HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٣١١

أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الْأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ: «أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ الْجَمَلِ، وَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص102
  • زبير علي زئي:حسن
ج ١ ص ١٦٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٥ ص١٩٤
١٩٥ - بَابُ التّيَمُّمِ في الحَضَرِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية التيمم في الحضر. الحَضَر -بفتحتين- خلاف البادية، والنسبة إليه حَضَريّ على لفظه، وحَضَر: أقام بالحضر، والحَضَارَة -بفتح الحاء وكسرها- سكون الحضر. قاله الفيومي . وقال ابن منظور: والحَضَر والحَضْرَة والحاضرة: خلاف البادية، وهي المُدُن، والقُرَى، والريف، سميت بذلك لأن أهلها حَضَروا الأمصار، ومساكن الديار التي يكون لهم بها قرار، والبادية يمكن أن يكون اشتقاق اسمها من بَدَا يَبْدوُ، أي برَز، وظهر، ولكنه اسم لزم ذلك الموضع خاصة دون ما سواه . ٣١١ - أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللهِ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ نَحْوِ بِئْرِ الْجَمَلِ وَلَقِيَهُ رَجُلٌ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇. رجال هذا الإسناد: سبعة ١ - (الربيع بن سليمان) بن عبد الجبار المرادي أبو محمَّد المصري المؤذن صاحط الشافعي ثقة [١١] مات سنة ٢٧٠، وله ٩٦ سنة. وفي «تت» هو رَاوية كتب الشافعي عنه قال النسائي: لا بأس به، ووثقه ابن يونس، والخطيب، وقال ابن أبي حاتم: سمعنا منه، وهو صدوق، سئل عنه أبي فقال: صدوق، وقال الخليلي: ثقة متفق عليه، والمزني مع جلالته استعان على ما فاته من الشافعي بكتاب الربيع، وقال مسلمة: كان من أكابر أصحاب الشافعي، ينتمي إلى مُراد، وكان يوصف بغفلة شديدة، وهو ثقة أخبرنا عنه غير واحد، وقال ابن يونس: توفي يوم الاثنين لعشر بقين من شوال سنة ٢٧٠، وقال الطحاوي: كان مولده ومولد المزني ومحمد بن نصر سنة ١٧٤، وكان المزني أسن من الربيع بستة أشهر . تنبيه: أخطأ الشيخ الشنقيطي ﵀ هنا فظن أن الربيع هذا هو الجيزيّ، وليس كذلك كما يظهر من تهذيب التهذيب وتهذيب الكمال فتأمل. ٢ - (شعيب بن الليث) بن سعد الفهمي مولاهم، أبو عبد الملك المصري، ثقة نبيل من كبار [١٠]، تقدم في ٢٠/ ١٦٦. ٣ - (الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري ثقة ثبت فقيه إمام مشهور من [٧] تقدم في ٣١/ ٣٥. ٤ - (جعفر بن ربيعة) بن شُرحبيل بن حَسَنَة الكندي أبو شرحبيل المصري ثقة من [٥] تقدم في ١٢٢/ ١٧٣. ٥ - (عبد الرحمن بن هرمز) الأعرج أبو داود المدني ثقة ثبت عالم من [٣] تقدم في ٧/ ٧. ٦ - (عمير مولى ابن عباس) هو عُمير بن عبد الله الهلالي، أبو عبد الله المدني، مولى أم الفضل. روى عن مولاته، وعن ابنيها عبد الله، والفضل ابني العباس، وأبي جهيم بن الحارث بن الصمة، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن يسار مولى ميمونة. وعنه الأعرج، وسالم أبو النضر، وإسماعيل بن رجاء الزُّبَيْديّ، وعبد الرحمن بن مهران. قال ابن إسحاق: حدثني الأعرج، عن عمير مولى ابن عباس، وكان ثقة. أخرج له (خ م د س) حديثين أحدهما حديث الباب، والآخر في الصيام، وقال النسائي: ثقة وذكره ابن حبان في الثقات، مات بالمدينة سنة ١٠٤. ٧ - (أبو جهيم بن الحارث بن الصِّمَّة) بتصغير جُهيم، والصِّمّة بكسر الصاد المهملة، وتشديد الميم - الأنصاري، قيل: اسمه عبد الله، وقد ينسب لجده، وقيل: هو عبد الله بن جهيم بن الحارث بن الصمة، وقيل: اسمه الحارث بن الصمة، وقيل: هو آخر غيره، صحابي معروف، وهو ابن أخت أبَيّ بن كعب، بقى إلى خلافة معاوية ﵄. وفي «تت»: أبو جهيم بن الحارث بن الصمة بن عمرو بن عتيك بن عمرو بن مَبْذُول بن عامر بن مالك بن النجار الأنصاري، وقيل في نسبه غير ذلك، وهو ابن أخت أبَيّ بن كعب، قيل: اسمه عبد الله، وقال أبو حاتم: يقال: أبو جهيم بن الحارث بن الصمة، ويقال: إنه الحارث ابن الصمة. روى عن النبي - ﷺ -، وعنه بشر بن سعيد الحضرمي، وأخوه مسلم بن سعيد، وعمير مولى ابن عباس، وعبد الله بن يسار مولى ميمونة. وصحح أبو حاتم كون الحارث اسم أبيه لا اسمه، وقال ابن أبي حاتم: عبد الله بن جهم أبو جهيم، فرق بينه وبين ابن الصمة، وفي أسد الغابة عن الاستيعاب والمعرفة: عبد الله بن جهيم بن الحارث بن الصمة .. فذكره وجعل الحارث جده، وهكذا قاله ابن منده، وكأنه أراد أن يجمع الأقوال المختلفة، ومع ذلك فما سلم. أخرج له الجماعة. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم أجلاء، وأن الأربعة الأولين مصريون، والباقون مدنيون، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم، عن بعض، وفيه عمير مولى ابن عباس، وهو مولى أم الفضل بنت الحارث، وقد روى ابنُ إسحاق هذا الحديث فقال: مولى عبيد الله ابن عباس وهو صحيح أيضا، لأنه إذا كان مولى أم الفضل فهو مولى أولادها. وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. شرح الحديث (عن عمير) بن عبد الله الهلالي (مولى ابن عباس) هو مولى أمه أم الفضل بنت الحارث ﵂ (أنه) أي عبد الرحمن بن هرمز (سمعه) أي عميرا، قال في الفتح: ورواية الأعرج عنه من رواية الأقران (يقول) جملة في فحل نصب على الحال، أو مفعول ثان على رأي من يقول: إن «سمع» تنصب مفعولين (أقبلت أنا) أكد الضمير المنفصل ليعطف عليه ما بعده، لوجوب الفصل بالضمير أو بفاصلٍ مّا، كما قال ابن مالك في الخلاصة: وَإنْ عَلَى ضَمير رَفْع مُتَّصلْ … عَطَفْتَ فَافْصلْ بالضَّمير الْمُنْفصلْ أوْ فاَصل مَّا وَبلَا فَصْل يَرِدْ … في النَّظم فَاشيًا وَضُعْفَه اعْتَقِدْ (وعبد الله بن يسار) هو أخو عطاء بن يسار التابعي المشهور، قال في الفتح: ووقع عند مسلم في هذا الحديث: عبد الرحمن بن يسار، وهو وَهم، وليس له في هذا الحديث رواية، ولهذا لم يذكره المصنفون في رجال الصحيحين. اهـ. قال الجامع: بل لم يذكر في رجال الكتب الستة، وقد ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، فقال: عبد الله بن يسار مولى ميمونة أخو سليمان بن يسار المديني، وهو أخو عبد الملك بن يسار، وأخو عطاء بن يسار، كانوا إخْوَة . وقال ابن حبان في الثقات: عبد الله بن يسار مولى ميمونة أخو سليمان، وعبد الملك، وعطاء بنو يسار، يروي عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - عدَادُه في أهل المدينة، روى عن أهلها وليس هو بصاحب سليمان بن صُرَد، وخالد بن عُرْفُطةَ . (مولى ميمونة) بنت الحارث الهلالية زوج النبي - ﷺ -، قيل: اسمها بَرَّة، فسماها النبي - ﷺ - ميمونة، وتزوجها بسرف سنة سبع، وماتت بها ودفنت سنة ٥١ على الصحيح. تنبيه: روى موسى بن عقبة، وابن لهيعة، وأبو الحويرث هذا الحديث عن الأعرج، عن أبي الجهيم، ولم يذكروا بينهما عميرا، والصواب إثباته، قاله في الفتح . (حتى دخلنا على أبي جُهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري) ووقع في مسلم «دخلنا على أبي الجهم» بإسكان الهاء، والصواب أنه بالتصغير، وفي الصحابة شخص آخر يقال له: أبو الجهم، وهو صاحب الإنبجانية، وهو غير هذا، لأنه قرشي، وهذا أنصاري، ويقال في كل منهما بحذف الألف والسلام وبإثباتهما، قاله في الفتح. (فقال أبو جهيم: أقبل رسول الله - ﷺ - من نحو بئر الجمل) أي من الموضع الذي يعرف بذاك، وهو معروف بالمدينة، وهو بفتح الجيم والميم ويقال فيه الجمل بالتعريف كما عند المصنف، وبئر جمل بالتنكير كما عند الشيخين وغيرهما موضع قريب من المدينة، فيه مال من أموالها . (ولقيه رجل) وللبخاري «فلقيه» بالفاء، والرجل هو أبو جهيم، كما صرح به الشافعي، فقد رَوَى البغوي في شرح السنة بإسناده عن الشافعي، عن إبراهيم بن محمَّد، عن أبي الحويرث، عن الأعرج، عن أبي جهيم بن الصمة قال: مررت على النبي - ﷺ - وهو يبول، فسلمت عليه، فلم يرد عليَّ حتى قام إلى الجدار فحتَّه بعصا كانت معه، ثم وضع يده على الجدار، فمسح بها وجهه وذراعيه ثم رد عليَّ«قال: هذا حديث حسن . قال الجامع: وفي تحسينه نظر لأن في سنده إبراهيم بن محمَّد وهو متروك وأبَا الحويرث وهو متكلم فيه، وفيه انقطاع، وقد تقدم أن الصواب إدخال عمير بين الأعرج، وأبي جُهَيم فتفطن. (فسلم عليه) أي على النبي - ﷺ - (فلم يرد رسول الله - ﷺ - عليه) سلامه ويجوز في دال«يرد»الحركات الثلاث: الكسر لأنه الأصل، والفتح لأنه أخف، والضم لاتباع الراء، قاله العيني (حتى أَقْبَلَ على الجدار) الألف واللام فيه للعهد الخارجي، أي جدار هناك، والجدار كان مباحا، فلم يحتج إلى الإذن، أو كان مملوكا لغيره، وكان راضيا به. قاله البدر العيني. وللدارقطني من طريق ابن إسحاق عن الأعرج:«حتى وضع يده على الجدار»وزاد الشافعي، كما تقدم«فَحَتَّهُ بعصا»قاله في الفتح. قال الجامع: لكن سند الشافعي ضعيف. (فمسح وجهه ويديه) وللدارقطني من طريق أبي صالح عن الليث (فمسح بوجهه وذراعيه) وكذا للشافعي من رواية أبي الحويرث، وله شاهد من حديث ابن عمر، أخرجه أبو داود، لكن خطَّأ الحفاظ رواية رفعه وصوَّبوا وقفه، وقد رواه مالك موقوفا، وهو الصحيح، والثابت في حديث أبي جهيم أيضا بلفظ«يديه» لا ذراعيه فإنها شاذة مع ما في أبي الحويرث وأبي صالح من الضعف . وسيأتي الكلام على حديث مسح اليدين في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى. (ثم رد عليه) أي على الرجل المُسَلِّم (السلامَ) فيه استحباب الطهارة للسلام. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي جهيم ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا -١٩٥/ ٣١١ - والكبرى -١٨٠/ ٣٠٧ - بالسند المذكور فقط. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ م د) فأخرجه (خ) في الصلاة عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن عمير، به. وأخرجه (م) في الطهارة تعليقا قال: وقال الليث .. فذكره. وأخرجه (د) فيه عن عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه، به. وأخرجه الشافعي، والبغوي في شرح السنة عن طريقه، والدارقطني وابن خزيمة، وابن الجارود. المسألة الرابعة: في بيان فوائده: من فوائد هذا الحديث: جواز التيمم في الحضر لمن لم يجد الماء، وهو مذهب المصنف ﵀، ومثله البخاري فقد ترجم في الصحيح [باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء، وخاف فوت الصلاة]، وسيأتي تحقيق الخلاف فيه في المسألة التالية إن شاء الله تعالى. ومنها: أن بعضهيم استدل به على جواز التيمم على الحجر، وهو مذهب الحنفية، ووجَّهَه بأن حيطان المدينة مبنية بالحجارة السود، وسيأتي تحقيق البحث في ذلك في باب ٢٠٢ حديث ٣٢١ إن شاء الله تعالى. ومنها: أنه استدل به الطحاوي على جواز التيمم للجنازة عند خوف فواتها، وهو قول الكوفيين، والليث، والأوزاعي، لأنه - ﷺ - تيمم لرد السلام في الحضر لأجل فوت الردّ، وإن كان ليس شرطا، ومنع من ذلك مالك، والشافعي، وأحمد. ومنها: أن فيه دلالة على جواز التيمم للنوافل كالفرائض، وأبْعَدَ بعضهم فَخَصَّه بالفرائض. ومنها: أن التيمم: مسح الوجه واليدين، واختلف في المراد باليدين فقيل: الكفان، وقيل: إلى المرفقين، والراجح الأول، وسيأتي تحقيق ذلك في الحديث الآتي إن شاء الله تعالى. ومنها: كراهة ذكر الله تعالى على غير طهارة، وهو للتنزيه بدليل حديث عائشة ﵂: «أنه فيكان يذكر الله على كل أحيانه» رواه مسلم. أما دعوى النسخ -كما قاله بعضهم- فغير صحيحة لعدم معرفة التاريخ، ولإمكان الجمع يحمل الكراهة على التنزيه. المسألة الخامسة: اختلف أهل العلم في جواز التيمم في الحضر: قال العلامة ابن قدامة في المغني: فصل: فإن عدم الماء في الحضر بأن انقطع الماء عنهم، أو حُبس في مصر فعليه التيمم والصلاة. وهذا قول مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وقال أبو حنيفة في رواية عنه: لا يصلي، لأن الله تعالى شرط السفر لجواز التيمم فلا يجوز لغيره، وقد روي عن أحمد: أنه سئل عن رجل حُبسَ في دار، وأغلق عليه الباب بمنزلة الضيف، أيتيمم؟ قال: لا. ولنا ما روى أبو ذر ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإن وجد الماء فليمسه بشرفه، فإن ذلك خير» أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح ، فيدخل تحت عمومه محل النزاع. وقال ابن المنذر في الأوسط: اختلف أهل العلم في التيمم في الحضر لغير المريض، وللمريض لا ماء بحضرته، ولو وصل إلى الماء لَتَوَضَّأ، فقالت طائفة: إذا خاف ذوات الصلاة تيمم وصلى، حكى ابن القاسم عن مالك أنه سئل عمن في القبائل من أطراف الفسطاط، فخشي إن توضأ أن تطلع عليه الشمس قبل أن يبلغ الماء؟ قال: يتيمم، ويصلي، قال: وقد كان مرة من قوله في الحضر: يعيد إذا توضأ. وسئل الأوزاعي عمن انتبه من نومته وغفلته، وهو جنب فأشفق إن اغتسل وتوضأ طلعت الشمس أو غابت، قال: يتيمم، ويصلي الصلاة قبل فوات وقتها، قال الوليد: فذكرت ذلك لإبراهيم بن محمَّد الفزاري، فأخبرني عن سفيان أنه قال: يتيمم ويصلي، قال الوليد: فذكرت ذلك لمالك، وابن أبي ذئب، وسعيد بن عبد العزيز، وغيرهم فقالوا: بل يغتسل، وإن طلعت عليه الشمس، لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء الآية ٤٣] الآية، فهذا واجد للماء، وكان في عذر من نومه، وغفلته، ونسيانه معذور بها، وحكى الوليد ذلك عن الليث. وكان الحسن يقول في مريض بحضرته ماء، وحضرت الصلاة، وليس عنده من يناوله، وخشي فوت الوقت، قال: يتيمم ويصلي، وقال الوليد: ولا أعلم إلا أني سمعت أبا عمرو يقول: إذا لم يجد المقيم ماء تيمم وصلى، ولا إعادة عليه، إلا في الوقت، واحتج بحديث ابن عمر: أنه أقبل من الجُرُف، فلما كان بالِمرْبَد حضرته صلاة العصر، فنزل فتيمم، وصلى العصر. قال الجامع: لكن قوله: ولا إعادة عليه إلا في الوقت، لا دليل عليه لأنه احتج بفعل ابن عمر، وابن عمر دخل المدينة والشمس مرتفعة فلم يُعِد كما ذكره البخاري في الصحيح، وسيأتي قريبًا. قال ابن المنذر: وقالت طائفة: لا يجوز للحاضر غير المريض التيمم بحال، فإن فعل كانت عليه الإعادة، هذا قول الشافعي، وأبي ثور. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: قضيتُ الحاجة في بعض هذه الشعاب، أتمسح بالتراب وأصلي؟ قال: لا . وقال الإمام البخاري ﵀ في صحيحه: «باب التيمم في الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوات الوقت» وبه قال عطاء، وقال الحسن: في المريض عنده الماء، ولا يجد من يُناوله: يتيمم. وأقبل ابن عمر من أرضه بالجُرُف، فحضرت العصر بمرْبَد النَّعَم فصلى، ثم دخل المدينة، والشمس مرتفعة فلم يُعدْ. ثم أورد حديث الباب. وقال أبو محمَّد بن حزم ﵀ في المُحَلَّى: ويتيمم من كان في الحضر صحيحا إذا كان لا يقدر على الماء إلا بعد خروج وقت الصلاة، ولو أنه على شفير البئر والدلو في يده، أو على شفير النهر والساقية والعين، إلا أنه يوقن أنه لا يتم وضوءه أو غسله حتى يطلع أول قرن الشمس، وكذلك السجون والخائف. قال بُرْهانُ ذلك ما حدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا أحمد بن فتح، ثنا عبد الوهاب بن عيسى، ثنا أحمد بن محمَّد، ثنا أحمد بن علي، ثنا مسلم بن الحجاج، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا محمَّد بن فضيل، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «فُضِّلنا على الناس بثلاث -فذكر فيها-: وجُعلت لنا الأرض مسجدا، وجُعلت تُربتها لنا طَهورا إذا لم نجد الماء». ثم ذكر ما أخرجه مسلم بسنده عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ -: «فُضِّلتُ على الأنبياء بست: أُعطيتُ جَوَامع الكلم، ونُصرتُ بالرُّعب، وأُحلَّت لي الغنائمُ، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأُرسلتُ إلى الناس كافة، وخُتم بي النبيون» فهذا عموم دخل فيه الحاضر والبادي. فإن قيل: فإن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ..﴾ [النساء الآية ٤٣] وقال رسول الله - ﷺ -: «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ» فلم يُبح ﷿ للجنب أن يقرب الصلاة حتى يغتسل، أو يتوضأ إلا مسافرًا. قلنا: نعم، قال الله تعالى، وقال رسول الله - ﷺ - ما ذكرتم، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: آية٦] فكانت هذه الآية زائدة حكما، واردة بشرع ليس في الآية التي ذكرتم بل فيها إباحة أن يقرب الصلاة الجنب دون أن يغتسل، وهو غير عابر سبيل، لكن إذا كان مريضا لا يجد الماء، أو عليه فيه حرج، وكانت هذه الآية أيضا زائدة حكما على الخبر الذي لَفْظُهُ: «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ» ثم جاء الخبران اللذان ذكرنا بزيادة، وعموم على الآيتين والخبر المذكور، فدخل في هذين الخبرين: الصحيح المقيم إذا لم يجد الماء، وكلام الله تعالى وكلام رسوله - ﷺ - فرض جمع بعضه إلى بعض، وكله من عند الله تعالى. وقولنا هذا هو قول مالك، وسفيان، والليث. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يتيمم الحاضر، لكن إن لم يقدر على الماء إلا حتى يفوت الوقت تيمم، صلى، ثم أعاد، ولابد إذا وجد الماء، وقال زفر: لا يتيمم الصحيح في الحضر البَتَّة، وإن خرج الوقت، لكن يصبر حتى يخرج الوقت ويجد الماء، فيصلي حينئذ. قال أبو محمَّد بن حزم ﵀: أما قول أبي حنيفة والشافعي فظاهر الفساد، لأنه لا يخلو أمْرُهُمَا له بالتيمم من أن يكونا أمراه بصلاة هي فرض الله تعالى عليه، أو بصلاة لم يفرضها عليه، ولا سبيل إلى قسم ثالث، فإن قال مقلدهما: أمراه بصلاة هي فرض عليه، قلنا: فَلمَ يُعيدُها بعد الوقت إن كان قد أدَّى فرضه؟ وإن قالوا: بل أمراه بصلاة ليست فرضا عليه، أقرَّا بأنهما ألزماه ما لا يلزمه، وهذا خطأ. وأما قول زفر فخطأ، لأنه أسقط فرض الله تعالى في الصلاة في الوقت الذي أمر الله تعالى بأدائها فيه، وألزمه إيّاها في الوقت الذي حرم الله تعالى تأخيرها إليه. قال أبو محمَّد: والصلاة فرض معلق محدود، والتأكيد فيها أعظم من أن يجهله مسلم، وقد قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» فوجدنا هذا الذي حضرته الصلاة هو مأمور بالوضوء وبالغسل إن كان جنبا، وبالصلاة، فهذا عجز عن الغسل والوضوء سقطا عنه، وقد نصَّ ﵇ على أن الأرض طهورٌ إذا لم يجد الماء وهو غير قادر عليه، فهو باق عليه، وهو قادر على الصلاة، فهي باقية عليه، وهذا بَيِّنٌ والحمد لله رب العالمين.
مصادر المؤلف (١٢)

١. المصباح جـ ١ ص ١٤٠.

٢. لسان جـ ٢ ص ٩٠٧.

٣. تت جـ ٣ ص ٢٤٦.

٤. أي لعبد الله بن يسار المذكور في هذا الحديث، وليس المراد عبدَ الرحمن الذي وقع في مسلم وَهَمًا. فتنبه.

٥. الجرح والتعديل جـ ٥ ص ٢٠٣.

٦. الثقات جـ ٥ ص ٥٣.

٧. الفتح جـ ١ ص ٥٢٧.

٨. عمدة جـ ٤ ص ١٥.

٩. شرح السنة جـ ٢ ص ١١٥.

١٠. فتح جـ ١ ص ٥٢٧.

١١. انظر صحيح الترمذي للشيخ الألباني جـ ١ ص ٣٩.

١٢. الأوسط جـ ٢ ص ٣٠ - ٣١.