مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه في هذا الباب -١٧٣/ ٢٧٠ - بهذا السند فقط، ولم يخرجه في الكبرى.
المسألة الثالثة فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) في الطهارة عن زهير بن حرب، وأبي كامل الجحدري، ومحمد بن حاتم ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة رضي
الله عنه.
وبقية المسائل تأتي في الحديث التالي، إن شاء الله تعالى. والله أعلم.
٢٧١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ (ح) وَأَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ». قَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَيْسَتْ حَيْضَتُكِ فِي يَدِكِ».
رجال هذا الإسناد: ثمانية
١ - (قتيبة بن سعيد) البغلاني ثقة ثبت -١٠ - تقدم في ١/ ١.
٢ - (عَبيدة) بفتح العين وكسر الباء- بن حُمَيد -بالتصغير- الكوفي أبو عبد الرحمن النحوي الحَذَّاء صدوق ربما أخطأ من -٨ - تقدم في ١٣/ ١٣.
٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي ثقة ثبت -٥ - تقدم في ١٧/ ١٨.
٤ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المعروف بابن راهويه المروزي نزيل نيسابور ثقة تقدم في ٢/ ٢.
٥ - (جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي نزيل الري ثقة ثبت تقدم في ٢/ ٢.
٦ - (ثابت بن عبيد) الأنصاري الكوفي مولى زيد بن ثابت، روى عن مولاه، وابن عمر، وأنس، والبراء، وعبد الله بن مغفل، وكعب بن عجرة، والمغيرة بن شعبة، وعبيد بن البراء، والقاسم بن محمَّد، وأبي جعفر الأنصاري. وعنه الأعمش، وحجاج بن أرطاة، والثوري، ومسعر، وعبد الملك بن أبي غنية، ومحمد بن شيبة بن نعامة الضبي، وابن أبي ليلى، وغيرهم. وثقه أحمد، ويحيى، والنسائي، وفرق أبو حاتم بين ثابت بن عبيد الأنصاري، وبين ثابت بن عبيد مولى زيد بن ثابت. روى عن اثني عشر رجلا من الصحابة في الإيلاء وعنه عبد ربه بن سعيد، وقال فيه: صالح الحديث. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير
الحديث، وقال الحربي: هو من الثقات، وذكره ابن حبان في الثقات، وفرق بينهما كما فرق أبو حاتم الرازي، ثم ذكر الذي روى عن القاسم وعنه الأعمش. أخرج له البخاري في الأدب المفرد، والباقون. اهـ «تت» ج ٢ ص ١١.
٧ - (القاسم بن محمَّد) بن أبي بكر الصديق أحد الفقهاء السبعة الفقيه، ثقة فاضل -٣ - تقدم في ١٢٠/ ١٦٦.
٨ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. والله أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، إلا عَبيدَة فصدوق ربما أخطأ، وكلهم أخرجوا لهم إلا عبيدة فما أخرجه له (م) وثابتا فما أخرج له (خ) في الصحيح، وهذا الموضع أول ذكره في هذا الكتاب، وفيه كتبت (ح) وهي للتحويل كما تقدم غير مرة، فقد حول إسناده عن قتيبة إلى إسحاق بن إبراهيم، وفيه القاسم بن محمَّد أحد الفقهاء السبعة، يروي عن عمته عائشة ﵂، وهي ممن أكثر الرواية، فقد روت -٢٢١٠ - من الأحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة ﵂) أنها (قالت: قال رسول الله - ﷺ -: ناوليني) أي أعطيني (الخمرة) بضم الخاء المعجمة، على وزن غُرْفَة: حصير صغير قدر ما يسجد عليه. قاله في المصباح. وقال الخطابي: هي السَّجَّادة التي يسجد عليها المصلي، ويقال: سميت بها لأنها تخمر وجه
المصلي عن الأرض، أي تستره. اهـ.
وقال ابن منظور: والخُمْرة: حصيرة، أو سَجَّادة صغيرة، تنسج من
سَعَف النخل، وتُرَمَّل بالخيوط، وقيل حصيرة أصغر من المُصَلَّى، وقيل: الخمرة: الحصير الصغير الذي يُسجَد عليه، وفي الحديث: أن النبي - ﷺ - كان يسجد على الخمرة. وهو حصير صغير قدر ما يسجد عليه ينسج من السَّعَف، قال الزجاج: سميت خمرة لأنها تستر الوجه من الأرض، وفي حديث عائشة، قال لها، وهي حائض، «ناوليني الخمرة» وهي مقدار ما يضع الرجل عليه وجهه في سجوده من حصير أو نسيجة خُوص ونحوه من النبات، قال: ولا تكون خمرة إلا في هذا المقدار، وسميت خمرة لأن خيوطها مستورة بسَعَفهَا.
قال ابن الأثير: وقد تكررت في الحديث، وهكذا فسرت، وقد جاء في سنن أبي داود عن ابن عباس، قال: «جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة، فجاءت بها فألقتها بين يدي رسول الله - ﷺ - على الخمرة التي كان قاعدًا عليها، فأحرقت منها مثل موضع درهم» قال: وهذا صريح في إطلاق
الخمرة على الكبير من نوعها. اهـ لسان.
(من المسجد) اختلف في متعلقه، فذهب بعضهم إلى أنه يتعلق بـ «قال»، أي قال لها النبي - ﷺ - قولا مبتدأ من المسجد، وإلية ذهب القاضي عياض، وقال: معناه أن النبي - ﷺ - قال لها من المسجد، أي وهو في المسجد لتناوله إياها من خارج المسجد، لا أن النبي - ﷺ - أمرها أن تخرج الخمرة من المسجد؛ لأنه كان معتكفا في المسجد، وكانت عائشة في حجرتها، وهي حائض، لقوله - ﷺ -: «إن حيضتك ليست في يدك»، فإنها خافت من إدخال يدها المسجد، ولو كان أمرها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنى.
وذهب بعضهم إلى أنه متعلق بناوليني، وبه قال الخطابي، والأكثرون، وهو الذي ترجم عيه الأئمة: أبو داود حيث قال: «باب الحائض تناول
من المسجد»، والترمذي حيث قال: «باب ما جاء في الحائض تتناول الشيء من المسجد» وابن ماجه، حيث قال: «باب الحائض تتناول الشيء من المسجد» ثم أوردوا حديث عائشة هذا دليلًا على الحكم، فدل على أن المعنى عندهم أنها ناولته الخمرة التي داخل المسجد، لكونها قريبة من الباب تصل إليها يدها، وهي في الحجرة.
قال الجامع عفا الله عنه: كونه متعلقًا بـ«ناوليني» هو الواضح الذي لا خفاء فيه.
قال بعض المحققين والحامل للقاضي عياض فيما ذهب إليه هو ما رواه مسلم، والنسائي عن أبي هريرة ﵁، قال: «بينما رسول الله - ﷺ - في المسجد إذ قال: يا عائشة ناوليني الثوب» الحديث، فحمل هذا الحديث، وحديث عائشة هذا على اتحاد الواقعة، وهو غير لازم، بل تعدد الواقعة هو الظاهر. اهـ.
قال الجمامع عفا الله عنه: وما ذكره بعضهم احتمالا: أن المراد ادخلي المسجد، وأعطيني إياها من غير مكث ولا تردد فيه، لحل هذا للحائض إذا أمنت التلويث بعيد كُلَّ البعد عن مقتضى حديث عائشة ﵂، يبطله قوله: «ليست حيضتك في يدك» فإنه صريح أنه ما أراد إلا إدخال يدها فقط. فتبصر، والله الموفق إلى سواء السبيل.
(قالت: إني حائض) أي لست ممن يحل دخول جزء منه المسجد لظنها أن جميع أجزائها لا يدخل فيه (فقال رسول الله - ﷺ -) ردًا على هذا الظن (ليست حيضتك في يدك) الحيضة بفتح الحاء المهملة: المرّة الواحدة من دُفَع الحيض، وبالكسر اسم الهيئة من الحيض، وهي الحالة التي تلزمها الحائض من التجنب والبعد عما لا يحل للحائض، كالجلسة والقعدة من الجلوس، والقعود، والأول هو الصحيح المشهور في الرواية
كما قاله النووي، وهو المناسب من جهة المعنى، فإن سيلان الدم والدفعة منه ليس في اليد، بخلاف الهيئة، فإنها قائمة بجميع الذات، بدليل أنها لا يجوز لها مس المصحف.
وقال الخطابي: الحدثون يقولونها بفتح الحاء، وهو خطأ، وصوابها بالكسر، أي الحالة والهيئة. اهـ وأنكر القاضي عياض هذا على الخطابي، وقال: الصواب هنا ما قاله المحدثون من الفتح، لأن المرد
الدم، وهو الحيض بالفتح بلا شك، لقوله طمس: «ليست في يدك»، ومعناه أن النجاسة التي يصان المسجد عنها، وهي دم الحيض ليست في يدك، وهذا بخلاف حديث أم سلمة «فأخذت ثياب حيضتي» فإن الصواب فيه الكسر. هذا كلام القاضي. قال النووي: وهذا الذي اختاره من الفتح هو الظاهر، ولما قاله الخطابي وجه. اهـ ..
قال في المنهل: والوجه الذي أشار إليه النووي وهو أن عائشة ﵂ كانت تعلم أنه ليس في يدها نجاسة الحيض التي يصان عنها المسجد، وما امتنعت عن إدخال يدها في المسجد إلا لعلمها أن الحالة العارضة لها من الحيض قد حلت في يدها، ولذا أجابها النبي - ﷺ - بأن هذه الحالة التي هي كونها حائضا إنما عرضت لها باعتبار مجموعها لا باعتبار أجزائها، فلا يقال لليد حائضة حتى يصان عنها المسجد. اهـ ج ٣ ص ٤١. ثم ذكر المصنف ﵀ لهذ الحديث طريقًا آخر إلى
الأعمش، فقال:
٢٧٢ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
ورواته كلهم تقدموا غير مرة، فإسحاق بن إبراهيم، والأعمش تقدما في السند الماضي، وأبو معاوية، هو محمَّد بن خازم الضرير الكوفي ثقة ثبت من كبار -٩ - تقدم في ٢٦/ ٣٠.
وأراد المصنف بهذا أنه روى حديث الأعمش بهذين الطريقين طريق قتيبة، وطريق إسحاق، فقدله: بهذا الإسناد، أي الإسناد المتقدم للأعمش، وقوله مثله، أي مثل المتن السابق، يعني أن متن الطريق الثاني مثل متن الطريق الأول لفظا ومعنًى، وهذا بخلاف قوله: نحوه فإنه يكون موافقا له في المعنى دون اللفظ.
قال أبو عبد الله الحاكم ﵀: إن مما يلزم الحديثيّ من الضبط والإتقان أن يفرق بين «(مثله» و«نحوه»، فلا يحل أن يقول: «مثله» إلا إذا اتفقا في اللفظ، ويحل أن يقول «نحوه» إذا كان بمعناه. اهـ.
قال السيوطي في ألفيته:
الحَاكِمُ اخْصُصْ نَحْوَهُ بالمَعْنَى … وَمثْلَهُ باللَّفْظ فَرْق يُعْنَى
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ١٧٣/ ٢٧١، ٢٧٢ بهذه الأسانيد، وفي كتاب الحيض ١٨/ ٣٨٤، بالأسانيد المذكورة هنا. وفي الكبرى -١٥٢/ ٢٦٦ - عن إسحاق بن إبراهيم بإسناديه. لكن النسخة المطبوعة فيها خطأ، فقد وقع فيها عن ثابت، عن عبيد، والصواب ما في المجتبى عن ثابت بن عبيد، فتنبه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م) في الطهارة عن يحيى بن
يحيى، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، ثلاثتهم عن أبي معاوية، عن الأعمش. وعن أبي كريب، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن حجاج ابن أرطاة، وعبد الملك بن أبي غنية، ثلاثتهم عن ثابت بن عبيد، عن القاسم، عنها. وأخرجه (د) فيه عن مسدد، عن أبي معاوية به.
وأخرجه (ت) فيه عن قتيبة، عن عَبيدة بن حُميد، عن الأعمش به، وقال حسن، وأخرجه (ق) عن طريق البَهِيِّ عنها. وأخرجه أحمد، والبيهقي. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده: يستفاد من حديثي الباب ما ترجم له المصنف، وهو استخدام الحائض، وجواز تناولها بيدها شيئًا من المسجد وخدمة المرأة زوجها، وفيه استعمال السَّجَّادة في المسجد.
قال الخطابي ﵀: في الحديث من الفقه: أن من حلف لا يدخل دارًا أو مسجدًا أو نحو ذلك لا يحنث بإدخال يده فيه، أو بعض جسده، ما لم يدخله بجميع بدنه. اهـ. والله تعالى أعلم.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».