HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٤٥١

أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ ، عَنْ مُرَّةَ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا عُرِجَ بِهِ مِنْ تَحْتِهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا أُهْبِطَ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا حَتَّى يُقْبَضَ مِنْهَا، قَالَ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ قَالَ: فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ فَأُعْطِيَ ثَلَاثًا: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَيُغْفَرُ لِمَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِهِ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا الْمُقْحِمَاتُ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص151
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ١ ص ٢٢٣

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, صحيح مسلم, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٦ ص٨٧
عنه، صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه المصنف هنا عن عمرو بن هشام الحَرَّاني، عن مَخْلَد بن يَزِيدَ، عن سعيد بن عبد العزيز، عنه به. قال الحافظ المزي ﵀: تابعه -يعني مخلدًا- الوليدُ بن مسلم، ويحى بن صالح الوُحَاظيّ، وعبد الله بن صالح المصري، عن سعيد، وقال أبو مسهر وعمرو بن أبي سلمة، عن سعيد، عن يزيد بن أبي مالك، عن بعض أصحابه، عن أنس بن مالك. اهـ «تحفة» جـ ١ ص ٤٣٩. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول: حديث أنس من رواية يزيد بن أبي مالك انفرد به المصنف، وقد أخرجه مسلم من رواية حَمَّاد بن سلمة، وسليمان بن المغيرة كلاهما عن ثابت، عنه. وبقية مباحث الحديث تقدمت في حديث مالك بن صعصعة ﵁، فارجع إليها تستفد. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٤٥١ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - انْتُهِىَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا عُرِجَ بِهِ مِنْ تَحْتِهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا أُهْبِطَ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا حَتَّى يُقْبَضَ مِنْهَا، قَالَ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦] قَالَ: فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَأُعْطِيَ ثَلَاثًا: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَيُغْفَرُ لِمَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِهِ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا الْمُقْحِمَاتُ. رجال الإسناد: سبعة ١ - (أحمد بن سليمان) بن عبد الملك، أبو الحسين الرُّهَاوي، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٦١، من أفراد المصنف، من [١١]، وتقدم في ٣٨/ ٤٢. ٢ - (يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي، أبو زكريا، مولى بني أمية، ثقة حافظ فاضل، توفي سنة ٢٠٣، من كبار [٩]، أخرج له الجماعة. وفي «صة»: أحد الأعلام، عن فِطْر بن خَلِيفَة، ومالك بن مِغْول، وطائفة، وعنه أحمد وإسحاق وابن المديني ومحمد بن رافع وخلق وثقه النسائي وغيره. ٣ - (مالك بن مغول) -بكسر أوله، وسكون المعجمة، وفتح الواو- الكوفي أبو عبد الله، ثقة ثبت من كبار السابعة، توفي سنة ١٥٩ على الصحيح. أخرج له الجماعة، وتقدم في ٩٨/ ١٢٧. ٤ - (الزُّبَيرُ بن عديّ) الهَمْدَاني اليامي -بالتحتانية- أبو عبد الله الكوفي ، ولي قضاء الرَّيِّ، ثقة، توفي سنة ١٣١، من [٥]، أخرج له الجماعة. وفي «صة» عن أنس والمَعْرُور بن سُوَيد، وأبي وائل، وعنه إسماعيل بن أبي خالد، وأبو إسحاق السَّبِيعي، والثوري، وثقه أحمد وابن معين والعِجْلي، قال أبو داود الطيالسي: لا يعرف له عن أنس غير حديث واحد. اهـ. ٥ - (طلحة بن مصرف) بن عمرو بن كعب اليامي -أبو محمد- الكوفي، ثقة قارىء فاضل، توفي سنة ١١٢ أو بعدها، من [٥]، أخرج له الجماعة. وتقدم في ٢٠٠/ ٣٠٦. ٦ - (مُرَّةُ) بن شَرَاحيل الهَمْداني -بسكون الميم- أبو إسماعيل الكوفي، الذي يقال له: مَرة الطيب، ثقة عابد، توفي سنة ٧٦، وقيل بعد ذلك، من [٢]، أخرج له الجماعة. وفي «تت» المعروف بمُرَّةَ الطيّبِ ومرة الخيرِ، لُقِّبَ بذلك لعبادته، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقال سكن بن محمد العابد، عن الحارث الغَنَوِيّ: سَجَدَ مُرَّةُ الهمداني حتىَ أكل التراب وَجْهَهُ، وقال ابن حبان: كان يصلي كل يوم ستمائة ركعة، وقال العجلي: تابعي ثقة، وكان يصلي في اليوم والليلة خمسمائة ركعة، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لم يدرك عمر، وقال هو وأبو زرعة: روايته عن عمر مرسلة، وقال أبو بكر البزار: روايته عن أبي بكر مرسلة، ولم يدركه، وقال ابن منده في تاريخه: أدرك النبي - ﷺ - ولم يَرَه. وقال ابن سعد وأبو حاتم: توفي زمن الحجَّاج بعد الجَمَاجِمِ، وقيل توفي سنة ٧٦. انتهى «تت» جـ ١٠ ص ٨٨ - ٨٩ بتصرف. ٧ - (عبد الله) بن مسعود بن غافل بن حَبيب الهُذَليّ أبو عبد الرحمن، من السابقين الأولين، ومن كبار العلماء من الصحابة، أمّرَهُ عُمَرُ على الكوفة، وتوفي سنة ٣٢، أو في التي بعدها بالمدينة، وأخرج له الجماعة، وتقدم في ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعياته، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم كوفيون إلا شيخه فجَزَرِيّ رُهاوِيٌّ. ومنها: أن شيخه من أفراده لم يرو عنه من الستة غيره. ومنها: أنه لا يوجد في الكتب الستة من اسمه أحمد بن سليمان، ويحيى بن آدم، ومالك بن مِغْول، والزبير بن عديّ، وطلحة بن مُصَرّف، ومرة بن شراحيل، وعَبد الله بن مسعود، غير هؤلاء. ومنها: أنهم ممن اتفقوا عليهم، إلا شيخه. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض؛ الزبير وطلحة ومرة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عبد الله) بن مسعود ﵁ أنه (قال: لما أسْرِيَ برسول الله - ﷺ -) بالبناء للمفعول، يقال: سَرَيْتُ اللَّيْلَ وسَرَيْتُ بِهِ، سَرْيًا -بفتح فسكون- والاسم السِّرَايةُ. إذا قَطَعْتَهُ بالسير، وأسريت بالألف لغةٌ حِجَازيةٌ، ويُستَعملان متعديين بالباء إلى مفعول، فيقال: سَرَيْتُ بزيد، وأسريت به. قاله في «المصباح». (انتهي به) بالبناء للمفعول أيضًا، والضمير للنبي - ﷺ - يقال: انتَهَى الأمرُ: بَلَغَ النهايةَ، وهي أقصى ما يمكن أن يبلغه. قاله في المصباح. والجار والمجرور في محل رفع نائب الفاعل. ويحتمل أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى الإسراء المفهوم من «أسرِي» أي انتهى الإسراء به - ﷺ - حتى وَصَلَ (إِلى سدرة المنتهى) من إضافة الموصوف إلى صفته كمسجد الجامع، وصلاة الأولى، ويحتمل أن يكون من إضافة الأعم إلى الأخص، كشجر أراك، وعلى الأول لابد من تأويله لئلا يكون من إضافة الشيء إلى نفسه، وهو غير جائز، كما قال ابن مالك: وَلا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ … مَعْنىً وأوِّلْ مُوهِمًا إذا وَرَدْ أي سدرة الشجرة الُمنْتَهَى، وفيه الحذف والإيصال، والأصل المنتهى إليها، وسيأتي سبب تسميتها بذلك، (وهي) أي السدرة (في السماء السادسة) هكذا في رواية ابن مسعود أنها في السماء السادسة، وتقدم في رواية أنس ما يدل على أنها في السابعة، حيث قال «ثم صُعِدَ بي فوق سبع سموات، فأتينا سدرة المنتهى» فظاهره أنها في السماء السابعة. والجمع بينهما كما قال الحافظ ﵀: أن يقال: إن أصلها في السماء السادسة، وأغصانها وفروعها في السماء السابعة. وقال القرطبي في «المفهم»: ظاهر حديث أنس أنها في السابعة، وفي حديث ابن مسعود أنها في السادسة، وهذا تعارض لا شك فيه، وحديث أنس هو قول الأكثر، وهو يقتضيه وصفها بأنها التي ينتهي إليها علم كل نبي مرسل، وكل ملك مقرب، على ما قال كعب، قال: وما خلفها غيب لا يعلمه إلا الله، أو من أعلمه، وبهذا جزم إسماعيل بن أحمد، وقال غيره: إليها منتهى أرواح الشهداء، قال: ويترجح حديث أنس بأنه مرفوع، وحديث ابن مسعود موقوف، كذا قال، ولم يُعَرِّج على الجمع بل جزم بالتعارض. اهـ «فتح الباري» جـ ٧ ص ٢٥٣. قال الجامع: ما قاله الحافظ في وجه الجمع هو الأولى، وفي قول القرطبي: «موقوف على ابن مسعود» نظر، والله أعلم. قال مبينًا وجه تسميتها بسدرة المنتهى (ينتهي) بالبناء للفاعل، وفاعله قوله (ما عُرِجَ به) بالبناء للمفعول، والجار والمجرور في محل رفع نائب الفاعل (من تحتها) متعلق بعُرِجَ، أي يَقِفُ عندها كل ما يُعرَجُ به من أعمال العباد والأرواح من الجهة التحتانية، ولا يتجاوزها (وإِليها ينتهي) بالبناء للفاعل، (ما أهْبِطَ) بالبناء للمفعول (من فوقها) من الوحي وغيره (حتى يقبض منها) أي تقبضه الملائكة فتوصله إلى ما أمر به. وحاصل المعنى أن سدرة المنتهى غاية لوصول ما ينزل من فوقها حتى يقبض منها، وغاية لصعود ما يصعد به من تحتها. فقد تَبَيَّن من هذا سبب تسميتها بهذا الاسم، وقيل: لانتهاء علم الخلق إليها، وقيل: لانتهاء أرواح الشهداء إليها، كما مر قريبًا، والأرجح ما هنا؛ لكونه أصح. والله أعلم. ثم إنَّ ما ذُكِرَ من وصف سدرة المنتهى بهذا الوصف، الظاهر أنه مرفوع إلى النبي - ﷺ -. وتقدم قول القرطبي: إنه موقوف على ابن مسعود، وفيه بُعْد، ولو سُلِّمَ فالوقف في مثل هذا له حكم الرفع. كما هو مقرر في محله. والله أعلم. (قال) ابن مسعود ﵁، كما صُرِّحَ به في رواية الترمذي مُوَضِّحًا معنى قوله تعالى ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦]، الظرف متعلق بقوله «رآه» من قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]، وقوله «قال» تأكيد لقال الأول، ويحتمل أن يكون فاعل قال الأول هو الله تعالى، وفاعل الثاني هو ابن مسعود. (فراش من ذهب) أي يغشاها فَرَاش من ذهب، والفَرَاش بفتح الفاء: الطير الذي يُلقِي نفسَهُ في ضوء السراج، واحدتها فَرَاشَة. كذا فَسَّرَ المبهم في قوله «ما يغشى» بالفراش، ووقع في رواية يزيد ابن أبي مالك عن أنس «جراد من ذهب» قال البيضاوي: وذكر الفراش وقع على سبيل التمثيل، لأن من شأن الشجر أن يسقط عليها الجراد وشبهه، وجعلها من الذهب لصفاء لونها وإضاءتها في نفسها. انتهى. وقال الحافظ: ويجوز أن يكون من الذهب حقيقة، ويخلق فيه الطَّيرَان، والقدرةُ صالحةٌ لذلك. اهـ جـ ٧ ص ٢٥٣. قال الجامع: وهذا الاحتمال الثاني هو المتعين، وما قاله البيضاوي غير صحيح عندي، لأن كلام الشارع إذا أمكن حمله على ظاهره لا يُعَدَلُ عنه إلى غيره إلا بدليل صارف عن ظاهره، فدَعوَى المجاز غير صحيح. والله أعلم. وفي حديث أبي سعيد وابن عباس: «يغشاها الملائكة»، وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: «على كل ورقة منه ملك» ووقع في رواية ثابت عن أنس عند مسلم «فلما غشيها من أمر الله تَغَيَّرَتْ فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها»، وفي رواية حميد عن أنس عند ابن مردويه نحوه، لكن قال: تحولت نَوْتًا ، ونحو ذلك. قاله في الفتح. (فأعطي) بالبناء للمفعول، وعند مسلم: «فأعطي رسول الله - ﷺ -»، وللترمذي: «فأعطاه الله عندها» أي عند سدرة المنتهى (ثلاثًا) أي خصالًا ثلاثًا، زاد الترمذي: «لم يُعطهنَّ نبيًا كان قبله». (الصلوات الخمس) بالنصب بدل من ثلاث، أو مفعولًا لفعل محذوف، كما بينته رواية مسلم «أعطي الصلوات الخمس» وهو الأوْلَى، لأن أولى ما تفسر به الرواية ما جاء في رواية أخرى، ويحتمل الرفع خَبَرًا لمحذوف، أي إحداها: الصلوات الخمس (وخواتيم سورة البقرة) كإعراب سابقه، ولمسلم: «وأعطي خواتيم سورة البقرة». قيل معنى قوله «أعطِيَ خواتيم سورة البقرة» أي أعطي إجابة دعواتها. قال الجامع: هذا المعنى غير صحيح، بل المعنى أنه أعطي هذه الخواتيم من ذلك المحَلِّ الأعلى، ففي رواية أحمد قال: حدثنا حسين، حدثنا شيبان، عن منصور، عن ربعي، عن خَرَشَةَ بن الحُرِّ، عن المعْرُور بن سُوَيد، عن أبي ذَرّ - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - «أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يُعْطَهُنَّ نبي قبلي». وأخرج أحمد أيضًا بسند حسن -كما قال الحافظ ابن كثير عن عُقْبَةَ ابن عامر الجُهَنِيّ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة، فإني أعطيتهما من كنز تحت العرش». إلى غير ذلك من الأحاديث. انظر «تفسير الحافظ ابن كثير» جـ ١ ص ٣٤٨، ٣٥١. قال العلامة السندي ﵀: كَأنَّ المراد أنه قَرَّرَ له إعطاءها، وأنه ستنزل عليك، ونحوه، وإلا فالآيات مدنيات. اهـ جـ ١ ص ٢٢٤. (يغفر) بالبناء للفاعل، والفاعل هو الله، أو للمفعول، وهو معطوف على ما قبله بتقدير حرف مصدريّ، أي أن يغفر، وحَذْفُ الحرف المصدري مع رفع الفعل جائز؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الروم: ٢٤] الآية، وقولهم «تسمعُ بالمعيدي خير من أن تراه» برفع تسمعُ وأما بنصبه فشاذّ؛ كما قال ابن مالك بعد ذكر مواضع حذف «أن» المصدرية قياسًا: ما نصه: وَشَذَّ حَذْفُ أنْ ونصْبٌ في سِوى … ما مَرَّ فاقْبَلْ مِنْه مَا عَدْلٌ رَوَى وخالف في ذلك الكوفيون فجعلوه قياسًا مع النصب. وجعل بعضهم الحذف مع الرفع شاذًا أيضا. انظر «حاشية الخضري على ابن عقيل» جـ ٢ ص ١١٩. قال الجامع: الراجح كون الحذف مع الرفع قياسيًا، لأن تخريج الآية على الوجه الشاذ غير صحيح، فتبصر. والله أعلم. والتقدير هنا: والغفران (لمن مات من أمته) - ﷺ - (لا يشرك بالله شيئًا) نكَّر شيئًا إشارةً إلى أن الشرك لا يغفر قليله وكثيره (المُقحِمَاتُ) بصيغة اسم الفاعل، والنصبِ مفعولًا ليغفر، أو بالرفع نائب فاعل له. ومعنى المُقحمَات: الذنوبُ العِظام التيُ تُقحمُ أصحابها النارَ، أي تدخلهم وتلقيهم فيها. قال النووي ﵀: المُقْحِمَاتُ: بضم الميم وإسكان القاف، وكسر الحاء؛ ومعناها الذنوب العظام الكبائر التي تُهلك أصحابها، وتوردهم النار، وتُقحمهم إياها، والتَّقَحُّمُ: الوقوع في المهالك. ومعنى الكلام أن من مات من هذه الأمة غير مشرك بالله غفر له المقحمات. قال: والمراد -والله أعلم- بغفرانها أنه لا يخلد في النار بخلاف المشركين، وليس المراد أنه لا يعذَّب أصلًا، فقد تقررت نصوص الشرع وإجماع أهل السنة على إثبات عذاب بعض العصاة من الموحدين. ويحتمل أن يكون المراد بهذا خصوصًا من الأمة، أي يغفر لبعض الأمة المقحمات، وهذا يظهر على مذهب من يقول: إن لفظة «مَنْ» لا تقتضي العموم مطلقًا، وعلى مذهب من يقول: لا تقتضيه في الأخبار، وإن اقتضته في الأمر والنهي، ويمكن تصحيحه على المذهب المختار، وهو كونها للعموم مطلقًا؛ لأنه قد قام دليل على إرادة الخصوص، وهو ما ذكرناه من النصوص والإجماع. انتهى كلام النووي. وقال العلامة السندي ﵀: ولعل المراد أن الله تعالى لا يؤاخذهم بكلها، بل لابد أن يغفر لهم بعضها، وإن شاء غفر لهم كلها، وقيل: المراد بالغفران أن لا يخلد صاحبها في النار، أو المراد الغفران لبعض الأمة، ولعله إن كان هناك تأويل فما ذكرتُ أقرب، وإلا فتفويض هذا الأمر إلى علمه تعالى أولى. والله أعلم. اهـ كلام السندي. قال الجامع: عندي أن ما تقدم في كلام النووي ﵀ من حمل «من» على الخصوص للأدلة المقتضية لذلك هو الأولى، جمعًا بين الأدلة. والحاصل أن المراد بالأمة بعضهم، فيغفر الله تعالى لبعض الأمة جميع ذنوبهم؛ صغائرها وكبائرها ما عدا الشركَ، قال الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] الآية، فبعض الأمة هم الذين شاء الله تعالى أن يغفر ذنوبهم جميعها. فتبصر. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ هذا أخرجه مسلم في صحيحه. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه ﵀ هنا، وفي «الكبرى» برقم (٣/ ٣١٥) بهذا السند. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول: أخرجه مسلم والترمذي؛ فأخرجه مسلم في «الإيمان» عن محمد بن عبد الله بن نمير، وزهير بن حرب -كلاهما عن عبد الله بن نمير- وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة -كلاهما عن مالك بن مِغْول، عن الزُّبير بن عَدِيّ، عن طلحة بن مُصَرّف، عن مُرَّة بن شَرَاحِيل، عنه. وأخرجه الترمذي في تفسير «سورة النجم» عن ابن أبي عُمَر، عن سفيان بن عيينة، عن مالك بن مغول، عن طلحة نحوه «لمَّا بَلَغَ رسولُ الله - ﷺ - سدرة المنتهى …» الحديث، ولم يذكر الزبير بن عدي. وقال: حسن صحيح. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: بيان ما أكرم الله به نبيه - ﷺ - من المعراج. ومنها: بيان محل سدرة المنتهى، وبيان وصفها. ومنها: بيان معنى قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾. [النجم: ١٦]. ومنها: بيان ما أكرِمَ به - ﷺ - حيث أعطي هذه الخصال الثلاث، ولم يعطهن أحد غيره. ومنها: بيان فضل الصلوات الخمس حيث فُرِضت في المحل الرفيع خلاف سائر الفرائض. ومنها: بيان فضل خواتيم سورة البقرة، وقد ورد في فضلها أحاديث صحاح: فمنها: ما أخرجه الشيخان من حديث ابن مسعود ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كَفَتَاه». ومنها: ما أخرجه الترمذي عن النُّعْمان بن بَشِير، عن النبي - ﷺ - قال: «إنَّ الله كَتَبَ كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يُقْرأ بهِنَّ في دار ثلاثَ ليال فَيقْرَبُها شيطانٌ». وصححه الحاكم على شرط مسلم. ومنها: ما أخرجه مسلم والنسائي، واللفظ له عن ابن عباس ﵄. قال: «بينا رسول الله - ﷺ -، وعنده جبريل إذ سمع نَقيضًا فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: هذا باب قد فُتِحَ مَن السماء ما فُتِحَ قَطُّ، قال: فنزل منه ملك، فأتى النبي - ﷺ - فقال له: أبشر بنورين قد أوتيتَهُمَا لم يُؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفًا منهما إلا أوتيته». ومنها: بيان ما أكرم الله به هذه الأمة؛ حيث إنه يغفر لها المُقْحِمَات غيرَ الشرك. وهذا فضل عظيم من رب كريم. نسأل الله ﷾ أن يجعلنا ممن يغفر لهم المقحمات بمنه وكرمه آمين. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
مصادر المؤلف (٢)

١. هكذا في «ت» «أبو عبد الله» والذي في «الخلاصة»، و«تت»، و«تهذيب الكمال»: أبو عدي، وأظن ما في «ت» مصحفًا منه. فتأمل.

٢. النَّوْت بفتح فسكون، كالنَّيْتِ: التَّمايُلُ من ضعف. قاله في «ق».