصحابة رواية، روى -٥٣٧٤ - حديثًا، وفيه قوله: وهو ابن المفضل، وقد تقدم البحث عنه غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁ (أن النبي - ﷺ - لقيه في طريق من طرق المدينة، وهو جنب) جملة حالية من المفعول (فانسل عنه) أي ذهب عن النبي - ﷺ - في خُفْية، قال ابن منظور ﵀: والانسلال المضيّ، والخروج من مضيق، أو زحام، وانسل، وتسلل: انطلق في استخفاء، ويقال: انسل فلان من بين القوم يَعْدُو: إذا خرج في خفية يَعْدُو. اهـ باختصار وتصرف.
ووفع عند البخاري: «فانخنست منه»، والانخناس الانقباض والرجوع، وما قارب ذلك المعنى، يقال: خنس لازمًا ومتعديًا، فمن
اللازم ما جاء في الحديث في ذكر الشيطان «فإنْ ذكر الله خَنَس» ومن المتعدي ما جاء في الحديث «وخنس إبهامه» أي قبضها.
وقيل: إنه يقال: أخنسه في المتعدي، وقد روي في هذه اللفظة: «فانبجست منه» بالجيم من الانبجاس، وهو الاندفاع، أي اندفعت عنه، ويؤيده قوله في حديث آخر: «فانسللت منه» وروي أيضًا «فانبخست منه»، من البخس وهو النقص، وقد استُبْعدَت هذه الرواية« ووُجِّهَت على بعدها بأنه اعتقد نقصان نفسه بجنابته عن مجالسته - ﷺ - أو مصاحبته مع اعتقاد نجاسة نفسه، هذا أو معناه. قاله ابن دقيق العيد ﵀ في الإحكام ج ١ ص ٣٥٩ - ٣٦٢. بنسخة الحاشية.
(فاغتسل ففقده النبي - ﷺ -) أي عدمه، يقال: فقدته، فقدًا، من باب ضرب، وفُقْدانا بالكسر والضم: عَدمته، فهو فقيد ومفقود، وافتقدته مثله، وتفقدته طلبته. اهـ المصباح بزيادة.
والمعنى أنه - ﷺ - لم يجد أبا هريرة ﵁ بعدما أبصره عنده، لكونه ذهب يغتسل عن جنابته لاعتقاده أنه نجس بسببها (فلما جاء) من المكان الذي يغتسل فيه (قال) - ﷺ - مستفهما له عن سبب غيبته (أين كنت يا أبا هريرة، قال: يا رسول الله إنك لقيتني) أي صادفتني، يقال: لقيته ألقاه، من باب تحب، لُقيًا بالضم، والأصل على فعول، فاجتمعت الواو والياء فقلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء، ولُقىً بالضم مع القصر، ولقاء- بالكسر مع المد والقصر، وكل شيء استقبل شيئًا، أو صادفه، فقد لقيه، ومنه لقاء البيت: استقباله اهـ المصباح بزيادة.
(وأنا جنب) جملة حالية من الضمير المفعول في «لقيتني» (فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل) وعند البخاري «وأنا على غير طهارة»، وإنما فعل أبو هريرة هذا لأنه - ﷺ - كان إذا لقي أحدًا من أصحابه ماسحه
ودعا له، كما تقدم في حديث حذيفة ﵁، فظن أنه يفعل معه ذلك، وهو على غير طهارة في ظنه (فقال) - ﷺ - تعجبا من خفاء هذا الحكم عليه (سبحان الله) «سبحان» علم للتسبيح كعثمان علم للرجل، وقال الفراء: منصوب على المصدر، كأنك قلت: سبحت الله تسبيحًا، فجعل سبحان في موضع التسبيح، وهو منصوب بفعل محذوف وجوبًا.
قال ابن الأنباري: معناه: سبحتك تنزيها لك يا ربنا من الأولاد والصاحبة والشركاء، أي نزهناك من ذلك، وقال القزاز: معناه: بَرَّأتُ الله تعالى من السوء، وقال أبو عبيدة: نسبح لك، ونحمدك، ونصلي
لك، وقال الزمخشري في أساس البلاغة: سبحت الله، وسبحت له، وكثرت تسبيحاته، وتسابيحه. وفي المغيث لأبي موسى المديني: سبحان الله قائم مقام الفعل، أي أسبحه وسبحت، أي لفظت سبحان الله، وقيل: معناه أتسرع إليه، وألحقه في طاعته، من قولهم: فرس سابح، وذكر النضر بن شميل: أن معناه السرعة إلى هذه اللفظة؛ لأن الإنسان يبدأ فيقول: سبحان الله. أفاده العيني في عمدته ج ٣ ص ٢٣٨ - ٢٣٩.
واستعماله في مثل هذا الموضع يراد به التعجب، ومعنى التعجب هنا أنه كيف يخفى مثل هذا الظاهر عليه (إن المؤمن لا ينجس) تقدم الكلام على هذه الجملة في حديث حذيفة ﵁. والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه المصنف هنا ١٧٢/ ٢٦٩، وفي الكبرى -١٥١/ ٢٦٣ - بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) في الطهارة عن علي بن
عبد الله، عن يحيى بن سعيد، وعن عياش بن الوليد، عن عبد الأعلى، كلاهما عن حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المزني، عن نفيع الصائغ عنه.
وأخرجه (م) فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل بن علية، وعن زهير بن حرب، عن يحيى بن سعيد، كلاهما عن حميد الطويل به. وأخرجه (د) فيه عن مسدد، عن يحيى بن سعيد، وبشر بن المفضل، كلاهما عن حميد به. وأخرجه (ت) فيه عن إسحاق بن منصور، عن يحيى بن سعيد به. وأخرجه (ق) فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن علية، عن حميد به. وأخرجه البيهقي. والله أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من هذا الحديث: ما ترجم له المصنف، وهو جواز مماسة الجنب، ومجالسته. وأن المؤمن لا ينجس سواء كان جنبا أو محدثا حيا أو ميتا وكذا سؤره، وعرقه، ولعابه، ودمعه، واستدل به ابن حزم وبقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] على نجاسة الكافر نجاسة عينية، وسيأتي تحقيق الخلاف في هذه المسألة في المسألة التالية إن شاء الله.
وفيه استحباب الطهارة عند ملابسة الأمور المعظمة لأن محل الإنكار على أبي هريرة قوله «وأنا على غير طهارة» لا قوله «فكرهت أن أجالسك» واستحباب احترام أهل الفضل، وتوقيرهم، ومصاحبتهم على أكمل الهيئات، وأحسن الصفات، وقد استحب العلماء لطالب العلم أن يحسن حاله عند مجالسة شيخه، فيكون متطهرًا متنظفًا بإزالة الشعوث المأمور بإزالتها، نحو قص الشارب، وقلم الأظفار، وإزالة الروائح الكريهة، وغير ذلك. قاله النووي. وفيه استحباب استئذان التابع للمتبوع إذا أراد أن يفارقه لقوله «أين كنت» فأشار إلى أنه كان ينبغي له أن
لا يفارقه حتى يعلمه، وفيه استحباب تنبيه المتبوع لتابعه على الصواب، وإن لم يسأله، وفيه جواز تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوبه، وبوب عليه ابن حبان «الرد على من زعم أن الجنب إذا وقع في البئر فنوى الاغتسال أن ماء البئر ينجس» واستدل به البخاري على طهارة عرق الجنب، لأن بدنه لا ينجس بالجنابة، فكذلك ما تحلب منه، وعلى جواز تصرف الجنب في حوائجه قبل اغتساله. قاله في الفتح. ج ١ ص ٤٦٥.
المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في طهارة المسلم حيا وميتا، وهل الكافر نجس، أم لا؟. قال النووي ﵀: هذا الحديث أصل عظيم في طهارة المسلم حيا وميتا، فأما الحي فطاهر بإجماع المسلمين حتى الجنين إذا ألقته أمه وعليه رطوبة فرجها، قال بعض أصحابنا: هو طاهر بإجماع المسلمين، قال: ولا يجيء فيه الخلاف المعروف في نجاسة رطوبة الفرج، ولا الخلاف المذكور في كتب أصحابنا في نجاسة ظاهر بيض الدجاج ونحوه، فإن فيه وجهين بناء على رطوبة الفرج. هذا حكم المسلم الحي، وأما الميت ففيه خلاف للعلماء، وللشافعي فيه قولان، الصحيح منهما أنه طاهر، ولهذا غسل، ولقوله - ﷺ -: «إن المسلم لا ينجس»، وذكر البخاري في صحيحه عن ابن عباس تعليقا: «المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا»، هذا حكم المسلم، وأما الكافر فحكمه في الطهارة والنجاسة حكم المسلم، هذا مذهبنا ومذهب الجماهير من السلف والخلف. وأما قول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فالمراد نجاسة الاعتقاد، والاستقذار، وليس المراد أن أعضاءهم نجسة، كنجاسة البول، والغائط ونحوهما، فإذا ثبت طهارة الآدمي مسلما كان أو كافرا فعرقه ولعابه ودمعه طاهرات، سواء كان محدثًا، أو جنبًا، أو حائضًا، أو نفساء، وهذا كله بإجماع المسلمين.
قال الجامع عفا الله عنه: في دعواه الإجماع بالنسبة للكافر نظر، فإن
مذهب الظاهرية أنه نجس العين كما سنذكره.
قال: وكذلك الصبيان أبدانهم وثيابهم ولعابهم محمولة على الطهارة حتى تتيقن النجاسة، فتجوز الصلاة في ثيابهم والأكل معهم من المائع إذا غمسوا أيديهم فيه، ودلائل هذا كله من السنة والإجماع مشهورة. والله أعلم. اهـ شرح مسلم- ج ٤ ص ٦٦.
وقال الحافظ في الفتح: تمسك بمفهومه -يعني حديث الباب- بعض أهل الظاهر.
قال الجامع عفا الله عنه: هو أبو محمَّد بن حزم الظاهري. فقال إن الكافر نجس العين، وقواه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وأجاب الجمهور عن الحديث بأن المراد أن المؤمن طاهر الأعضاء لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك لعدم تحفظه عن النجاسة، وعن الآية بأن المراد أنهم نجس في الاعتقاد والاستقذار، وحجتهم أن الله تعالى أباح نكاح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أن
عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن، ومع ذلك فلم يجب عليه من غسل الكتابية إلا مثل ما يجب عليه من غسل المسلمة، فدل على أن الآدمي الحي ليس بنجس العين إذ لا فرق بين النساء والرجال، وأغرب القرطبي في الجنائز من شرح مسلم فنسب القول بنجاسة الكافر إلى الشافعي. اهـ فتح ج ١ ص ٤٦٥.
وقال الصنعاني ﵀: ذهب قوم إلى أنه -يعني الميت- ينجس بالموت، ويطهر بالغسل، وآخرون إلى أنه لا يطهره الغسل، بل الغسل مجرد تعبد، وآخرون إلى أنه لا ينجس بالموت بل هو طاهر، وهذا الأخير أظهر الأقوال وألصقها بالصواب لعدم الأدلة على خلافه، إلا عمومات تحريم أكل الميتة، ولا ملازمة بين تحريم أكل والنجاسة، فإنه
يحرم أكله حيا، وهو طاهر الذات اتفاقا، والأصل بناؤه بعد الموت على ما كان عليه قبله. اهـ العدة ج ١ ص ٣٦٤.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يترجح عندي قول الجمهور، من أن الآدمي طاهر مطلقًا، مسلمًا كان أو كافرًا، للأدلة التي تقدمت، وأقواها جواز نكاح الكتابيات، وجواز أكل طعامهم، وربط النبي - ﷺ - ثمامة بن أثال الحنفي في مسجده حين أسر، وقد ترجم البخاري عليه «باب دخول المشرك المسجد» فأورد حديث أبي هريرة ﵁: «بعث رسول الله - ﷺ - خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد»، وسيأتي للمصنف «ربط الأسير بسارية المسجد» من كتاب المساجد برقم ٢٠/ ٧١٢، فدل هذا على طهارته، فلو كان نجسا لما أدخله المسجد، ولأمر الصحابة الذين ربطوه بغسل أعضائهم لمسه، وأما آية: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] فمحولة على نجاسة الاعتقاد كما تقدم، توفيقًا بين الأدلة. والله أعلم.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».