بالثوب، وغسله بماء وسدر مبالغة في الإنقاء، وقطع أثره، وأن الماء متعين للإزالة، وسيأتي أقوال العلماء في المسألة في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
٢٩٣ - أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَتْ تَكُونُ فِي حِجْرِهَا: أَنَّ امْرَأَةً اسْتَفْتَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ؟ فَقَالَ: «حُتِّيهِ، ثُمَّ اقْرُصِيهِ بِالْمَاءِ، ثُمَّ انْضَحِيهِ، وَصَلِّي فِيهِ».
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (يحيى بن حبيب بن عربي) البصري ثقة -١٠ -، تقدم في ٦٠/ ٧٥.
٢ - (حماد بن زيد) البصري، ثقة ثبت -٨ -، تقدم ٣/ ٣.
٣ - (هشام بن عروة) المدني، ثقة فقيه -٥ -، تقدم في ٤٩/ ٦١.
٤ - (فاطمة بنت المنذر) بن الزبير الأسديّة زوج هشام بن عروة، وابنة عمه المنذر، رَوَت عن جدتها أسماء بنت أبي بكر، وأم سلمة زوج النبي - ﷺ -، وعمرة بنت عبد الرحمن، وعنها زوجها هشام، ومحمد بن سوقة، ومحمد بن إسماعيل بن يسار، وقال العجلي: ثقة، قال هشام: كانت أكبر مني بثلاث عشرة سنة فيكون مولدها سنة ٤٨، وذكرها ابن حبان في الثقات وفي «ت» ثقة -٣ - . أخرج لها الجماعة.
٥ - (أسماء بنت أبي بكر) زوج الزبير بن العوام.
روت عن النبي - ﷺ -، وعنها ابناها عبد الله، وعروة ابنا الزبير، وأحفادها عباد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير، وعمه عباد بن عبد الله، وعبد الله بن عروة بن الزبير، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير، ومولاها عبد الله بن كيسان، وصفية بنت شيبة، وعبد الله بن عباس، ومسلم المعري، وأبو نوفل بن أبي عقرب، وعبد الله بن أبي مليكة، ووهب بن كيسان وغيرهم.
وكانت تسمى ذات النطاقين، قال الأسود بن سفيان عن أبي نوفل بن أبي عقرب، قالت أسماء للحجاج: كيف تعيره -تعني ابنها عبد الله- بذات النطاقين؟ أجل قد كان لي نطاق لابد للنساء منه، ونطاق أُغَطّي به طعام رسول الله - ﷺ -. وقال هشام بن عروة عن أبيه: كانت أسماء قد بلغت مائة سنة لم يسقط لها سن، ولم يُنكَر لها عقل، وقال ابن إسحاق: أسلمت بعد سبعة عشر إنسانا، وهاجرت إلى المدينة وهي حامل بابنها عبد الله، وماتت بمكة بعد قتله بعشرة أيام، وقيل بعشرين يوما، وذلك في جمادى الأولى سنة ٧٣ أخرج لها الجماعة.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات أجلاء، وأنهم مدنيون إلا يحيى، وحمادا فبصريان، وفيه رواية الرجل عن زوجته، والبنت عن أمها، وهي جدتهما معا، وتابعي، عن تابعية، عن صحابية.
شرح الحديث
(عن فاطمة بنت المنذر، عن) جدتها (أسماء بنت أبي بكر) ﵄ (وكانت) أي فاطمة (تكون) قال السندي: «تكون» زائدة.
قال الجامع عفا الله عنه: بل الأولى أنها تامة، لأن زيادتها بلفظ المضارع شاذ، وإنما الفصيح زيادتها بلفظ الماضي كما قال ابن مالك:
وَقَدْ تُزَادُ كَانَ في حَشْو كَمَا … كَانَ أصَحَّ علْمَ مَنْ تَقَدَّمَا
ومعنى «تكون»: توجد، وتعيش (في حجْرها) أي حجر أسماء، حيث إنها جدتها أم أبيها.
وحجر الإنسان: بالفتح، وقد تكسر: حضنه، وهو ما بين إبطه إلى الكشح، وهو في حجره أي كفالته وحمايته، والجمع حجور .
والمعنى أن فاطمة كانت تعيش في كفالتها وتربيتها (أن امرأة) قد وقع في رواية الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن هشام، في هذا الحديث: «أن أسماء هي السائلة». وأغرب النووي فضعف هذه الرواية بلا دليل، وهي صحيحة الإسناد، لا علة لها، ولا بعد في أن يُبهم الراوي اسم نفسه، كما وقع ذلك في حديث أبي سعيد الخدري في قصة الرقية بفاتحة الكتاب، وهو في البخاري وغيره، أفاده الحافظ .
قال الجامع عفا الله عنه: ويحتمل أن تكون السائلة هي أم قيس المتقدمة، ولا يبعد أن تتعدد الواقعة، فرواية الشافعي بينت واقعة، وهذه الرواية بينت واقعة أخرى والله أعلم.
(استفتت النبي - ﷺ -) أي طلبت منه الفتيا -بالضم- وهو بيان الأحكام (عن دم الحيض) أي عن حكمه (يصيب الثوب) جملة حالية من دم الحيض، لأن القاعدة أن الجُمَلَ بعد المعارف أحوال، وبعد النكرات صفات، ويحتمل أن تكون صفة له في محل جر على اعتبار إضافته جنسية، كما في قوله: (من الوافر)
وَلقَدْ أمُرُّ عَلَى اللَّئيم يَسُبُّني … فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ: لَا يَعْنيني
وعند البخاري: فقالت: أرأيت إحدانا تحيض في الثوب كيف
تصنع؟ (فقال:) جوابا عن سؤالها (حُتِّيه) فعل أمر مسند إلى المؤنثة الواحدة من حَتّ الشيء عن الثوب وغيره يَحُتُه حَتّا من باب نصر: فَرَكَه وقَشَره، فانحات، وتَحَاتَّ، وفي المنتهى الحت: حك الورق من الشجر والمني والدم ونحوهما من الثوب وغيره، هو دون النحت، وعن ابن طريف: حت الشيء: نقضه، وقيل: معناه: حكه. وكذا وقع في رواية ابن خزيمة، أفاده البدر العيني .
وقال ابن منظور: معناه: حُكّيه، وأزيليه، والحت، والحك، القشر سواء.
(ثم اقرصيه يالماء) أي اغسليه بأطراف الأصابع، مع عن الماء، فالباء بمعنى «مع» وقال الفّيومي: قَرَصْتُ الشيءَ، قَرْصًا، من باب «قتل»: لويت عليه بأصبعين. وقال الزمخشري: قَرصَه بظفريه: أخذ جلده بهما، فالقرص: الأخذ بأطراف الأصابع. وقال الجوهري: القرص: الغسل بأطراف الأصابع، وقيل: هو القَلْع بالظفر ونحوه .
وقال ابن منظور: القرص: الدلك بأطراف الأصابع والأظفار مع صب الماء عليه حتى يذهب أثره، والتقريص مثله، يقال: قَرَصْتُهُ، وقَرّصْتُهُ، وهو أبلغ في غسل الدم من غسله بجمع اليد .
وعند البخاري: «ثم تقرصه بالماء» قال الحافظ ﵀: قوله: «ثم تقرصه» بالفتح وإسكان القاف، وضم الراء والصاد المهملتين، كذا وقع في روايتنا، وحكى القاضي عياض وغيره فيه الضم وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة: أي تدلك موضع الدم بأطراف أصابعها ليتحلل بذلك، ويخرج ما تشربه الثوب منه .
وسئل الأخفش عنه، فضم أصبعيه الإبهام والسبابة، وأخذ شيئا من ثوبه بهما، وقال: هكذا تفعل بالماء في موضع الدم.
وورد في رواية ذكر الغسل مكان القرص، وروى ذلك الشيخ تقي الدين من رواية محمَّد بن إسحاق بن يسار، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء، قالت: سمعت رسول الله - ﷺ -، وسألته امرأة عن دم الحيف يصيب ثوبها، فقال لها: «اغسليه» وأخرجه الشافعي من حديث سفيان عن هشام، عن فاطمة، عن أسماء قالت: سألت رسول الله - ﷺ - عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال: «حتيه ثم اقرصيه بالماء، ورشيه وصلي فيه» وابن أبي شيبة بلفظ: «اقرصيه بالماء، واغسليه وصلي فيه» وأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجَهْ، وابن خزيمة، وابن حبان من حديث أم قيس بنت محصن: «أنها سألت رسول الله - ﷺ - عن دم الحيضة يصيب الثوب، فقال:»حكيه بضلَع، واغسليه بماء وسدر«قال ابن القطان: إسناده في غاية الصحة، ولا أعلم له علة .
قال الجامع: تقدم الكلامُ مستَوفى قبل حديث أسماء برقم [٢٩٢].
(ثم انضحيه) أي اغسليه، كما قال الخطابي، وقال القرطبي: المراد به الرش، لأن غسل الدم استفيد من قوله:«اقرصيه بالماء»وأما النضح فهو لما شكت فيه، وما قاله الخطابي أولى لأن المراد بالقرص بالماء هو
التحليل للدم حتى يخرج ما تشربه الثوب منه ثم يغسل، فيكون أبلغ في التنظيف.
والحاصل: أن قوله:«حتيه»المر اد به الفرك يابسا، وقوله:«اقرصيه بالماء»الدلك مع صب الماء ليتحلل، وقوله:«انضحيه»الغسل غسلا تاما حتى يتحقق زوال أثره بالكلية، وقد اختلفت الروايات
كما سبق، ففي بعضها«الحت، ثم القرص، ثم الرش»وفي بعضها:«القرص، ثم الغسل»وفي بعضها:«الحك، ثم الغسل بماء وسدر» ولا تنافي بينها، لأن المقصود بذلك المبالغة في الإزالة. والله أعلم.
(ثم صلي فيه) أي في ذلك الثوب الذي طهر على الكيفية المذكورة.
وهو أمر إباحة، لأنه لا يجب عليها أن تصلي في ذلك الثوب إذا كان لها ثوب غيره والله أعلم.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى في درجته: حديث أسماء ﵂ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا [٢٩٣]، وفي [٢٩٤] والكبرى-١٦٥/ ٢٨٥ بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه الجماعة، فأخرجه (خ) في الطهارة عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، وعن أبي موسى، عن يحيى. وأخرجه (م) فيه عن أبي بكر ابن أبي شيبة، عن وكيع، وعن محمَّد بن حاتم، عن يحيى، وعن أبي كريب عن عبد الله بن نمير، وعن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح، عن ابن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، ومالك، وعمرو بن الحارث. وأخرجه (د) فيه عن القعنبي، عن مالك، وعن مسدد، «عن حماد بن زيد، وعيسى بن يونس- وعن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة. وأخرجه (ت) فيه عن محمَّد بن يحيى بن أبي عمر، عن سفيان عشرتهم عن هشام بن عروة عن فاطمة عنها. وأخرجه (ق)
فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، عن هشام بن عروة، به.
وأخرجه أحمد، والشافعي، وابن أبي شيبة، وابن خزيمة، وابن حبان، كما مر قريبًا.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: نجاسة دم الحيض، وهي مسألة إجماعية، كما قاله النووي.
ومنها: أنه لا يعفى عن يسيره وإن قل، لعموم النص.
ومنها: أن طهارة السترة شرط لصحة الصلاة.
ومنها: أن هذه النجاسة، وأمثالها لا يعتبر فيها تراب ولا عدد.
ومنها: أن الماء متعين في إزالة النجاسة، وهو قول الجمهور، وفيه خلاف يأتي تحقيقه قريبًا إن شاء الله.
ومنها: أن المرأة تصلي في الثوب الذي تحيض فيه، وإن أصابه دم الحيض إذا غسلته فلا يلزمها إعداد ثوب آخر للصلاة. والله أعلم.
المسألة الخامسة: في ذكر مذاهب العلماء في تعين الماء لإزالة النجاسة وعدمه:
ذهب جمهور العلماء إلى أن النجاسات لا تزال إلا بالماء.
وذهب بعضهم إلى أنها تطهير بكل مائع طاهر، وبه يقول أبو حنيفة، وأبو يوسف، واحتجوا بقول عائشة: «ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، فإذا أصابه شيء من دم قالت بريقها، فقصعته بظفرها» رواه البخاري وغيره.
وأجيب بأنها ربما فعلت ذلك تحليلا لأثره، ثم غسلته بعد ذلك.
قال العلامة الشوكاني ﵀: والحق أن الماء أصل في التطهير لوصفه بذلك كتابا وسنة وصفا مطلقا غير مقيد، لكن القول بتعيينه وعدم
إجزاء غيره يرده حديث مسح النعل، وفرك المني وحته، وإماطته بإذخرة، وأمثال ذلك كثيرة، ولم يأت دليل يقضي بحصر التطهير في الماء، ومجرد الأمر به في بعض النجاسات لا يستلزم الأمر به مطلقا، وغايته تعيينه في ذلك المنصوص بخصوصه إن سلم.
فالإنصاف أن يقال: إنه يطهر كل فرد من أفراد النجاسة المنصوص على تطهيرها بما اشتمل عليه النص، إن كان فيه إحالة على فرد من أفراد المطهرات، لكن إن كان ذلك الفرد المحال عليه هو الماء فلا يجوز العدول عنه إلى غيره للمزية التي اختص بها، وعدم مساواة غيره له فيها، وإن كان ذلك الفرد غير الماء جاز العدول عنه إلى الماء لذلك، وإن وجد فرد من أفراد النجاسة لم يقع من الشارع الإحالة في تطهيره على فرد من أفراد المطهرات، بل مجرد الأمر بمطلق التطهير فالاقتصار على الماء هو اللازم لحصول الامتثال به بالقطع، وغيره مشكوك فيه، وهذه طريقة متوسطة بين القولين، لا محيص عن سلوكها.
فإن قلت: مجرد وصف الماء بمطلق الطهورية لا يوجب له المزية، فإن التراب يشاركه في ذلك. قلت: وصف التراب بالطهورية مقيد بعدم وجدان الماء بنص القرآن، فلا مشاركة بذلك الاعتبار. انتهى كلام الشوكاني في نيل الأوطار جـ ١ ص ٧٠.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الشوكاني ﵀ هو التحقيق الحقيق بالقبول، لكن تمثيله بفرك المني وحته مبني على ما رجحه هو من أن المني نجس، وسيأتي لنا ترجيح خلافه في الباب التالي إن شاء الله تعالى، فتأمل بإنصاف، ولا تتخير بالاعتساف، والله الهادي إلى سواء السبيل.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».