١٨١ - باب تأويل قول الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾
أي هذا باب ذكر الحديث الذي يشرح هذه الآية، فإن الأحاديث شارحة للقرآن، وقد تقدم معنى التأويل في الباب الأول من هذا الكتاب ١/ ١.
٢٨٨ - أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَتِ الْيَهُودُ إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ مِنْهُمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهُنَّ، وَلَمْ يُشَارِبُوهُنَّ، وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، فَسَأَلُوا نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ الآيَةَ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُؤَاكِلُوهُنَّ، وَيُشَارِبُوهُنَّ، وَيُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، وَأَنْ يَصْنَعُوا بِهِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَا خَلَا الْجِمَاعَ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظلي المعروف بابن راهويه ثقة ثبت حجة -١٠ - تقدم في ٢/ ٢.
٢ - (سليمان بن حرب) بن بجَيل الأزدي الواشحي، أبو أيوب البصري، وواشح من الأزد، سكن مكة وكان قاضيها.
روى عن شعبة، ومحمد بن طلحة بن مصرف، ووهيب بن خالد، وحوشب بن عقيل، والحمادين، ويزيد بن إبراهيم التستري، وجرير بن حازم، وسَلام بن أبي مطيع، وبسطام بن حريث، ومبارك بن فَضَالة، وغيرهم.
وعنه البخاري، وأبو داود، وروى له الباقون بواسطة أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي داود، وسليمان بن مَعْبَد السبخي، وأحمد بن سعيد الدارمي، وإسحاق بن راهويه، والحسن بن علي الخَلال، وعلي بن نصر الجهضمي، وعمرو بن علي الفلاس، وغيرهم، وحدث عنه يحيى القطان، وهو أكبر منه، والحميدي، ومات قبله، وجماعة آخرون، آخرهم أبو خليفة الفضل بن الحُبَاب الحَجَبيّ.
قال أبو حاتم: إمام من الأئمة، كان لا يدلس، ويتكلم في الرجال، وفي الفقه، وليس بدون عَفَّان، ولعله أكبر منه، وقد ظهر من حديثه نحو من عشرة آلاف حديث، وما رأيت في يده كتابا قط، وهو أحب إلى من أبي سلمة في حماد بن سلمة، وفي كل شيء، ولقد حضرت مجلس سليمان بن حرب ببغداد فحزروا من حضر مجلسه أربعين ألف رجل، فأتينا عفان فقال: ما حدثكم أبو أيوب، فإذا هو يعظمه، وقال أبو حاتم أيضا: كان سليمان بن حرب قل من يرضى من المشايخ، فإذا رأيته قد روى عن شيخ فاعلم أنه ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: سمعت
سليمان بن حرب يقول: طلبت الحديث سنة ٨٥، ولزمت حماد بن زيد ١٩ سنة، قال: وسمعته يقول: أعقلُ موتَ ابن عون، ولي قضاء مكة سنة ٢١٤، بإشارة يحيى بن أكثم على المأمون بذلك، وُعزل عنها سنة ٢١٩، قال الخطيب: كان يروي الحديث على المعنى، فيغير ألفاظه، قال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ثبتا صاحب حفظ، ووثقه ابن خرَاش، قال النسائي: ثقة مأمون، ولد سنة، ١٤٠، ومات سنة، ٢٢٤، وقيل: ٢٢٧، والصحيح الأول، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن خراش: ثقة مأمون، قال في الزهرة: روى البخاري عنه ١٢٧ حديثًا.
٣ - (حماد بن سلمة) بفتح اللام - بن دينار البصري، أبو سلمة مولى تميم، ويقال مولى قريش، وقيل غير ذلك.
روى عن ثابت البناني، وقتادة، وخاله حميد الطويل، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وأنس بن سيرين، وأبي الزبير، وعمرو بن دينار وغيرهم.
وعنه ابن جريج، والثوري، وشعبة، وهم أكبر منه، وابن المبارك، وابن مهدي، والقطان، وأبو داود، وأبو الوليد الطيالسيان، وسليمان ابن حرب، وأبو سلمة التبوذكي، وغيرهم.
قال أحمد: حماد بن سلمة أثبت في ثابت من معمر، وقال أيضا: الحمادان ما منهما إلا ثقة، وعن أحمد أيضا: أنه أسند أحاديث عن أيوب لا يسندها الناس عنه، وقيل فيه: إنه أعلم الناس بحديث حميد الطويل، وهو خاله كما تقدم، ووثقه ابن معين، وقال: مَنْ خالف حماد بن سلمة في حديث ثابت فالقول قول حماد، قال ابن المديني: إنه من أثبت أصحاب ثابت، وقال ابن مهدي: أحسن ملكة نفسه ولسانه، فلم يطلقه على أحد حتى مات، ووثقه العجلي، والنسائي، وابن سعد،
وقال: كان كثير الحديث، قال الساجي: كان حافظا ثقة مأمونا، وقال ابن المديني: من تكلم في حماد بن سلمة فاتهموه في الدين، وثناء الأئمة عليه كثير، مات سنة ١٦٧ أخرج له الجماعة.
٤ - (ثابت) بن أسلم أبو محمَّد البناني البصري، ثقة عابد [٤] تقدم في ٤٥/ ٥٣.
٥ - (أنس) بن مالك الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ٦/ ٦.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، وكلهم بصريون، إلا شيخه فمروزي ثم نيسابوري، وفيه أنس أحد المكثرين السبعة روى ٢٢٨٦ حديثا.
شرح الحديث
(عن أنس) بن مالك ﵁ (قال: كانت اليهود) بالدال المهملة اسم للقبيلة، وقيل: إنما اسم هذه القبيلة يهوذا -يعني بالذال المعجمة- فعُرّبَ بقلب الذال دالا، قال ابن سيده: وليس هذا بقوي، قاله في اللسان، وقال في المصباح: ويقال: هم يهود غير منصرف للعلمية ووزن الفعل، ويجوز دخول الألف والسلام، فيقال: اليهود، وعلى هذا فلا يمتنع التنوين لأنه نقل عن وزن الفعل إلى باب الأسماء والنسبة إليه يهودي، وقيل: اليهودي نسبة إلى يهود ابن يعقوب ﵇، هكذا أورده الصغاني يهودا في باب المهملة. اهـ.
(إذا حاضت المرأة منهم لم يؤكلوهن، ولم يشاربوهن) أي لم يأكلوا معهن تقذرا، فقوله: يؤاكلوهن بضمير جمع الإناث في المواضع الثلاث
وعند أبي داود بضمير المفرد في كلها، وعند مسلم: «لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن» والكل صحيح، فأما الإفراد فظاهر، وأما الجمع فلأن المراد بالمرأة جنسها (ولم يجامعوهن في البيوت) أي لم يخالطوهن، ولم يساكنوهن في المحل الواحد، وليس المراد مجامعتهن في الفرج.
(فسألوا النبي - ﷺ -) أي الصحابة، وليس الضمير يعود إلى اليهود، ولمسلم «فسأل أصحاب النبيّ - ﷺ -»، وذكر الطبري عن السدي أن السائل ثابت بن الدَّحْدَاح، والله أعلم، وأما قول من قال: إن السائل هو عباد بن بشر، وأسيد بن حضير، كما عزاه القرطبي للأكثرين، فغير واضح لأنهما سألا بعد نزول الآية، وقول اليهود اعتراضا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، اللهم إلا أن يقال إنهما سألا مرتين.
فالظاهر أن السائل جماعة من الصحابة، كما تقدم في رواية مسلم، والله أعلم.
(عن ذلك) أي عما يفعله اليهود من إبعاد النساء عنهن كل الإبعاد (فأنزل الله ﷿) جوابا لهذا السؤال ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ البقرة الآية -٢٢١ - أي الحيض، فالمحيض مصدر ميمي، أي عن حكم الاستمتاع بالنساء زمنَ الحيض، وقال النووي ﵀: المحيض الأول المراد به الدم، والثاني فاختلف فيه، فمذهبنا أنه الحيض، ونفس الدم، وقال بعض العلماء: هو الفرج، وقال الآخرون: هو زمن الحيض. اهـ شرح مسلم جـ ٣ ص ٢١١.
(قل هو أذى) أي المحيض -يعني الدم السائل- لا بمعنى السيلان: قذر، ففيه استخدام، والأذى ما يتأذى به الإنسان، وكان دم الحيض أذى لقبح لونه، ورائحته، ونجاسته، وإضراره، والتنكير فيه للقلة،
كما قال البغوي، أي أذى يسير لا يتجاوز الفرج وما قاربه، فلا يتأذى به إلا من جامعها، زوج، أو سيد، دون من آكلها أو ساكنها. قاله في المنهل جـ ٣ ص ٣٦.
(الآية) يحتمل النصب على أنه مفعول لفعل محذوف، أي اقرأ الآية بتمامها، ويحتمل الرفع بتقدير: الآيةُ تُقرَأ بتمامها، ويحتمل الجر بتقدير: اقرأ إلى آخر الآية.
(فأمرهم رسول الله - ﷺ - أن يؤاكلوهن ويشاربوهن ويجامعوهن في البيوت) أي يخالطوهن في البيوت بالمجالسة والمؤاكلة والمشاربة (وأن يصنعوا بهن كل شيء) من أنواع الاستمتاع كالمباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة، والقبلة، والمعانقة واللمس وغير ذلك (ما خلا الجماع)
وعند مسلم «إلا النكاح» ورواية المصنف مفسرة للمراد، ويكون من إطلاق اسم السبب على المسبب لأن عقد النكاح سبب الجماع.
وسيأتي الحديث للمصنف برقم ٣٦٩، بأطول من هذا، وسيأتي تمام الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».