١٢ - بَابُ تَرْكِ ألمَرْأةِ نَقْضَ رأسِهَا عِندَ الاغْتِسَال
٤١٦ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ هَذَا. فَإِذَا تَوْرٌ مَوْضُوعٌ مِثْلُ الصَّاعِ أَوْ دُونَهُ. فَنَشْرَعُ فِيهِ جَمِيعًا، فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِي بِيَدَيَّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَمَا أَنْقُضُ لِي شَعْرًا.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (سويد بن نصر) المروزي ثقة [١٠] تقدم في ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله) بن المبارك المروزي ثقة حجة [٨] تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٣ - (إبراهيم بن طهمان) أبو سعيد الخراساني ثم النيسابوري، ثم المكي ثقة يُغْربُ، ورمي بالإرجاء، وقيل: رجع عنه [٧] تقدم ٤٠٧.
٤ - (أبو الزبير) محمَّد بن مسلم بن تَدْرُس المكي صدوق يدلس [٤] تقدم ٣١/ ٣٥.
٥ - (عُبَيْد بنُ عُمَيْر) بن قَتَادَة بن سعيد بن عامر بن جُندع بن ليث الليثي، ثم الجُندعي، أبو عاصم المكي قاص أهل مكة.
روى عن أبيه، وله صحبة، وعمر، وعلي، وأبي بن كعب، وغيرهم.
وعنه ابنه عبد الله، وقيل: لم يسمع منه، وعطاء، ومجاهد، وغيرهم.
وثقه ابن معين، وأبو زرعة، وقال العَوَّام بن حَوْشَب: رُئيَ ابنُ عمر في حلقة عبيد بن عمير يبكي. وقال العجلي: مكي تابعي ثقة من كبار التابعين، كان ابن عمر يجلس إليه، ويقول: لله دَرُّ ابن قتادة ماذا يأتي به؟ ويروى عن مجاهد قال: نَفْخَرُ على التابعين بأربعة، فذكره فيهم. ومات قبل ابن عمر، وقال ابن حبان: مات سنة ٦٨، أخرج له الجماعة.
٦ - (عائشة) ﵂ تقدمت في ٥/ ٥.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات، وأنهم ما بين مروزين، وخراساني، ومكيين، ومدنية.
ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي.
ومنها: أن فيه عائشة من المكثرين السبعة، روت ٢٢١٠ حديثًا.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂ أنها (قالت: لقد رأيتني) اللام في الداخلة على جواب القسم المقدر، وتسمى اللام المؤذنَة، واللام المُوَطِّئة، لأنها وَطَّأت جواب القسم المقدر، ومَهَّدَتْهُ، أي والله فقد رأيتني، أي أبصرت نفسي، وهو مما كان فيه الفاعل والمفعول ضميرين متصلين لمُسَمًى واحد، وهذا مما اختصت به أفعال القلوب، كظننتني
قائما، وخلْتُني صادقا، وقوله تعالى: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: آية ٧] وأُلْحقَت بها في ذلك رأي الحُلُميَّة، والبَصَريَّة بكثرة، نحو ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: آية ٣٦]، وقول الشاعر (من الكامل):
وَلقَدْ أرَاني لِلرِّمَاحِ دَرِيئَةً … مِنْ عَنْ يَمينِيِ تَارَةً وَشَمَالِي
وألحقت أيضا: عَدِم، وفَقَدَ، ووَجَدَ، بمعنى لَقِي، بقَلة، دون باقي الأفعال، فلا يقال: ضربتني اتفاقا، لئلا يكون الفاعل مفعولا، بل ضربت نفسي، وظلمت نفسي، ليتغاير اللفظان، وإنما جاز ذلك في
أفعال القلوب لأن مفعولها في الحقيقة مضمون الجملة، لا المنصوب بها فلا ضرر في اتحاده مع الفاعل وإنما أكدت عائشة ﵂ كلامها بالقسم توكيدا لإنكارها على من أوجب نقض الشعر في الغسل، كما نقل عن عبد الله بن عمرو أنه كان يأمر النساء بذلك، كما في صحيح مسلم، وسيأتي في المسائل.
(أغْتَسلُ) جملة في محل نصب على الحال، لأن رأى بصرية (أنا) ضمير منفصل للمتكلم، أُتي به للفصل، للعطف على الضمير المرفوع المتصل، كما قال في الخلاصة:
وَإنْ عَلَى ضَمير رَفْعٍ مَتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصلْ بالضَّمير المُنْفَصِلْ
أوْ فَاصلٍ مَّا وَبلا فَصْل يَرِدْ … في النَّظْمِ فَاشيًا وضعْفَهُ اعْتَقِدْ
(ورسول الله - ﷺ -) عطف على الضمير الفاعل (من هذا) مُشيرةً إلى إناء موضوع عندها، كما يفيده قوله (فإذا) «إذا» هنا للمُفاجَأة، أي لمُفَاجَأة ما بعدها لما قبلها، وهي تختص بالجمل الأسمية، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: آية ٢٠].
(تَوْرٌ) بفتح التاء وسكون الواو بعدها راء مهملة: إناء من صُفْر، أو حجارة، كالإجَّانة، تُذكِّرهُ العرب، وتَشْرَبُ فيه، وقد يتوضأ منه،
وقد تقدم البحث فيه برقم ٦١/ ٧٧، ومحل «تور» رفع بالابتداء، وسوغ الابتداء بالنكرة وقوعها بعد إذا الفجائية، وخبره قوله (موضوع) عندها (مثل الصاع) بالرفع خبر بعد الخبر، أو صفة لموضوع، أو بالنصب على الحال (أو دونه) أي أقل من الصاع (فنشرع فيه) أي نأخذ فيه، يقال: شَرَعْتُ في الأمر أشْرَعُ شُرُوعًا: أخذت فيه (جميعا) أي مجتمعين (فأفيض) أي أصبُّ (على رأسي بيدى) بصيغة التثنية مضافا إلى ياء المتكلم (ثلاث مرات، وما أنقض لي شعرا) أي ما أحُلُّ الشعرَ المضفورَ، بل أكتفي بالصَّبِّ ثلاثا، وفيه دلالة على أنه لا يجب على المرأة نقض ضفيرتها في الاغتسال من الجنابة، وكذا الحيض، وقد تقدم تمام البحث في هذا برقم ١٥٠/ ٢٤١، فراجعه تزدد علمًا. والله ولي التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ أخرجه مسلم.
الثانية: في بيان موضعه: أخرجه المصنف هنا ١٢/ ٤١٦ بالسند المذكور فقط.
الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (م ق).
فأخرجه (م) في الطهارة عن يحيى بن يحيى، وأبي بكر بن أبي شيبة، وعلي بن حُجْر، جميعا عن ابن عُلَيَّةَ، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن عُبيد بن عُمير، قال: بَلَغَ عائشةَ أنَّ عبد الله بن عَمْرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤسهن، فقالت: «يا عجبا لابن عمرو هذا يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤسهن، أفلا يأمرهن أن يَحْلِقْنَ رؤسهن، لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله - ﷺ - من إناءٍ واحد، ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات».
وأخرجه (ق) فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة به.
وبقية مباحث الحديث تقدمت ١٥٠/ ٢٤١. فراجعها تستفد.